«حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٨٨٣

الحديث رقم ٣٨٨٣ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قصة أبي طالب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٨٨٣ في صحيح البخاري

«حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : قَالَ لِلنَّبِيِّ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.»

إسناد حديث رقم ٣٨٨٣ من صحيح البخاري

٣٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٨٨٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَالِبٍ بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا بِقَلِيلٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمَاتَ هُوَ وَخَدِيجَةُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَنَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُهُ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ. وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ اكْتَفَى بِإِيرَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي مِنْ ذَلِكَ كَالشَّرْحِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: قَالَ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَفِي ذَلِكَ الْقُدُومِ غَزَا حُنَيْنًا، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا الْحَدِيثَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ أَيْ صَادِرًا مِنْ مِنًى إِلَيْهَا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤٠ - بَاب قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ

٣٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ.

[الحديث ٣٨٨٣ - طرفاه في: ٦٥٧٢، ٦٢٠٨]

٣٨٨٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقال النبي : "لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [١١٣ التوبة] وَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [٥٦ القصص]

٣٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ"

[الحديث ٣٨٨٥ - طرفه في: ٦٥٦٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ) وَاسْمُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ عَبْدُ مَنَافٍ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ عِمْرَانَ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ نَقَلَهُ ابْنُ

تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ أَنَّ بَعْضَ الرَّوَافِضِ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ أَنَّ آلَ عِمْرَانَ هُمْ آلُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّ اسْمَ أَبِي طَالِبٍ، عِمْرَانُ وَاشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ. وَكَانَ شَقِيقَ عَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ أَوْصَى بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَيْهِ فَكَفَلَهُ إِلَى أَنْ كَبِرَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى نَصْرِهِ بَعْدَ أَنْ بُعِثَ إِلَى أَنْ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَكَانَ يَذُبُّ عَنِ النَّبِيِّ وَيَرُدُّ عَنْهُ كُلَّ مَنْ يُؤْذِيهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ مَعَ ذَلِكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ وَأَخْبَارُهُ فِي حِيَاطَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَمِمَّا اشْتُهِرَ مِنْ شِعْرِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا

وَقَوْلُهُ.

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نبزى مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُقَاتِلْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلِ

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ هُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ) يَعْنِي أَبَا طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَحُوطُكَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحِيَاطَةِ وَهِيَ الْمُرَاعَاةُ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ لَهُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ لَهُ عَضُدًا وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْأَذَى مَا لَمْ تَطْمَعْ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْتَهُ يَقُولُ: مَا نَالَتْنِي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (وَيَغْضَبُ لَكَ) يُشِيرُ إِلَى مَا كَانَ يَرُدُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ.

قَوْلُهُ: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ) بِمُعْجَمَتَيْنِ وَمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ اسْتِعَارَةٌ، فَإِنَّ الضَّحْضَاحَ مِنَ الْمَاءِ مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَا قَرُبَ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ ضِدُّ الْغَمْرَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ أَبَا طَالِبٍ، وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قِيلَ لِلنَّبِيِّ : هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ؟ قَالَ: أَخْرَجْتُهُ مِنَ النَّارِ إِلَى ضَحْضَاحٍ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ وَفِي آخِرِهِ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ وَالْمِرْجَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ الْإِنَاءُ الَّذِي يَغْلِي فِيهِ الْمَاءُ وَغَيْرُهُ، وَالْقُمْقُمُ بِضَمِّ الْقَافَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ الْأُولَى مَعْرُوفٌ وَهُوَ الَّذِي يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَذَا وَقَعَ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ، وَهَذَا أَوْضَحُ أَنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، وَقِيلَ: الْقُمْقُمُ هُوَ الْبُسْرُ كَانُوا يَغْلُونَهُ عَلَى النَّارِ اسْتِعْجَالًا لِنُضْجِهِ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ.

(تَنْبِيهٌ): فِي سُؤَالِ الْعَبَّاسِ عَنْ حَالِ أَبِي طَالِبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا تَقَارَبَ مِنْهُ الْمَوْتُ بَعْدَ أَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَأَبَى، قَالَ: فَنَظَرَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَأَصْغَى إِلَيْهِ فَقَالَ:

يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ طَرِيقُهُ صَحِيحًا لَعَارَضَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ. قُلْتُ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ الْحَدِيثَ. وَوَقَفْتُ عَلَى جُزْءٍ جَمَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الرَّفْضِ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَقَدْ لَخَّصْتُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ كِتَابِ الْإِصَابَةِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هُوَ ابْنُ غَيْلَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ حَزْنٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ أَيِ ابْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْغَرْغَرَةِ

قَوْلُهُ: (أُحَاجُّ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَأَصْلُهُ أُحَاجِجُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ: أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ امْتِنَاعِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ لِوُقُوعِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَهُ الْمُحَاجَجَةَ. وَأَمَّا لَفْظُ الشَّهَادَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ إِذْ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِّ فَطَيَّبَ قَلْبَهُ بِأَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِهَا فَيَنْفَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) أَيِ ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ، قَدْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَاسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِي غَزَاةِ حُنَيْنٍ.

قَوْلُهُ: (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أَمَّا نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَوَاضِحٌ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا نُزُولُ الَّتِي قَبْلَهَا فَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالِاسْتِغْفَارِ نَزَلَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِمُدَّةٍ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ. وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَيُضَعِّفُ مَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَسْعُودِيِّ (١) أَنَّهُ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: عَنْ يَزِيدَ بِهَذَا أَيِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ إِلَّا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) أَيِ الْمَدَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمْ، وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمَدَنِيِّينَ، وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ غَيْرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ أَقْرَانِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ الْهَادِ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ: أَبُو طَالِبٍ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الذَّاكِرَ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّهُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ تَابِعًا لِرَسُولِ اللَّهِ بِجُمْلَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَمَرَّ ثَابِتَ الْقَدَمِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَسُلِّطَ الْعَذَابُ عَلَى قَدَمَيْهِ خَاصَّةً لِتَثْبِيتِهِ إِيَّاهُمَا عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَالِبٍ بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا بِقَلِيلٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمَاتَ هُوَ وَخَدِيجَةُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَنَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُهُ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ. وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ اكْتَفَى بِإِيرَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي مِنْ ذَلِكَ كَالشَّرْحِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: قَالَ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَفِي ذَلِكَ الْقُدُومِ غَزَا حُنَيْنًا، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا الْحَدِيثَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ أَيْ صَادِرًا مِنْ مِنًى إِلَيْهَا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤٠ - بَاب قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ

٣٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ.

[الحديث ٣٨٨٣ - طرفاه في: ٦٥٧٢، ٦٢٠٨]

٣٨٨٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقال النبي : "لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [١١٣ التوبة] وَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [٥٦ القصص]

٣٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ"

[الحديث ٣٨٨٥ - طرفه في: ٦٥٦٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ) وَاسْمُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ عَبْدُ مَنَافٍ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ عِمْرَانَ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ نَقَلَهُ ابْنُ

تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ أَنَّ بَعْضَ الرَّوَافِضِ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ أَنَّ آلَ عِمْرَانَ هُمْ آلُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّ اسْمَ أَبِي طَالِبٍ، عِمْرَانُ وَاشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ. وَكَانَ شَقِيقَ عَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ أَوْصَى بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَيْهِ فَكَفَلَهُ إِلَى أَنْ كَبِرَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى نَصْرِهِ بَعْدَ أَنْ بُعِثَ إِلَى أَنْ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَكَانَ يَذُبُّ عَنِ النَّبِيِّ وَيَرُدُّ عَنْهُ كُلَّ مَنْ يُؤْذِيهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ مَعَ ذَلِكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ وَأَخْبَارُهُ فِي حِيَاطَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَمِمَّا اشْتُهِرَ مِنْ شِعْرِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا

وَقَوْلُهُ.

كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نبزى مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُقَاتِلْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلِ

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ هُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ) يَعْنِي أَبَا طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَحُوطُكَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْحِيَاطَةِ وَهِيَ الْمُرَاعَاةُ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ لَهُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ لَهُ عَضُدًا وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْأَذَى مَا لَمْ تَطْمَعْ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْتَهُ يَقُولُ: مَا نَالَتْنِي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (وَيَغْضَبُ لَكَ) يُشِيرُ إِلَى مَا كَانَ يَرُدُّ بِهِ عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ.

قَوْلُهُ: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ) بِمُعْجَمَتَيْنِ وَمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ اسْتِعَارَةٌ، فَإِنَّ الضَّحْضَاحَ مِنَ الْمَاءِ مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَا قَرُبَ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ ضِدُّ الْغَمْرَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ لَهُ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ أَبَا طَالِبٍ، وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قِيلَ لِلنَّبِيِّ : هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ؟ قَالَ: أَخْرَجْتُهُ مِنَ النَّارِ إِلَى ضَحْضَاحٍ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ وَفِي آخِرِهِ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ وَالْمِرْجَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ الْإِنَاءُ الَّذِي يَغْلِي فِيهِ الْمَاءُ وَغَيْرُهُ، وَالْقُمْقُمُ بِضَمِّ الْقَافَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ الْأُولَى مَعْرُوفٌ وَهُوَ الَّذِي يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَذَا وَقَعَ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ، وَهَذَا أَوْضَحُ أَنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، وَقِيلَ: الْقُمْقُمُ هُوَ الْبُسْرُ كَانُوا يَغْلُونَهُ عَلَى النَّارِ اسْتِعْجَالًا لِنُضْجِهِ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ.

(تَنْبِيهٌ): فِي سُؤَالِ الْعَبَّاسِ عَنْ حَالِ أَبِي طَالِبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ فِيهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا تَقَارَبَ مِنْهُ الْمَوْتُ بَعْدَ أَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَأَبَى، قَالَ: فَنَظَرَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَأَصْغَى إِلَيْهِ فَقَالَ:

يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ طَرِيقُهُ صَحِيحًا لَعَارَضَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ. قُلْتُ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ الْحَدِيثَ. وَوَقَفْتُ عَلَى جُزْءٍ جَمَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الرَّفْضِ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَقَدْ لَخَّصْتُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ كِتَابِ الْإِصَابَةِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هُوَ ابْنُ غَيْلَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ حَزْنٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ أَيِ ابْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْغَرْغَرَةِ

قَوْلُهُ: (أُحَاجُّ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَأَصْلُهُ أُحَاجِجُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ: أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ امْتِنَاعِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ لِوُقُوعِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَهُ الْمُحَاجَجَةَ. وَأَمَّا لَفْظُ الشَّهَادَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ إِذْ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِّ فَطَيَّبَ قَلْبَهُ بِأَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِهَا فَيَنْفَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ إِلَّا جَزَعُ الْمَوْتِ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) أَيِ ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ، قَدْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَاسْتُشْهِدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِي غَزَاةِ حُنَيْنٍ.

قَوْلُهُ: (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أَمَّا نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَوَاضِحٌ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا نُزُولُ الَّتِي قَبْلَهَا فَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالِاسْتِغْفَارِ نَزَلَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِمُدَّةٍ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ. وَأَنْزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَيُضَعِّفُ مَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَسْعُودِيِّ (١) أَنَّهُ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: عَنْ يَزِيدَ بِهَذَا أَيِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ إِلَّا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) أَيِ الْمَدَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمْ، وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمَدَنِيِّينَ، وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ غَيْرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ أَقْرَانِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ الْهَادِ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ: أَبُو طَالِبٍ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الذَّاكِرَ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّهُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ تَابِعًا لِرَسُولِ اللَّهِ بِجُمْلَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَمَرَّ ثَابِتَ الْقَدَمِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَسُلِّطَ الْعَذَابُ عَلَى قَدَمَيْهِ خَاصَّةً لِتَثْبِيتِهِ إِيَّاهُمَا عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله