«إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٤

الحديث رقم ٣٩٤ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشأم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة ولا…

«إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى». وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ : مِثْلَهُ.

سند حديث: ٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة ولا…

نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن أراد قضاء حاجته من بول أو غائط أن يستقبل القبلة وجهة الكعبة، ولا يستدبرها بأن يجعلها خلف ظهره؛ بل عليه أن ينحرف عنها قِبَلَ المشرق أو المغرب إذا كانت قبلته كقبلة أهل المدينة.
ثم أخبر أبو أيوب رضي الله عنه أنهم لما قدموا الشام وجدُوا فيها المراحيض المعدة لقضاء الحاجة قد بُنيت متجهة إلى الكعبة، فكانوا ينحرفون بأجسادهم عن القبلة، ومع ذلك يستغفرون الله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحكمة في ذلك تعظيم الكعبة المشرفة واحترامها.
  • الاستغفار بعد الخروج من مكان قضاء الحاجة.
  • حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما ذكر الممنوع أرشد إلى الجائز.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة ولا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ - يَعْنِي فِي التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ - قَالَ: لِأَنَّ عَادَةَ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ ذِكْرُ الْخَبَرِ فِيمَا يَرْوُونَهُ. قُلْتُ هَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ، لَمْ يُوثَقْ بِرِوَايَةِ مُدَلِّسٍ أَصْلًا وَلَوْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ.

وَرِوَايَةُ مُعَاذٍ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَنَسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ أَنَسٍ ثُمَّ يَسْتَثْبِتَ فِيهِ مِنْ مَيْمُونٍ - لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ كَانَ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ - فَكَانَ حَقِيقًا بِضَبْطِهِ فَكَانَ حُمَيْدٌ تَارَةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أَنَسٍ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ، وَتَارَةً عَنْ مَيْمُونٍ لِكَوْنِهِ ثَبَّتَهُ فِيهِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ حُمَيْدٍ بِهَذَا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ وَثَبَّتَنِي فِيهِ ثَابِتٌ وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ حُمَيْدٍ.

٢٩ - بَاب قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ، لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا

٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّام فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى.

وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ عَنْ النَّبِيِّ . . . . مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ) نَقَلَ عِيَاضٌ أَنَّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ ضَمُّ قَافِ الْمَشْرِقِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى بَابٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِالْخَفْضِ، وَوَجَّهَ السُّهَيْلِيُّ رِوَايَةَ الضَّمِّ بِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ حُكْمِ الْمَشْرِقِ فِي الْقِبْلَةِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَدِينَةِ، بِخِلَافِ الشَّامِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ. وَأَجَابَ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ حُكْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَوَاءٌ تَوَافَقَتِ الْبِلَادُ أَمِ اخْتَلَفَتْ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا عَلَى عُمُومِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمُخَاطَبِينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ سَمْتِهِمْ مِمَّنْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْمَشْرِقَ أَوْ الْمَغْرِبَ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَسْتَدْبِرْهَا، أَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْمَشْرِقِ فَقِبْلَتُهُ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ، وَهَذَا مَعْقُولٌ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةً، أَيْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَخْصِيصِهِ الْمَدِينَةَ وَالشَّامَ بِالذِّكْرِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ مَغْرِبَ الْأَرْضِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْمَشْرِقِ، إِذِ الْعِلَّةُ مُشْتَرَكَةٌ، وَلِأَنَّ الْمَشْرِقَ أَكْثَرُ الْأَرْضِ الْمَعْمُورَةِ، وَلِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فِي جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ قَلِيلَةٌ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ سُفْيَانَ حَدَّثَ بِهِ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ الزُّهْرِيِّ لَهُ وَفِيهِ عَنْعَنَةُ عَطَاءٍ، وَمَرَّةً أَتَى بِالْعَنْعَنَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَبِتَصْرِيحِ عَطَاءٍ بِالسَّمَاعِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ مُعَلَّقَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ فِي الْأَوَّلِ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ، وَفِي الثَّانِي سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبٍ عَنِ النَّبِيِّ ، فَكَانَ الثَّانِي أَقْوَى؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ أَقْوَى مِنَ الْعَنْعَنَةِ وَالْعَنْعَنَةُ أَقْوَى مِنْ أَنَّ لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ حَيْثُ قَالَ: وَعَنِ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى، وَفِي دَعْوَاهُ ضَعْفُ أَنَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَنْ نَظَرٌ، فَكَأَنَّهُ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ نَقْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَيَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ مَنْظُومَتَهُ وَهْمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٩٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت زيادة: «اللَّيثيِّ» (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ) (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ) اسمٌ للأرض المطمئنَّة لقضاء الحاجة (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) احترامًا لها وتعظيمًا، وهل هو من جهة خروج الخارج المُستقذَر، أو من جهة كشف العورة؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ (١) على جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علَّل بالخارج أباح، ومن علَّل بالعورة منع (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) مخصوصٌ بأهل المدينة لأنَّهم المُخاطَبون، ويلحق بهم: من كان على سَمْتهم ممَّن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها.

(قَالَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريُّ: (فَقَدِمْنَا (٢) الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ) بفتح الميم وكسر الحاء

المُهمَلة والضَّاد المُعجمَة، جمع: مِرْحاضٍ، بكسر الميم (بُنِيَتْ) لقضاء حاجة الإنسان (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: مقابل (القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ) عن (١) جهة القبلة، من الانحراف، وفي روايةٍ: «فنتحرَّف» (وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى) لمن بناها، فإنَّ الاستغفار للمؤمنين سُنَّةٌ، أو من الاستقبال، ولعلَّ أبا أيُّوبَ لم يبلغه حديث ابن عمر في ذلك، أو لم يرَه مُخصِّصًا، وحمل ما رواه على العموم.

ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ (٢) ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية الأكابر عن الأصاغر (٣)، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: حدَّثنا سفيان قوله: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) بالإسناد المذكور (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن يزيد (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ) الأنصاريَّ (عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، والحاصل: أنَّ سفيان حدَّث به عليًّا مرَّتين: مرَّةً صرَّح بتحديث الزُّهريِّ له وفيه عنعنةُ عطاءٍ، ومرَّةً أتى بالعنعنة عن الزُّهريِّ وبتصريح عطاءٍ بالسَّماع.

(٣٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾) بكسر الخاء على الأمر، أي: وقلنا لهم: اتِّخذوا (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) مُدَّعًى يُدَّعَى عنده، وقال البرماويُّ: موضع صلاةٍ، وتُعقِّب

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٩٢ - (بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ فِي المَشْرِقِ ولَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَة)

هَذَا الْموضع يحْتَاج إِلَى تَحْرِير قوي، فَإِن أَكثر من تصدى لشرحه لم يغنِ شَيْئا بل بَعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فَنَقُول، وبا التَّوْفِيق: إِن قَوْله: بَاب، إِمَّا أَن يُضَاف إِلَى مَا بعده أَو يقطع عَنهُ، وَإِن لَفْظَة: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو لَا، وَلكُل وَاحِد من ذَلِك وَجه.

فَفِي الْقطع وَعدم وجود لَفْظَة: قبْلَة، يكون لَفْظَة. بَاب، منوناً على تَقْدِير: هَذَا بَاب. وَيجوز أَن يكون سَاكِنا مثل تعداد الْأَسْمَاء لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَيكون قَوْله: قبْلَة أهل الْمَدِينَة، الَّذِي هُوَ كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو، قَوْله: وَأهل الشَّام، بِالْجَرِّ عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: والمشرق، بِالْجَرِّ. وَقَوله: لَيْسَ فِي الْمشرق، خبر الْمُبْتَدَأ. وَلَكِن لَا بُد فِيهِ من تقديرين: أَحدهمَا: أَن يقدر لفظ: قبْلَة، الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأ بِلَفْظ: مُسْتَقْبل أهل الشَّام، لوُجُوب التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي التَّذْكِير والتأنيث. وَالثَّانِي: أَن يؤول لفظ: الْمشرق، بالتشريق، وَلَفظ: الْمغرب، بالتغريب، وَالْعرب تطلق الْمشرق وَالْمغْرب لِمَعْنى التَّشْرِيق والتغريب، قَالَه ثَعْلَب وَأنْشد.

أبعد مغربهم بَغْدَاد ساحتها

وَقَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ أبعد تغريبهم؟ فَإِن قلت: لم لم يذكر: الْمغرب، بعد قَوْله: والمشرق، مَعَ أَن الْعلَّة فيهمَا مُشْتَركَة؟ قلت: اكْتفى بذلك عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) أَي: وَالْبرد، وَأما تَخْصِيص الْمشرق فَلِأَن أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام فِي جِهَة الْمشرق.

وَأما فِي الْإِضَافَة، وَتَقْدِير وجود لفظ: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، فتقديره؛ هَذَا بَاب فِي بَيَان قبْلَة أهل الْمَدِينَة وقبلة أهل الشَّام وقبلة أهل الْمشرق، ثمَّ بَين ذَلِك بِالْجُمْلَةِ الاستئنافية، وَهِي قَوْله: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، وَلِهَذَا ترك العاطف، وَالْجُمْلَة الاستئنافية فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه: لما قَالَ: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق، انتصب سَائل فَقَالَ: كَيفَ قبْلَة هَذِه الْمَوَاضِع؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة. وَقَالَ السفاقسي: يُرِيد أَن قبْلَة هَؤُلَاءِ الْمُسلمين لَيست فِي الْمشرق مِنْهُم وَلَا فِي الْمغرب، بِدَلِيل أَن النَّبِي، أَبَاحَ لَهُم قَضَاء الْحَاجة فِي جِهَة الْمشرق مِنْهُم وَالْمغْرب. قلت: مَعْنَاهُ: الْقبْلَة مَا بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ النَّبِي: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) . ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن عمر: (إِذا جعلت الْمغرب عَن يَمِينك والمشرق عَن يسارك فَمَا بَينهمَا قبْلَة إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة) وَقَوله: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) ، لَيْسَ عَاما فِي سَائِر الْبِلَاد، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، وَمَا وَافق قبلتها، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : وَالْمرَاد، وَا أعلم، أهل الْمَدِينَة. وَمن كَانَت قبلته على سمت أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ أَحْمد بن خَالِد الذَّهَبِيّ: قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي اتعالى عَنهُ: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، قَالَه بِالْمَدِينَةِ، فَمن كَانَت قبلته مثل قبْلَة الْمَدِينَة فَهُوَ من سَعَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، ولسائر الْبلدَانِ من السعَة فِي الْقبْلَة مثل ذَلِك بَين الْجنُوب وَالشمَال، وَنَحْو ذَلِك؛ وَقَالَ ابْن بطال: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي: وقبلة مشرق الأَرْض كلهَا إلَاّ مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من الْمشرق إِلَى الْمغرب، فَحكم مشرق الأَرْض كلهَا كَحكم مشرق أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فِي الْأَمر بالانحراف عِنْد الْغَائِط، لأَنهم إِذا شرقوا أَو غربوا لم يستقبلوا الْقبْلَة وَلم يستدبروها. قَالَ: وَأما مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من مشرقها، إِلَى مغْرِبهَا فَلَا يجوز لَهُم اسْتِعْمَال هَذَا الحَدِيث، وَلَا يَصح لَهُم أَن يشرقوا. وَلَا أَن يغربوا لأَنهم إِذا شرقوا استدبروا الْقبْلَة، وَإِذا غربوا استقبلوها، وَكَذَلِكَ من كَانَ موازياً بمغرب مَكَّة إِن غرب استدبر الْقبْلَة، وَإِن شَرق اسْتَقْبلهَا، وَإِنَّمَا ينحرف إِلَى الْجنُوب أَو الشمَال، فَهَذَا هُوَ تغريبه وتشريقه.

قَالَ: وَتَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق وَالْمغْرب لَيْسَ فِي التَّشْرِيق وَلَا فِي التَّغْرِيب يَعْنِي أَنهم عِنْد الانحراف للتشريق والتغريب لَيْسُوا مواجهين للْقبْلَة وَلَا مستدبرين لَهَا.

لقوْلِ النَّبيِّ (لَا تسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) . هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا. فَقَالَ: أخبرنَا مَنْصُور، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي، قَالَ: (لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) . وَاحْتج البُخَارِيّ

بِعُمُوم هَذَا الحَدِيث، وَسوى بَين الصَّحَارِي والأبنية، وَجعله دَلِيلا للتَّرْجَمَة الَّتِي وَضعهَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن فِي نفس حَدِيثه الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالْبُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن، مَا يدل على عكس مَا أَرَادَهُ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ فِي حَدِيثه، (فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة، لَكنا ننحرف عَنْهَا، ونستغفر اعز وَجل) . قلت: لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا أصلا لِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوب: (لَكنا ننحرف عَنْهَا ونستغفر اعز وَجل) ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك إِلَى أَنه يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الصَّحرَاء بالبول وَالْغَائِط، وَلَا يحرم ذَلِك فِي الْبُنيان، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْوضُوء.

٤٩٣٩٥ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي أيُّوب الأَنْصارِيِّ أنَّ النبيَّ قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغائِطَ فَلَا تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولَا تَسْتَدْبِرُوها ولَكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) قَالَ أبُو أيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (شرقوا أَو غربوا) لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، فَإِذا لم تكن فيهمَا قبْلَة يتَوَجَّه المستنجي إِلَيْهَا إِمَّا يشرق وَإِمَّا يغرب.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عَليّ بن عبد االمديني، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَاسم أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِيهَا عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير، وَأَبُو دَاوُد فِيهَا أَيْضا عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَابْن مَاجَه كَذَلِك عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (الْغَائِط) ، اسْم للْأَرْض المطمئنة لقَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (فقدمنا الشَّام) ، وَهُوَ إقليم مَشْهُور يذكر وَيُؤَنث، وَيُقَال مهموزاً ومسهلاً، وَسميت بسام بن نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهُ أول من نزلها، فَجعلت السِّين شيناً مُعْجمَة تغييراً للفظ الأعجمي، وَقيل: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض فشبهت بالشامات. قَوْله: (مراحيض) ، بِفَتْح الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: جمع مرحاض، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الْمُتَّخذ لقَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان، أَي: التغوط، قَوْله: (قبل الْكَعْبَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: مقابلها. قَوْله: (فننحرف) أَي: عَن جِهَة الْقبْلَة من الانحراف. ويروى: (فنتحرف) من التحرف. قَوْله: (ونستغفر اتعالى) ، قيل: نَسْتَغْفِر الْمَنّ بناها فَإِن الاسْتِغْفَار للمذنبين سنة. وَقيل: نَسْتَغْفِر امن الِاسْتِقْبَال، وَقيل: نَسْتَغْفِر امن ذنُوبه. وَيُقَال: لَعَلَّ أَبَا أَيُّوب لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر فِي ذَلِك وَلم يره مُخَصّصا. وَحمل مَا رَوَاهُ على الْعُمُوم، وَهَذَا الاسْتِغْفَار لنَفسِهِ لَا للنَّاس على هَذِه الْهَيْئَة. فَإِن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إِثْمًا فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى الاسْتِغْفَار. قلت: أهل الْوَرع والمناصب الْعلية فِي التَّقْوَى قد يَفْعَلُونَ مثل هَذَا بِنَاء على نسبتهم التَّقْصِير إِلَى أنفسهم فِي التحفظ ابْتِدَاء، وَقد مر مَا يستنبط مِنْهُ فِيمَا مضى فِي كتاب الْوضُوء.

وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أيُّوبَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.

قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) عطف على قَوْله: (حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد الْمَذْكُور، سَمِعت أَبَا أَيُّوب. وَفَائِدَة ذكره مكرراً أَن فِي الطّرق الأول عنعن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء عَن أبي أَيُّوب، وَفِي هَذَا الطَّرِيق صرح عَطاء بِالسَّمَاعِ عَن أبي أَيُّوب، وَالسَّمَاع أقوى من العنعنة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السماع أقوى من العنعنة. وَهِي أقوى من أَن، لَكِن فِيهِ ضعف من جِهَة التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ. قلت: الظَّاهِر مَعَ الْكرْمَانِي، وَلَكِن الحَدِيث بِهَذَا

الطَّرِيق مُسْندًا فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن سُفْيَان. إِلَى آخِره. وَا أعلم.

٠٣

- (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}

(الْبَقَرَة: ٥٢١) .)

أَي هَذَا بَاب قَول اتعالى إِنَّمَا بوب بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَن فِيهَا بَيَان الْقبْلَة على مَا نذكرهُ، وَهَذَا أَيْضا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب بَين هَذِه الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَهُنَا الْمُتَعَلّقَة بالقبلة وأحكامها. قَوْله: (وَاتَّخذُوا) بِلَفْظ الْأَمر على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَاتَّخذُوا على إِرَادَة القَوْل أَي: وَقُلْنَا: اتَّخذُوا مِنْهُ مَوضِع صَلَاة تصلونَ فِيهِ، وَهُوَ على وَجه الِاخْتِيَار والاستحباب دون الْوُجُوب. وَقَالَ غَيره: وقرىء بِلَفْظ الْمَاضِي عطفا على {جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا} (الْبَقَرَة: ٥٢١) وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد بالْمقَام مَا هُوَ؟ فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حدّثنا عَمْرو بن شيبَة النميري حدّثنا أَبُو خلف، يَعْنِي: عبد ابْن عِيسَى، حدّثنا دَاوُد بن أبي هِنْد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) قَالَ: مقَام إِبْرَاهِيم الْحرم كُله، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعَطَاء مثل ذَلِك. وَقَالَ السّديّ: الْمقَام: الْحجر الَّذِي وَضعته زَوْجَة إِسْمَاعِيل تَحت قدم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى غسلت رَأسه، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَضَعفه وَرجح غَيره، وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي (تَفْسِيره) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالربيع بن أنس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حدّثنا الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح حدّثنا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن ابْن جريج عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه سمع جَابِرا يحدث عَن حجَّة النَّبِي قَالَ: (لما طَاف النَّبِي قَالَ لَهُ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ: هَذَا مقَام أَبينَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَأنْزل اعز وَجل: {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) .

وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو أُسَامَة عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي ميسرَة، قَالَ: قَالَ عمر: (قلت: يَا رَسُول اهذا مقَام خَلِيل رَبنَا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَنزلت: {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) . وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه؛ حدّثنا دعْلج بن أَحْمد حدّثنا غيلَان بن عبد الصَّمد حدّثنا مَسْرُوق بن الْمَرْزُبَان حدّثنا زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن مَيْمُون: (عَن عمر بن الْخطاب أَنه مر بمقام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: يَا رَسُول األيس تقوم مقَام خَلِيل ا؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَلم يلبث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت: (وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى) (الْبَقَرَة: ٥٢١) وَحكى ابْن بطال عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْحَج كُله مقَام إِبْرَاهِيم، وَقَالَ مُجَاهِد: الْحرم كُله مقَام إِبْرَاهِيم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ قَالَ: هُوَ عَرَفَة وَجمع وَمنى. وَقَالَ عَطاء: مقَام، إِبْرَاهِيم عَرَفَة والمزدلفة والجمار، وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: {مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) فَقَالَ مُجَاهِد: مدعى، كَأَنَّهُ أَخذه من: صليت، بِمَعْنى: دَعَوْت. وَقَالَ الْحسن؛ قبْلَة، وَقَالَ السّديّ وَقَتَادَة: أمروا أَن يصلوا عِنْده، وَلَا شكّ أَن من صلى إِلَى الْكَعْبَة من غير الْجِهَات الثَّلَاث الَّتِي لَا تقَابل مقَام إِبْرَاهِيم فقد أدّى فَرْضه، فالفرض إِذا الْبَيْت لَا الْمقَام، وَقد صلى الشَّارِع خَارِجهَا، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة، وَلم يسْتَقْبل الْمقَام حِين صلى داخلها، ثمَّ اسْتقْبل الْمقَام فَإِن الْمقَام إِنَّمَا يكون قبْلَة، إِذا جعله الْمصلى بَينه وَبَين الْقبْلَة.

٦٠ - (حَدثنَا الْحميدِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَأَلنَا ابْن عمر عَن رجل طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة وَلم يطف بَين الصَّفَا والمروة أَيَأتِي امْرَأَته فَقَالَ قدم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ وَطَاف بَين الصَّفَا والمروة وَقد لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة وَسَأَلنَا جَابر بن عبد الله فَقَالَ لَا يقربنها حَتَّى يطوف بَين الصَّفَا والمروة) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَصلى خلف الْمقَام " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول الْحميدِي بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه عبد الله بن الزبير الْقرشِي الْأَسدي أَبُو بكر الْمَكِّيّ ونسبته إِلَى بطن من قُرَيْش يُقَال لَهُ حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ. الرَّابِع عبد الله بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته الثَّلَاثَة مكيون وَلَا يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند جَابر لِأَنَّهُ لم يرفعهُ إِنَّمَا هُوَ من مُسْند ابْن عمر قَالَه خلف

(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا وَفِي الْحَج عَن الْحميدِي وَفِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَعلي بن عبد الله فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن آدم عَن شُعْبَة وَعَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن سُفْيَان وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن عبد الله بن حميد عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج وَأخرج النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن مَنْصُور وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَعَمْرو بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن وَكِيع (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي " طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة " بِحَذْف اللَّام من قَوْله " للْعُمْرَة " وَلَا بُد من تَقْدِيره إِذْ الْمَعْنى لَا يَصح بِدُونِهِ قَوْله " وَلم يطف " أَي لم يسع بَين الصَّفَا والمروة فَأطلق الطّواف على السَّعْي إِمَّا لِأَن السَّعْي نوع من الطّواف وَإِمَّا للمشاكلة ولوقوعه فِي مصاحبة طواف الْبَيْت قَوْله " يَأْتِي امْرَأَته " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستفسار أَي أَيجوزُ لَهُ الْجِمَاع يَعْنِي أحصل لَهُ التَّحَلُّل من الْإِحْرَام قبل السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة أم لَا قَوْله " فَقَالَ " أَي ابْن عمر فِي جَوَابه قدم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى آخِره فَأجَاب ابْن عمر بِالْإِشَارَةِ إِلَى وجوب اتِّبَاع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا سِيمَا فِي أَمر الْمَنَاسِك لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " خُذُوا عني مَنَاسِككُم " وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا تحلل قبل السَّعْي فَيجب التأسي بِهِ وَهُوَ معنى قَوْله " وَقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة " والأسوة بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا أَي قدوة قَوْله " لَا يقربنها " جملَة فعلية مضارعية مأكدة بالنُّون الثَّقِيلَة وَهَذَا جَوَاب جَابر بن عبد الله بِصَرِيح النَّهْي عَنهُ وَإِنَّمَا خص إتْيَان الْمَرْأَة بِالذكر وَإِن كَانَ الحكم سَوَاء فِي جَمِيع الْمُحرمَات لِأَن إتْيَان الْمَرْأَة من أعظم الْمُحرمَات (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ أَن السَّعْي وَاجِب فِي الْعمرَة وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ عِيَاض عَن ابْن عَبَّاس أَنه أجَاز التَّحَلُّل بعد الطّواف وَإِن لم يسع وَهُوَ ضَعِيف ومخالف للسّنة. وَفِيه أَن الطّواف لَا بُد فِيهِ من سَبْعَة أَشْوَاط. وَفِيه الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ خلف الْمقَام فَقيل أَنَّهَا سنة وَقيل وَاجِبَة وَقيل تَابِعَة للطَّواف إِن كَانَ الطّواف سنة فَالصَّلَاة سنة وَإِن كَانَ وَاجِبا فَالصَّلَاة وَاجِبَة

٦١ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سيف قَالَ سَمِعت مُجَاهدًا قَالَ أُتِي ابْن عمر فَقيل لَهُ هَذَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل الْكَعْبَة فَقَالَ ابْن عمر فَأَقْبَلت وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد خرج وَأَجد بِلَالًا قَائِما بَين الْبَابَيْنِ فَسَأَلت بِلَالًا فَقلت أصلى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْكَعْبَة قَالَ نعم رَكْعَتَيْنِ بَين الساريتين اللَّتَيْنِ على يسَاره إِذا دخلت ثمَّ خرج فصلى فِي وَجه الْكَعْبَة رَكْعَتَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فصلى فِي وَجه الْكَعْبَة " أَي مواجه بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي يحيى الْقطَّان. الثَّالِث سيف بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء ابْن سُلَيْمَان أَو ابْن أبي سُلَيْمَان المَخْزُومِي الْمَكِّيّ ثَبت صَدُوق مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة. الرَّابِع مُجَاهِد الإِمَام الْمُفَسّر تكَرر ذكره. الْخَامِس عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع هُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى وَأخرجه أَيْضا عَن أبي نعيم عَن يحيى عَن سيف وَفِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَحَدِيث أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى بَين العمودين أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي الْأَطْرَاف للمزي فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر وَعَن ابْن

مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن شُرَيْح بن النُّعْمَان وَفِي الْجِهَاد عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث وَفِي الصَّلَاة عَن أبي النُّعْمَان وقتيبة كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث وَعَن حَرْمَلَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي الرّبيع وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَعَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَتَى ابْن عمر " بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " خرج " أَي من الْكَعْبَة قَوْله " وَأَجد " على صِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده من الْمُضَارع وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول وَوجدت بعد قَوْله " فَأَقْبَلت " لكنه عدل عَن الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارع حِكَايَة عَن الْحَال الْمَاضِيَة واستحضارا لتِلْك الْحَالة قَوْله " بِلَالًا " مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أجد وَقَائِمًا مَنْصُوب لِأَنَّهُ حَال من بِلَال قَوْله " بَين الْبَابَيْنِ " قَالَ الْكرْمَانِي أَي مصارعي الْبَاب إِذا الْكَعْبَة لم يكن لَهَا حِينَئِذٍ إِلَّا بَاب وَاحِد وَأطلق ذَلِك بِاعْتِبَار مَا كَانَ من الْبَابَيْنِ لَهَا فِي زمن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَو أَنه كَانَ فِي زمَان رِوَايَة الرَّاوِي لَهَا بَابَانِ لِأَن ابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ جعل لَهَا بَابَيْنِ وَقَالَ بَعضهم بَين الْبَابَيْنِ أَي المصراعين وَحمله الْكرْمَانِي على حَقِيقَة التَّثْنِيَة وَقَالَ أَرَادَ بِالْبَابِ الثَّانِي الْبَاب الَّذِي لم تفتحه قُرَيْش حِين بنت الْكَعْبَة وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون ابْن عمر وجد بِلَالًا فِي وسط الْكَعْبَة وَفِيه بعد (قلت) الْكرْمَانِي فسر قَوْله بَين الْبَابَيْنِ بِثَلَاثَة أوجه فَأخذ هَذَا الْقَائِل الْوَجْه الأول من تَفْسِيره وَلم يعزه إِلَيْهِ ثمَّ نسب إِلَيْهِ مَا لم تشهد بِهِ عِبَارَته لِأَن عبارَة الْكرْمَانِي فِي شَرحه مَا ذكرته الْآن ثمَّ قَالَ وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون ابْن عمر وجد بِلَالًا فِي وسط الْكَعْبَة (قلت) هَذِه الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لِأَن عبارَة الْكَلَام لَا تَقْتَضِي ذَلِك ثمَّ قَالَ وَفِيه بعد (قلت) مَا فِيهِ بعد بل الْبعد فِي الَّذِي اخْتَارَهُ من التَّفْسِير وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ " وَأَجد بِلَالًا قَائِما بَين النَّاس " بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة قَوْله " أصلى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام قَوْله " قَالَ نعم رَكْعَتَيْنِ " أَي نعم صلى رَكْعَتَيْنِ قَوْله " بَين الساريتين " تَثْنِيَة سَارِيَة وَهِي الأسطوانة قَوْله " على يسَاره " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الدَّاخِل بِقَرِينَة إِذا دخلت وَفِي بعض النّسخ " يسارك " وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب أَو كَانَ يَقُول إِذا دخل وَوجه الأول أَن يكون من الِالْتِفَات أَو يكون الضَّمِير فِيهِ عَائِدًا إِلَى الْبَيْت قَوْله " ثمَّ خرج " أَي من الْبَيْت قَوْله " فِي وَجه الْكَعْبَة " أَي مواجه بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَو يكون الْمَعْنى فِي جِهَة الْكَعْبَة فَيكون أَعم من جِهَة الْبَاب قَوْله " رَكْعَتَيْنِ " مفعول قَوْله " فصلى " (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الدُّخُول فِي الْبَيْت وَفِي الْمُغنِي وَيسْتَحب لمن حج أَن يدْخل الْبَيْت وَيُصلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فعل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَا يدْخل الْبَيْت بنعليه وَلَا خفيه وَلَا يدْخل الْحجر أَيْضا لِأَن الْحجر من الْبَيْت. وَفِيه اسْتِحْبَاب الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْت فَإِن بِلَالًا أخبر فِي هَذَا الحَدِيث أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيّ أجمع أهل الحَدِيث على الْأَخْذ بِرِوَايَة بِلَال لِأَنَّهُ مُثبت وَمَعَهُ زِيَادَة علم فَوَجَبَ تَرْجِيحه وَأما نفي من نفى كأسامة فسببه أَنهم لما دخلُوا الْكَعْبَة أغلقوا الْبَاب وَاشْتَغلُوا بِالدُّعَاءِ فَرَأى أُسَامَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَدْعُو فاشتغل هُوَ أَيْضا بِالدُّعَاءِ فِي نَاحيَة من نواحي الْبَيْت وَرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي نَاحيَة أُخْرَى وبلال قريب مِنْهُ ثمَّ صلى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَآهُ بِلَال بِقُرْبِهِ وَلم يره أُسَامَة لبعده مَعَ خفَّة الصَّلَاة وإغلاق الْبَاب واشتغاله بِالدُّعَاءِ وَجَاز لَهُ نَفيهَا عملا بظنه وَقَالَ بعض الْعلمَاء يحْتَمل أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل الْبَيْت مرَّتَيْنِ فَمرَّة صلى فِيهِ وَمرَّة دَعَا فَلم يُصَلِّي وَلم تتضاد الْأَخْبَار (قلت) روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ " دخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَيْت فصلى بَين الساريتين رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى بَين الْبَاب وَالْحجر رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ هَذِه الْقبْلَة ثمَّ دخل مرّة أُخْرَى فَقَامَ فِيهِ يَدْعُو ثمَّ خرج وَلم يصل (فَإِن قلت) روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ " مَا أحب أَن أُصَلِّي فِي الْكَعْبَة من صلى فِيهَا فقد ترك شَيْئا خَلفه وَلَكِن حَدثنِي أخي أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِين دَخلهَا خر بَين العمودين سَاجِدا ثمَّ قعد فَدَعَا وَلم يصل " (قلت) هَذَانِ نفي وَإِثْبَات فِي رِوَايَتَيْنِ فرواية الْإِثْبَات مُقَدّمَة كَمَا ذكرنَا وَكَيف

وَقد صرح بِلَال فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بقوله " نعم رَكْعَتَيْنِ " (فَإِن قلت) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَشْهُور عَن ابْن عمر من طَرِيق نَافِع وَغَيره عَنهُ أَنه قَالَ " ونسيت أَن أسأله كم صلى " فَدلَّ على أَنه أخبرهُ بالكيفية وَهِي تعْيين الْموقف فِي الْكَعْبَة وَلم يُخبرهُ بالكمية وَنسي هُوَ أَن يسْأَله عَنْهَا (قلت) أُجِيب بِأَن المُرَاد من قَوْله صلى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة وأقلها رَكْعَتَانِ لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه تنفل فِي النَّهَار بِأَقَلّ من رَكْعَتَيْنِ فَكَانَت الركعتان متحققا وقوعهما وأصرح من هَذَا مَا رَوَاهُ عَمْرو بن أبي شيبَة فِي كتاب مَكَّة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي دَاوُد عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي هَذَا الحَدِيث " فاستقبلني بِلَال فَقلت مَا صنع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَهُنَا فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن صلى رَكْعَتَيْنِ بالسبابة وَالْوُسْطَى " فعلى هَذَا يحمل قَوْله " نسيت أَن أسأله كم صلى " على أَنه لم يسْأَله بِاللَّفْظِ وَلم يجبهُ بِاللَّفْظِ وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْهُ صلَاته الرَّكْعَتَيْنِ بِالْإِشَارَةِ لَا بالنطق وَقد قيل يجمع بَين الْحَدِيثين بِأَن ابْن عمر نسي أَن يسْأَل بِلَالًا ثمَّ لقِيه مرّة أُخْرَى فَسَأَلَ وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَال بِالْفَاءِ المعقبة فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا فَقَالَ فِي هَذِه فَأَقْبَلت ثمَّ قَالَ فَسَأَلت بِلَالًا وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فبدرت فَسَأَلت بِلَالًا فَدلَّ على أَن السُّؤَال عَن ذَلِك كَانَ وَاحِدًا فِي وَقت وَاحِد وَثَانِيهمَا أَن رَاوِي قَول ابْن عمر ونسيت هُوَ نَافِع مَوْلَاهُ وَيبعد مَعَ طول ملازمته لَهُ إِلَى وَقت مَوته أَن يسْتَمر على حِكَايَة النسْيَان وَلَا يتَعَرَّض لحكاية الذّكر أصلا (قلت) فِي نظره نظر من وُجُوه. الأول أَن قَوْله أَن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد دَعْوَى بِلَا برهَان فَمَا الْمَانِع من تعددها. وَالثَّانِي أَنه علل على ذَلِك بِالْفَاءِ لكَونهَا للتعقيب وَلقَائِل أَن يَقُول لَهُ فَلم لَا يجوز أَن تكون الْفَاء هَهُنَا بِمَعْنى ثمَّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة} فَإِن الْفَاء فِي {فخلقنا المضغة} وَفِي {فكسونا} بِمَعْنى ثمَّ لتراخي معطوفاتها وَتارَة تكون بِمَعْنى الْوَاو كَمَا فِي قَول الشَّاعِر

(بَين الدُّخُول فحومل ... )

. وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا للتعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ أَلا ترى أَنه يُقَال تزوج فلَان فولد لَهُ إِذا لم يكن بَينهمَا إِلَّا مُدَّة الْحمل وَإِن كَانَ مُدَّة متطاولة وَدخلت الْبَصْرَة فبغداد إِذا لم يقم فِي الْبَصْرَة وَلَا بَين البلدتين. وَالثَّالِث أَن قَوْله وَيبعد مَعَ طول ملازمته إِلَى آخِره غير بعيد فَإِن الْإِنْسَان مَأْخُوذ من النسْيَان (فَإِن قلت) قَالَ عِيَاض أَن قَوْله رَكْعَتَيْنِ غلط من يحيى بن سعيد الْقطَّان لِأَن ابْن عمر قد قَالَ نسيت أَن أسأله كم صلى وَإِنَّمَا دخل الْوَهم عَلَيْهِ من ذكر الرَّكْعَتَيْنِ (قلت) لم ينْفَرد يحيى بن سعيد بذلك حَتَّى يغلط فقد تَابعه أَبُو نعيم عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عَاصِم عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَعمر بن عَليّ بن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَعبد الله بن نمير عِنْد أَحْمد عَنهُ كلهم عَن سيف وَلم ينْفَرد بِهِ سيف أَيْضا فقد تَابعه عَلَيْهِ خصيف عَن مُجَاهِد عِنْد أَحْمد وَلم ينْفَرد بِهِ مُجَاهِد عَن ابْن عمر فقد تَابعه عَلَيْهِ ابْن أبي مليكَة عِنْد أَحْمد. وَالنَّسَائِيّ وَعَمْرو بن دِينَار عِنْد أَحْمد أَيْضا بِاخْتِصَار وَمن حَدِيث عُثْمَان بن طَلْحَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد قوي وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار وَمن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان قَالَ " فَلَمَّا خرج سَأَلت من كَانَ مَعَه فَقَالُوا صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد السارية الْوُسْطَى " أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَمن حَدِيث شيبَة بن عُثْمَان قَالَ " لقد صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد العمودين " أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف يقدم عِيَاض على تغليط حَافظ جهبذ من غير تَأمل فِي بَابه. وَفِيه حجَّة لمن يَقُول الأولى فِي نفل النَّهَار رَكْعَتَانِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول الْأَفْضَل فِي النَّوَافِل مثنى مثنى فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مثنى أفضل بِاللَّيْلِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْأَرْبَع أفضل فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَاحْتج فِي ذَلِك بِحَدِيث ابْن عَبَّاس حِين بَات عِنْد خَالَته مَيْمُونَة يرقب صَلَاة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه " كَانَ يُصَلِّي أَرْبعا لَا تسْأَل عَن حسنهنَّ وطولهن ". وَفِيه حجَّة على ابْن جرير الطَّبَرِيّ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة فرضا كَانَ أَو نفلا وَقَالَ مَالك لَا تصلى فِيهِ الْفَرِيضَة وَلَا رَكعَتَا الطّواف الْوَاجِب فَإِن صلى أعَاد فِي الْوَقْت وَيجوز أَن يُصَلِّي فِيهِ النَّافِلَة وَفِي المسالك لِابْنِ الْعَرَبِيّ روى مُحَمَّد عَن أصبغ أَن من صلى فِي الْبَيْت أعَاد أبدا وَقَالَ مُحَمَّد لَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَقَالَ أَشهب من صلى على ظهر الْبَيْت أعَاد أبدا وَعند أبي حنيفَة يجوز الْفَرْض وَالنَّفْل فِيهِ وَبِه قَالَ الشَّافِعِي

٨٩٣٢٦ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ قَالَ لَمَّا دَخَلَ النبيُّ البَيْتَ دَعا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ - يَعْنِي فِي التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ - قَالَ: لِأَنَّ عَادَةَ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ ذِكْرُ الْخَبَرِ فِيمَا يَرْوُونَهُ. قُلْتُ هَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ، لَمْ يُوثَقْ بِرِوَايَةِ مُدَلِّسٍ أَصْلًا وَلَوْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ.

وَرِوَايَةُ مُعَاذٍ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ حُمَيْدًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَنَسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ أَنَسٍ ثُمَّ يَسْتَثْبِتَ فِيهِ مِنْ مَيْمُونٍ - لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ كَانَ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ - فَكَانَ حَقِيقًا بِضَبْطِهِ فَكَانَ حُمَيْدٌ تَارَةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أَنَسٍ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ، وَتَارَةً عَنْ مَيْمُونٍ لِكَوْنِهِ ثَبَّتَهُ فِيهِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ حُمَيْدٍ بِهَذَا يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ وَثَبَّتَنِي فِيهِ ثَابِتٌ وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ حُمَيْدٍ.

٢٩ - بَاب قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ، لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا

٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّام فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى.

وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ عَنْ النَّبِيِّ . . . . مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ) نَقَلَ عِيَاضٌ أَنَّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ ضَمُّ قَافِ الْمَشْرِقِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى بَابٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِالْخَفْضِ، وَوَجَّهَ السُّهَيْلِيُّ رِوَايَةَ الضَّمِّ بِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ حُكْمِ الْمَشْرِقِ فِي الْقِبْلَةِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَدِينَةِ، بِخِلَافِ الشَّامِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ. وَأَجَابَ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ حُكْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَوَاءٌ تَوَافَقَتِ الْبِلَادُ أَمِ اخْتَلَفَتْ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا عَلَى عُمُومِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمُخَاطَبِينَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ سَمْتِهِمْ مِمَّنْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْمَشْرِقَ أَوْ الْمَغْرِبَ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَسْتَدْبِرْهَا، أَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْمَشْرِقِ فَقِبْلَتُهُ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ، وَهَذَا مَعْقُولٌ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: لَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَا فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةً، أَيْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَخْصِيصِهِ الْمَدِينَةَ وَالشَّامَ بِالذِّكْرِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ مَغْرِبَ الْأَرْضِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْمَشْرِقِ، إِذِ الْعِلَّةُ مُشْتَرَكَةٌ، وَلِأَنَّ الْمَشْرِقَ أَكْثَرُ الْأَرْضِ الْمَعْمُورَةِ، وَلِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فِي جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ قَلِيلَةٌ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ سُفْيَانَ حَدَّثَ بِهِ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ الزُّهْرِيِّ لَهُ وَفِيهِ عَنْعَنَةُ عَطَاءٍ، وَمَرَّةً أَتَى بِالْعَنْعَنَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَبِتَصْرِيحِ عَطَاءٍ بِالسَّمَاعِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ مُعَلَّقَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ فِي الْأَوَّلِ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ، وَفِي الثَّانِي سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبٍ عَنِ النَّبِيِّ ، فَكَانَ الثَّانِي أَقْوَى؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ أَقْوَى مِنَ الْعَنْعَنَةِ وَالْعَنْعَنَةُ أَقْوَى مِنْ أَنَّ لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ حَيْثُ قَالَ: وَعَنِ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى، وَفِي دَعْوَاهُ ضَعْفُ أَنَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَنْ نَظَرٌ، فَكَأَنَّهُ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ نَقْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَيَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ مَنْظُومَتَهُ وَهْمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٩٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت زيادة: «اللَّيثيِّ» (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ) (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ) اسمٌ للأرض المطمئنَّة لقضاء الحاجة (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) احترامًا لها وتعظيمًا، وهل هو من جهة خروج الخارج المُستقذَر، أو من جهة كشف العورة؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ (١) على جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علَّل بالخارج أباح، ومن علَّل بالعورة منع (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) مخصوصٌ بأهل المدينة لأنَّهم المُخاطَبون، ويلحق بهم: من كان على سَمْتهم ممَّن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها.

(قَالَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريُّ: (فَقَدِمْنَا (٢) الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ) بفتح الميم وكسر الحاء

المُهمَلة والضَّاد المُعجمَة، جمع: مِرْحاضٍ، بكسر الميم (بُنِيَتْ) لقضاء حاجة الإنسان (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: مقابل (القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ) عن (١) جهة القبلة، من الانحراف، وفي روايةٍ: «فنتحرَّف» (وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى) لمن بناها، فإنَّ الاستغفار للمؤمنين سُنَّةٌ، أو من الاستقبال، ولعلَّ أبا أيُّوبَ لم يبلغه حديث ابن عمر في ذلك، أو لم يرَه مُخصِّصًا، وحمل ما رواه على العموم.

ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ (٢) ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية الأكابر عن الأصاغر (٣)، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: حدَّثنا سفيان قوله: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) بالإسناد المذكور (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن يزيد (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ) الأنصاريَّ (عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، والحاصل: أنَّ سفيان حدَّث به عليًّا مرَّتين: مرَّةً صرَّح بتحديث الزُّهريِّ له وفيه عنعنةُ عطاءٍ، ومرَّةً أتى بالعنعنة عن الزُّهريِّ وبتصريح عطاءٍ بالسَّماع.

(٣٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾) بكسر الخاء على الأمر، أي: وقلنا لهم: اتِّخذوا (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) مُدَّعًى يُدَّعَى عنده، وقال البرماويُّ: موضع صلاةٍ، وتُعقِّب

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٩٢ - (بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ فِي المَشْرِقِ ولَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَة)

هَذَا الْموضع يحْتَاج إِلَى تَحْرِير قوي، فَإِن أَكثر من تصدى لشرحه لم يغنِ شَيْئا بل بَعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فَنَقُول، وبا التَّوْفِيق: إِن قَوْله: بَاب، إِمَّا أَن يُضَاف إِلَى مَا بعده أَو يقطع عَنهُ، وَإِن لَفْظَة: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو لَا، وَلكُل وَاحِد من ذَلِك وَجه.

فَفِي الْقطع وَعدم وجود لَفْظَة: قبْلَة، يكون لَفْظَة. بَاب، منوناً على تَقْدِير: هَذَا بَاب. وَيجوز أَن يكون سَاكِنا مثل تعداد الْأَسْمَاء لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَيكون قَوْله: قبْلَة أهل الْمَدِينَة، الَّذِي هُوَ كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو، قَوْله: وَأهل الشَّام، بِالْجَرِّ عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: والمشرق، بِالْجَرِّ. وَقَوله: لَيْسَ فِي الْمشرق، خبر الْمُبْتَدَأ. وَلَكِن لَا بُد فِيهِ من تقديرين: أَحدهمَا: أَن يقدر لفظ: قبْلَة، الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأ بِلَفْظ: مُسْتَقْبل أهل الشَّام، لوُجُوب التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي التَّذْكِير والتأنيث. وَالثَّانِي: أَن يؤول لفظ: الْمشرق، بالتشريق، وَلَفظ: الْمغرب، بالتغريب، وَالْعرب تطلق الْمشرق وَالْمغْرب لِمَعْنى التَّشْرِيق والتغريب، قَالَه ثَعْلَب وَأنْشد.

أبعد مغربهم بَغْدَاد ساحتها

وَقَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ أبعد تغريبهم؟ فَإِن قلت: لم لم يذكر: الْمغرب، بعد قَوْله: والمشرق، مَعَ أَن الْعلَّة فيهمَا مُشْتَركَة؟ قلت: اكْتفى بذلك عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) أَي: وَالْبرد، وَأما تَخْصِيص الْمشرق فَلِأَن أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام فِي جِهَة الْمشرق.

وَأما فِي الْإِضَافَة، وَتَقْدِير وجود لفظ: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، فتقديره؛ هَذَا بَاب فِي بَيَان قبْلَة أهل الْمَدِينَة وقبلة أهل الشَّام وقبلة أهل الْمشرق، ثمَّ بَين ذَلِك بِالْجُمْلَةِ الاستئنافية، وَهِي قَوْله: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، وَلِهَذَا ترك العاطف، وَالْجُمْلَة الاستئنافية فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه: لما قَالَ: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق، انتصب سَائل فَقَالَ: كَيفَ قبْلَة هَذِه الْمَوَاضِع؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة. وَقَالَ السفاقسي: يُرِيد أَن قبْلَة هَؤُلَاءِ الْمُسلمين لَيست فِي الْمشرق مِنْهُم وَلَا فِي الْمغرب، بِدَلِيل أَن النَّبِي، أَبَاحَ لَهُم قَضَاء الْحَاجة فِي جِهَة الْمشرق مِنْهُم وَالْمغْرب. قلت: مَعْنَاهُ: الْقبْلَة مَا بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ النَّبِي: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) . ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن عمر: (إِذا جعلت الْمغرب عَن يَمِينك والمشرق عَن يسارك فَمَا بَينهمَا قبْلَة إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة) وَقَوله: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) ، لَيْسَ عَاما فِي سَائِر الْبِلَاد، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، وَمَا وَافق قبلتها، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : وَالْمرَاد، وَا أعلم، أهل الْمَدِينَة. وَمن كَانَت قبلته على سمت أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ أَحْمد بن خَالِد الذَّهَبِيّ: قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي اتعالى عَنهُ: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، قَالَه بِالْمَدِينَةِ، فَمن كَانَت قبلته مثل قبْلَة الْمَدِينَة فَهُوَ من سَعَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، ولسائر الْبلدَانِ من السعَة فِي الْقبْلَة مثل ذَلِك بَين الْجنُوب وَالشمَال، وَنَحْو ذَلِك؛ وَقَالَ ابْن بطال: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي: وقبلة مشرق الأَرْض كلهَا إلَاّ مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من الْمشرق إِلَى الْمغرب، فَحكم مشرق الأَرْض كلهَا كَحكم مشرق أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فِي الْأَمر بالانحراف عِنْد الْغَائِط، لأَنهم إِذا شرقوا أَو غربوا لم يستقبلوا الْقبْلَة وَلم يستدبروها. قَالَ: وَأما مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من مشرقها، إِلَى مغْرِبهَا فَلَا يجوز لَهُم اسْتِعْمَال هَذَا الحَدِيث، وَلَا يَصح لَهُم أَن يشرقوا. وَلَا أَن يغربوا لأَنهم إِذا شرقوا استدبروا الْقبْلَة، وَإِذا غربوا استقبلوها، وَكَذَلِكَ من كَانَ موازياً بمغرب مَكَّة إِن غرب استدبر الْقبْلَة، وَإِن شَرق اسْتَقْبلهَا، وَإِنَّمَا ينحرف إِلَى الْجنُوب أَو الشمَال، فَهَذَا هُوَ تغريبه وتشريقه.

قَالَ: وَتَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق وَالْمغْرب لَيْسَ فِي التَّشْرِيق وَلَا فِي التَّغْرِيب يَعْنِي أَنهم عِنْد الانحراف للتشريق والتغريب لَيْسُوا مواجهين للْقبْلَة وَلَا مستدبرين لَهَا.

لقوْلِ النَّبيِّ (لَا تسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) . هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا. فَقَالَ: أخبرنَا مَنْصُور، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي، قَالَ: (لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) . وَاحْتج البُخَارِيّ

بِعُمُوم هَذَا الحَدِيث، وَسوى بَين الصَّحَارِي والأبنية، وَجعله دَلِيلا للتَّرْجَمَة الَّتِي وَضعهَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن فِي نفس حَدِيثه الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالْبُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن، مَا يدل على عكس مَا أَرَادَهُ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ فِي حَدِيثه، (فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة، لَكنا ننحرف عَنْهَا، ونستغفر اعز وَجل) . قلت: لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا أصلا لِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوب: (لَكنا ننحرف عَنْهَا ونستغفر اعز وَجل) ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك إِلَى أَنه يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الصَّحرَاء بالبول وَالْغَائِط، وَلَا يحرم ذَلِك فِي الْبُنيان، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْوضُوء.

٤٩٣٩٥ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي أيُّوب الأَنْصارِيِّ أنَّ النبيَّ قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغائِطَ فَلَا تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولَا تَسْتَدْبِرُوها ولَكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) قَالَ أبُو أيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (شرقوا أَو غربوا) لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، فَإِذا لم تكن فيهمَا قبْلَة يتَوَجَّه المستنجي إِلَيْهَا إِمَّا يشرق وَإِمَّا يغرب.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عَليّ بن عبد االمديني، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَاسم أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِيهَا عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير، وَأَبُو دَاوُد فِيهَا أَيْضا عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَابْن مَاجَه كَذَلِك عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (الْغَائِط) ، اسْم للْأَرْض المطمئنة لقَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (فقدمنا الشَّام) ، وَهُوَ إقليم مَشْهُور يذكر وَيُؤَنث، وَيُقَال مهموزاً ومسهلاً، وَسميت بسام بن نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهُ أول من نزلها، فَجعلت السِّين شيناً مُعْجمَة تغييراً للفظ الأعجمي، وَقيل: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض فشبهت بالشامات. قَوْله: (مراحيض) ، بِفَتْح الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: جمع مرحاض، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الْمُتَّخذ لقَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان، أَي: التغوط، قَوْله: (قبل الْكَعْبَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: مقابلها. قَوْله: (فننحرف) أَي: عَن جِهَة الْقبْلَة من الانحراف. ويروى: (فنتحرف) من التحرف. قَوْله: (ونستغفر اتعالى) ، قيل: نَسْتَغْفِر الْمَنّ بناها فَإِن الاسْتِغْفَار للمذنبين سنة. وَقيل: نَسْتَغْفِر امن الِاسْتِقْبَال، وَقيل: نَسْتَغْفِر امن ذنُوبه. وَيُقَال: لَعَلَّ أَبَا أَيُّوب لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر فِي ذَلِك وَلم يره مُخَصّصا. وَحمل مَا رَوَاهُ على الْعُمُوم، وَهَذَا الاسْتِغْفَار لنَفسِهِ لَا للنَّاس على هَذِه الْهَيْئَة. فَإِن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إِثْمًا فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى الاسْتِغْفَار. قلت: أهل الْوَرع والمناصب الْعلية فِي التَّقْوَى قد يَفْعَلُونَ مثل هَذَا بِنَاء على نسبتهم التَّقْصِير إِلَى أنفسهم فِي التحفظ ابْتِدَاء، وَقد مر مَا يستنبط مِنْهُ فِيمَا مضى فِي كتاب الْوضُوء.

وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أيُّوبَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.

قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) عطف على قَوْله: (حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد الْمَذْكُور، سَمِعت أَبَا أَيُّوب. وَفَائِدَة ذكره مكرراً أَن فِي الطّرق الأول عنعن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء عَن أبي أَيُّوب، وَفِي هَذَا الطَّرِيق صرح عَطاء بِالسَّمَاعِ عَن أبي أَيُّوب، وَالسَّمَاع أقوى من العنعنة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السماع أقوى من العنعنة. وَهِي أقوى من أَن، لَكِن فِيهِ ضعف من جِهَة التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ. قلت: الظَّاهِر مَعَ الْكرْمَانِي، وَلَكِن الحَدِيث بِهَذَا

الطَّرِيق مُسْندًا فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن سُفْيَان. إِلَى آخِره. وَا أعلم.

٠٣

- (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}

(الْبَقَرَة: ٥٢١) .)

أَي هَذَا بَاب قَول اتعالى إِنَّمَا بوب بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَن فِيهَا بَيَان الْقبْلَة على مَا نذكرهُ، وَهَذَا أَيْضا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب بَين هَذِه الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَهُنَا الْمُتَعَلّقَة بالقبلة وأحكامها. قَوْله: (وَاتَّخذُوا) بِلَفْظ الْأَمر على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَاتَّخذُوا على إِرَادَة القَوْل أَي: وَقُلْنَا: اتَّخذُوا مِنْهُ مَوضِع صَلَاة تصلونَ فِيهِ، وَهُوَ على وَجه الِاخْتِيَار والاستحباب دون الْوُجُوب. وَقَالَ غَيره: وقرىء بِلَفْظ الْمَاضِي عطفا على {جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا} (الْبَقَرَة: ٥٢١) وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد بالْمقَام مَا هُوَ؟ فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حدّثنا عَمْرو بن شيبَة النميري حدّثنا أَبُو خلف، يَعْنِي: عبد ابْن عِيسَى، حدّثنا دَاوُد بن أبي هِنْد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) قَالَ: مقَام إِبْرَاهِيم الْحرم كُله، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعَطَاء مثل ذَلِك. وَقَالَ السّديّ: الْمقَام: الْحجر الَّذِي وَضعته زَوْجَة إِسْمَاعِيل تَحت قدم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى غسلت رَأسه، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَضَعفه وَرجح غَيره، وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي (تَفْسِيره) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالربيع بن أنس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حدّثنا الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح حدّثنا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن ابْن جريج عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه سمع جَابِرا يحدث عَن حجَّة النَّبِي قَالَ: (لما طَاف النَّبِي قَالَ لَهُ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ: هَذَا مقَام أَبينَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَأنْزل اعز وَجل: {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) .

وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو أُسَامَة عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي ميسرَة، قَالَ: قَالَ عمر: (قلت: يَا رَسُول اهذا مقَام خَلِيل رَبنَا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَنزلت: {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) . وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه؛ حدّثنا دعْلج بن أَحْمد حدّثنا غيلَان بن عبد الصَّمد حدّثنا مَسْرُوق بن الْمَرْزُبَان حدّثنا زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن مَيْمُون: (عَن عمر بن الْخطاب أَنه مر بمقام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: يَا رَسُول األيس تقوم مقَام خَلِيل ا؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَلم يلبث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت: (وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى) (الْبَقَرَة: ٥٢١) وَحكى ابْن بطال عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْحَج كُله مقَام إِبْرَاهِيم، وَقَالَ مُجَاهِد: الْحرم كُله مقَام إِبْرَاهِيم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ قَالَ: هُوَ عَرَفَة وَجمع وَمنى. وَقَالَ عَطاء: مقَام، إِبْرَاهِيم عَرَفَة والمزدلفة والجمار، وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: {مصلى} (الْبَقَرَة: ٥٢١) فَقَالَ مُجَاهِد: مدعى، كَأَنَّهُ أَخذه من: صليت، بِمَعْنى: دَعَوْت. وَقَالَ الْحسن؛ قبْلَة، وَقَالَ السّديّ وَقَتَادَة: أمروا أَن يصلوا عِنْده، وَلَا شكّ أَن من صلى إِلَى الْكَعْبَة من غير الْجِهَات الثَّلَاث الَّتِي لَا تقَابل مقَام إِبْرَاهِيم فقد أدّى فَرْضه، فالفرض إِذا الْبَيْت لَا الْمقَام، وَقد صلى الشَّارِع خَارِجهَا، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة، وَلم يسْتَقْبل الْمقَام حِين صلى داخلها، ثمَّ اسْتقْبل الْمقَام فَإِن الْمقَام إِنَّمَا يكون قبْلَة، إِذا جعله الْمصلى بَينه وَبَين الْقبْلَة.

٦٠ - (حَدثنَا الْحميدِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَأَلنَا ابْن عمر عَن رجل طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة وَلم يطف بَين الصَّفَا والمروة أَيَأتِي امْرَأَته فَقَالَ قدم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ وَطَاف بَين الصَّفَا والمروة وَقد لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة وَسَأَلنَا جَابر بن عبد الله فَقَالَ لَا يقربنها حَتَّى يطوف بَين الصَّفَا والمروة) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَصلى خلف الْمقَام " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول الْحميدِي بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه عبد الله بن الزبير الْقرشِي الْأَسدي أَبُو بكر الْمَكِّيّ ونسبته إِلَى بطن من قُرَيْش يُقَال لَهُ حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ. الرَّابِع عبد الله بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته الثَّلَاثَة مكيون وَلَا يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند جَابر لِأَنَّهُ لم يرفعهُ إِنَّمَا هُوَ من مُسْند ابْن عمر قَالَه خلف

(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا وَفِي الْحَج عَن الْحميدِي وَفِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَعلي بن عبد الله فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن آدم عَن شُعْبَة وَعَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن سُفْيَان وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن عبد الله بن حميد عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج وَأخرج النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن مَنْصُور وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَعَمْرو بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن وَكِيع (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي " طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة " بِحَذْف اللَّام من قَوْله " للْعُمْرَة " وَلَا بُد من تَقْدِيره إِذْ الْمَعْنى لَا يَصح بِدُونِهِ قَوْله " وَلم يطف " أَي لم يسع بَين الصَّفَا والمروة فَأطلق الطّواف على السَّعْي إِمَّا لِأَن السَّعْي نوع من الطّواف وَإِمَّا للمشاكلة ولوقوعه فِي مصاحبة طواف الْبَيْت قَوْله " يَأْتِي امْرَأَته " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستفسار أَي أَيجوزُ لَهُ الْجِمَاع يَعْنِي أحصل لَهُ التَّحَلُّل من الْإِحْرَام قبل السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة أم لَا قَوْله " فَقَالَ " أَي ابْن عمر فِي جَوَابه قدم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى آخِره فَأجَاب ابْن عمر بِالْإِشَارَةِ إِلَى وجوب اتِّبَاع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا سِيمَا فِي أَمر الْمَنَاسِك لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " خُذُوا عني مَنَاسِككُم " وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا تحلل قبل السَّعْي فَيجب التأسي بِهِ وَهُوَ معنى قَوْله " وَقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة " والأسوة بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا أَي قدوة قَوْله " لَا يقربنها " جملَة فعلية مضارعية مأكدة بالنُّون الثَّقِيلَة وَهَذَا جَوَاب جَابر بن عبد الله بِصَرِيح النَّهْي عَنهُ وَإِنَّمَا خص إتْيَان الْمَرْأَة بِالذكر وَإِن كَانَ الحكم سَوَاء فِي جَمِيع الْمُحرمَات لِأَن إتْيَان الْمَرْأَة من أعظم الْمُحرمَات (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ أَن السَّعْي وَاجِب فِي الْعمرَة وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ عِيَاض عَن ابْن عَبَّاس أَنه أجَاز التَّحَلُّل بعد الطّواف وَإِن لم يسع وَهُوَ ضَعِيف ومخالف للسّنة. وَفِيه أَن الطّواف لَا بُد فِيهِ من سَبْعَة أَشْوَاط. وَفِيه الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ خلف الْمقَام فَقيل أَنَّهَا سنة وَقيل وَاجِبَة وَقيل تَابِعَة للطَّواف إِن كَانَ الطّواف سنة فَالصَّلَاة سنة وَإِن كَانَ وَاجِبا فَالصَّلَاة وَاجِبَة

٦١ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سيف قَالَ سَمِعت مُجَاهدًا قَالَ أُتِي ابْن عمر فَقيل لَهُ هَذَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل الْكَعْبَة فَقَالَ ابْن عمر فَأَقْبَلت وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد خرج وَأَجد بِلَالًا قَائِما بَين الْبَابَيْنِ فَسَأَلت بِلَالًا فَقلت أصلى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْكَعْبَة قَالَ نعم رَكْعَتَيْنِ بَين الساريتين اللَّتَيْنِ على يسَاره إِذا دخلت ثمَّ خرج فصلى فِي وَجه الْكَعْبَة رَكْعَتَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فصلى فِي وَجه الْكَعْبَة " أَي مواجه بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي يحيى الْقطَّان. الثَّالِث سيف بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء ابْن سُلَيْمَان أَو ابْن أبي سُلَيْمَان المَخْزُومِي الْمَكِّيّ ثَبت صَدُوق مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة. الرَّابِع مُجَاهِد الإِمَام الْمُفَسّر تكَرر ذكره. الْخَامِس عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع هُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى وَأخرجه أَيْضا عَن أبي نعيم عَن يحيى عَن سيف وَفِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَحَدِيث أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى بَين العمودين أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي الْأَطْرَاف للمزي فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر وَعَن ابْن

مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن شُرَيْح بن النُّعْمَان وَفِي الْجِهَاد عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث وَفِي الصَّلَاة عَن أبي النُّعْمَان وقتيبة كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث وَعَن حَرْمَلَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي الرّبيع وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَعَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَتَى ابْن عمر " بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " خرج " أَي من الْكَعْبَة قَوْله " وَأَجد " على صِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده من الْمُضَارع وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول وَوجدت بعد قَوْله " فَأَقْبَلت " لكنه عدل عَن الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارع حِكَايَة عَن الْحَال الْمَاضِيَة واستحضارا لتِلْك الْحَالة قَوْله " بِلَالًا " مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أجد وَقَائِمًا مَنْصُوب لِأَنَّهُ حَال من بِلَال قَوْله " بَين الْبَابَيْنِ " قَالَ الْكرْمَانِي أَي مصارعي الْبَاب إِذا الْكَعْبَة لم يكن لَهَا حِينَئِذٍ إِلَّا بَاب وَاحِد وَأطلق ذَلِك بِاعْتِبَار مَا كَانَ من الْبَابَيْنِ لَهَا فِي زمن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَو أَنه كَانَ فِي زمَان رِوَايَة الرَّاوِي لَهَا بَابَانِ لِأَن ابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ جعل لَهَا بَابَيْنِ وَقَالَ بَعضهم بَين الْبَابَيْنِ أَي المصراعين وَحمله الْكرْمَانِي على حَقِيقَة التَّثْنِيَة وَقَالَ أَرَادَ بِالْبَابِ الثَّانِي الْبَاب الَّذِي لم تفتحه قُرَيْش حِين بنت الْكَعْبَة وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون ابْن عمر وجد بِلَالًا فِي وسط الْكَعْبَة وَفِيه بعد (قلت) الْكرْمَانِي فسر قَوْله بَين الْبَابَيْنِ بِثَلَاثَة أوجه فَأخذ هَذَا الْقَائِل الْوَجْه الأول من تَفْسِيره وَلم يعزه إِلَيْهِ ثمَّ نسب إِلَيْهِ مَا لم تشهد بِهِ عِبَارَته لِأَن عبارَة الْكرْمَانِي فِي شَرحه مَا ذكرته الْآن ثمَّ قَالَ وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون ابْن عمر وجد بِلَالًا فِي وسط الْكَعْبَة (قلت) هَذِه الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لِأَن عبارَة الْكَلَام لَا تَقْتَضِي ذَلِك ثمَّ قَالَ وَفِيه بعد (قلت) مَا فِيهِ بعد بل الْبعد فِي الَّذِي اخْتَارَهُ من التَّفْسِير وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ " وَأَجد بِلَالًا قَائِما بَين النَّاس " بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة قَوْله " أصلى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام قَوْله " قَالَ نعم رَكْعَتَيْنِ " أَي نعم صلى رَكْعَتَيْنِ قَوْله " بَين الساريتين " تَثْنِيَة سَارِيَة وَهِي الأسطوانة قَوْله " على يسَاره " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الدَّاخِل بِقَرِينَة إِذا دخلت وَفِي بعض النّسخ " يسارك " وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب أَو كَانَ يَقُول إِذا دخل وَوجه الأول أَن يكون من الِالْتِفَات أَو يكون الضَّمِير فِيهِ عَائِدًا إِلَى الْبَيْت قَوْله " ثمَّ خرج " أَي من الْبَيْت قَوْله " فِي وَجه الْكَعْبَة " أَي مواجه بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَو يكون الْمَعْنى فِي جِهَة الْكَعْبَة فَيكون أَعم من جِهَة الْبَاب قَوْله " رَكْعَتَيْنِ " مفعول قَوْله " فصلى " (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الدُّخُول فِي الْبَيْت وَفِي الْمُغنِي وَيسْتَحب لمن حج أَن يدْخل الْبَيْت وَيُصلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فعل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَا يدْخل الْبَيْت بنعليه وَلَا خفيه وَلَا يدْخل الْحجر أَيْضا لِأَن الْحجر من الْبَيْت. وَفِيه اسْتِحْبَاب الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْت فَإِن بِلَالًا أخبر فِي هَذَا الحَدِيث أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيّ أجمع أهل الحَدِيث على الْأَخْذ بِرِوَايَة بِلَال لِأَنَّهُ مُثبت وَمَعَهُ زِيَادَة علم فَوَجَبَ تَرْجِيحه وَأما نفي من نفى كأسامة فسببه أَنهم لما دخلُوا الْكَعْبَة أغلقوا الْبَاب وَاشْتَغلُوا بِالدُّعَاءِ فَرَأى أُسَامَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَدْعُو فاشتغل هُوَ أَيْضا بِالدُّعَاءِ فِي نَاحيَة من نواحي الْبَيْت وَرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي نَاحيَة أُخْرَى وبلال قريب مِنْهُ ثمَّ صلى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَآهُ بِلَال بِقُرْبِهِ وَلم يره أُسَامَة لبعده مَعَ خفَّة الصَّلَاة وإغلاق الْبَاب واشتغاله بِالدُّعَاءِ وَجَاز لَهُ نَفيهَا عملا بظنه وَقَالَ بعض الْعلمَاء يحْتَمل أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل الْبَيْت مرَّتَيْنِ فَمرَّة صلى فِيهِ وَمرَّة دَعَا فَلم يُصَلِّي وَلم تتضاد الْأَخْبَار (قلت) روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ " دخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَيْت فصلى بَين الساريتين رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى بَين الْبَاب وَالْحجر رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ هَذِه الْقبْلَة ثمَّ دخل مرّة أُخْرَى فَقَامَ فِيهِ يَدْعُو ثمَّ خرج وَلم يصل (فَإِن قلت) روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ " مَا أحب أَن أُصَلِّي فِي الْكَعْبَة من صلى فِيهَا فقد ترك شَيْئا خَلفه وَلَكِن حَدثنِي أخي أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِين دَخلهَا خر بَين العمودين سَاجِدا ثمَّ قعد فَدَعَا وَلم يصل " (قلت) هَذَانِ نفي وَإِثْبَات فِي رِوَايَتَيْنِ فرواية الْإِثْبَات مُقَدّمَة كَمَا ذكرنَا وَكَيف

وَقد صرح بِلَال فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بقوله " نعم رَكْعَتَيْنِ " (فَإِن قلت) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَشْهُور عَن ابْن عمر من طَرِيق نَافِع وَغَيره عَنهُ أَنه قَالَ " ونسيت أَن أسأله كم صلى " فَدلَّ على أَنه أخبرهُ بالكيفية وَهِي تعْيين الْموقف فِي الْكَعْبَة وَلم يُخبرهُ بالكمية وَنسي هُوَ أَن يسْأَله عَنْهَا (قلت) أُجِيب بِأَن المُرَاد من قَوْله صلى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة وأقلها رَكْعَتَانِ لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه تنفل فِي النَّهَار بِأَقَلّ من رَكْعَتَيْنِ فَكَانَت الركعتان متحققا وقوعهما وأصرح من هَذَا مَا رَوَاهُ عَمْرو بن أبي شيبَة فِي كتاب مَكَّة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي دَاوُد عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي هَذَا الحَدِيث " فاستقبلني بِلَال فَقلت مَا صنع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَهُنَا فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن صلى رَكْعَتَيْنِ بالسبابة وَالْوُسْطَى " فعلى هَذَا يحمل قَوْله " نسيت أَن أسأله كم صلى " على أَنه لم يسْأَله بِاللَّفْظِ وَلم يجبهُ بِاللَّفْظِ وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْهُ صلَاته الرَّكْعَتَيْنِ بِالْإِشَارَةِ لَا بالنطق وَقد قيل يجمع بَين الْحَدِيثين بِأَن ابْن عمر نسي أَن يسْأَل بِلَالًا ثمَّ لقِيه مرّة أُخْرَى فَسَأَلَ وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَال بِالْفَاءِ المعقبة فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا فَقَالَ فِي هَذِه فَأَقْبَلت ثمَّ قَالَ فَسَأَلت بِلَالًا وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فبدرت فَسَأَلت بِلَالًا فَدلَّ على أَن السُّؤَال عَن ذَلِك كَانَ وَاحِدًا فِي وَقت وَاحِد وَثَانِيهمَا أَن رَاوِي قَول ابْن عمر ونسيت هُوَ نَافِع مَوْلَاهُ وَيبعد مَعَ طول ملازمته لَهُ إِلَى وَقت مَوته أَن يسْتَمر على حِكَايَة النسْيَان وَلَا يتَعَرَّض لحكاية الذّكر أصلا (قلت) فِي نظره نظر من وُجُوه. الأول أَن قَوْله أَن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد دَعْوَى بِلَا برهَان فَمَا الْمَانِع من تعددها. وَالثَّانِي أَنه علل على ذَلِك بِالْفَاءِ لكَونهَا للتعقيب وَلقَائِل أَن يَقُول لَهُ فَلم لَا يجوز أَن تكون الْفَاء هَهُنَا بِمَعْنى ثمَّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة} فَإِن الْفَاء فِي {فخلقنا المضغة} وَفِي {فكسونا} بِمَعْنى ثمَّ لتراخي معطوفاتها وَتارَة تكون بِمَعْنى الْوَاو كَمَا فِي قَول الشَّاعِر

(بَين الدُّخُول فحومل ... )

. وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا للتعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ أَلا ترى أَنه يُقَال تزوج فلَان فولد لَهُ إِذا لم يكن بَينهمَا إِلَّا مُدَّة الْحمل وَإِن كَانَ مُدَّة متطاولة وَدخلت الْبَصْرَة فبغداد إِذا لم يقم فِي الْبَصْرَة وَلَا بَين البلدتين. وَالثَّالِث أَن قَوْله وَيبعد مَعَ طول ملازمته إِلَى آخِره غير بعيد فَإِن الْإِنْسَان مَأْخُوذ من النسْيَان (فَإِن قلت) قَالَ عِيَاض أَن قَوْله رَكْعَتَيْنِ غلط من يحيى بن سعيد الْقطَّان لِأَن ابْن عمر قد قَالَ نسيت أَن أسأله كم صلى وَإِنَّمَا دخل الْوَهم عَلَيْهِ من ذكر الرَّكْعَتَيْنِ (قلت) لم ينْفَرد يحيى بن سعيد بذلك حَتَّى يغلط فقد تَابعه أَبُو نعيم عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عَاصِم عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَعمر بن عَليّ بن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَعبد الله بن نمير عِنْد أَحْمد عَنهُ كلهم عَن سيف وَلم ينْفَرد بِهِ سيف أَيْضا فقد تَابعه عَلَيْهِ خصيف عَن مُجَاهِد عِنْد أَحْمد وَلم ينْفَرد بِهِ مُجَاهِد عَن ابْن عمر فقد تَابعه عَلَيْهِ ابْن أبي مليكَة عِنْد أَحْمد. وَالنَّسَائِيّ وَعَمْرو بن دِينَار عِنْد أَحْمد أَيْضا بِاخْتِصَار وَمن حَدِيث عُثْمَان بن طَلْحَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد قوي وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار وَمن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان قَالَ " فَلَمَّا خرج سَأَلت من كَانَ مَعَه فَقَالُوا صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد السارية الْوُسْطَى " أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَمن حَدِيث شيبَة بن عُثْمَان قَالَ " لقد صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد العمودين " أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف يقدم عِيَاض على تغليط حَافظ جهبذ من غير تَأمل فِي بَابه. وَفِيه حجَّة لمن يَقُول الأولى فِي نفل النَّهَار رَكْعَتَانِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول الْأَفْضَل فِي النَّوَافِل مثنى مثنى فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مثنى أفضل بِاللَّيْلِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْأَرْبَع أفضل فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَاحْتج فِي ذَلِك بِحَدِيث ابْن عَبَّاس حِين بَات عِنْد خَالَته مَيْمُونَة يرقب صَلَاة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه " كَانَ يُصَلِّي أَرْبعا لَا تسْأَل عَن حسنهنَّ وطولهن ". وَفِيه حجَّة على ابْن جرير الطَّبَرِيّ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة فرضا كَانَ أَو نفلا وَقَالَ مَالك لَا تصلى فِيهِ الْفَرِيضَة وَلَا رَكعَتَا الطّواف الْوَاجِب فَإِن صلى أعَاد فِي الْوَقْت وَيجوز أَن يُصَلِّي فِيهِ النَّافِلَة وَفِي المسالك لِابْنِ الْعَرَبِيّ روى مُحَمَّد عَن أصبغ أَن من صلى فِي الْبَيْت أعَاد أبدا وَقَالَ مُحَمَّد لَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَقَالَ أَشهب من صلى على ظهر الْبَيْت أعَاد أبدا وَعند أبي حنيفَة يجوز الْفَرْض وَالنَّفْل فِيهِ وَبِه قَالَ الشَّافِعِي

٨٩٣٢٦ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ قَالَ لَمَّا دَخَلَ النبيُّ البَيْتَ دَعا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر