الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٠٥
الحديث رقم ٣٩٠٥ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٥٩⦘
عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ ﷿، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ، وَهُوَ الْخَبَطُ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِالثَّمَنِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجَهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيًا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ
⦗٦٠⦘
غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.»
٣٩٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ أَيْ: مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ، فَالْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ مِنْهَا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَخَشِيَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَن يَبْقَى فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَنْقَطِعُ لِانْقِطَاعِ مُوجِبِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ وَاجِبَةً وَأَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ سَعْدًا) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِقُرَيْشٍ الَّذِينَ أَحْوَجُوا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ وَطَنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْعَطَّارُ .. إِلَخْ) يَعْنِي أَنَّ أَبَانَ وَافَقَ ابْنَ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَفْصَحَ بِتَعْيِينِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُبْهِمُوا وَأَنَّهُمْ قُرَيْشٌ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ قُرَيْظَةُ، ثُمَّ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ: هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ بِالظَّنِّ الْخَائِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا تَفَرَّدَ أَبَانُ بِذِكْرِ قُرَيْشٍ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ سَعْدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي لَهُ .. الْحَدِيثَ، وَأَيْضًا فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اقْتَصَرَ الدَّاوُدِيُّ، عَلَى النَّظَرِ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قُرَيْشٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ، وَأَمَّا قُرَيْظَةُ فَلَا.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ حَسَّانَ.
قَوْلُهُ: (فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) هَذَا أَصَحُّ مِمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ عَشْرًا، وَأَصَحُّ مِمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِقَامَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ كَانَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ هُنَا: (فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ) أَيْ أَقَامَ مُهَاجِرًا عَشْرَ سِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ فِيهِ: (فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَلَاذُرِيِّ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا يُبْكِيكَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
٣٩٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَأَنَا لَكَ جَارٌ ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ،
فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟! فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ وَلَا
يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا بمُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ ﷿. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ. فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ - وَهُوَ الْخَبَطُ - أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِالثَّمَنِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا
أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاق، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيَا خِرِّيتًا - وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
قَوْلُهُ: (لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ) يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ.
قَوْلُهُ: (يَدِينَانِ الدِّينَ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ يَدِينَانِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ) أَيْ بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ لَمَّا حَصَرُوا بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ وَأَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ) أَيْ لِيَلْحَقَ بِمَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْحَبَشَةِ أَوَّلًا سَارُوا إِلَى جِدَّةَ وَهِيَ سَاحِلُ مَكَّةَ لِيَرْكَبُوا مِنْهَا الْبَحْرَ إِلَى الْحَبَشَةِ.
قَوْلُهُ: (بَرْكَ الْغِمَادِ) أَمَّا بَرْكُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا كَافٌ وَحُكِيَ كَسْرُ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا الْغِمَادُ فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُضَمُّ وَبِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ فِيهَا ضَمَّ الْغَيْنِ، مَوْضِعٌ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ، وَقَالَ الْبَكْرِيُّ: هِيَ أَقَاصِي هَجَرَ، وَحَكَى الْهَمْدَانِيُّ فِي أَنْسَابِ الْيَمَنِ: هُوَ فِي أَقْصَى الْيَمَنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَحَامِلِيِّ وَفِيهِ زُهَاءُ أَلْفٍ، فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ حَدِيثًا فِيهِ: فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لَوْ دَعَوْتَنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ قَالَهَا بِالْكَسْرِ، فَقُلْتُ لِلْمُسْتَمْلِي: هُوَ بِالضَّمِّ، فَذَكَرَ لَهُ ذَاكَ، فَقَالَ لِي: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ بُقْعَةٌ فِي جَهَنَّمَ. فَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَكَذَا فِي كِتَابِي عَلَى الْغَيْنِ ضَمَّةٌ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
وَإِذَا تَنَكَّرَتِ الْبِلَادُ … فَأَوْلِهَا كَنَفَ الْبِعَادْ
وَاجْعَلْ مَقَامَكَ أَوْ مَقَرَّكَ … جَانِبَيْ بَرْكِ الْغِمَادْ
لَسْتَ ابْنَ أُمِّ الْقَاطِنِينَ … وَلَا ابْنَ عَمٍّ لِلْبِلَادْ
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَسَأَلْتُ أَبَا عُمَرَ - يَعْنِي غُلَامَ ثَعْلَبٍ - فَقَالَ: هُوَ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ، قَالَ: وَمَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ أَوَّلُهُ بِالْكَسْرِ لَكِنْ آخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ عِنْدَ بِئْرِ بَرَهُوتَ الّقَالُ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ تَكُونُ فِيهَا. اهـ
وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فَقَالَ: الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ. وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فَلَا يُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: جَهَنَّمَ عَلَى مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَرَهُوتَ مَأْوَى أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ الدُّغُنَّةِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعِنْدَ الرُّوَاةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، قَالَ الْأَصِيلِيُّ: وَقَرَأَهُ لَنَا الْمَرْوَزِيُّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ ذَلِكَ كَانَ لِاسْتِرْخَاءٍ فِي لِسَانِهِ، وَالصَّوَابُ الْكَسْرُ، وَثَبَتَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ طَرِيقٍ، وَهِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ: أُمُّ أَبِيهِ. وَقِيلَ: دَابَّتُهُ، وَمَعْنَى الدُّغُنَّةِ الْمُسْتَرْخِيَةُ وَأَصْلُهَا الْغَمَامَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَطَرِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَعِنْدَ الْبَلَاذُرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ اسْمَهُ مَالِكٌ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سَمَّاهُ رَبِيعَةَ بْنَ رُفَيْعٍ ; وَهُوَ وَهَمٌ مِنَ الْكَرْمَانِيِّ فَإِنَّ رَبِيعَةَ الْمَذْكُورَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الدُّغُنَّةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ سُلَمِيٌّ، وَالْمَذْكُورُ هُنَا مِنَ الْقَارَةِ فَاخْتَلَفَا، وَأَيْضًا السُّلَمِيُّ إِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَأَنَّهُ صَحَابِيٌّ قَتَلَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ. وَفِي الصَّحَابَةِ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الدُّغُنَّةِ لَكِنِ اسْمُهُ حَابِسٌ وَهُوَ كَلْبِيٌّ، لَهُ قِصَّةٌ فِي سَبَبِ إِسْلَامِهِ وَأَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنَ الْجِنِّ فَقَالَ لَهُ: يَا حَابِسُ بْنَ دَغِنَةَ يَا حَابِسُ فِي أَبْيَاتٍ، وَهُوَ مِمَّا يُرَجِّحُ رِوَايَةَ التَّخْفِيفِ فِي الدَّغِنَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ) بِالْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ بَنِي الْهُونِ، بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ، ابْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلَ فِي قُوَّةِ الرَّمْيِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا
قَوْلُهُ: (أَخْرَجَنِي قَوْمِي) أَيْ تَسَبَّبُوا فِي إِخْرَاجِي.
قَوْلُهُ: (فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، لَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ طَوَى عَنِ ابْنِ الدَّغِنَةِ تَعْيِينَ جِهَةِ مَقْصِدِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ كَافِرًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَصَدَ التَّوَجُّهَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي قَصَدَهَا حَتَّى يَسِيرَ فِي الْأَرْضِ وَحْدَهُ زَمَانًا فَيَصْدُقُ أَنَّهُ سَائِحٌ، لَكِنْ حَقِيقَةَ السِّيَاحَةِ أَنْ لَا يَقْصِدَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ يَسْتَقِرُّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْمُعْدَمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَفِي مُوَافَقَةِ وَصْفِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، لِأَبِي بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا وَصَفَتْ بِهِ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَاتِّصَافِهِ بِالصِّفَاتِ الْبَالِغَةِ فِي أَنْوَاعِ الْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا لَكَ جَارٌ) أَيْ مُجِيرٌ، أَمْنَعُ مَنْ يُؤْذِيكَ.
قَوْلُهُ: (فَرَجَعَ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ (وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنِ الدَّغِنَةِ) وَقَعَ فِي الْكَفَالَةِ وَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَالْمُرَادُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مُطْلَقُ الْمُصَاحَبَةِ، وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ) أَيْ مِنْ وَطَنِهِ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي لِأَهْلِ بَلَدِهِ (وَلَا يُخْرَجُ) أَيْ وَلَا يُخْرِجُهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ لَا يُمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقَالِ عَنِ الْبَلَدِ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ رَاجِحَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَكْذِبْ قُرَيْشٌ) أَيْ لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي أَمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَكُلُّ مَنْ كَذَبَكَ فَقَدْ رَدَّ قَوْلَكَ، فَأَطْلَقَ التَّكْذِيبَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَّالةِ بِلَفْظِ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَآمَّنَتْ أَبَا بَكْرٍ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ مَا ذَكَرَه ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ وَسُؤَالِهِ حِينَ رَجَعَ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي جِوَارِهِ فَاعْتَذَرَ بِأَنّفٌ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي زُهْرَةَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ ابْنَ الدَّغِنَةِ رَغِبَ فِي إِجَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْأَخْنَسُ لَمْ يَرْغَبْ فِيمَا الْتَمَسَ مِنْهُ فَلَمْ يُثَرِّبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِضَمِّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ. قَوْلُهُ:
(مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ) دَخَلَتِ الْفَاءُ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ لَا يَخْفَى تَقْدِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ) تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ بِلَفْظِ فَطَفِقَ أَيْ جَعَلَ، وَلَمْ يَقَعْ لِي بَيَانُ الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ غَيْرُ الرَّأْيِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (بِفِنَاءِ دَارِهِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ أَيْ أَمَامَهَا.
قَوْلُهُ: (فَيَتقَذِفُ) بِالْمُثَنَّاةِ وَالْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَة الثَّقِيلَةِ، تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ بِلَفْظِ فَيَتَقَصَّفَ أَيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَكَادَ يَنْكَسِرُ، وَأَطْلَقَ يَتَقَصَّفُ مُبَالَغَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هذا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَأَمَّا يَتَقَذَّفُ فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَذْفِ أَيْ يَتَدَافَعُونَ فَيَقْذِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ يَسْقُطُ.
قَوْلُهُ: (بَكَّاءً) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَثِيرُ الْبُكَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ) أَيْ لَا يُطِيقُ إِمْسَاكَهُمَا عَنِ الْبُكَاءِ مِنْ رِقَّةِ قَلْبِهِ. وَقَوْلُهُ: (إِذَا قَرَأَ) إِذَا ظَرْفِيَّةٌ وَالْعَامِلُ فِيهِ: لَا يَمْلِكُ، أَوْ هِيَ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَزَاءُ مُقَدَّرٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَفْزَعَ ذَلِكَ) أَيْ أَخَافَ الْكُفَّارَ لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ رِقَّةِ قُلُوبِ النِّسَاءِ وَالشَّبَابِ أَنْ يَمِيلُوا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَدِمَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِلُهُ أَبُو بَكْرٍ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ أَنْ يُفْتَنَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ نِسَاؤُنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (أَجَرْنَا) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْقَابِسِيِّ بِالزَّايِ: أَيْ أَبَحْنَا لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَالْأَلِفُ مَقْصُورَةٌ فِي الرِّوَايَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْأَلْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَسَلْهُ.
قَوْلُهُ: (ذِمَّتُكَ) أَيْ أَمَانُكَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (نُخْفِرَكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ نَغْدِرُ بِكَ، يُقَالُ: خَفَرَهُ إِذَا حَفِظَهُ، وَأَخْفَرَهُ إذا غَدَرَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ) أَيْ لَا نَسْكُتُ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنَ الْخَشْيَةِ عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ) أَيْ أَمَانُهُ وَحِمَايَتُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالْأَشَدِّ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةُ يَقِينِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ) فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ قَدِ امْتَازَ بِهَا عَمَّنْ سِوَاهُ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ) هَذَا مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، وَالْحَرَّةُ أَرْضٌ حِجَارَتُهَا سُودٌ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَا غَيْرُ الرُّؤْيَا السَّابِقَةِ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّتِي تَرَدَّدَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَبَقَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ دَارَ الْهِجْرَةِ بِصِفَةٍ تَجْمَعُ الْمَدِينَةَ وَغَيْرَهَا، ثُمَّ أُرِيَ الصِّفَةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالْمَدِينَةِ فَتَعَيَّنَتْ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيْ لَمَّا سَمِعُوا بِاسْتِيطَانِ الْمُسْلِمِينَ الْمَدِينَةَ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ فَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْمَدِينَةِ مُعْظَمُهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ؛ لِأَنَّ جَعْفَرًا وَمَنْ مَعَهُ تَخَلَّفُوا فِي الْحَبَشَةِ، وَهَذَا السَّبَبُ فِي مَجِيءِ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ غَيْرُ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي مَجِيءِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ أَيْضًا فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ بِسَبَبِ سُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ، فَشَاعَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا وَسَجَدُوا فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ فَوَجَدُوهُمْ أَشَدَّ مَا كَانُوا كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ.
قَوْلُهُ: (وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ بِلَفْظِ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، وَالْمَعْنَى أَرَادَ الْخُرُوجَ طَالِبًا لِلْهِجْرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عَلَى مَهْلِكَ، وَالرِّسْلُ السَّيْرُ الرَّفِيقُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ: اصْبِرْ.
قَوْلُهُ: (وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ) لَفْظُ أَنْتَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ بِأَبِي أَيْ مُفَدًّى بِأَبِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ تَأْكِيدًا لِفَاعِلِ تَرْجُو، وَبِأَبِي قَسَمٌ.
قَوْلُهُ: (فَحَبَسَ نَفْسَهُ) أَيْ مَنَعَهَا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَانْتَظَرَهُ أَبُو
بَكْرٍ ﵁.
قَوْلُهُ: (وَرَقُ السَّمُرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْخَبَطُ) مُدْرَجٌ أَيْضًا فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، وَيُقَالُ: السَّمُرُ شَجَرَةُ أُمِّ غَيْلَانِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا لَهُ ظِلٌّ ثَخِينٌ، وَقِيلَ: السَّمُرُ وَرَقُ الطَّلْحِ وَالْخَبَطُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَا يُخْبَطُ بِالْعَصَا فَيَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ. قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فِيهِ بَيَانُ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ ابْتِدَاءِ هِجْرَةِ الصَّحَابَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ هِجْرَتِهِ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنِ هِجْرَتِهِ ﷺ شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ شَهْرٍ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ .. إِلَخْ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَقَدْ أَفْرَدَهُ ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَضْمُومًا إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا أَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أَيْ أَوَّلَ الزَّوَالِ وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ فِي حَرَارَةِ النَّهَارِ، وَالْغَالِبُ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ الْقَيْلُولَةُ فِيهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينَا بِمَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ جَاءَنَا فِي الظَّهِيرَةِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (هَذَا رَسُولُ اللَّهِ مُتَقَنِّعًا) أَيْ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا أَنَا وَأَسْمَاءُ. قِيلَ: فِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَلْبَسْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ التَّقَنُّعَ يُخَالِفُ التَّطَليْسَ، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ التَّقَنُّعَ عَادَةً بَلْ لِلْحَاجَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ أَخْرَجَهُ بِهِ، وَفِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا ذُكِرَ الطَّيْلَسَانُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَذَا ثَوْبٌ لَا يُؤَدَّى شُكْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فِدَا لَهُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْقَصْرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِدَاءٌ بِالْمَدِّ.
قَوْلُهُ: (مَا جَاءَ بِهِ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ إِنْ جَاءَ بِهِ إِنْ هِيَ النَّافِيَةُ بِمَعْنَى مَا، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ إِلَّا أَمْرٌ حَدَثَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ) أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ كَمَا فَسَّرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، فَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: لَا عَيْنَ عَلَيْكَ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ. وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنِّي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ.
قَوْلُهُ: (الصَّحَابَةَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أُرِيدُ الْمُصَاحَبَةَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي، وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَقَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَةُ.
قَوْلُهُ: (إِحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ. قَالَ: بِالثَّمَنِ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ هُوَ لِي. قَالَ: فَهُوَ لَكَ، قَالَ: لَا وَلَكِنْ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَعْتَهَا بِهِ. قَالَ: أَخَذْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَخَذْتُهَا بِذَلِكَ. قَالَ: هِيَ لَكَ. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَالَ: بِثَمَنِهَا يَا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ: بِثَمَنِهَا إِنْ شِئْتَ. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَخْذِ الرَّاحِلَةِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالَهُ، فَقَالَ: أَحَبَّ أَنْ لَا تَكُونَ هِجْرَتُهُ إِلَّا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الثَّمَنَ ثَمَانِمِائَةٍ وَأَنَّ الَّتِي أَخَذَهَا رسول اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِي بَكْرٍ هِيَ الْقَصْوَاءُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نِعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ، وَأَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَلِيلًا وَمَاتَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ مُرْسَلَةً تَرْعَى بِالْبَقِيعِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهَا الْجَذْعَاءُ، وَكَانَتْ مِنْ إِبِلِ بَنِي الْحَرِيشِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا الْجَذْعَاءُ.
قَوْلُهُ: (أَحَثَّ الْجَهَازَ) أَحَثَّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْحَثِّ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ أَحَبَّ بِالْمُوَحَّدَةِ،
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَالْجَهَازُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَقَدْ تُكْسَرُ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْكَسْرَ - وَهُوَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ) أَيْ زَادًا فِي جِرَابٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَ السُّفْرَةِ فِي اللُّغَةِ الزَّادُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمُسَافِرِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي وِعَاءِ الزَّادِ، وَمِثْلُهُ الْمَزَادَةُ لِلْمَاءِ، وَكَذَلِكَ الرَّاوِيَةُ. فَاسْتُعْمِلَتِ السُّفْرَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّفْرَةِ شَاةٌ مَطْبُوخَةٌ.
قَوْلُهُ: (ذَاتُ النِّطَاقِ) بِكَسْرِ النُّونِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ النِّطَاقَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَالنِّطَاقُ مَا يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ، وَقِيلَ: هُوَ إِزَارٌ فِيهِ تِكَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ تَشُدُّ وَسَطَهَا بِحَبْلٍ ثُمَّ تُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْهَرَوِيُّ. قَالَ: وَسُمِّيَتْ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجْعَلُ نِطَاقًا عَلَى نِطَاقٍ. وَقِيلَ: كَانَ لَهَا نِطَاقَانِ تَلْبَسُ أَحَدَهُمَا وَتَجْعَلُ فِي الْآخَرِ الزَّادَ. اهـ. وَالْمَحْفُوظُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا شَقَّتْ نِطَاقَهَا نِصْفَيْنِ فَشَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا الزَّادَ وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الْآخَرِ، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَهَا: ذَاتُ النِّطَاقِ وَذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، فَالتَّثْنِيَةُ وَالْإِفْرَادُ بِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ شَقَّتْ نِطَاقَهَا فَأَوْكَأَتْ بِقِطْعَةٍ مِنْهُ الْجِرَابَ وَشَدَّتْ فَمَ الْقِرْبَةِ بِالْبَاقِي فَسُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ، ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُخُولَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى الْخُوَارَزْمِيَّ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. قُلْتُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخُرُوجَهُ مِنَ الْغَارِ كَانَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَهِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةُ السَّبْتِ وَلَيْلَةُ الْأَحَدِ، وَخَرَجَ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فَرَكِبَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهُوَ ثَوْرٌ، فَتَوَارَيَا فِيهِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَرَقَدَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُوَرِّي عَنْهُ، وَبَاتَتْ قُرَيْشٌ تَخْتَلِفُ وَتَأْتَمِرُ أَيُّهُمْ يَهْجُمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ، حَتَّى أَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ ; فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي، فَعَلِمُوا أَنَّهُ فَرَّ مِنْهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ لَا يَبِيتُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَدَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى فِرَاشِهِ وَيُسَجَّى بِبُرْدِهِ الْأَخْضَرِ، فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ وَمَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ يَنْثُرُهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَقْرَأُ يس إِلَى: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾
وَذَكَرَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .. الْآيَةَ، قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ. يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ. فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ - النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسِبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ، يَعْنِي يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَقُومُ فَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَرَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلِمَا بَلَغُوا الْجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ فَمَرُّوا بِالْغَارِ فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْحَجِّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرَ، ثُمَّ إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ وَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ يُوَرِّي عَنْهُ، وَبَاتَتْ قُرَيْشٌ يَخْتَلِفُونَ وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَهْجِمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَخَرَجُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَهُ.
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ شَيْخِ النَّسَائِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ فِي قِصَّةِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا فِي أَثَرِهِمَا قَائِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَرَأَى كُرْزُ بْنُ
عَلْقَمَةَ عَلَى الْغَارِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ: هَاهُنَا انْقَطَعَ الْأَثَرُ. وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرَ، وَسَمَّاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَغَيْرِهِ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ. وَقِصَّةُ سُرَاقَةَ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ حَدِيثُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (فَكَمَنَا فِيهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا أَيِ اخْتَفِيَا.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ لَيَالٍ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَيْلَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَحْسِبْ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَلْحَةَ النَّضْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَبِثْتُ مَعَ صَاحِبِي - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - فِي الْغَارِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا ثَمَرُ الْبَرِيرِ. قَالَ الْحَاكِمُ: مَعْنَاهُ مَكَثْنَا مُخْتَفِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْغَارِ وَفِي الطَّرِيقِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
قُلْتُ: لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ذِكْرُ الْغَارِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْهِجْرَةِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَرَاهُ مِنْ أَنَّ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ كَانَ يَرُوحُ عَلَيْهِمَا فِي الْغَارِ بِاللَّبَنِ، وَلِمَا وَقَعَ لَهُمَا فِي الطَّرِيقِ مِنْ لَقْيِ الرَّاعِي كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمِنَ النُّزُولِ بِخَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَيْلَةَ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَارِ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ سَاعَةً وَمِنْ خَلْفِهِ سَاعَةً، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَذْكُرُ الطَّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَكَ، وَأَذْكُرُ الرَّصَدَ فَأَمْشِي أَمَامَكَ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ تُقْتَلَ دُونِي؟ قَالَ: أَيْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْغَارِ قَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارِ، فَاسْتَبْرَأَهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ مِنْ زِيَادَاتِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بَلَاغًا نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَهُوَ وَهَمٌ.
قَوْلُهُ: (ثَقِفٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا، وَبَعْدَهَا فَاءٌ: الْحَاذِقُ، تَقُولُ: ثَقِفْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَقَمْتَ عِوَجَهُ.
قَوْلُهُ: (لَقِنٌ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا نُونٌ: اللَّقِنُ السَّرِيعُ الْفَهْمِ.
قَوْلُهُ: (فَيَدَّلِجُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ بَعْدَهَا جِيمٌ، أَيْ يَخْرُجُ بِسَحَرٍ إِلَى مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ) أَيْ مِثْلَ الْبَائِتِ، يَظُنُّهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ لِشِدَّةِ رُجُوعِهِ بِغَلَسٍ.
قَوْلُهُ: (يُكْتَادَانِ بِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُكَادَانِ بِهِ بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ أَيْ يُطْلَبُ لَهُمَا فِيهِ الْمَكْرُوهُ، وَهُوَ مِنَ الْكَيْدِ.
قَوْلُهُ: (عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الشِّرَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَاهُ مِنَ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ، فَأَسْلَمَ، فَأَعْتَقَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْحَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي الْهِبَةِ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ شَاةٍ. وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ الْغَنَمَ كَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يَرُوحُ عَلَيْهِمَا بِالْغَنَمِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَحْلُبَانِ، ثُمَّ تَسْرَحُ بُكْرَةً فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ فَلَا يُفْطَنُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي رِسْلٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ: اللَّبَنُ الطَّرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَرَضِيفُهُمَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ رَغِيفٍ أَيِ اللَّبَنُ الْمَرْضُوفُ أَيِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهِ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ بِالشَّمْسِ أَوِ النَّارِ لِيَنْعَقِدَ وَتَزُولَ رَخَاوَتُهُ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرٌ) يَنْعِقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَصِيحُ بِغَنَمِهِ، وَالنَّعِيقُ صَوْتُ الرَّاعِي إِذَا زَجَرَ الْغَنَمَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُسْمِعُهُمَا صَوْتَهُ إِذَا زَجَرَ غَنَمَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ يَسْرَحُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ كَبَائِتٍ فَلَا يُفْطَنُ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَكَانَ عَامِرٌ أَمِينًا مُؤْتَمَنًا حَسَنَ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَنِي الدِّيلِ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مَهْمُوزٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ) أَيِ ابْنُ الدِّيلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَيُقَالُ: مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ، وَوَقَعَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، تَهْذِيبِ ابْنِ هِشَامٍ: اسْمُهُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ أَيْ: مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ، فَالْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ مِنْهَا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَخَشِيَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَن يَبْقَى فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَنْقَطِعُ لِانْقِطَاعِ مُوجِبِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ وَاجِبَةً وَأَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ سَعْدًا) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِقُرَيْشٍ الَّذِينَ أَحْوَجُوا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ وَطَنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْعَطَّارُ .. إِلَخْ) يَعْنِي أَنَّ أَبَانَ وَافَقَ ابْنَ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَفْصَحَ بِتَعْيِينِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُبْهِمُوا وَأَنَّهُمْ قُرَيْشٌ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ قُرَيْظَةُ، ثُمَّ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ: هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ بِالظَّنِّ الْخَائِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا تَفَرَّدَ أَبَانُ بِذِكْرِ قُرَيْشٍ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ سَعْدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي لَهُ .. الْحَدِيثَ، وَأَيْضًا فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اقْتَصَرَ الدَّاوُدِيُّ، عَلَى النَّظَرِ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قُرَيْشٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ، وَأَمَّا قُرَيْظَةُ فَلَا.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ حَسَّانَ.
قَوْلُهُ: (فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) هَذَا أَصَحُّ مِمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ عَشْرًا، وَأَصَحُّ مِمَّا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِقَامَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ كَانَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ هُنَا: (فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ) أَيْ أَقَامَ مُهَاجِرًا عَشْرَ سِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ فِيهِ: (فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَلَاذُرِيِّ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا يُبْكِيكَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
٣٩٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَأَنَا لَكَ جَارٌ ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ،
فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟! فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ وَلَا
يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا بمُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ ﷿. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ. فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ - وَهُوَ الْخَبَطُ - أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِالثَّمَنِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا
أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاق، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيَا خِرِّيتًا - وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
قَوْلُهُ: (لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ) يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ.
قَوْلُهُ: (يَدِينَانِ الدِّينَ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ يَدِينَانِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ) أَيْ بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ لَمَّا حَصَرُوا بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ وَأَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ) أَيْ لِيَلْحَقَ بِمَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْحَبَشَةِ أَوَّلًا سَارُوا إِلَى جِدَّةَ وَهِيَ سَاحِلُ مَكَّةَ لِيَرْكَبُوا مِنْهَا الْبَحْرَ إِلَى الْحَبَشَةِ.
قَوْلُهُ: (بَرْكَ الْغِمَادِ) أَمَّا بَرْكُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا كَافٌ وَحُكِيَ كَسْرُ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا الْغِمَادُ فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُضَمُّ وَبِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ فِيهَا ضَمَّ الْغَيْنِ، مَوْضِعٌ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ، وَقَالَ الْبَكْرِيُّ: هِيَ أَقَاصِي هَجَرَ، وَحَكَى الْهَمْدَانِيُّ فِي أَنْسَابِ الْيَمَنِ: هُوَ فِي أَقْصَى الْيَمَنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَحَامِلِيِّ وَفِيهِ زُهَاءُ أَلْفٍ، فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ حَدِيثًا فِيهِ: فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لَوْ دَعَوْتَنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ قَالَهَا بِالْكَسْرِ، فَقُلْتُ لِلْمُسْتَمْلِي: هُوَ بِالضَّمِّ، فَذَكَرَ لَهُ ذَاكَ، فَقَالَ لِي: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ بُقْعَةٌ فِي جَهَنَّمَ. فَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَكَذَا فِي كِتَابِي عَلَى الْغَيْنِ ضَمَّةٌ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
وَإِذَا تَنَكَّرَتِ الْبِلَادُ … فَأَوْلِهَا كَنَفَ الْبِعَادْ
وَاجْعَلْ مَقَامَكَ أَوْ مَقَرَّكَ … جَانِبَيْ بَرْكِ الْغِمَادْ
لَسْتَ ابْنَ أُمِّ الْقَاطِنِينَ … وَلَا ابْنَ عَمٍّ لِلْبِلَادْ
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَسَأَلْتُ أَبَا عُمَرَ - يَعْنِي غُلَامَ ثَعْلَبٍ - فَقَالَ: هُوَ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ، قَالَ: وَمَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ أَوَّلُهُ بِالْكَسْرِ لَكِنْ آخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ عِنْدَ بِئْرِ بَرَهُوتَ الّقَالُ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ تَكُونُ فِيهَا. اهـ
وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فَقَالَ: الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ. وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فَلَا يُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: جَهَنَّمَ عَلَى مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَرَهُوتَ مَأْوَى أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ الدُّغُنَّةِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعِنْدَ الرُّوَاةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، قَالَ الْأَصِيلِيُّ: وَقَرَأَهُ لَنَا الْمَرْوَزِيُّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ ذَلِكَ كَانَ لِاسْتِرْخَاءٍ فِي لِسَانِهِ، وَالصَّوَابُ الْكَسْرُ، وَثَبَتَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ طَرِيقٍ، وَهِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ: أُمُّ أَبِيهِ. وَقِيلَ: دَابَّتُهُ، وَمَعْنَى الدُّغُنَّةِ الْمُسْتَرْخِيَةُ وَأَصْلُهَا الْغَمَامَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَطَرِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَعِنْدَ الْبَلَاذُرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّ اسْمَهُ مَالِكٌ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سَمَّاهُ رَبِيعَةَ بْنَ رُفَيْعٍ ; وَهُوَ وَهَمٌ مِنَ الْكَرْمَانِيِّ فَإِنَّ رَبِيعَةَ الْمَذْكُورَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الدُّغُنَّةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ سُلَمِيٌّ، وَالْمَذْكُورُ هُنَا مِنَ الْقَارَةِ فَاخْتَلَفَا، وَأَيْضًا السُّلَمِيُّ إِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَأَنَّهُ صَحَابِيٌّ قَتَلَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ. وَفِي الصَّحَابَةِ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الدُّغُنَّةِ لَكِنِ اسْمُهُ حَابِسٌ وَهُوَ كَلْبِيٌّ، لَهُ قِصَّةٌ فِي سَبَبِ إِسْلَامِهِ وَأَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنَ الْجِنِّ فَقَالَ لَهُ: يَا حَابِسُ بْنَ دَغِنَةَ يَا حَابِسُ فِي أَبْيَاتٍ، وَهُوَ مِمَّا يُرَجِّحُ رِوَايَةَ التَّخْفِيفِ فِي الدَّغِنَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ) بِالْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ بَنِي الْهُونِ، بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ، ابْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلَ فِي قُوَّةِ الرَّمْيِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا
قَوْلُهُ: (أَخْرَجَنِي قَوْمِي) أَيْ تَسَبَّبُوا فِي إِخْرَاجِي.
قَوْلُهُ: (فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، لَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ طَوَى عَنِ ابْنِ الدَّغِنَةِ تَعْيِينَ جِهَةِ مَقْصِدِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ كَافِرًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَصَدَ التَّوَجُّهَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي قَصَدَهَا حَتَّى يَسِيرَ فِي الْأَرْضِ وَحْدَهُ زَمَانًا فَيَصْدُقُ أَنَّهُ سَائِحٌ، لَكِنْ حَقِيقَةَ السِّيَاحَةِ أَنْ لَا يَقْصِدَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ يَسْتَقِرُّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْمُعْدَمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَفِي مُوَافَقَةِ وَصْفِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، لِأَبِي بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا وَصَفَتْ بِهِ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَاتِّصَافِهِ بِالصِّفَاتِ الْبَالِغَةِ فِي أَنْوَاعِ الْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا لَكَ جَارٌ) أَيْ مُجِيرٌ، أَمْنَعُ مَنْ يُؤْذِيكَ.
قَوْلُهُ: (فَرَجَعَ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ (وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنِ الدَّغِنَةِ) وَقَعَ فِي الْكَفَالَةِ وَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَالْمُرَادُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مُطْلَقُ الْمُصَاحَبَةِ، وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ) أَيْ مِنْ وَطَنِهِ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي لِأَهْلِ بَلَدِهِ (وَلَا يُخْرَجُ) أَيْ وَلَا يُخْرِجُهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ لَا يُمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقَالِ عَنِ الْبَلَدِ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ رَاجِحَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَكْذِبْ قُرَيْشٌ) أَيْ لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي أَمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَكُلُّ مَنْ كَذَبَكَ فَقَدْ رَدَّ قَوْلَكَ، فَأَطْلَقَ التَّكْذِيبَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَّالةِ بِلَفْظِ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَآمَّنَتْ أَبَا بَكْرٍ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ مَا ذَكَرَه ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ وَسُؤَالِهِ حِينَ رَجَعَ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي جِوَارِهِ فَاعْتَذَرَ بِأَنّفٌ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي زُهْرَةَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ ابْنَ الدَّغِنَةِ رَغِبَ فِي إِجَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْأَخْنَسُ لَمْ يَرْغَبْ فِيمَا الْتَمَسَ مِنْهُ فَلَمْ يُثَرِّبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِضَمِّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ. قَوْلُهُ:
(مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ) دَخَلَتِ الْفَاءُ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ لَا يَخْفَى تَقْدِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ) تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ بِلَفْظِ فَطَفِقَ أَيْ جَعَلَ، وَلَمْ يَقَعْ لِي بَيَانُ الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ غَيْرُ الرَّأْيِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (بِفِنَاءِ دَارِهِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ أَيْ أَمَامَهَا.
قَوْلُهُ: (فَيَتقَذِفُ) بِالْمُثَنَّاةِ وَالْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَة الثَّقِيلَةِ، تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ بِلَفْظِ فَيَتَقَصَّفَ أَيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَكَادَ يَنْكَسِرُ، وَأَطْلَقَ يَتَقَصَّفُ مُبَالَغَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هذا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَأَمَّا يَتَقَذَّفُ فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَذْفِ أَيْ يَتَدَافَعُونَ فَيَقْذِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ يَسْقُطُ.
قَوْلُهُ: (بَكَّاءً) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَثِيرُ الْبُكَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ) أَيْ لَا يُطِيقُ إِمْسَاكَهُمَا عَنِ الْبُكَاءِ مِنْ رِقَّةِ قَلْبِهِ. وَقَوْلُهُ: (إِذَا قَرَأَ) إِذَا ظَرْفِيَّةٌ وَالْعَامِلُ فِيهِ: لَا يَمْلِكُ، أَوْ هِيَ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَزَاءُ مُقَدَّرٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَفْزَعَ ذَلِكَ) أَيْ أَخَافَ الْكُفَّارَ لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ رِقَّةِ قُلُوبِ النِّسَاءِ وَالشَّبَابِ أَنْ يَمِيلُوا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَدِمَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَفَاعِلُهُ أَبُو بَكْرٍ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ أَنْ يُفْتَنَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ نِسَاؤُنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (أَجَرْنَا) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْقَابِسِيِّ بِالزَّايِ: أَيْ أَبَحْنَا لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَالْأَلِفُ مَقْصُورَةٌ فِي الرِّوَايَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْأَلْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَسَلْهُ.
قَوْلُهُ: (ذِمَّتُكَ) أَيْ أَمَانُكَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (نُخْفِرَكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ نَغْدِرُ بِكَ، يُقَالُ: خَفَرَهُ إِذَا حَفِظَهُ، وَأَخْفَرَهُ إذا غَدَرَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ) أَيْ لَا نَسْكُتُ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنَ الْخَشْيَةِ عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ) أَيْ أَمَانُهُ وَحِمَايَتُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالْأَشَدِّ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةُ يَقِينِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ) فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ قَدِ امْتَازَ بِهَا عَمَّنْ سِوَاهُ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ) هَذَا مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، وَالْحَرَّةُ أَرْضٌ حِجَارَتُهَا سُودٌ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَا غَيْرُ الرُّؤْيَا السَّابِقَةِ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّتِي تَرَدَّدَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَبَقَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ دَارَ الْهِجْرَةِ بِصِفَةٍ تَجْمَعُ الْمَدِينَةَ وَغَيْرَهَا، ثُمَّ أُرِيَ الصِّفَةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالْمَدِينَةِ فَتَعَيَّنَتْ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيْ لَمَّا سَمِعُوا بِاسْتِيطَانِ الْمُسْلِمِينَ الْمَدِينَةَ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ فَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْمَدِينَةِ مُعْظَمُهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ؛ لِأَنَّ جَعْفَرًا وَمَنْ مَعَهُ تَخَلَّفُوا فِي الْحَبَشَةِ، وَهَذَا السَّبَبُ فِي مَجِيءِ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ غَيْرُ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي مَجِيءِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ أَيْضًا فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ بِسَبَبِ سُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ، فَشَاعَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا وَسَجَدُوا فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ فَوَجَدُوهُمْ أَشَدَّ مَا كَانُوا كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ.
قَوْلُهُ: (وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ بِلَفْظِ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، وَالْمَعْنَى أَرَادَ الْخُرُوجَ طَالِبًا لِلْهِجْرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عَلَى مَهْلِكَ، وَالرِّسْلُ السَّيْرُ الرَّفِيقُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ: اصْبِرْ.
قَوْلُهُ: (وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ) لَفْظُ أَنْتَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ بِأَبِي أَيْ مُفَدًّى بِأَبِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ تَأْكِيدًا لِفَاعِلِ تَرْجُو، وَبِأَبِي قَسَمٌ.
قَوْلُهُ: (فَحَبَسَ نَفْسَهُ) أَيْ مَنَعَهَا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَانْتَظَرَهُ أَبُو
بَكْرٍ ﵁.
قَوْلُهُ: (وَرَقُ السَّمُرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْخَبَطُ) مُدْرَجٌ أَيْضًا فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، وَيُقَالُ: السَّمُرُ شَجَرَةُ أُمِّ غَيْلَانِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا لَهُ ظِلٌّ ثَخِينٌ، وَقِيلَ: السَّمُرُ وَرَقُ الطَّلْحِ وَالْخَبَطُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَا يُخْبَطُ بِالْعَصَا فَيَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ. قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فِيهِ بَيَانُ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ ابْتِدَاءِ هِجْرَةِ الصَّحَابَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ هِجْرَتِهِ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَبَيْنِ هِجْرَتِهِ ﷺ شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ شَهْرٍ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ .. إِلَخْ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَقَدْ أَفْرَدَهُ ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَضْمُومًا إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا أَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أَيْ أَوَّلَ الزَّوَالِ وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ فِي حَرَارَةِ النَّهَارِ، وَالْغَالِبُ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ الْقَيْلُولَةُ فِيهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينَا بِمَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ جَاءَنَا فِي الظَّهِيرَةِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (هَذَا رَسُولُ اللَّهِ مُتَقَنِّعًا) أَيْ مُغَطِّيًا رَأْسَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا أَنَا وَأَسْمَاءُ. قِيلَ: فِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَلْبَسْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ التَّقَنُّعَ يُخَالِفُ التَّطَليْسَ، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ التَّقَنُّعَ عَادَةً بَلْ لِلْحَاجَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ أَخْرَجَهُ بِهِ، وَفِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا ذُكِرَ الطَّيْلَسَانُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَذَا ثَوْبٌ لَا يُؤَدَّى شُكْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فِدَا لَهُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْقَصْرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِدَاءٌ بِالْمَدِّ.
قَوْلُهُ: (مَا جَاءَ بِهِ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ إِنْ جَاءَ بِهِ إِنْ هِيَ النَّافِيَةُ بِمَعْنَى مَا، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ إِلَّا أَمْرٌ حَدَثَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ) أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ كَمَا فَسَّرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، فَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: لَا عَيْنَ عَلَيْكَ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ. وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنِّي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ.
قَوْلُهُ: (الصَّحَابَةَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أُرِيدُ الْمُصَاحَبَةَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي، وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَقَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَةُ.
قَوْلُهُ: (إِحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ. قَالَ: بِالثَّمَنِ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ هُوَ لِي. قَالَ: فَهُوَ لَكَ، قَالَ: لَا وَلَكِنْ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَعْتَهَا بِهِ. قَالَ: أَخَذْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَخَذْتُهَا بِذَلِكَ. قَالَ: هِيَ لَكَ. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَالَ: بِثَمَنِهَا يَا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ: بِثَمَنِهَا إِنْ شِئْتَ. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَخْذِ الرَّاحِلَةِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالَهُ، فَقَالَ: أَحَبَّ أَنْ لَا تَكُونَ هِجْرَتُهُ إِلَّا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الثَّمَنَ ثَمَانِمِائَةٍ وَأَنَّ الَّتِي أَخَذَهَا رسول اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِي بَكْرٍ هِيَ الْقَصْوَاءُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نِعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ، وَأَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَلِيلًا وَمَاتَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ مُرْسَلَةً تَرْعَى بِالْبَقِيعِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهَا الْجَذْعَاءُ، وَكَانَتْ مِنْ إِبِلِ بَنِي الْحَرِيشِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا الْجَذْعَاءُ.
قَوْلُهُ: (أَحَثَّ الْجَهَازَ) أَحَثَّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْحَثِّ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ أَحَبَّ بِالْمُوَحَّدَةِ،
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَالْجَهَازُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَقَدْ تُكْسَرُ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الْكَسْرَ - وَهُوَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ) أَيْ زَادًا فِي جِرَابٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَ السُّفْرَةِ فِي اللُّغَةِ الزَّادُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمُسَافِرِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي وِعَاءِ الزَّادِ، وَمِثْلُهُ الْمَزَادَةُ لِلْمَاءِ، وَكَذَلِكَ الرَّاوِيَةُ. فَاسْتُعْمِلَتِ السُّفْرَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّفْرَةِ شَاةٌ مَطْبُوخَةٌ.
قَوْلُهُ: (ذَاتُ النِّطَاقِ) بِكَسْرِ النُّونِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ النِّطَاقَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَالنِّطَاقُ مَا يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ، وَقِيلَ: هُوَ إِزَارٌ فِيهِ تِكَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ تَشُدُّ وَسَطَهَا بِحَبْلٍ ثُمَّ تُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْهَرَوِيُّ. قَالَ: وَسُمِّيَتْ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجْعَلُ نِطَاقًا عَلَى نِطَاقٍ. وَقِيلَ: كَانَ لَهَا نِطَاقَانِ تَلْبَسُ أَحَدَهُمَا وَتَجْعَلُ فِي الْآخَرِ الزَّادَ. اهـ. وَالْمَحْفُوظُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا شَقَّتْ نِطَاقَهَا نِصْفَيْنِ فَشَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا الزَّادَ وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الْآخَرِ، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَهَا: ذَاتُ النِّطَاقِ وَذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، فَالتَّثْنِيَةُ وَالْإِفْرَادُ بِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ شَقَّتْ نِطَاقَهَا فَأَوْكَأَتْ بِقِطْعَةٍ مِنْهُ الْجِرَابَ وَشَدَّتْ فَمَ الْقِرْبَةِ بِالْبَاقِي فَسُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ، ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُخُولَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى الْخُوَارَزْمِيَّ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. قُلْتُ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخُرُوجَهُ مِنَ الْغَارِ كَانَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَهِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةُ السَّبْتِ وَلَيْلَةُ الْأَحَدِ، وَخَرَجَ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فَرَكِبَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهُوَ ثَوْرٌ، فَتَوَارَيَا فِيهِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَرَقَدَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُوَرِّي عَنْهُ، وَبَاتَتْ قُرَيْشٌ تَخْتَلِفُ وَتَأْتَمِرُ أَيُّهُمْ يَهْجُمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ، حَتَّى أَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ ; فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي، فَعَلِمُوا أَنَّهُ فَرَّ مِنْهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ لَا يَبِيتُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَدَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى فِرَاشِهِ وَيُسَجَّى بِبُرْدِهِ الْأَخْضَرِ، فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ وَمَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ يَنْثُرُهَا عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَقْرَأُ يس إِلَى: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾
وَذَكَرَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .. الْآيَةَ، قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ. يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ. فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ - النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسِبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ، يَعْنِي يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَقُومُ فَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَرَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلِمَا بَلَغُوا الْجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ فَمَرُّوا بِالْغَارِ فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْحَجِّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرَ، ثُمَّ إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ وَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ يُوَرِّي عَنْهُ، وَبَاتَتْ قُرَيْشٌ يَخْتَلِفُونَ وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَهْجِمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَخَرَجُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَهُ.
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ شَيْخِ النَّسَائِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ فِي قِصَّةِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا فِي أَثَرِهِمَا قَائِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَرَأَى كُرْزُ بْنُ
عَلْقَمَةَ عَلَى الْغَارِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ: هَاهُنَا انْقَطَعَ الْأَثَرُ. وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرَ، وَسَمَّاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَغَيْرِهِ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ. وَقِصَّةُ سُرَاقَةَ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ حَدِيثُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (فَكَمَنَا فِيهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا أَيِ اخْتَفِيَا.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ لَيَالٍ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَيْلَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَحْسِبْ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَلْحَةَ النَّضْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَبِثْتُ مَعَ صَاحِبِي - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - فِي الْغَارِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا ثَمَرُ الْبَرِيرِ. قَالَ الْحَاكِمُ: مَعْنَاهُ مَكَثْنَا مُخْتَفِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْغَارِ وَفِي الطَّرِيقِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
قُلْتُ: لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ذِكْرُ الْغَارِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْهِجْرَةِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَرَاهُ مِنْ أَنَّ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ كَانَ يَرُوحُ عَلَيْهِمَا فِي الْغَارِ بِاللَّبَنِ، وَلِمَا وَقَعَ لَهُمَا فِي الطَّرِيقِ مِنْ لَقْيِ الرَّاعِي كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمِنَ النُّزُولِ بِخَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَيْلَةَ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَارِ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ سَاعَةً وَمِنْ خَلْفِهِ سَاعَةً، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَذْكُرُ الطَّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَكَ، وَأَذْكُرُ الرَّصَدَ فَأَمْشِي أَمَامَكَ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ تُقْتَلَ دُونِي؟ قَالَ: أَيْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْغَارِ قَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارِ، فَاسْتَبْرَأَهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ مِنْ زِيَادَاتِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بَلَاغًا نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَهُوَ وَهَمٌ.
قَوْلُهُ: (ثَقِفٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا، وَبَعْدَهَا فَاءٌ: الْحَاذِقُ، تَقُولُ: ثَقِفْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَقَمْتَ عِوَجَهُ.
قَوْلُهُ: (لَقِنٌ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ بَعْدَهَا نُونٌ: اللَّقِنُ السَّرِيعُ الْفَهْمِ.
قَوْلُهُ: (فَيَدَّلِجُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ بَعْدَهَا جِيمٌ، أَيْ يَخْرُجُ بِسَحَرٍ إِلَى مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ) أَيْ مِثْلَ الْبَائِتِ، يَظُنُّهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ لِشِدَّةِ رُجُوعِهِ بِغَلَسٍ.
قَوْلُهُ: (يُكْتَادَانِ بِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُكَادَانِ بِهِ بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ أَيْ يُطْلَبُ لَهُمَا فِيهِ الْمَكْرُوهُ، وَهُوَ مِنَ الْكَيْدِ.
قَوْلُهُ: (عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الشِّرَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَاهُ مِنَ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ، فَأَسْلَمَ، فَأَعْتَقَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْحَةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي الْهِبَةِ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ شَاةٍ. وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ الْغَنَمَ كَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يَرُوحُ عَلَيْهِمَا بِالْغَنَمِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَحْلُبَانِ، ثُمَّ تَسْرَحُ بُكْرَةً فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ فَلَا يُفْطَنُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي رِسْلٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ: اللَّبَنُ الطَّرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَرَضِيفُهُمَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ رَغِيفٍ أَيِ اللَّبَنُ الْمَرْضُوفُ أَيِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهِ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ بِالشَّمْسِ أَوِ النَّارِ لِيَنْعَقِدَ وَتَزُولَ رَخَاوَتُهُ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرٌ) يَنْعِقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَصِيحُ بِغَنَمِهِ، وَالنَّعِيقُ صَوْتُ الرَّاعِي إِذَا زَجَرَ الْغَنَمَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُسْمِعُهُمَا صَوْتَهُ إِذَا زَجَرَ غَنَمَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ يَسْرَحُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ كَبَائِتٍ فَلَا يُفْطَنُ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَكَانَ عَامِرٌ أَمِينًا مُؤْتَمَنًا حَسَنَ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَنِي الدِّيلِ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مَهْمُوزٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ) أَيِ ابْنُ الدِّيلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَيُقَالُ: مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ، وَوَقَعَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، تَهْذِيبِ ابْنِ هِشَامٍ: اسْمُهُ