«مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٣٤

الحديث رقم ٣٩٣٤ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٩٣٤ في صحيح البخاري

«مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ، وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ.»

إسناد حديث رقم ٣٩٣٤ من صحيح البخاري

٣٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٩٣٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولُ اللَّهِ : ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أَيْ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ) أَيِ ابْنَ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (ابْنَ أُخْتِ النَّمِرِ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا فِي الْمَنَاقِبِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمَادٍ، وَكَانَ حَلِيفَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ الْعَلَاءُ صَحَابِيًّا جَلِيلًا، وَلَّاهُ النَّبِيُّ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى، وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْهَا قَبْلَ الْفَتْحِ، لَكِنْ أُبِيحَ لِمَنْ قَصَدَهَا مِنْهُمْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَلهَذَا رَثَى النَّبِيُّ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِقَامَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تُخْرِجُ صَاحِبَهَا عَنْ حُكْمِ الْمُسَافِرِ، وَفِي كَلَامِ الدَّاوُدِيِّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِالْأَوَّلِينَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ اسْتِيطَانُ مَكَّةَ. وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، قَالَ: وَأَجَازَهُ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، يَعْنِي بَعْدَ الْفَتْحِ، فَحَمَلُوا هَذَا الْقَوْلَ عَلَى الزَّمَنِ الَّذِي كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَاجِبَةً فِيهِ، قَالَ: وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَ الْفَتْحِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَةِ كَانَ وَاجِبًا لِنُصْرَةِ النَّبِيِّ وَمُوَاسَاتِهِ بِالنَّفْسِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُهَاجِرِينَ فَيَجُوزُ لَهُ سُكْنَى أَيِّ بَلَدٍ أَرَادَ، سَوَاءٌ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا بِالِاتِّفَاقِ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ بِالْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا إِقَامَةَ بَعْدَهُ، وَمَتَى أَقَامَ بَعْدَهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَقَدْ سَمَّاهُ قَبْلَهُ قَاضِيًا لِمَنَاسِكِهِ، فَخَرَجَ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِنَصْرِ النَّبِيِّ وَلَا يَعْنِي بِهِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ لِمَا تَحَرَّجُوا مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ إِذْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ إِقَامَةَ الثَّلَاثَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ، قَالَ: وَالْخِلَافُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ كَانَ فِيمَنْ مَضَى، وَهَلْ يَنْبَنِي عَلَيْهِ خِلَافٌ فِيمَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ مَوْضِعٍ يَخَافُ أَنْ يُفْتَنَ فِيهِ فِي دِينِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ؟ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ تَرَكَهَا لِلَّهِ كَمَا فَعَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهَا فِرَارًا بِدِينِهِ لِيَسْلَمَ لَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى تَرْكِهَا لِذَاتِهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ إِلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ تَرَكَ رِبَاعًا أَوْ دُورًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَخْصِيصِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٨ - بَاب التَّارِيخِ. مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ؟

٣٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ.

٣٩٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ

عَلَى الأُولَى" تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّارِيخِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّارِيخُ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ، وَالتَّوْرِيخُ مِثْلُهُ، تَقُولُ: أَرَّخْتُ وَوَرَّخْتُ. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأَرْخِ وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الْوَلَدُ، وَقِيلَ: هُوَ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَا أُحْدِثَ التَّارِيخُ مِنَ الطُّوفَانِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيجٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ فَكُتِبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُعْضَلٌ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. وَأَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَذُوا التَّارِيخَ بِالْهِجْرَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلَ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى شَيْءٍ مُضْمَرٍ، وَهُوَ أَوَّلُ الزَّمَنِ الَّذِي عَزَّ فِيهِ الْإِسْلَامُ، وَعَبَدَ فِيهِ النَّبِيُّ رَبَّهُ آمِنًا، وَابْتَدَأَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَوَافَقَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفَهِمْنَا مِنْ فِعْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِن أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أَنَّهُ أَوَّلُ أَيَّامِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، كَذَا قَالَ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أَيْ: دَخَلَ فِيهِ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) أَيِ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مِصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ، لَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثِهِ وَلَا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاتِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ وَهَمٌ، ثُمَّ سَاقَهُ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ أَيْ: أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ مَا عَمِلُوا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَهُ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ مِنَ الْمَبْعَثِ أَوِ الْوَفَاةِ أَوْلَى، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَقْدَمِهِ) أَيْ زَمَنِ قُدُومِهِ، وَلَمْ يُرِدْ شَهْرَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ. وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْبُدَاءَةِ بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: كَانَتِ الْقَضَايَا الَّتِي اتُّفِقَتْ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَرَّخَ بِهَا أَرْبَعَةً: مَوْلِدُهُ، وَمَبْعَثُهُ، وَهِجْرَتُهُ، وَوَفَاتُهُ، فَرَجَحَ عِنْدَهُمْ جَعْلُهَا مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلِدَ وَالْمَبْعَثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ النِّزَاعِ فِي تَعْيِينِ السَّنَةِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوَفَاةِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا تُوُقِّعَ بِذِكْرِهِ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ، فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ؛ إِذِ الْبَيْعَةُ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْهِجْرَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ هِلَالٍ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْبَيْعَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً، وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْمُحَرَّمِ.

وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ عَمَلِ عُمَرَ التَّارِيخَ أَشْيَاءَ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ، وَبَعْضُهُمْ أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَرِّخُوا بِهَا، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. فَلَمَّا اتَّفَقُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْدَءُوا بِرَمَضَانَ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ بِالْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ حَيْثُ كَانَ بِالْيَمَنِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَيَعْلَى، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو عَرُوبَةَ فِي الْأَوَائِلِ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: رُفِعَ لِعُمَرَ صَكٌّ مَحَلُّهُ شَعْبَانُ فَقَالَ: أَيُّ شَعْبَانَ ; الْمَاضِي أَوِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، أَوِ الْآتِي؟ ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْأَوَّلِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَكْتُبُ التَّارِيخَ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولُ اللَّهِ : ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أَيْ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ) أَيِ ابْنَ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (ابْنَ أُخْتِ النَّمِرِ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا فِي الْمَنَاقِبِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمَادٍ، وَكَانَ حَلِيفَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ الْعَلَاءُ صَحَابِيًّا جَلِيلًا، وَلَّاهُ النَّبِيُّ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى، وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْهَا قَبْلَ الْفَتْحِ، لَكِنْ أُبِيحَ لِمَنْ قَصَدَهَا مِنْهُمْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَلهَذَا رَثَى النَّبِيُّ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِقَامَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تُخْرِجُ صَاحِبَهَا عَنْ حُكْمِ الْمُسَافِرِ، وَفِي كَلَامِ الدَّاوُدِيِّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِالْأَوَّلِينَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ اسْتِيطَانُ مَكَّةَ. وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، قَالَ: وَأَجَازَهُ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، يَعْنِي بَعْدَ الْفَتْحِ، فَحَمَلُوا هَذَا الْقَوْلَ عَلَى الزَّمَنِ الَّذِي كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَاجِبَةً فِيهِ، قَالَ: وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَ الْفَتْحِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَةِ كَانَ وَاجِبًا لِنُصْرَةِ النَّبِيِّ وَمُوَاسَاتِهِ بِالنَّفْسِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُهَاجِرِينَ فَيَجُوزُ لَهُ سُكْنَى أَيِّ بَلَدٍ أَرَادَ، سَوَاءٌ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا بِالِاتِّفَاقِ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ بِالْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا إِقَامَةَ بَعْدَهُ، وَمَتَى أَقَامَ بَعْدَهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَقَدْ سَمَّاهُ قَبْلَهُ قَاضِيًا لِمَنَاسِكِهِ، فَخَرَجَ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِنَصْرِ النَّبِيِّ وَلَا يَعْنِي بِهِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ لِمَا تَحَرَّجُوا مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ إِذْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ إِقَامَةَ الثَّلَاثَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ، قَالَ: وَالْخِلَافُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ كَانَ فِيمَنْ مَضَى، وَهَلْ يَنْبَنِي عَلَيْهِ خِلَافٌ فِيمَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ مَوْضِعٍ يَخَافُ أَنْ يُفْتَنَ فِيهِ فِي دِينِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ؟ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ تَرَكَهَا لِلَّهِ كَمَا فَعَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهَا فِرَارًا بِدِينِهِ لِيَسْلَمَ لَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى تَرْكِهَا لِذَاتِهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ إِلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ تَرَكَ رِبَاعًا أَوْ دُورًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَخْصِيصِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٨ - بَاب التَّارِيخِ. مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ؟

٣٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ.

٣٩٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ "فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ

عَلَى الأُولَى" تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّارِيخِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّارِيخُ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ، وَالتَّوْرِيخُ مِثْلُهُ، تَقُولُ: أَرَّخْتُ وَوَرَّخْتُ. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأَرْخِ وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الْوَلَدُ، وَقِيلَ: هُوَ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَا أُحْدِثَ التَّارِيخُ مِنَ الطُّوفَانِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيجٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ فَكُتِبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُعْضَلٌ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. وَأَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَذُوا التَّارِيخَ بِالْهِجْرَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلَ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى شَيْءٍ مُضْمَرٍ، وَهُوَ أَوَّلُ الزَّمَنِ الَّذِي عَزَّ فِيهِ الْإِسْلَامُ، وَعَبَدَ فِيهِ النَّبِيُّ رَبَّهُ آمِنًا، وَابْتَدَأَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَوَافَقَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفَهِمْنَا مِنْ فِعْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِن أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أَنَّهُ أَوَّلُ أَيَّامِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، كَذَا قَالَ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أَيْ: دَخَلَ فِيهِ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) أَيِ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مِصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ، لَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثِهِ وَلَا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاتِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ وَهَمٌ، ثُمَّ سَاقَهُ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ أَيْ: أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ مَا عَمِلُوا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَهُ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ مِنَ الْمَبْعَثِ أَوِ الْوَفَاةِ أَوْلَى، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَقْدَمِهِ) أَيْ زَمَنِ قُدُومِهِ، وَلَمْ يُرِدْ شَهْرَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ. وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْبُدَاءَةِ بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: كَانَتِ الْقَضَايَا الَّتِي اتُّفِقَتْ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَرَّخَ بِهَا أَرْبَعَةً: مَوْلِدُهُ، وَمَبْعَثُهُ، وَهِجْرَتُهُ، وَوَفَاتُهُ، فَرَجَحَ عِنْدَهُمْ جَعْلُهَا مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلِدَ وَالْمَبْعَثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ النِّزَاعِ فِي تَعْيِينِ السَّنَةِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوَفَاةِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا تُوُقِّعَ بِذِكْرِهِ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ، فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ؛ إِذِ الْبَيْعَةُ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْهِجْرَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ هِلَالٍ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْبَيْعَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً، وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْمُحَرَّمِ.

وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ عَمَلِ عُمَرَ التَّارِيخَ أَشْيَاءَ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ، وَبَعْضُهُمْ أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَرِّخُوا بِهَا، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. فَلَمَّا اتَّفَقُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْدَءُوا بِرَمَضَانَ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ بِالْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ حَيْثُ كَانَ بِالْيَمَنِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَيَعْلَى، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو عَرُوبَةَ فِي الْأَوَائِلِ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: رُفِعَ لِعُمَرَ صَكٌّ مَحَلُّهُ شَعْبَانُ فَقَالَ: أَيُّ شَعْبَانَ ; الْمَاضِي أَوِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، أَوِ الْآتِي؟ ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْأَوَّلِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَكْتُبُ التَّارِيخَ،

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله