«صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، حِينَ أَرَادَا الْمَدِينَةَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٠٧

الحديث رقم ٣٩٠٧ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٩٠٧ في صحيح البخاري

«صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، حِينَ أَرَادَا الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ إِلَّا نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ، فَفَعَلْتُ، فَسُمِّيتُ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.»

إسناد حديث رقم ٣٩٠٧ من صحيح البخاري

٣٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، وَفَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٩٠٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: -

هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ

وَيَقُولُ:

اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ … فَارْحَمْ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ

فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَه الْأبَيْاتِ.

٣٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ وَفَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ "صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَا الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ إِلاَّ نِطَاقِي قَالَ فَشُقِّيهِ فَفَعَلْتُ فَسُمِّيتُ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "أَسْمَاءُ ذَاتَ النِّطَاقِ".

٣٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ

قَالَ "لَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ تَبِعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُهُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ فَدَعَا لَهُ قَالَ فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ فَمَرَّ بِرَاعٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فَأَتَيْتُهُ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ".

الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ حَدِيثُ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَقَبْلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الزُّهْرِيُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُنْفَرِدًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَالْمُعَافِيُّ فِي الْجَلِيسِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (الْمُدْلِجِيُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ثُمَّ جِيمٌ، مِنْ بَنِي مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ هَذَا اسْمُ جَدِّهِ مَالِكُ بْنُ جُعْشُمٍ، وَنُسِبَ أَبُوهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى جَدِّهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي سُرَاقَةَ، وَأَبُوهُ مَالِكُ بْنُ جُعْشُمٍ لَهُ إِدْرَاكٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِأَخِيهِ سُرَاقَةَ وَلَا لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَحَيْثُ جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ يَكُونُ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ أَنَّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ، جُعْشُمٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو، وَكُنْيَةُ سُرَاقَةَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَ يَنْزِلُ قُدَيْدًا وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ) أَيْ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فِي رِوَايَتِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ حِينَ فَقَدُوهُمَا

فِي بِغَائِهِمَا، وَجَعَلُوا فِي النَّبِيِّ مِائَةَ نَاقَةً، وَطَافُوا فِي جِبَالِ مَكَّةَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيَرَانَا. وَكَانَ مُوَاجِهَهُ، فَقَالَ: كَلَّا إِنَّ مَلَائِكَةً تَسْتُرُنَا بِأَجْنِحَتِهَا، جَلَسَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَبُولُ مُوَاجَهَةَ الْغَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ كَانَ يَرَانَا مَا فَعَلَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ آنِفًا) أَيْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.

قَوْلُهُ: (أَسْوِدَةٌ) أَيْ أَشْخَاصًا، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ لَقَدْ رَأَيْتُ رُكْبَةً ثَلَاثَةً إِنِّي لَأَظُنُّهُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا) أَيْ فِي نَظَرِنَا مُعَايَنَةً يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، وَقُلْتُ: إِنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، قَالَ: لَعَلَّ، وَسَكَتَ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ فَقَالَ سُرَاقَةٌ: إِنَّهُمَا رَاكِبَانِ مِمَّنْ بَعَثْنَا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: وَأَمَرْتُ بِفَرَسِي فَقُيِّدَ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي. وَزَادَ: ثُمَّ أَخَذْتُ قِدَاحِي - بِكَسْرِ الْقَافِ أَيِ الْأَزْلَامَ - فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، لَا تَضُرُّ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ فَآخُذَ الْمِائَةَ نَاقَةً.

قَوْلُهُ: (فَخَطَطْتُ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ أَمْكَنْتُ أَسْفَلَهُ.

وَقَوْلُهُ: (بِزُجِّهِ) الزُّجُّ بِضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا جِيمٌ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الرُّمْحِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَخَطَطْتُ بِهِ. وَزَادَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي فَأُخْرِجَ مِنْ ذَنَبِ حُجْرَتِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي.

قَوْلُهُ: (وَخَفَضْتُ) أَيْ أَمْسَكَهُ بِيَدِهِ وَجَرَّ زُجَّهُ عَلَى الْأَرْضِ فَخَطَّهَا بِهِ لِئَلَّا يَظْهَرَ بَرِيقُهُ لِمَنْ بَعُدَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَّبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَيُشْرِكُوهُ فِي الْجَعَالَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ سُرَاقَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَجَعَلْتُ أَجُرُّ الرُّمْحَ مَخَافَةَ أَنْ يُشْرِكَنِي أَهْلُ الْمَاءِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (فَرَفَعْتُهَا) أَيْ أَسْرَعْتُ بِهَا السَّيْرَ.

قَوْلُهُ: (تُقَرِّبُ بِي) التَّقْرِيبُ السَّيْرُ دُونَ الْعَدْوِ وَفَوْقَ الْعَادَةِ، وَقِيلَ: أَنْ تَرْفَعَ الْفَرَسُ يَدَيْهَا مَعًا وَتَضَعُهُمَا مَعًا.

قَوْلُهُ: (فَأَهْوَيْتُ يَدَيَّ) أَيْ بَسَطَهُمَا لِلْأَخْذِ، وَالْكِنَانَةُ الْخَرِيطَةُ الْمُسْتَطِيلَةُ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا) وَالْأَزْلَامُ هِيَ الْأَقْدَاحُ وَهِيَ السِّهَامُ الَّتِي لَا رِيشَ لَهَا وَلَا نَصْلَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا وَكَيْفِيَّتُهَا وَصَنِيعُهُمْ بِهَا فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ) أَيْ لَا تَضُرُّهُمْ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَمُوسَى، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَزَادَ وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ فَآخُذَ الْمِائَةَ نَاقَةً. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ: وَرَكِبَ سُرَاقَةُ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْآثَارَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَهُوَ وَجِلٌ أَنْكَرَ الْآثَارَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذِهِ بِآثَارِ نِعَمِ الشَّامِ وَلَا تِهَامَةَ، فَتَبِعَهُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُمْ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْآتِي عَقِبَ هَذَا فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ سُرَاقَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ، فَصَرَعَهُ فَرَسُهُ.

قَوْلُهُ: (سَاخَتْ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَاصَتْ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَوَقَعَتْ لِمَنْخَرَيْهَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا.

قَوْلُهُ: (فَخَرَرْتُ عَنْهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فَوَثَبْتُ عَنْهَا. زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ ثُمَّ أَخْرَجْتُ قِدَاحِي نَحْوَ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ (١) ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ. الْحَمْحَمَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ

صَوْتُ الْفَرَسِ.

قَوْلُهُ: (عُثَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ دُخَانٌ، قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: مَا الْعُثَانُ؟ قَالَ: الدُّخَانُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: غُبَار بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ رَاءٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْعُثَانِ الْغُبَارَ نَفْسَهُ، شَبَّهَ غُبَارَ قَوَائِمِهَا بِالدُّخَانِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَتْبَعَهَا دُخَانٌ مِثْلَ الْغُبَارِ. وَزَادَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُنِعَ مِنِّي.

قَوْلُهُ: (فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ قَدْ عَلِمْتُ يَا مُحَمَّدٌ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنْجِيَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَاللَّهِ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَيْكَ مَنْ وَرَائِي أَيِ الطَّلَبَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، أنْظُرُونِي أُكَلِّمُكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا آتِيكُمْ وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَزَادَ وَأَنَا لَكُمْ نَافِعٌ غَيْرُ ضَارٍ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ الْحَيَّ - يَعْنِي قَوْمَهُ - فَزِعُوا لِرُكُوبِي، وَأَنَا رَاجِعٌ وَرَادُّهُمْ عَنْكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي.

قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ) أَيْ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الظَّفَرِ بِهِمْ، وَبَذْلِ الْمَالِ لِمَنْ يَحْصُلُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَاهَدَهُمْ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُخْبِرُ عَنْهُمْ، وَأَنْ يَكْتُمَ عَنْهُمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ) فِي مُرْسَلِ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَكَفَّ ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّا إِلَى الزَّادِ وَالْحُمْلَانِ، فَقَالَا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سُرَاقَةَ قَالَ لَهُمْ: وَإِنَّ إِبِلِي عَلَى طَرِيقِكُمْ فَاحْتَلِبُوا مِنَ اللَّبَنِ وَخُذُوا سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي أَمَارَةً إِلَى الرَّاعِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْزَآنِي) بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ، أَيْ لَمْ يَنْقُصَانِي مِمَّا مَعِيَ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ: وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ تَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغَنَمِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، فَقَالَ لِي: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي إِبِلِكَ، وَدَعَا لَهُ.

قَوْلُهُ: (أَخْفِ عَنَّا) لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ فَدَعَا لَهُ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ لَهُ: قَدْ كُفِيتُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ، لَا تَتْرُكْنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ. أَيْ حَارِسًا لَهُ بِسِلَاحِهِ.

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ قَالَ لِقُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ بَصَرِي بِالطَّرِيقِ وَبِالْأَثَرِ، وَقَدِ اسْتَبْرَأْتُ لَكُمْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَجَعُوا.

قَوْلُهُ: (كِتَابَ أَمْنٍ) بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كِتَابَ مُوَادَعَةٍ. وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمَ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ - أَوْ وَرَقَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ - ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَيَّ، فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ رَجَعْتُ. وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ نَحْوَهُ وَعِنْدَهُمَا: فَرَجَعْتُ فَسُئِلْتُ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ، حَتَّى إِذَا فَزع مِنْ حُنَيْنٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ خَرَجْتُ لِأَلْقَاهُ وَمَعِيَ الْكِتَابُ، فَلَقِيتُهُ بِالْجِعِرَّانَةِ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ بِالْكِتَابِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كِتَابُكَ، فَقَالَ: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُ، ف أَسْلَمْتُ.

وَفِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ سُرَاقَةَ قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى قَوْمِي، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أُحِبُّ أَنْ تُوَادِعَ قَوْمِي، فَإِنْ أَسْلَمَ قَوْمُكَ أَسْلَمُوا وَإِلَّا أَمِنْتَ مِنْهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَمَّا بَلَغَهُ مَا لَقِيَ سُرَاقَةُ، لَامَهُ فِي تَرْكِهِمْ، فَأَنْشَدَهُ:

أَبَا حَكَمٍ وَاللَّاتِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لِأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسِيخُ قَوَائِمُهُ

عَجِبْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … نَبِيٌّ وَبُرْهَانٌ فَمَنْ ذَا يُكَاتِمُهُ

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سُرَاقَةَ عَارَضَهُمْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بِقُدَيْدٍ. الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَقَدْ أَفْرَدَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَصْلًا وَصُورَتُهُ مُرْسَلٌ، لَكِنَّهُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّبَيْرَ بِهِ، وَأَفَادَ أَنَّ قَوْلَهُ وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ .. إِلَخْ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَأَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ وَأَتَمَّ مِنْهُ وَزَادَ قَالَ: وَيُقَالُ: لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ طَلْحَةُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجَ عَائِدًا إِلَى مَكَّةَ إِمَّا مُتَلَقِّيًا وَإِمَّا مُعْتَمِرًا، وَمَعَهُ ثِيَابٌ أَهْدَاهَا لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ ثِيَابِ الشَّامِ، فَلَمَّا لَقِيَهُ أَعْطَاهُ فَلَبِسَ مِنْهَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ انْتَهَى.

وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ أَهْدَى لَهُمَا مِنَ الثِّيَابِ. وَالَّذِي فِي السِّيَرِ هُوَ الثَّانِي، وَمَالَ الدِّمْيَاطِيُّ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَرْجِيحِ مَا فِي السِّيَرِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ، وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا طَلْحَةُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَالَّتِي فِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ. ثُمَّ وَجَدْتُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَجَ عُمَرُ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَعُثْمَانُ، وَعَيَّاشُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَتَوَجَّهَ عُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ إِلَى الشَّامِ فَتَعَيَّنَ تَصْحِيحُ الْقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ: (يَغْدُونَ) بِسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَخْرُجُونَ غُدْوَةً، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ كُنَّا نَخْرُجُ فَنَجْلِسُ لَهُ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ نَلْجَأُ إِلَى ظِلِّ الْمَدَرِ حَتَّى تَغْلِبَنَا عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَرُدَّهُمْ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ يُؤْذِيهِمْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَإِذَا أَحْرَقَتْهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْبَرَاءِ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا.

قَوْلُهُ: (فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَمَا طَالَ (١) انْتِظَارَهُمْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ حَتَّى إِذَا رَجَعْنَا جَاءَ.

قَوْلُهُ: (أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ) أَيْ طَلَعَ إِلَى مَكَانٍ عَالٍ فَأَشْرَفَ مِنْهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْيَهُودِيِّ.

قَوْلُهُ: (أُطُمٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ هُوَ الْحِصْنُ، وَيُقَالُ: كَانَ بِنَاءً مِنْ حِجَارَةٍ كَالْقَصْرِ.

قَوْلُهُ: (مُبَيَّضِينَ) أَيْ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْبِيضُ الَّتِي كَسَاهُمْ إِيَّاهَا الزُّبَيْرُ أَوْ طَلْحَةُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُسْتَعْجِلِينَ، وَحَكَى عَنِ ابْنِ فَارِسٍ يُقَالُ: بَايِضٌ أَيْ مُسْتَعْجِلٌ.

قَوْلُهُ: (يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ) أَيْ يَزُولُ السَّرَابُ عَنِ النَّظَرِ بِسَبَبِ عُرُوضِهِمْ لَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ظَهَرَتْ حَرَكَتُهُمْ لِلْعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمٍ يَا بَنِي قَيْلَةَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْجَدَّةُ الْكُبْرَى لِلْأَنْصَارِ وَالِدَةِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَهِيَ قَيْلَةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ.

قَوْلُهُ: (هَذَا جَدُّكُمْ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ حَظُّكُمْ وَصَاحِبُ دَوْلَتِكُمُ الَّذِي تَتَوَقَّعُونَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذَا صَاحِبُكُمْ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) أَيِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ وَمَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءَ، وَهِيَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ

بِالْمَدِينَةِ، كَانَ نُزُولُهُ عَلَى كُلْثُومَ بْنِ الْهَرِمِ، وَقِيلَ: كَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، وَجَزَمَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَشَذَّ مَنْ قَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَدِمَهَا لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَيْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَدِمَهَا لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَنَحْوَهُ عِنْدَ أَبِي مَعْشَرٍ، لَكِنْ قَالَ: لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الْبَرْقِيِّ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَدِمَهَا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ قَدِمَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

وَهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْحَمْلِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ كَذَا فِيهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ خَلَتَا لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ جَرِيرٍ، وَابْنِ حَازِمٍ، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ فِي خَبَرِ الْمَدِينَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي نِصْفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقِيلَ: كَانَ قُدُومُهُ فِي سَابِعِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ إِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْغَارِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ قُدُومَهُ قُبَاءَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَإِذَا ضُمَّ إِلَى قَوْلِ أَنَسٍ إِنَّهُ أَقَامَ بِقُبَاءَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَرَجَ مِنْهُ أَنَّ دُخُولَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ لِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْهُ، لَكِنِ الْكَلْبِيُّ جَزَمَ بِأَنَّهُ دَخَلَهَا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَكُونُ إِقَامَتُهُ بِقُبَاءَ أَرْبَعَ لَيَالٍ فَقَطْ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَقَامَ بِهَا الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ يَعْنِي وَخَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ، وَكَذَا قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: إِنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ وَلَا الدُّخُولِ، وَعَنْ قَوْمٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ كَمَا يُذْكَرُ عَقِبَ هَذَا، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ قَدِمَ نَهَارًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَيْلًا، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ

الْقُدُومَ كَانَ آخِرَ اللَّيْلِ فَدَخَلَ نَهَارًا.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ) أَيْ يَتَلَقَّاهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ) أَيْ جَعَلَ (مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ) أَيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ إِلَيْهِمْ فِي التِّجَارَةِ إِلَى الشَّامِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَهُ، وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَأْتِهَا بَعْدَ أَنْ كَبُرَ. قُلْتُ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يُحَيِّي مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ النَّبِيَّ يَظُنُّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَلِذَلِكَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ يُظَلِّلُ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ يَحْسِبُهُ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى إِذَا أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ بِشَيْءٍ أَظَلَّهُ بِهِ.

وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَاخَ إِلَى الظِّلِّ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَبَا بَكْرٍ يَنْحَازُ لَهُ عَنِ الظِّلِّ فَعَرَفْنَاهُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَبْلَهُ مَا يُخَالِفُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَقَامَ فِيهِمْ ثَلَاثًا. قَالَ: وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ مَجْمَعِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّهُ أَقَامَ اثْنَتيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَقَامَ فِيهِمْ خَمْسًا، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَزْعُمُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: لَيْسَ أَنَسٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَإِنَّهُمْ مِنَ الْأَوْسِ وَأَنَسٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ جَزَمَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ

عَلَى التَّقْوَى) أَيْ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: الَّذِينَ بَنَى فِيهِمُ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ، وَلَفْظُهُ وَمَكَثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَاتَّخَذَ مَكَانَهُ مَسْجِدًا فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ بَنَاهُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَهُوَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ فَنَزَلَ بِقُبَاءَ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: مَا لِرَسُولِ اللَّهِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَكَانًا يَسْتَظِلُّ بِهِ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَمَعَ حِجَارَةً فَبَنَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ أَوَّلُ مَسْجِدٍ صَلَّى النَّبِيُّ فِيهِ بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَةً ظَاهِرًا، وَأَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ بِنَاءُ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَكِنْ لِخُصُوصِ الَّذِي بَنَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بِنَاءِ أَبِي بَكْرٍ مَسْجِدَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَقَدْ لَبِثْنَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِسِنِينَ نَعْمُرُ الْمَسَاجِدَ وَنُقِيمُ الصَّلَاةَ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَسْجِدُ قُبَاءَ، هَذَا وهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، وَلِأَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ . وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ هَذَا، وَفِي ذَلِكَ - يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ - خَيْرٌ كَثِيرٌ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا السُّؤَالُ صَدَرَ مِمَّنْ ظَهَرَتْ لَهُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَنَاهُ النَّبِيُّ ، فَلِذَلِكَ سُئِلَ النَّبِيُّ عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَسْجِدُهُ، وَكَأَنَّ الْمَزِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ تَعْيِينَهُ دُونَ مَسْجِدِ قُبَاءَ لِكَوْنِ مَسْجِدِ قُبَاءَ لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِأَمْرِ جَزْمٍ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَزِيَّةُ لِمَا اتُّفِقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَكَفَى بِهَذَا مَزِيَّةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَّفَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ - يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فِي أَهْلِ قُبَاءَ، وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ، رَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَذَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ، وَزَادَ غَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ، لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ بِدَارِ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ عَائِذٍ أَنَّهُ رَكِبَ مِنْ قُبَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَالْقُوَّةِ، انْزِلْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: وَصَارُوا يَتَنَازَعُونَ زِمَامَ نَاقَتِهِ، وَسَمَّى مِمَّنْ سَأَلَهُ النُّزُولَ عِنْدَهُمْ عتَبَّانَ بْنَ مَالِكٍ فِي بَنِي سَالِمٍ، وَفَرْوَةَ بْنَ عَمْرٍو فِي بَنِي بَيَاضَةَ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو وَغَيْرَهُمَا فِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَأَبَا سَلِيطٍ وَغَيْرَهُ، فِي بَنِي عَدِيٍّ، يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ جَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا: إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ: دَعُوا النَّاقَةَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ. فَبَرَكَتْ عَلَى بَابِ أَبِي أَيُّوبَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَتَنَازَعَهُ الْقَوْمُ أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أَنْزِلُ عَلَى أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَكْرَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهَا اسْتَنَاخَتْ بِهِ أَوَّلًا فَجَاءَهُ نَاسٌ فَقَالُوا: الْمَنْزِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: دَعُوهَا. فَانْبَعَثَتْ حَتَّى اسْتَنَاخَتْ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ تَحَلْحَلَتْ فَنَزَلَ عَنْهَا فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَنْقُلَ رَحْلَكَ. قَالَ: نَعَمْ. فَنَقَلَ وَأَنَاخَ النَّاقَةَ فِي مَنْزِلِهِ.

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمَّا نَقَلَ رَحْلَ النَّبِيِّ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ النَّبِيُّ : الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ. وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ جَاءَ فَأَخَذَ نَاقَتَهُ فَكَانَتْ عِنْدَهُ، قَالَ: وَهَذَا أَثْبَتُ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ (مِرْبَدًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجَفَّفُ فِيهِ التَّمْرُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْمِرْبَدُ كُلُّ شَيْءٍ حُبِسَتْ فِيهِ الْإِبِلُ أَوِ الْغَنَمُ، وَبِهِ سُمِّيَ مِرْبَدُ الْبَصْرَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْضِعَ سُوقِ الْإِبِلِ.

قَوْلُهُ: (لِسُهَيْلٍ، وَسَهْلٍ) زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ وَكَانَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ سَأَلَ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ لِسُهَيْلٍ، وَسَهْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو يَتِيمَانِ لِي وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِ سْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ أَسْعَدَ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَهُوَ الْوَجْهُ، وكَانَ أَسْعَدُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَيُكَنَّى أَبَا أُمَامَةَ، وَأَمَّا أَخُوهُ سَعْدٌ فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ أَنَّهُمَا كَانَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ أَنَّهُمَا كَانَا فِي حِجْرِ أَبِي أَيُّوبَ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَقَدْ يُجْمَعُ بِاشْتِرَاكِهِمَا أَوْ بِانْتِقَالِ ذَلِكَ بَعْدَ أَسْعَدَ إِلَى مَنْ ذُكِرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مناقبه كَانَ يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (فَسَاوَمَهُمَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فَكَلَّمَ عَمَّهُمَا أَيِ الَّذِي كَانَا فِي حِجْرِهِ أَنْ يَبْتَاعَهُ مِنْهُمَا فَطَلَبَهُ مِنْهُمَا فَقَالَا مَا تَصْنَعُ بِهِ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَصْدُقَهُمَا. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا) ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُعْطِيَهُمَا ثَمَنَهُ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُ مَعْمَرٍ: أَعْطَاهُمَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ. وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ. قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ سَأَلَ عَمَّنْ يَخْتَصُّ بِمِلْكِهِ مِنْهُمْ فَعَيَّنُوا لَهُ الْغُلَامَيْنِ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَحَمَّلُوا عَنْهُ لِلْغُلَامَيْنِ بِالثَّمَنِ، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرْضَاهُمَا عَنْ ثَمَنِهِ.

قَوْلُهُ: (وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ أَيْ جَعَلَ (يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ) أَيِ الطُّوبَ الْمَعْمُولَ مِنَ الطِّينِ الَّذِي لَمْ يُحْرَقْ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ وَهُوَ عَرِيشٌ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ بَنَاهُ وَسَقَّفَهُ. وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ فِي خَبَرِ الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ بَنَاهُ أَوَّلًا بِالْجَرِيدِ ثُمَّ بَنَاهُ بِاللَّبِنِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ: (هَذَا الْحِمَالُ) بِالْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ هَذَا الْمَحْمُولُ مِنَ اللَّبِنِ (أَبَرُّ) عِنْدَ اللَّهِ، أَيْ أَبْقَى ذُخْرًا وَأَكْثَرً وَأَدْوَمُ مَنْفَعَةً وَأَشَدُّ طَهَارَةً مِنْ حِمَالِ خَيْبَرَ، أَيِ الَّتِي يُحْمَلُ مِنْهَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هَذَا الْجَمَالُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَوْلُهُ: رَبَّنَا مُنَادَى مُضَافٌ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَةْ، فَارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ) كَذَا

فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرَ الْآخِرَةْ، فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ، وَجَاءَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِتَغْيِيرٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى الْآخِرَةْ وَالْمُهَاجِرَةْ بِالتَّاءِ مُحَرَّكَةً، فَيُخْرِجُهُ عَنِ الْوَزْنِ، ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ، وَالْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَ هَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الرَّجَزَ الْمَذْكُورَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شِعْرًا آخَرَ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمُنَاسَبَةُ الشِّعْرِ الْمَذْكُورِ لِلْحَالِ الْمَذْكُورُ وَاضِحَةٌ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي كَرَاهِيَةِ الْبِنَاءِ مُخْتَصٌّ بِمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ كَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شَعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ) زَادَ ابْنُ عَائِذٍ فِي آخِرِهِ الَّتِي كَانَ يَرْتَجِزُ بِهِنَّ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: أُنْكِرَ عَلَى الزُّهْرِيِّ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَجَزٌ وَلَيْسَ بِشِعْرٍ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِقَائِلِهِ: رَاجِزٌ، وَيُقَالُ: أَنْشَدَ رَجَزًا، وَلَا يُقَالُ لَهُ: شَاعِرٌ وَلَا أَنْشَدَ شِعْرًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَنْشُدُ النَّبِيُّ شِعْرًا أَمْ لَا. وَعَلَى الْجَوَازِ هَلْ يَنْشُدُ بَيْتًا وَاحِدًا أَوْ يَزِيدُ؟ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْبَيْتَ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ.

وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الرَّجَزَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ إِذَا كَانَ مَوْزُونًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ لَا يُطْلِقُ الْقَافِيَّةَ، بَلْ يَقُولُهَا مُتَحَرِّكَةَ التَّاءِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِلَفْظِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَنْهُ إِنْشَاؤُهُ لَا إِنْشَادُهُ أي الشعر، وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَنْعِ إِنْشَادِهِ مُتَمَثِّلًا.

وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: لَمْ يَبْلُغْنَا لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْشَدَ غَيْرَ مَا نَقَلَهُ الزُّهْرِيُّ، لِأَنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُ، وَلَمْ يُطْلِقِ النَّفْيَ الْمَذْكُورَ. عَلَى أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ رَوَى عَنْ عَفَّانَ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ قِيلَ قَبْلَهُ أَوْ يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ الشِّعْرَ الْمَذْكُورَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: شِعْرُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ قَوْلِ الشِّعْرِ وَأَنْوَاعِهِ خُصُوصًا الرَّجَزَ فِي الْحَرْبِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ الْهِمَمِ وَتَشْجِيعِ النُّفُوسِ وَتَحَرُّكِهَا عَلَى مُعَالَجَةِ الْأُمُورِ الصَّعْبَةِ.

وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ مِنْ طَرِيقِ مَجْمَعِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إِذًا لَلْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ

وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:

لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا … يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا … وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدًا

وَسَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ نُزُولِهِ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ الْمَسْجِدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ بِهَذَا السَّنَدِ فَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ - يَعْنِي الْأَخِيرَةَ - وَبَيْنَ مُهَاجِرِ النَّبِيِّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا. قُلْتُ: هِيَ ذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَصَفَرُ، لَكِنْ كَانَ مَضَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ أَنِ اسْتَهَلَّ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ فَمَهْمَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مِنَ الشَّهْرِ يُعْرَفُ مِنْهُ الْقَدْرُ عَلَى التَّحْرِيرِ، فَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثَةُ سَوَاءً وَقَدْ يَنْقُصُ وَقَدْ يَزِيدُ، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا قِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، وَأَكْثَرَ مَا قِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْهُ. الْحَدِيثُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: -

هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ … هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ

وَيَقُولُ:

اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ … فَارْحَمْ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ

فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَه الْأبَيْاتِ.

٣٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ وَفَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ "صَنَعْتُ سُفْرَةً لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَا الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ إِلاَّ نِطَاقِي قَالَ فَشُقِّيهِ فَفَعَلْتُ فَسُمِّيتُ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "أَسْمَاءُ ذَاتَ النِّطَاقِ".

٣٩٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ

قَالَ "لَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ تَبِعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُهُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ فَدَعَا لَهُ قَالَ فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ فَمَرَّ بِرَاعٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فَأَتَيْتُهُ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ".

الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ حَدِيثُ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَقَبْلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الزُّهْرِيُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُنْفَرِدًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَالْمُعَافِيُّ فِي الْجَلِيسِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (الْمُدْلِجِيُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ثُمَّ جِيمٌ، مِنْ بَنِي مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ هَذَا اسْمُ جَدِّهِ مَالِكُ بْنُ جُعْشُمٍ، وَنُسِبَ أَبُوهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى جَدِّهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي سُرَاقَةَ، وَأَبُوهُ مَالِكُ بْنُ جُعْشُمٍ لَهُ إِدْرَاكٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِأَخِيهِ سُرَاقَةَ وَلَا لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَحَيْثُ جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ يَكُونُ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ أَنَّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ، جُعْشُمٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو، وَكُنْيَةُ سُرَاقَةَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَ يَنْزِلُ قُدَيْدًا وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ) أَيْ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فِي رِوَايَتِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ حِينَ فَقَدُوهُمَا

فِي بِغَائِهِمَا، وَجَعَلُوا فِي النَّبِيِّ مِائَةَ نَاقَةً، وَطَافُوا فِي جِبَالِ مَكَّةَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيَرَانَا. وَكَانَ مُوَاجِهَهُ، فَقَالَ: كَلَّا إِنَّ مَلَائِكَةً تَسْتُرُنَا بِأَجْنِحَتِهَا، جَلَسَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَبُولُ مُوَاجَهَةَ الْغَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ كَانَ يَرَانَا مَا فَعَلَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ آنِفًا) أَيْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.

قَوْلُهُ: (أَسْوِدَةٌ) أَيْ أَشْخَاصًا، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ لَقَدْ رَأَيْتُ رُكْبَةً ثَلَاثَةً إِنِّي لَأَظُنُّهُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا) أَيْ فِي نَظَرِنَا مُعَايَنَةً يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، وَقُلْتُ: إِنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، قَالَ: لَعَلَّ، وَسَكَتَ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ فَقَالَ سُرَاقَةٌ: إِنَّهُمَا رَاكِبَانِ مِمَّنْ بَعَثْنَا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: وَأَمَرْتُ بِفَرَسِي فَقُيِّدَ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي. وَزَادَ: ثُمَّ أَخَذْتُ قِدَاحِي - بِكَسْرِ الْقَافِ أَيِ الْأَزْلَامَ - فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، لَا تَضُرُّ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ فَآخُذَ الْمِائَةَ نَاقَةً.

قَوْلُهُ: (فَخَطَطْتُ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ أَمْكَنْتُ أَسْفَلَهُ.

وَقَوْلُهُ: (بِزُجِّهِ) الزُّجُّ بِضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا جِيمٌ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الرُّمْحِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَخَطَطْتُ بِهِ. وَزَادَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي فَأُخْرِجَ مِنْ ذَنَبِ حُجْرَتِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي.

قَوْلُهُ: (وَخَفَضْتُ) أَيْ أَمْسَكَهُ بِيَدِهِ وَجَرَّ زُجَّهُ عَلَى الْأَرْضِ فَخَطَّهَا بِهِ لِئَلَّا يَظْهَرَ بَرِيقُهُ لِمَنْ بَعُدَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَّبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَيُشْرِكُوهُ فِي الْجَعَالَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ سُرَاقَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَجَعَلْتُ أَجُرُّ الرُّمْحَ مَخَافَةَ أَنْ يُشْرِكَنِي أَهْلُ الْمَاءِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (فَرَفَعْتُهَا) أَيْ أَسْرَعْتُ بِهَا السَّيْرَ.

قَوْلُهُ: (تُقَرِّبُ بِي) التَّقْرِيبُ السَّيْرُ دُونَ الْعَدْوِ وَفَوْقَ الْعَادَةِ، وَقِيلَ: أَنْ تَرْفَعَ الْفَرَسُ يَدَيْهَا مَعًا وَتَضَعُهُمَا مَعًا.

قَوْلُهُ: (فَأَهْوَيْتُ يَدَيَّ) أَيْ بَسَطَهُمَا لِلْأَخْذِ، وَالْكِنَانَةُ الْخَرِيطَةُ الْمُسْتَطِيلَةُ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا) وَالْأَزْلَامُ هِيَ الْأَقْدَاحُ وَهِيَ السِّهَامُ الَّتِي لَا رِيشَ لَهَا وَلَا نَصْلَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا وَكَيْفِيَّتُهَا وَصَنِيعُهُمْ بِهَا فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ) أَيْ لَا تَضُرُّهُمْ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَمُوسَى، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَزَادَ وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ فَآخُذَ الْمِائَةَ نَاقَةً. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ: وَرَكِبَ سُرَاقَةُ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْآثَارَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَهُوَ وَجِلٌ أَنْكَرَ الْآثَارَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذِهِ بِآثَارِ نِعَمِ الشَّامِ وَلَا تِهَامَةَ، فَتَبِعَهُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُمْ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْآتِي عَقِبَ هَذَا فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ سُرَاقَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ، فَصَرَعَهُ فَرَسُهُ.

قَوْلُهُ: (سَاخَتْ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَاصَتْ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَوَقَعَتْ لِمَنْخَرَيْهَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا.

قَوْلُهُ: (فَخَرَرْتُ عَنْهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فَوَثَبْتُ عَنْهَا. زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ ثُمَّ أَخْرَجْتُ قِدَاحِي نَحْوَ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ (١) ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ. الْحَمْحَمَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ

صَوْتُ الْفَرَسِ.

قَوْلُهُ: (عُثَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ دُخَانٌ، قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: مَا الْعُثَانُ؟ قَالَ: الدُّخَانُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: غُبَار بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ رَاءٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْعُثَانِ الْغُبَارَ نَفْسَهُ، شَبَّهَ غُبَارَ قَوَائِمِهَا بِالدُّخَانِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَتْبَعَهَا دُخَانٌ مِثْلَ الْغُبَارِ. وَزَادَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُنِعَ مِنِّي.

قَوْلُهُ: (فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ قَدْ عَلِمْتُ يَا مُحَمَّدٌ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنْجِيَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَاللَّهِ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَيْكَ مَنْ وَرَائِي أَيِ الطَّلَبَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، أنْظُرُونِي أُكَلِّمُكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا آتِيكُمْ وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَزَادَ وَأَنَا لَكُمْ نَافِعٌ غَيْرُ ضَارٍ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ الْحَيَّ - يَعْنِي قَوْمَهُ - فَزِعُوا لِرُكُوبِي، وَأَنَا رَاجِعٌ وَرَادُّهُمْ عَنْكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي.

قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ) أَيْ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الظَّفَرِ بِهِمْ، وَبَذْلِ الْمَالِ لِمَنْ يَحْصُلُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَاهَدَهُمْ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُخْبِرُ عَنْهُمْ، وَأَنْ يَكْتُمَ عَنْهُمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ) فِي مُرْسَلِ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَكَفَّ ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّا إِلَى الزَّادِ وَالْحُمْلَانِ، فَقَالَا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سُرَاقَةَ قَالَ لَهُمْ: وَإِنَّ إِبِلِي عَلَى طَرِيقِكُمْ فَاحْتَلِبُوا مِنَ اللَّبَنِ وَخُذُوا سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي أَمَارَةً إِلَى الرَّاعِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْزَآنِي) بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ، أَيْ لَمْ يَنْقُصَانِي مِمَّا مَعِيَ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ: وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ تَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغَنَمِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، فَقَالَ لِي: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي إِبِلِكَ، وَدَعَا لَهُ.

قَوْلُهُ: (أَخْفِ عَنَّا) لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ فَدَعَا لَهُ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ لَهُ: قَدْ كُفِيتُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ، لَا تَتْرُكْنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ. أَيْ حَارِسًا لَهُ بِسِلَاحِهِ.

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ قَالَ لِقُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ بَصَرِي بِالطَّرِيقِ وَبِالْأَثَرِ، وَقَدِ اسْتَبْرَأْتُ لَكُمْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَجَعُوا.

قَوْلُهُ: (كِتَابَ أَمْنٍ) بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كِتَابَ مُوَادَعَةٍ. وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمَ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ - أَوْ وَرَقَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ - ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَيَّ، فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ رَجَعْتُ. وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ نَحْوَهُ وَعِنْدَهُمَا: فَرَجَعْتُ فَسُئِلْتُ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ، حَتَّى إِذَا فَزع مِنْ حُنَيْنٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ خَرَجْتُ لِأَلْقَاهُ وَمَعِيَ الْكِتَابُ، فَلَقِيتُهُ بِالْجِعِرَّانَةِ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ بِالْكِتَابِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا كِتَابُكَ، فَقَالَ: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُ، ف أَسْلَمْتُ.

وَفِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ سُرَاقَةَ قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى قَوْمِي، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أُحِبُّ أَنْ تُوَادِعَ قَوْمِي، فَإِنْ أَسْلَمَ قَوْمُكَ أَسْلَمُوا وَإِلَّا أَمِنْتَ مِنْهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَمَّا بَلَغَهُ مَا لَقِيَ سُرَاقَةُ، لَامَهُ فِي تَرْكِهِمْ، فَأَنْشَدَهُ:

أَبَا حَكَمٍ وَاللَّاتِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لِأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسِيخُ قَوَائِمُهُ

عَجِبْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … نَبِيٌّ وَبُرْهَانٌ فَمَنْ ذَا يُكَاتِمُهُ

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سُرَاقَةَ عَارَضَهُمْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بِقُدَيْدٍ. الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَقَدْ أَفْرَدَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَصْلًا وَصُورَتُهُ مُرْسَلٌ، لَكِنَّهُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّبَيْرَ بِهِ، وَأَفَادَ أَنَّ قَوْلَهُ وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ .. إِلَخْ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَأَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ وَأَتَمَّ مِنْهُ وَزَادَ قَالَ: وَيُقَالُ: لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ طَلْحَةُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجَ عَائِدًا إِلَى مَكَّةَ إِمَّا مُتَلَقِّيًا وَإِمَّا مُعْتَمِرًا، وَمَعَهُ ثِيَابٌ أَهْدَاهَا لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ ثِيَابِ الشَّامِ، فَلَمَّا لَقِيَهُ أَعْطَاهُ فَلَبِسَ مِنْهَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ انْتَهَى.

وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ أَهْدَى لَهُمَا مِنَ الثِّيَابِ. وَالَّذِي فِي السِّيَرِ هُوَ الثَّانِي، وَمَالَ الدِّمْيَاطِيُّ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَرْجِيحِ مَا فِي السِّيَرِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ، وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا طَلْحَةُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَالَّتِي فِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ. ثُمَّ وَجَدْتُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَجَ عُمَرُ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَعُثْمَانُ، وَعَيَّاشُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَتَوَجَّهَ عُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ إِلَى الشَّامِ فَتَعَيَّنَ تَصْحِيحُ الْقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ: (يَغْدُونَ) بِسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَخْرُجُونَ غُدْوَةً، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ كُنَّا نَخْرُجُ فَنَجْلِسُ لَهُ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ نَلْجَأُ إِلَى ظِلِّ الْمَدَرِ حَتَّى تَغْلِبَنَا عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَرُدَّهُمْ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ يُؤْذِيهِمْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَإِذَا أَحْرَقَتْهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْبَرَاءِ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا.

قَوْلُهُ: (فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَمَا طَالَ (١) انْتِظَارَهُمْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ حَتَّى إِذَا رَجَعْنَا جَاءَ.

قَوْلُهُ: (أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ) أَيْ طَلَعَ إِلَى مَكَانٍ عَالٍ فَأَشْرَفَ مِنْهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْيَهُودِيِّ.

قَوْلُهُ: (أُطُمٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ هُوَ الْحِصْنُ، وَيُقَالُ: كَانَ بِنَاءً مِنْ حِجَارَةٍ كَالْقَصْرِ.

قَوْلُهُ: (مُبَيَّضِينَ) أَيْ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْبِيضُ الَّتِي كَسَاهُمْ إِيَّاهَا الزُّبَيْرُ أَوْ طَلْحَةُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُسْتَعْجِلِينَ، وَحَكَى عَنِ ابْنِ فَارِسٍ يُقَالُ: بَايِضٌ أَيْ مُسْتَعْجِلٌ.

قَوْلُهُ: (يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ) أَيْ يَزُولُ السَّرَابُ عَنِ النَّظَرِ بِسَبَبِ عُرُوضِهِمْ لَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ظَهَرَتْ حَرَكَتُهُمْ لِلْعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمٍ يَا بَنِي قَيْلَةَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْجَدَّةُ الْكُبْرَى لِلْأَنْصَارِ وَالِدَةِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَهِيَ قَيْلَةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ.

قَوْلُهُ: (هَذَا جَدُّكُمْ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ حَظُّكُمْ وَصَاحِبُ دَوْلَتِكُمُ الَّذِي تَتَوَقَّعُونَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذَا صَاحِبُكُمْ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) أَيِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ وَمَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءَ، وَهِيَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ

بِالْمَدِينَةِ، كَانَ نُزُولُهُ عَلَى كُلْثُومَ بْنِ الْهَرِمِ، وَقِيلَ: كَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، وَجَزَمَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَشَذَّ مَنْ قَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَدِمَهَا لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَيْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَدِمَهَا لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَنَحْوَهُ عِنْدَ أَبِي مَعْشَرٍ، لَكِنْ قَالَ: لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الْبَرْقِيِّ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَدِمَهَا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ قَدِمَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.

وَهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْحَمْلِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ كَذَا فِيهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ خَلَتَا لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ جَرِيرٍ، وَابْنِ حَازِمٍ، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ فِي خَبَرِ الْمَدِينَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي نِصْفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقِيلَ: كَانَ قُدُومُهُ فِي سَابِعِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ إِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْغَارِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ قُدُومَهُ قُبَاءَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَإِذَا ضُمَّ إِلَى قَوْلِ أَنَسٍ إِنَّهُ أَقَامَ بِقُبَاءَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَرَجَ مِنْهُ أَنَّ دُخُولَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ لِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْهُ، لَكِنِ الْكَلْبِيُّ جَزَمَ بِأَنَّهُ دَخَلَهَا لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَكُونُ إِقَامَتُهُ بِقُبَاءَ أَرْبَعَ لَيَالٍ فَقَطْ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَقَامَ بِهَا الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ يَعْنِي وَخَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ، وَكَذَا قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: إِنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ وَلَا الدُّخُولِ، وَعَنْ قَوْمٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ كَمَا يُذْكَرُ عَقِبَ هَذَا، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ قَدِمَ نَهَارًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَيْلًا، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ

الْقُدُومَ كَانَ آخِرَ اللَّيْلِ فَدَخَلَ نَهَارًا.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ) أَيْ يَتَلَقَّاهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ) أَيْ جَعَلَ (مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ) أَيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ إِلَيْهِمْ فِي التِّجَارَةِ إِلَى الشَّامِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَهُ، وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَأْتِهَا بَعْدَ أَنْ كَبُرَ. قُلْتُ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يُحَيِّي مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ النَّبِيَّ يَظُنُّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَلِذَلِكَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ يُظَلِّلُ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ يَحْسِبُهُ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى إِذَا أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ بِشَيْءٍ أَظَلَّهُ بِهِ.

وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَاخَ إِلَى الظِّلِّ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَبَا بَكْرٍ يَنْحَازُ لَهُ عَنِ الظِّلِّ فَعَرَفْنَاهُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَبْلَهُ مَا يُخَالِفُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَقَامَ فِيهِمْ ثَلَاثًا. قَالَ: وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ مَجْمَعِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّهُ أَقَامَ اثْنَتيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَقَامَ فِيهِمْ خَمْسًا، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَزْعُمُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: لَيْسَ أَنَسٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَإِنَّهُمْ مِنَ الْأَوْسِ وَأَنَسٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ جَزَمَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ

عَلَى التَّقْوَى) أَيْ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: الَّذِينَ بَنَى فِيهِمُ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ، وَلَفْظُهُ وَمَكَثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَاتَّخَذَ مَكَانَهُ مَسْجِدًا فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ بَنَاهُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَهُوَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ فَنَزَلَ بِقُبَاءَ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: مَا لِرَسُولِ اللَّهِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَكَانًا يَسْتَظِلُّ بِهِ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَمَعَ حِجَارَةً فَبَنَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ أَوَّلُ مَسْجِدٍ صَلَّى النَّبِيُّ فِيهِ بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَةً ظَاهِرًا، وَأَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ بِنَاءُ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَكِنْ لِخُصُوصِ الَّذِي بَنَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بِنَاءِ أَبِي بَكْرٍ مَسْجِدَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَقَدْ لَبِثْنَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِسِنِينَ نَعْمُرُ الْمَسَاجِدَ وَنُقِيمُ الصَّلَاةَ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَسْجِدُ قُبَاءَ، هَذَا وهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، وَلِأَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ . وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ هَذَا، وَفِي ذَلِكَ - يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ - خَيْرٌ كَثِيرٌ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا السُّؤَالُ صَدَرَ مِمَّنْ ظَهَرَتْ لَهُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَنَاهُ النَّبِيُّ ، فَلِذَلِكَ سُئِلَ النَّبِيُّ عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَسْجِدُهُ، وَكَأَنَّ الْمَزِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ تَعْيِينَهُ دُونَ مَسْجِدِ قُبَاءَ لِكَوْنِ مَسْجِدِ قُبَاءَ لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِأَمْرِ جَزْمٍ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَزِيَّةُ لِمَا اتُّفِقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَكَفَى بِهَذَا مَزِيَّةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَّفَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ - يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فِي أَهْلِ قُبَاءَ، وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ، رَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَذَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ، وَزَادَ غَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ، لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ بِدَارِ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ عَائِذٍ أَنَّهُ رَكِبَ مِنْ قُبَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَالْقُوَّةِ، انْزِلْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: وَصَارُوا يَتَنَازَعُونَ زِمَامَ نَاقَتِهِ، وَسَمَّى مِمَّنْ سَأَلَهُ النُّزُولَ عِنْدَهُمْ عتَبَّانَ بْنَ مَالِكٍ فِي بَنِي سَالِمٍ، وَفَرْوَةَ بْنَ عَمْرٍو فِي بَنِي بَيَاضَةَ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو وَغَيْرَهُمَا فِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَأَبَا سَلِيطٍ وَغَيْرَهُ، فِي بَنِي عَدِيٍّ، يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ جَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا: إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ: دَعُوا النَّاقَةَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ. فَبَرَكَتْ عَلَى بَابِ أَبِي أَيُّوبَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ) فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَتَنَازَعَهُ الْقَوْمُ أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أَنْزِلُ عَلَى أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَكْرَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهَا اسْتَنَاخَتْ بِهِ أَوَّلًا فَجَاءَهُ نَاسٌ فَقَالُوا: الْمَنْزِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: دَعُوهَا. فَانْبَعَثَتْ حَتَّى اسْتَنَاخَتْ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ تَحَلْحَلَتْ فَنَزَلَ عَنْهَا فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَنْقُلَ رَحْلَكَ. قَالَ: نَعَمْ. فَنَقَلَ وَأَنَاخَ النَّاقَةَ فِي مَنْزِلِهِ.

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمَّا نَقَلَ رَحْلَ النَّبِيِّ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ النَّبِيُّ : الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ. وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ جَاءَ فَأَخَذَ نَاقَتَهُ فَكَانَتْ عِنْدَهُ، قَالَ: وَهَذَا أَثْبَتُ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ (مِرْبَدًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجَفَّفُ فِيهِ التَّمْرُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْمِرْبَدُ كُلُّ شَيْءٍ حُبِسَتْ فِيهِ الْإِبِلُ أَوِ الْغَنَمُ، وَبِهِ سُمِّيَ مِرْبَدُ الْبَصْرَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْضِعَ سُوقِ الْإِبِلِ.

قَوْلُهُ: (لِسُهَيْلٍ، وَسَهْلٍ) زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ وَكَانَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ سَأَلَ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ لِسُهَيْلٍ، وَسَهْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو يَتِيمَانِ لِي وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِ سْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ أَسْعَدَ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَهُوَ الْوَجْهُ، وكَانَ أَسْعَدُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَيُكَنَّى أَبَا أُمَامَةَ، وَأَمَّا أَخُوهُ سَعْدٌ فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ أَنَّهُمَا كَانَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ أَنَّهُمَا كَانَا فِي حِجْرِ أَبِي أَيُّوبَ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَقَدْ يُجْمَعُ بِاشْتِرَاكِهِمَا أَوْ بِانْتِقَالِ ذَلِكَ بَعْدَ أَسْعَدَ إِلَى مَنْ ذُكِرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مناقبه كَانَ يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (فَسَاوَمَهُمَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فَكَلَّمَ عَمَّهُمَا أَيِ الَّذِي كَانَا فِي حِجْرِهِ أَنْ يَبْتَاعَهُ مِنْهُمَا فَطَلَبَهُ مِنْهُمَا فَقَالَا مَا تَصْنَعُ بِهِ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَصْدُقَهُمَا. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا) ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُعْطِيَهُمَا ثَمَنَهُ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُ مَعْمَرٍ: أَعْطَاهُمَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ. وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ. قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ سَأَلَ عَمَّنْ يَخْتَصُّ بِمِلْكِهِ مِنْهُمْ فَعَيَّنُوا لَهُ الْغُلَامَيْنِ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَحَمَّلُوا عَنْهُ لِلْغُلَامَيْنِ بِالثَّمَنِ، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرْضَاهُمَا عَنْ ثَمَنِهِ.

قَوْلُهُ: (وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ أَيْ جَعَلَ (يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ) أَيِ الطُّوبَ الْمَعْمُولَ مِنَ الطِّينِ الَّذِي لَمْ يُحْرَقْ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ وَهُوَ عَرِيشٌ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ بَنَاهُ وَسَقَّفَهُ. وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ فِي خَبَرِ الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ بَنَاهُ أَوَّلًا بِالْجَرِيدِ ثُمَّ بَنَاهُ بِاللَّبِنِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ: (هَذَا الْحِمَالُ) بِالْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ هَذَا الْمَحْمُولُ مِنَ اللَّبِنِ (أَبَرُّ) عِنْدَ اللَّهِ، أَيْ أَبْقَى ذُخْرًا وَأَكْثَرً وَأَدْوَمُ مَنْفَعَةً وَأَشَدُّ طَهَارَةً مِنْ حِمَالِ خَيْبَرَ، أَيِ الَّتِي يُحْمَلُ مِنْهَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هَذَا الْجَمَالُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَوْلُهُ: رَبَّنَا مُنَادَى مُضَافٌ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَةْ، فَارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ) كَذَا

فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرَ الْآخِرَةْ، فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ، وَجَاءَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِتَغْيِيرٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى الْآخِرَةْ وَالْمُهَاجِرَةْ بِالتَّاءِ مُحَرَّكَةً، فَيُخْرِجُهُ عَنِ الْوَزْنِ، ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ، وَالْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَ هَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الرَّجَزَ الْمَذْكُورَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شِعْرًا آخَرَ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمُنَاسَبَةُ الشِّعْرِ الْمَذْكُورِ لِلْحَالِ الْمَذْكُورُ وَاضِحَةٌ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي وَرَدَ فِي كَرَاهِيَةِ الْبِنَاءِ مُخْتَصٌّ بِمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ كَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شَعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ) زَادَ ابْنُ عَائِذٍ فِي آخِرِهِ الَّتِي كَانَ يَرْتَجِزُ بِهِنَّ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: أُنْكِرَ عَلَى الزُّهْرِيِّ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَجَزٌ وَلَيْسَ بِشِعْرٍ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِقَائِلِهِ: رَاجِزٌ، وَيُقَالُ: أَنْشَدَ رَجَزًا، وَلَا يُقَالُ لَهُ: شَاعِرٌ وَلَا أَنْشَدَ شِعْرًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَنْشُدُ النَّبِيُّ شِعْرًا أَمْ لَا. وَعَلَى الْجَوَازِ هَلْ يَنْشُدُ بَيْتًا وَاحِدًا أَوْ يَزِيدُ؟ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْبَيْتَ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ.

وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الرَّجَزَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ إِذَا كَانَ مَوْزُونًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ لَا يُطْلِقُ الْقَافِيَّةَ، بَلْ يَقُولُهَا مُتَحَرِّكَةَ التَّاءِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِلَفْظِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَنْهُ إِنْشَاؤُهُ لَا إِنْشَادُهُ أي الشعر، وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَنْعِ إِنْشَادِهِ مُتَمَثِّلًا.

وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: لَمْ يَبْلُغْنَا لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْشَدَ غَيْرَ مَا نَقَلَهُ الزُّهْرِيُّ، لِأَنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُ، وَلَمْ يُطْلِقِ النَّفْيَ الْمَذْكُورَ. عَلَى أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ رَوَى عَنْ عَفَّانَ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ قِيلَ قَبْلَهُ أَوْ يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ الشِّعْرَ الْمَذْكُورَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: شِعْرُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ قَوْلِ الشِّعْرِ وَأَنْوَاعِهِ خُصُوصًا الرَّجَزَ فِي الْحَرْبِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ الْهِمَمِ وَتَشْجِيعِ النُّفُوسِ وَتَحَرُّكِهَا عَلَى مُعَالَجَةِ الْأُمُورِ الصَّعْبَةِ.

وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ مِنْ طَرِيقِ مَجْمَعِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إِذًا لَلْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ

وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:

لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا … يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا … وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدًا

وَسَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ نُزُولِهِ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ الْمَسْجِدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ بِهَذَا السَّنَدِ فَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ - يَعْنِي الْأَخِيرَةَ - وَبَيْنَ مُهَاجِرِ النَّبِيِّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا. قُلْتُ: هِيَ ذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَصَفَرُ، لَكِنْ كَانَ مَضَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ أَنِ اسْتَهَلَّ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ فَمَهْمَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مِنَ الشَّهْرِ يُعْرَفُ مِنْهُ الْقَدْرُ عَلَى التَّحْرِيرِ، فَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثَةُ سَوَاءً وَقَدْ يَنْقُصُ وَقَدْ يَزِيدُ، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا قِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، وَأَكْثَرَ مَا قِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْهُ. الْحَدِيثُ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد