«لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٥١

الحديث رقم ٣٩٥١ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قصة غزوة بدر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا…

«لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ».

سند حديث: ٣٩٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

٣٩٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا…

هذا حديث كعب بن مالك رضي الله عنه ، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.
وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلى الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشُّقة والعياذ بالله، كما أخبر الله سبحانه في القرآن وكما في هذا الحديث.
أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يُضعف عزمهم بعد المسافة ولا طيب الثمار.
إلا أن كعب بن مالك رضي الله عنه تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: "إنه ما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط، كل غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب رضي الله عنه فهو من المجاهدين في سبيل الله، إلا في غزوة بدر، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا إبلًا لقريش مُحملة قدمت من الشام تريد مكةَ وتَمُرُّ بالمدينة.
ثم ذكر بَيعته النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في مِنى، قبل الهجرة، حيث بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها شهود بدر؛ وإن كانت بدر أكثر ذكرًا، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.
كان رضي الله عنه قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبدًا، وقد استعد وتجهز رضي الله عنه وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها فيظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب؛ لأنه لو أظهر ما يقصده تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانه الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرها ووضحها وجَلَّاها لأصحابه، وأخبر أنه خارج إلى تبوك إلى عدوٍّ كثير، وإلى مكان بعيد حتى يستعد الناس.
فخرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط من المؤمنين، هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم ، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية.
فخرج النبي -عليه الصلاة والسلام- بأصحابه وهم كثير، إلى جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالى لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف بغير حرب.
يقول كعب بن مالك رضي الله عنه إن الرسول صلى الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة، أما هو رضي الله عنه فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحِّل راحلته ويقول: سوف ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئًا، ثم يفعل كل يوم كذلك، حتى تمادى به الأمر ولم يدرك.
يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلى سوق المدينة، وإذا المدينة ليس فيها أحد من المهاجرين ولا الأنصار، وليس فيها إلا رجل مغموس في النفاق -والعياذ بالله- قد غمسه نفاقه فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب على نفسه: كيف لا يبقى في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.
فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله: أين كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمة وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.
فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا لابسا البياض يتحرك به السراب من بعيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كن أبا خيثمة الأنصاري" فكان أبا خيثمة، وهذا معناه الفراسة والتمني أن يصبح هذا القادم من بعيد هو أبو خيثمة.
وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مُراءٍ ما أكثر الصدقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غَنِيٌّ عن صاعِ هذا.
يقول رضي الله عنه : إنه لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع قافلًا من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان تورية، من أجل أن يعذره النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه : فلما بلغه قرب النبي صلى الله عليه وسلم زال عنه الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلى الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام.
فدخل المسجد وصلى وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فيبايعهم ويستغفر لهم؛ ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله تعالى قال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} (التوبة: من الآية80)، فيقول: أما أنا فعزمت أن أصدق النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب ثم قال: "تعال" فلما دنوت منه قال لي: "ما خلفك؟". فقال رضي الله عنه : يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلًا- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلًا- ولكني لا أحدثك اليوم حديثا ترضى به عني فيوشك أن يسخطك الله علي في ذلك.
فصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق" ويكفي له فخرًا أن وصفه النبي -عليه الصلاة والسلام- بالصدق: "أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء".
فذهب الرجل مستسلمًا لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فلحقه قوم من بني سلمة من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنبًا قبل هذا، ويكفيك أن يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا استغفر لك الرسول صلى الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول -عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه، فهم أن يفعل- رضي الله عنه- ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلى في كتاب الله إلى يوم القيامة.
فسال قومه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك، قال: فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا لي فيهما أسوة.
فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.
فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً لا يسلم عليهم.
يقول كعب: كنت أحضر وأسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.
فضاقت عليهم الأرض وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا على هذه الحال مدة خمسين يوما والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم، ولا يردون السلام إذا سلموا.
فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلى الله عز وجل ، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.
فكان يحضر ويسلم على النبي -عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات؛ لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلى قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبدًا، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب.
قال: "فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان"؛ لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في الأسواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.
يقول: وكنت أنا أقواهم وأصبرهم لأنه كان أصغرهم سنا؛ فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة رضي الله عنهم أطوع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
يقول: كنت أصلي وأسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحيانًا وأنا أصلي، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني، كل هذا من شدة الهجر.
يقول: "فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال علي جفوة الناس، تسورت حائطًا –أي: دخله من فوق الجدار- لأبي قتادة رضي الله عنه ، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام"، وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، كل هذا طاعة لله ورسوله. فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه. مرتين يناشده وأبو قتادة لم يرد عليه، وهو يعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله. فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا. يقول: فبكى ثم خرج إلى السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جدًّا.
يقول: "فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك -يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافرًا- وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، فتعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا. ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالى ورسوله، ومحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال: هذا أيضا من البلاء، ثم ذهب إلى التنور فأحرقها.
ولما تمت لهم أربعون ليلة وأبطأ الوحي فلم ينزل أرسل إليهم النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم.
فقال كعب: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلِّقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة لله ورسوله، فسأل فقال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يأمرك أن تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ.
فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك حتى يقضي الله هذا الأمر. فلحقت بأهلها.
وجاءت زوجة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: "إنه والله ما به من حركة إلي شيء" يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي رضي الله عنه منذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يومًا يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا ستكون النهاية.
فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته، وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نُهِيَ عن كلامنا.
يقول: "وكنت ذات يوم أصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا، فسمعت صارخًا يقول وهو على سَلْع -وهو جبل معروف في المدينة- أوفى عليه وصاح بأعلى صوته يقول: "يا كعب بن مالك أبشر"، يقول: "فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج"، وركب فارس من المسجد يؤم بيت كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون إلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونهما بتوبة الله عليهما.
يقول: فجاء الصارخ الماشي على قدميه، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشرى للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطى ثوبيه للذي بشره.
ثم نزل متوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته على هؤلاء الثلاثة.
يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجًا يهنئونني بتوبة الله عليَّ حتى دخلت المسجد.
يقول: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فصافحني وهنأني بتوبة الله عليَّ.
يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا ينساها له.
حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا وجهه يبرق؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جرى من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يومًا، حتى نسائهم بعد الأربعين أَمَرَ الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك".
فقال له: "أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله عز وجل"؛ لأنه إذا كان من عند الله كان أشرف وأفضل وأعظم.
فقال كعب: إن من توبته أن يتخلى عن ماله، ويجعله صدقة لله تعالى.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.
ثم ذكر كعب بن مالك أن من توبته أن لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالى بالصدق، وما زال كذلك ما حدث بحديث كذب أبدًا بعد أن تاب الله عليه، فكان رضي الله عنه مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).
وأنزل الله تعالى الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} (التوبة: 117: 119).
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد، قال سبحانه : {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، قال: كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حَلَفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنَا حتى قضى الله فيه بذلك، قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه".
وذكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة ضحى، وأنه دخل المسجد فصلى فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلى الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أهمية صراحة المسلم وصدقه.
  • جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله وعن سبب ذلك.
  • إباحة الغنيمة لهذه الأمة المرحومة حيث كانت محرَّمة على من قبلها من الأمم.
  • القتال يوم بدر لم يكن فرضًا عينيًّا.
  • جواز التحديث بنعمة الله عز وجل إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفع والرياء.
  • بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة -رضي الله عنهم- حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر.
  • خطته صلى الله عليه وسلم الحكيمة على الصعيد العسكري، كمحافظته على سرية الخطط وحسن تقديره للموقف، وعدم تغريره بجنده ووضعهم في الصورة الواقعية حتى يكونوا على مستوى المهمة الملقاة على عاتقهم.
  • الإمام إذا راى مصلحة في أن يستر على الرعية بعض ما يهِم به، ويقصده من العدو؛ استحب له ذلك أو يتعين لحسب المصلحة.
  • الستر والكتمان إذا تضمن مفسدة لم يجُز.
  • اندفاع المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله -عز وجل- عن رضا وطواعية رغم ما كانوا عليه من شدة.
  • تألم المسلم من تقصيره في أداء الواجب، وحرصه أن لا يكون من المتخلفين أو المنافقين.
  • لم يكن يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أحد ثلاثة: إما منافق، أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمصلحة أو استعمله على المدينة.
  • الإمام والمطاع لا ينبغي أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يُذَكِّرْه ليراجع الطاعة ويتوب.
  • جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن الله ورسوله.
  • جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الرادِّ أنه وهم وغلط.
  • السنة للقادم من السفر أن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين.
  • يعامل الإنسان على ظاهره ويترك أمر باطنه إلى الله -عز وجل-.
  • تشديد الإسلام في هجر العصاة ولو بعزلهم عن المجتمع ليكون أبلغ في التأديب، وهذا إذا كان في الهجر مصلحة وفائدة للمهجور وللمجتمع.
  • حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ورأفته في صحبه وإشفاقه عليهم وسروره بسرورهم وفرحه بخيرهم.
  • المؤمن يبتلى في دينه ودنياه، ومن أراد الله به خيرا صدق مع الله وثبت على ما عاهد عليه.
  • خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله لتوبته، ولكن في حقنا أمر غيبي، لكن المرجو أن كل تائب حقق شروط التوبة وأخلص أن الله -تعالى- يتوب عليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾

وَقَالَ وَحْشِيٌّ: قَتَلَ حَمْزَة، طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ الآية.

٣٩٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.

قَوْلُهُ: (قِصَّةُ غَزْوَةِ بَدْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَثَبَتَ بَابُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ - إِلَى - ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ نَحْوَهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ وَسَاقَ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.

قَوْلُهُ: (بِبَدْرٍ) هِيَ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ نُسِبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كَانَ نَزَلَهَا، وَيُقَالُ: بَدْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ: بَدْرٌ اسْمُ الْبِئْرِ الَّتِي بِهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا أَوْ لِصَفَاءِ مَائِهَا، فَكَانَ الْبَدْرُ يُرَى فِيهَا، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ إِنْكَارَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ بَنِي غِفَارٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَأْوَانَا وَمَنَازِلُنَا وَمَا مَلَكَهَا أَحَدٌ قَطُّ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَمٌ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أَيْ قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشَاةً إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَارِينَ مِنَ السِّلَاحِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى تَلَقِّي أَبِي سُفْيَانَ لِأَخْذِ مَا مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ قَلِيل فَلَمْ يَظُنَّ أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ يَقَعُ قِتَالٌ فَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَةَ الِاسْتِعْدَادِ كَمَا يَنْبَغِي، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا مُسْتَعِدِّينَ ذَابِّينَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَاخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: نَصَرَكُمْ فَعَلَى هَذَا فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ فَذَهِلَ. وَقِيلَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَطَائِفَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ يَمُدُّ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ الْآيَةَ.

قَالَ: فَلَمْ يَمُدَّ كُرْزٌ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَمُدَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ آيتي آلِ عِمْرَانَ وَالْأَنْفَالِ، وَقَدْ لَمَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالِاخْتِلَافِ فِي

النُّزُولِ فَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وَذَكَرَ مَا عَدَا ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (فَوْرِهِمْ: غَضَبِهِمْ) ثَبَتَ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَحْشِيٌّ) أَيِ ابْنُ حَرْبٍ (قَتَلَ حَمْزَةُ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ ابْنُ الْخِيَارِ وَهُوَ وَهَمٌ وَصَوَابُهُ ابْنُ نَوْفَلٍ وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ مَقْتَلِ حَمْزَةَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ جَمِيعُ سُورَةِ الْأَنْفَالِ أَوْ مُعْظَمُهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ وَالْمُرَادُ بِالطَّائِفَتَيْنِ: الْعِيرُ وَالنَّفِيرُ، فَكَانَ فِي الْعِيرِ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ كَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ فِي النَّفِيرِ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مُسْتَعِدِّينَ بِالسِّلَاحِ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ، وَكَانَ مَيْلُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى حُصُولِ الْعِيرِ لَهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِذَاتِ الشَّوْكَةِ الطَّائِفَةُ الَّتِي فِيهَا السِّلَاحُ.

قَوْلُهُ: (الشَّوْكَةُ الْحَدُّ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ: وَيُقَالُ: مَا أَشَدَّ شَوْكَةِ بَنِي فُلَانٍ أَيْ حَدُّهُمْ، وَكَأَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ مِنْ وَاحِدَةِ الشَّوْكِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ يُرِيدُهَا، فَبَلَغَ أَهْلَ مَكَّةَ فَأَسْرَعُوا إِلَيْهَا وَسَبَقَتِ الْعِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ اللَّهُ وَعَدَهُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَانُوا أَنْ يَلْقَوُا الْعِيرَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ وَأَيْسَرَ شَوْكَةً وَأَخَصَّ مَغْنَمًا مِنْ أَنْ يَلْقَوُا النَّفِيرَ، فَلَمَّا فَاتَهُمُ الْعِيرُ نَزَلَ النَّبِيُّ بِالْمُسْلِمِينَ بَدْرًا فَوَقَعَ الْقِتَالُ.

ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي بطوله فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَمْ يُعَاتِبِ اللَّهُ أَحَدًا وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ أَيْ وَلَمْ يُرِدِ الْقِتَالَ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ أَيْ وَلَا إِرَادَةَ قِتَالٍ. وَالْعِيرُ الْمَذْكُورَةُ يُقَالُ: كَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَ الْمَالُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: سِتُّونَ، وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أَتَخَلَّفْ إِلَّا فِي تَبُوكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنِّي حَضَرْتُ فِي جَمِيعِ الْغَزَوَاتِ مَا خَلَا غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَالسَّبَبُ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَسْتَثْنِهِمَا مَعًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَوْنُهُ تَخَلَّفَ فِي تَبُوكَ مُخْتَارًا لِذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمِ الطَّلَبِ وَوُقُوعِ الْعِتَابِ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ، بِخِلَافِ بَدْرٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّخَلُّفَيْنِ.

٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

المائل عَن دينه إِلَى دين غَيره. قَوْله: (طريقك) قَالَ الْكرْمَانِي بِالنّصب وَالرَّفْع وَلم يبين وجههما. قلت: أما بِالنّصب فعلى أَنه بدل من قَوْله: (مَا هُوَ أَشد عَلَيْك مِنْهُ) ، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ طريقك. قَوْله: (قاتلوك) ويروى: قاتليك، على غير الْقيَاس بِتَأْوِيل: يكونُونَ قاتليك، ويروى: قاتلتك، أَي: الطَّائِفَة القاتلون لَك؟ قَوْله: (قَالَ بِمَكَّة) أَي: قَالَ أُميَّة: إِنَّهُم قاتلوني بِمَكَّة؟ قَوْله: (أخْبرهُم) أَي: أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (أَنهم) أَي: أَن أَبَا جهل وَأَتْبَاعه قاتلي، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (اسْتنْفرَ) أَي: طلب الْخُرُوج من النَّاس. قَوْله: (عِيركُمْ) بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة، وَهُوَ الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة. قَوْله: (مَتى يراك النَّاس) ويروى: مَتى يَرك النَّاس، بِالْجَزْمِ. قَوْله: (أَخُوك اليثربي) أَرَادَ بِهِ سَعْدا، وَالْمرَاد الْأُخوة بَينهمَا بِحَسب المعاهدة والموالاة. قَوْله: (أَن أجوز) أَي: أنفذ، أَو: أَن أسلك. قَوْله: (حَتَّى قَتله الله) أَي: قدر الله قَتله بيد بِلَال مُؤذن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما كَانَ أَبُو جهل هُوَ السَّبَب فِي خُرُوج أُميَّة إِلَى الْقِتَال أضيف إِلَيْهِ لِأَن الْقَتْل كَمَا يكون مُبَاشرَة يكون سَببا.

٣ - (بابُ قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصَّة غَزْوَة بدر وَلَفظ بَاب مَا ثَبت إِلَّا فِي رِوَايَة كَرِيمَة.

وقَوْلِ الله تعالَى ولَقَدْ نَصَرَكُمْ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا الله لعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويأتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هاذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إلَاّ بُشْرَى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمُ بِهِ ومَا النَّصْرُ إلَاّ مِنْ عِنْدِ الله العَزِيزِ الحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفَاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ. (آل عمرَان: ١٢٣ ١٢٧) .

وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: قصَّة غَزْوَة بدر، وسيقت هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي، وَقَول الله تَعَالَى: {وَلَقَد نصركم الله ببدر وَأَنْتُم أَذِلَّة فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون} إِلَى قَوْله: {فينقلبوا خائبين} قَوْله: {وَلَقَد نصركم الله} فِي معرض الْمِنَّة حَيْثُ أعز الله الْإِسْلَام وَأَهله يَوْم بدر وَرفع فِيهِ الشّرك وَخرب مَحَله، هَذَا مَعَ قلَّة الْعدَد فِي الْمُسلمين يَوْمئِذٍ وَكَثْرَة الْعَدو وَفِي سوابغ الْحَدِيد وَالْبيض وَالْعدة الْكَامِلَة والخيول المسومة وَالْخُيَلَاء الزَّائِدَة، فأعز الله رَسُوله وَأظْهر وحيه وتنزيله، وبيض الله وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقبيله، وأخزى الشَّيْطَان وجيله، وَلِهَذَا قَالَ ممتنا على عَادَة الْمُؤمنِينَ وَحزبه المفلحين الْمُتَّقِينَ {وَلَقَد نصركم الله ببدر} قَالَ الشّعبِيّ: بدر بِئْر لرجل يُسمى بدر بن الْحَارِث بن مخلد بن النَّضر بن كنَانَة، وَقيل: سميت بَدْرًا لاستدارتها كالبدر، وَقيل: لصفائها ورؤية الْبَدْر فِيهَا، وَقَالَ السُّهيْلي: احتفرها رجل من بني غفار ثمَّ من بني النجار، واسْمه بدر بن كلدة، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: ذكرت هَذَا لعبد الله بن جَعْفَر وَمُحَمّد بن صَالح فأنكراه، وَقَالا: لأي شَيْء سميت الصَّفْرَاء؟ ولأي شَيْء سمي الْجَار؟ إِنَّمَا هُوَ اسْم الْموضع. قَالَ: وَذكرت ذَلِك ليحيى بن النُّعْمَان الْغِفَارِيّ فَقَالَ: سَمِعت شُيُوخنَا من غفار يَقُولُونَ: هُوَ ماؤنا ومنزلنا وَمَا ملكه أحد قطّ قد اسْمه بدر، وَمَا هُوَ من بِلَاد جُهَيْنَة إِنَّمَا هُوَ من بِلَاد غفار، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هُوَ الْمَعْرُوف عندنَا. وَفِي (الإكليل) : بدر مَوضِع بِأَرْض الْعَرَب يُقَال لَهَا الأثيل بِقرب يَنْبع والصفراء وَالْجَار والجحفة، وَهُوَ موسم من مواسم الْعَرَب وَمجمع من مجامعهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَبهَا قليب وآبار ومياه تستعذب، وَعَن الزُّهْرِيّ: كَانَ بدر متجراً يُؤْتى فِي كل عَام. وَقَالَ الْبكْرِيّ: هِيَ على مائَة وَعشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة، وَمِنْهَا إِلَى الْجَار سِتَّة عشر ميلًا، وَبِه عينان جاريتان عَلَيْهِمَا الموز وَالنَّخْل وَالْعِنَب. قَوْله: {وَأَنْتُم أَذِلَّة} جمع ذليل، وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة: ذلال، وَجَاء بِجمع الْقلَّة ليدل على أَنهم على ذلتهم كَانُوا قَلِيلا وذلتهم مَا كَانَ بهم من ضعف الْحَال وَقلة السِّلَاح وَالْمَال والمركوب، وعدوهم كَثِيرُونَ مَعَ شكة وشوكة، وسنبين ذَلِك عَن قريب. قَوْله: {فَاتَّقُوا الله} أَي: مُخَالفَة أمره وعقابه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ {فَاتَّقُوا الله} فِي الثَّبَات مَعَ رَسُوله {لَعَلَّكُمْ تشكرون} بتقواكم مَا أنعم بِهِ عَلَيْكُم، ولعلكم ينعم الله عَلَيْكُم نعْمَة أُخْرَى تشكرونها، فَوضع الشُّكْر مَوضِع الإنعام لِأَنَّهُ سَبَب

لَهُ. قَوْله: {إِذْ تَقول} ظرف لقَوْله: نصركم، أَو بدل ثَان من: إِذْ غَدَوْت، وَقَالَ ابْن كثير: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا، هَل كَانَ يَوْم بدر أَو يَوْم أحد؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن قَوْله: (إِذْ تَقول) يتَعَلَّق بقوله: {وَلَقَد نصركم الله ببدر} ، رُوِيَ هَذَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وعامر الشّعبِيّ وَالربيع بن أنس وَغَيرهم، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير. وَالثَّانِي: أَنه يتَعَلَّق بقوله: {وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوىء الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ} (آل عمرَان: ١٢١) . وَذَلِكَ يَوْم أحد، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَالزهْرِيّ ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهم، لَكِن قَالُوا: لم يحصل الْإِمْدَاد بِخَمْسَة آلَاف لِأَن الْمُسلمين فروا يَوْمئِذٍ، زَاد عِكْرِمَة: وَلَا بِثَلَاثَة آلَاف. قَوْله: {ألن يكفيكم} قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب عَن دَاوُد عَن عَامر يَعْنِي الشّعبِيّ: أَن الْمُسلمين بَلغهُمْ يَوْم بدر أَن كرز بن جَابر يمد الْمُشْركين، فشق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله: {ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين} إِلَى قَوْله: {مسومين} قَالَ: فبلغت كرز الْهَزِيمَة فَلم يمد الْمُشْركين، وَلم يمد الله الْمُسلمين بالخمسة آلَاف. وَقَالَ الرّبيع بن أنس: أمد الله الْمُسلمين بِأَلف ثمَّ صَارُوا ثَلَاثَة آلَاف ثمَّ صَارُوا خَمْسَة آلَاف. فَإِن قلت: مَا الْجمع بَين هَذِه الْآيَة على هَذَا القَوْل، وَبَين قَوْله فِي قَضِيَّة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ} (الْأَنْفَال: ٩) . قلت: التَّنْصِيص على الْألف هَهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَة آلَاف فَمَا فَوْقهَا، فَمَعْنَى: مُردفِينَ، يردفهم غَيرهم ويتبعهم أُلُوف أخر مثلهم، والكفاية مِقْدَار سد الْخلَّة، والاكتفاء الِاقْتِصَار على ذَلِك، والإمداد إِعْطَاء الشَّيْء بعد الشَّيْء. قَالَ الْمفضل: كل مَا كَانَ على جِهَة الْقُوَّة والإعانة قيل فِيهِ: أمده، وكل مَا كَانَ على جِهَة الزِّيَادَة قيل فِيهِ: مده، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَالْبَحْر يمده} (لُقْمَان: ٢٧) . وَقَالَ بَعضهم: الْمَدّ فِي الشَّرّ والإمداد فِي الْخَيْر، بِدَلِيل قَوْله: {ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون} (الْبَقَرَة: ١٥) . {ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا} (مَرْيَم: ٧٩) . وَقَالَ فِي الْخَيْر: {إِنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف} (الْأَنْفَال: ٩) . قَوْله: (بلَى) تَصْدِيق لما وعده بالإمداد والكفاية. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: بلَى، إِيجَاب لما بعد لن، يَعْنِي: بل يكفيكم الْإِمْدَاد بهم، فَأوجب الْكِفَايَة. قَوْله: (أَن تصبروا) أَي: على لِقَاء الْعَدو وتتقوا مَعْصِيّة الله وَمُخَالفَة نبيه. قَوْله: (ويأتوكم من فورهم هَذَا) ، يَعْنِي الْمُشْركين من فورهم هَذَا يَعْنِي: من ساعتهم هَذِه، قيل: يَوْم فورهم يَوْم بدر، وَقيل: يَوْم أحد، وَقيل: يَوْم فورهم يَوْم غضبهم، ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ قَول عِكْرِمَة وَمُجاهد، وَرُوِيَ عَن الْحسن وَقَتَادَة وَالربيع وَالسُّديّ: أَي: من وجههم هَذَا، وأصل الْفَوْر غليان الْقدر، ثمَّ قيل للغضبان: فائر. قَوْله: (يمددكم) ، جَزَاء. أَن: قَوْله: (مسومين) ، أَي: معلمين بالسيماء، قَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي: عَن حَارِثَة عَن مضرب عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ كَانَ سيماء الْمَلَائِكَة يَوْم بدر الصُّوف الْأَبْيَض وَكَانَ سيماؤهم أَيْضا فِي نواصي خيولهم وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة: {مسومين} قَالَ: بالعهن الْأَحْمَر. وَقَالَ مَكْحُول: مسومين بالعمائم، وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عبد القدوس بن حبيب عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي قَوْله: مسومين، قَالَ: معلمين، وَكَانَت سيماء الْمَلَائِكَة يَوْم بدر عمائم سود، وَيَوْم أحد عمائم حمر، وروى من حَدِيث حُصَيْن بن مُخَارق عَن سعد عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لم تقَاتل الْمَلَائِكَة إلَاّ يَوْم بدر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا الأحمسي حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا هِشَام ابْن عُرْوَة عَن يحيى بن عباد أَن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ عَلَيْهِ يَوْم بدر عِمَامَة صفراء معتجراً بهَا، فَنزلت الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم عمائم صفر، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي من لَا أتهم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت سيماء الْمَلَائِكَة يَوْم بدر عمائم بيض، قد أرسلوها فِي ظُهُورهمْ، وَيَوْم حنين عمائم حمر، وَلم تضرب الْمَلَائِكَة فِي يَوْم سوى يَوْم بدر، وَكَانُوا يكونُونَ عددا ومددا لَا يضْربُونَ، وَقَالَ عُرْوَة: كَانَت الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ على خيل بلق وعمائمهم صفر، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: عمائمهم بيض، وَقَالَ الْحسن: عمِلُوا على أَذْنَاب خيلهم وَنَوَاصِيهمْ بصوف أَبيض. قَوْله: (وَمَا جعله الله إلَاّ بشرى لكم) ، أَي: مَا جعل الله هَذَا الْوَعْد إلَاّ بِشَارَة لكم. قَوْله: (ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ) ، وَاضح مثل: {وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظاً} (فصلت: ١٢) . قَوْله: (وَمَا النَّصْر إلَاّ من عِنْد الله) أَي دون الْمَلَائِكَة، وَكَثْرَة الْعدَد، وَلَكِن نزولهم سَبَب من أَسبَاب النَّصْر لَا يحْتَاج الرب إِلَيْهِ. قَوْله: (الْعَزِيز) ، أَي: الَّذِي لَا يغالب، (الْحَكِيم) ، الَّذِي تجْرِي أَفعاله على مَا يُرِيد وَهُوَ أعلم بمصالح العبيد. قَوْله: (ليقطع طرفا) ، فِيهِ حرف الْعَطف مَحْذُوف أَي: وليقطع طَائِفَة (من الَّذين كفرُوا) ، وَقَالَ السّديّ: ليهْدم ركنا من أَرْكَان الْمُشْركين بِالْقَتْلِ والأسر. قَوْله: (أَو يكبتهم) أَي: يهزمهم، وَقيل: يصرعهم، وَقيل: يُهْلِكهُمْ، وَقيل: يلعنهم. قَوْله: (فينقلبوا) ، أَي: فيرجعوا خائبين أَي: لم يحصلوا على مَا أَملوهُ.

وقالَ وَحْشِيٌّ قَتَلَ حَمْزَةَ طُعَيْمَةَ بنَ عَدِيِّ بنِ الخِيارِ يَوْمَ بَدْرٍ

وَحشِي، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء: هُوَ ابْن حَرْب ضد الصُّلْح الحبشي، مولى طعيمة مصغر الطعمة بالمهملتين، وَقيل: مولى جُبَير بن مطعم بن عدي بن الْخِيَار، كَذَا وَقع فِيهِ: ابْن الْخِيَار، وَهُوَ وهم وَالصَّوَاب: ابْن نَوْفَل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ طعيمة بن عدي بن نَوْفَل، وَلم يذكر ابْن الْخِيَار. قَوْله: (قتل حَمْزَة) أَي: ابْن عبد الْمطلب، وَكَانَ جُبَير بن مطعم وَهُوَ ابْن أخي طعيمة قَالَ لَهُ: لما قتل حَمْزَة يَوْم بدر: طعيمة! إِن قتلت حَمْزَة بعمي فَأَنت حر، فَقتله يَوْم أحد على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي غَزْوَة أحد فِي: بَاب قتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

وقَوْلُهُ تَعَالى وإذْ يَعِدُكُمْ الله إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ الْآيَة} (الْأَنْفَال: ٧) .

كلمة: إِذْ، مَنْصُوبَة بإضمار: اذكر، وَالْمرَاد بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: الطَّائِفَة الَّتِي فِيهَا العير وَالَّتِي فِيهَا النفير، وَكَانَ فِي العير أَبُو سُفْيَان وَمن مَعَه وَمَعَهُمْ من الْأَمْوَال، وَكَانَ فِي النفير أَبُو جهل وَعتبَة بن ربيعَة وَغَيرهمَا من رُؤَسَاء قُرَيْش مستعدين للسلاح متأهبين لِلْقِتَالِ، وَمُرَاد الْمُسلمين حُصُول العير لم، وقصة ذَلِك مختصرة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خرج من الْمَدِينَة طَالبا لعير أبي سُفْيَان الَّتِي بلغه خَبَرهَا أَنا صادرة من الشَّام فِيهَا أَمْوَال جزيلة لقريش، فاستنهض رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمُسلمين من خف مِنْهُم، فَخرج فِي ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجل وَطلب نَحْو السَّاحِل من على طَرِيق بدر، وَعلم أَبُو سُفْيَان بِخُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي طلبه: فَبعث ضَمْضَم بن عَمْرو نذيراً إِلَى أهل مَكَّة فنهضوا فِي قريب من ألف مقنع مَا بَين تِسْعمائَة إِلَى الْألف، وتيامن أَبُو سُفْيَان بالعير إِلَى سَاحل الْبَحْر فنجا، وَجَاء النفير فَوَرَدُوا مَاء بدر، وَجمع الله بَين الْمُسلمين والكافرين على غير ميعاد لما يُرِيد الله تَعَالَى من إعلاء كلمة الْمُسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَالْغَرَض أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بلغه خُرُوج النفير أوحى الله إِلَيْهِ بعدَة إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا العير وَإِمَّا النفير، وَرغب كثير من الْمُسلمين إِلَى العير لِأَنَّهُ كسب بِلَا قتال، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وتودون أَن غير ذَات الشَّوْكَة} (الْأَنْفَال: ٧) . الْآيَة. قَوْله: (أَنَّهَا لكم) بدل من {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} (الْأَنْفَال: ٧) . قَوْله: (وتودون) ، أَي: تحبون أَن الطَّائِفَة الَّتِي لَا حد لَهَا وَلَا مَنْعَة وَلَا قتال تكون لكم وَهِي العير، والشوكة: الشدَّة وَالْقُوَّة، وَأَصلهَا من الشوك، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: مَا أَشد شَوْكَة بني فلَان، أَي: حَدهمْ، وَكَأَنَّهَا مستعارة من وَاحِد الشوك.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله الشَّوْكَةُ الحِدَّة

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، ففسر الشَّوْكَة بالحدة، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَلَيْسَ هَذَا بمذكور فِي بعض النّسخ.

٣٩٥١ - حدَّثني يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ لَمْ أتَخَلَّفْ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوةٍ غَزَاهَا إلَاّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعَاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا إنَّمَا خرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غَيْرِ مِيعَادٍ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر من لفظ الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله: (وَلم يُعَاتب أحدا) ، انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهِ وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، وَلَيْسَ الْغَرَض ذَلِك، لِأَن مَا قَالَه لَا يُطَابق التَّرْجَمَة بل الْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، وَرِجَاله قد مروا وَلَا سِيمَا شَيْخه إِلَى عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ طرف من حَدِيث كَعْب بن مَالك فِي قصَّة تَوْبَته، وَسَيَأْتِي مطولا فِي غَزْوَة تَبُوك.

قَوْله:

(إلَاّ فِي غَزْوَة) وَجه هَذَا الِاسْتِثْنَاء أَن غير صفة، وَالْمعْنَى: مَا تخلفت إلَاّ فِي تَبُوك حَال مُغَايرَة تخلف بدر لتخلف تَبُوك، لِأَن التَّوَجُّه فِيهِ لم يكن بِقصد الْغَزْو بل بِقصد أَخذ العير، وَهُوَ معنى قَوْله: (إِنَّمَا خرج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى آخِره. قَوْله: (وَلم يُعَاتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَفظ (أحد) مَرْفُوع، وَفِي رِوَايَة الكشمسهيني: (وَلم يُعَاتب الله أحدا) قَوْله: (يُرِيد عير قُرَيْش) ، جملَة حَالية، يَعْنِي: لم يرد الْقِتَال. قَوْله: (على غير ميعاد) يَعْنِي: بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين كفار قُرَيْش.

٤ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى {إذْ تسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجَابَ لكُم أنِّي مُمِدُّكُمْ بألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إلَاّ بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلَاّ مِنْ عِنْدِ الله إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ إذْ يُغَشِّيكُمْ النعاسَ أمَنَةً مِنْهُ ويُنَزِّلُ علَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ فثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فوقَ الأعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كلَّ بَنانٍ ذالِكَ بِأنَّهُمْ شَاقُوا الله ورَسُولَهُ ومَنْ يُشَاقِقِ الله ورَسُولَهُ فإنَّ الله شَديدَ العِقَابِ. (الْأَنْفَال: ٩ ١٢) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربَّكم} الْآيَات، هَكَذَا سيقت هَذِه الْآيَات كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب قَول الله تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم} إِلَى قَوْله: {شَدِيد الْعقَاب} قَوْله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ} بدل من قَوْله {إِذْ يَعدكُم} (الْأَنْفَال: ٧) . وَقيل: يتَعَلَّق بقوله: {ليحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل} (الْأَنْفَال: ٨) . واستغاثتهم أَنهم لما علمُوا أَنه لَا بُد من الْقِتَال طفقوا يدعونَ الله تَعَالَى، أَي: رب انصرنا على عَدوك، يَا غياث المستغيثين أغثنا، وَسَيَجِيءُ بَيَان الاستغاثة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: {إنِّي مُمِدكُمْ} من الْإِمْدَاد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وأصل (أَنِّي) بِأَنِّي، فَحذف الْجَار وسلط عَلَيْهِ: اسْتَجَابَ، فنصب مَحَله، وَعَن أبي عَمْرو أَنه قَرَأَ: أَنِّي مُمِدكُمْ، بِالْكَسْرِ على إِرَادَة القَوْل أَو على إِجْرَاء اسْتَجَابَ مجْرى: قَالَ، لِأَن الاستجابة من القَوْل. قَوْله: {مُردفِينَ} أَي: مردف بَعضهم بَعْضًا، وَعَن ابْن عَبَّاس: مُتَتَابعين، يَعْنِي وَرَاء كل ملك ملك، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي الْمثنى حَدثنَا إِسْحَاق حَدثنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن الربيعي عَن أبي الْحُوَيْرِث عَن مُحَمَّد بن جُبَير عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نزل جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميمنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وفيهَا أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَنزل مِيكَائِيل فِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميسرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا فِي الميسرة، وَهَذَا يَقْتَضِي لَو صَحَّ إِسْنَاده أَن الْألف مردفة بِمِثْلِهَا، وَلِهَذَا قَرَأَ بَعضهم: مُردفِينَ، بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (وَمَا جعله الله) ، أَي: وَمَا جعل الله بعث الْمَلَائِكَة وإعلامه إيَّاكُمْ بهم {إلَاّ بشرى لكم ولتطمئن بِهِ قُلُوبكُمْ} (الْأَنْفَال: ٧) . وإلَاّ فَالله تَعَالَى قَادر على نصركم على أعدائكم بِدُونِ ذَلِك، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا النَّصْر إلَاّ من عِنْد الله} قَوْله: {إِذْ يغشيكم النعاس} كلمة: إِذْ، بدل ثَان من: إِذْ يَعدكُم، أَو مَنْصُوب بالنصر، أَو بِمَا فِي من عِنْد الله من معنى الْفِعْل، أَو بِمَا جعله الله، وَمعنى: يغشيكم يغطيكم، يُقَال: غشاه تغشية إِذا غطاه، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، وَنصب النعاس، وَالضَّمِير لله عز وَجل. قَوْله: (أَمَنَة) مفعول لَهُ، أَي: لأمنكم، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ذكرهم الله بِمَا أنعم بِهِ عَلَيْهِم من إلقائه النعاس عَلَيْهِم أَمَانًا من خوفهم الَّذِي حصل لَهُم من كَثْرَة عدوهم وَقلة عَددهمْ، وَقَالَ أَبُو طَلْحَة: كنت مِمَّن أَصَابَهُ النعاس يَوْم أحد، وَلَقَد سقط السَّيْف من يَدي مرَارًا، وَلَقَد نظرت إِلَيْهِم يمتدون وهم تَحت الجحف، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: عَن أبي عَاصِم عَن أبي رزين عَن عبد الله بن عَبَّاس، أَنه قَالَ: النعاس فِي الْقِتَال أَمَنَة من الله، وَفِي الصَّلَاة وَسْوَسَة من الشَّيْطَان، وَقَالَ قَتَادَة: النعاس فِي الرَّأْس وَالنَّوْم فِي الْقلب، وَقَالَ سهل بن عبد الله: هُوَ يحل فِي الرَّأْس مَعَ حَيَاة الْقلب، وَالنَّوْم يحل فِي الْقلب بعد نُزُوله من الرَّأْس. قَوْله: {وَينزل عَلَيْكُم} إِلَى قَوْله: {الْأَقْدَام} وَعَن ابْن عَبَّاس: نزل الْمُسلمُونَ يَوْم بدر على كثيب أعفر سوخ فِيهِ الْأَقْدَام وحوافر الدَّوَابّ، وسبقهم الْمُشْركُونَ إِلَى مَاء بدر وغلبوهم عَلَيْهِ، وَأصْبح الْمُسلمُونَ بَعضهم محدثين وَبَعْضهمْ

جنبا، وأصابهم الظمأ ووسوس إِلَيْهِم الشَّيْطَان، وَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَن فِيكُم نَبِي الله وأنكم أَوْلِيَاء الله وَقد غَلَبَكُمْ الْمُشْركُونَ على المَاء وَأَنْتُم تصلونَ جنبا ومحدثين؟ فَكيف ترجون أَن تظهروا عَلَيْهِم؟ فَأرْسل الله عَلَيْهِم مَطَرا من السَّمَاء سَالَ مِنْهُ الْوَادي، فَشرب مِنْهُ الْمُسلمُونَ وَاغْتَسلُوا وَسقوا الركاب. وملأوا الأسقية وَأَطْفَأت الْغُبَار وَاشْتَدَّ الرمل حَتَّى ثبتَتْ عَلَيْهِ الْأَقْدَام وزالت وَسْوَسَة الشَّيْطَان، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وَينزل عَلَيْكُم} الْآيَة. قَوْله: (إِذْ يوحي رَبك) بدل ثَالِث من: {إِذْ يَعدكُم} (الْأَنْفَال: ٧) . وَأَنه نصب: بيثبت بِهِ الْأَقْدَام. قَوْله: (إِنِّي مَعكُمْ) ، مفعول يوحي، وقرىء: إِنِّي: بِالْكَسْرِ على إِرَادَة القَوْل. قَوْله: (فثبتوا الَّذين آمنُوا) الْمَعْنى: أَنِّي معينكم على التثبيت فثبتوهم، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فآزروهم، وَقيل: قَاتلُوا مَعَهم، وَقيل: كَثُرُوا سوادهم. قَوْله: (الرعب) ، أَي: الْخَوْف والمذلة وَالصغَار، فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَرَادَ أعالي الْأَعْنَاق الَّتِي هِيَ المذابح لِأَنَّهَا مفاصل، فَكَانَ إِيقَاع الضَّرْب فِيهَا حزاً وتطييراً للرؤوس، وَقيل: أَرَادَ الرؤوس لِأَنَّهَا فَوق الْأَعْنَاق. قَوْله: (كل بنان) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: البنان الْأَصَابِع، يُرِيد الْأَطْرَاف، وَقيل: كل مفصل. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا أَصَابَهُم من الضَّرْب وَالْقَتْل وَالْعِقَاب العاجل، وَمحله الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَقَوله: (بِأَنَّهُم) خَبره أَي: ذَلِك الْعقَاب وَقع عَلَيْهِم بِسَبَب مشاقهم. قَوْله: (شاقوا الله وَرَسُوله) أَي: خالفوهما. قَوْله: (شَدِيد الْعقَاب) أَي: هُوَ الطَّالِب الْغَالِب لمن خَالفه وناواه، لَا يفوتهُ شَيْء وَلَا يقوم لغضبه شَيْء.

٣٩٥٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ مُخارِقٍ عنْ طارِقِ بنِ شِهَاب قَالَ سَمِعْتُ ابنَ مسْعُودٍ يقُولُ شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ مَشْهَدَاً لأنْ أكُونَ أنَا صاحِبَهُ أحَبَّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بهِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يدْعُو علَى المُشْرِكِينَ فَقال لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوساى إذْهَبْ أنْتَ ورَبك فقَاتِلَا ولاكِنَّا نُقاتِلُ عنْ يَمِينِكَ وعنْ شِمالِكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ وخَلْفَكَ فرَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أشْرَقَ وجْهُهُ وسَرَّهُ يَعْني قَوْلَهُ. (الحَدِيث ٣٩٥٢ طرفه فِي: ٤٦٠٩) .

ذكر فِي هَذَا الْبَاب حديثين: أَحدهمَا: هَذَا، وَهُوَ فِي بَيَان مَا وَقع قبل الْوَقْعَة. وَالْآخر: حَدِيث ابْن عَبَّاس فِيهِ بَيَان الاستغاثة، وكل مِنْهُمَا مُتَعَلق بِمَا ذكر فِي الْآيَات الْكَرِيمَة والمطابقة بِهَذَا الْمِقْدَار تَكْفِي. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، ومخارق، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره قَاف: ابْن عبد الله ابْن جَابر البَجلِيّ الأحمسي، بالمهملتين، وَيُقَال: اسْم أَبِيه عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: خَليفَة، وَهُوَ كُوفِي ثِقَة عِنْد الْجَمِيع، وَقيل: لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن غير طَارق بن شهَاب بن عبد شمس بن سَلمَة البَجلِيّ الأحمسي الْكُوفِي، يكنى أَبَا عبد الله، رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين غَزْوَة، سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي نعيم أَيْضا، وَعَن حمدَان بن عَمْرو، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي بكر بن النَّضر.

قَوْله: (شهِدت من الْمِقْدَاد) ، بِكَسْر الْمِيم: ابْن الْأسود، وَفِي الْحَقِيقَة اسْم أَبِيه عَمْرو، وَالْأسود كَانَ تبناه فَصَارَ ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: (لِأَن أكون أَنا) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة، وَلَفْظَة: أَنا، وَقعت فِي رِوَايَة الْكشميهني: وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز فِي قَوْله: (صَاحبه) الرّفْع وَالنّصب، وعَلى رِوَايَة غَيره يتَعَيَّن النصب. قَوْله: (صَاحبه) ، أَي: صَاحب المشهد. قَوْله: (مِمَّا عدل بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: مِمَّا وزن بِهِ من شَيْء يُقَابله، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي: من الثَّوَاب الَّذِي عدل ذَلِك المشهد بِهِ، وَهَذَا فِيهِ مُبَالغَة وإلَاّ قدره من الثَّوَاب خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْأولَى أَن يُقَال: أَي من كل شَيْء يُقَابل ويوازن بِهِ من الدنيويات. قَوْله: (وَهُوَ يَدْعُو) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: الْمِقْدَاد، قَوْله: (لَا نقُول) ، بنُون الْجمع. قَوْله: (كَمَا قَالَ قوم مُوسَى) ، أَي: كَقَوْل قوم مُوسَى لمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وأصل ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، حَدثنَا عَليّ بن الْحسن حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حَدثنَا حميد عَن أنس: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما سَار إِلَى بدر اسْتَشَارَ الْمُسلمين، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ استشارهم،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾

وَقَالَ وَحْشِيٌّ: قَتَلَ حَمْزَة، طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ الآية.

٣٩٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.

قَوْلُهُ: (قِصَّةُ غَزْوَةِ بَدْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَثَبَتَ بَابُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ - إِلَى - ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ نَحْوَهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ وَسَاقَ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.

قَوْلُهُ: (بِبَدْرٍ) هِيَ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ نُسِبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كَانَ نَزَلَهَا، وَيُقَالُ: بَدْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ: بَدْرٌ اسْمُ الْبِئْرِ الَّتِي بِهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا أَوْ لِصَفَاءِ مَائِهَا، فَكَانَ الْبَدْرُ يُرَى فِيهَا، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ إِنْكَارَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ بَنِي غِفَارٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَأْوَانَا وَمَنَازِلُنَا وَمَا مَلَكَهَا أَحَدٌ قَطُّ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَمٌ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أَيْ قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشَاةً إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَارِينَ مِنَ السِّلَاحِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى تَلَقِّي أَبِي سُفْيَانَ لِأَخْذِ مَا مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ قَلِيل فَلَمْ يَظُنَّ أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ يَقَعُ قِتَالٌ فَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَةَ الِاسْتِعْدَادِ كَمَا يَنْبَغِي، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا مُسْتَعِدِّينَ ذَابِّينَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَاخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: نَصَرَكُمْ فَعَلَى هَذَا فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ فَذَهِلَ. وَقِيلَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَطَائِفَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ يَمُدُّ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ الْآيَةَ.

قَالَ: فَلَمْ يَمُدَّ كُرْزٌ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَمُدَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ آيتي آلِ عِمْرَانَ وَالْأَنْفَالِ، وَقَدْ لَمَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالِاخْتِلَافِ فِي

النُّزُولِ فَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وَذَكَرَ مَا عَدَا ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (فَوْرِهِمْ: غَضَبِهِمْ) ثَبَتَ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَحْشِيٌّ) أَيِ ابْنُ حَرْبٍ (قَتَلَ حَمْزَةُ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ ابْنُ الْخِيَارِ وَهُوَ وَهَمٌ وَصَوَابُهُ ابْنُ نَوْفَلٍ وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ مَقْتَلِ حَمْزَةَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ جَمِيعُ سُورَةِ الْأَنْفَالِ أَوْ مُعْظَمُهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ وَالْمُرَادُ بِالطَّائِفَتَيْنِ: الْعِيرُ وَالنَّفِيرُ، فَكَانَ فِي الْعِيرِ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ كَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ فِي النَّفِيرِ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مُسْتَعِدِّينَ بِالسِّلَاحِ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ، وَكَانَ مَيْلُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى حُصُولِ الْعِيرِ لَهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِذَاتِ الشَّوْكَةِ الطَّائِفَةُ الَّتِي فِيهَا السِّلَاحُ.

قَوْلُهُ: (الشَّوْكَةُ الْحَدُّ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ: وَيُقَالُ: مَا أَشَدَّ شَوْكَةِ بَنِي فُلَانٍ أَيْ حَدُّهُمْ، وَكَأَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ مِنْ وَاحِدَةِ الشَّوْكِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ يُرِيدُهَا، فَبَلَغَ أَهْلَ مَكَّةَ فَأَسْرَعُوا إِلَيْهَا وَسَبَقَتِ الْعِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ اللَّهُ وَعَدَهُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَانُوا أَنْ يَلْقَوُا الْعِيرَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ وَأَيْسَرَ شَوْكَةً وَأَخَصَّ مَغْنَمًا مِنْ أَنْ يَلْقَوُا النَّفِيرَ، فَلَمَّا فَاتَهُمُ الْعِيرُ نَزَلَ النَّبِيُّ بِالْمُسْلِمِينَ بَدْرًا فَوَقَعَ الْقِتَالُ.

ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي بطوله فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَمْ يُعَاتِبِ اللَّهُ أَحَدًا وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ أَيْ وَلَمْ يُرِدِ الْقِتَالَ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ أَيْ وَلَا إِرَادَةَ قِتَالٍ. وَالْعِيرُ الْمَذْكُورَةُ يُقَالُ: كَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَ الْمَالُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: سِتُّونَ، وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أَتَخَلَّفْ إِلَّا فِي تَبُوكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنِّي حَضَرْتُ فِي جَمِيعِ الْغَزَوَاتِ مَا خَلَا غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَالسَّبَبُ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَسْتَثْنِهِمَا مَعًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَوْنُهُ تَخَلَّفَ فِي تَبُوكَ مُخْتَارًا لِذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمِ الطَّلَبِ وَوُقُوعِ الْعِتَابِ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ، بِخِلَافِ بَدْرٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّخَلُّفَيْنِ.

٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

المائل عَن دينه إِلَى دين غَيره. قَوْله: (طريقك) قَالَ الْكرْمَانِي بِالنّصب وَالرَّفْع وَلم يبين وجههما. قلت: أما بِالنّصب فعلى أَنه بدل من قَوْله: (مَا هُوَ أَشد عَلَيْك مِنْهُ) ، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ طريقك. قَوْله: (قاتلوك) ويروى: قاتليك، على غير الْقيَاس بِتَأْوِيل: يكونُونَ قاتليك، ويروى: قاتلتك، أَي: الطَّائِفَة القاتلون لَك؟ قَوْله: (قَالَ بِمَكَّة) أَي: قَالَ أُميَّة: إِنَّهُم قاتلوني بِمَكَّة؟ قَوْله: (أخْبرهُم) أَي: أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (أَنهم) أَي: أَن أَبَا جهل وَأَتْبَاعه قاتلي، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (اسْتنْفرَ) أَي: طلب الْخُرُوج من النَّاس. قَوْله: (عِيركُمْ) بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة، وَهُوَ الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة. قَوْله: (مَتى يراك النَّاس) ويروى: مَتى يَرك النَّاس، بِالْجَزْمِ. قَوْله: (أَخُوك اليثربي) أَرَادَ بِهِ سَعْدا، وَالْمرَاد الْأُخوة بَينهمَا بِحَسب المعاهدة والموالاة. قَوْله: (أَن أجوز) أَي: أنفذ، أَو: أَن أسلك. قَوْله: (حَتَّى قَتله الله) أَي: قدر الله قَتله بيد بِلَال مُؤذن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما كَانَ أَبُو جهل هُوَ السَّبَب فِي خُرُوج أُميَّة إِلَى الْقِتَال أضيف إِلَيْهِ لِأَن الْقَتْل كَمَا يكون مُبَاشرَة يكون سَببا.

٣ - (بابُ قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصَّة غَزْوَة بدر وَلَفظ بَاب مَا ثَبت إِلَّا فِي رِوَايَة كَرِيمَة.

وقَوْلِ الله تعالَى ولَقَدْ نَصَرَكُمْ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا الله لعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويأتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هاذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إلَاّ بُشْرَى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمُ بِهِ ومَا النَّصْرُ إلَاّ مِنْ عِنْدِ الله العَزِيزِ الحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفَاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ. (آل عمرَان: ١٢٣ ١٢٧) .

وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: قصَّة غَزْوَة بدر، وسيقت هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي، وَقَول الله تَعَالَى: {وَلَقَد نصركم الله ببدر وَأَنْتُم أَذِلَّة فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون} إِلَى قَوْله: {فينقلبوا خائبين} قَوْله: {وَلَقَد نصركم الله} فِي معرض الْمِنَّة حَيْثُ أعز الله الْإِسْلَام وَأَهله يَوْم بدر وَرفع فِيهِ الشّرك وَخرب مَحَله، هَذَا مَعَ قلَّة الْعدَد فِي الْمُسلمين يَوْمئِذٍ وَكَثْرَة الْعَدو وَفِي سوابغ الْحَدِيد وَالْبيض وَالْعدة الْكَامِلَة والخيول المسومة وَالْخُيَلَاء الزَّائِدَة، فأعز الله رَسُوله وَأظْهر وحيه وتنزيله، وبيض الله وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقبيله، وأخزى الشَّيْطَان وجيله، وَلِهَذَا قَالَ ممتنا على عَادَة الْمُؤمنِينَ وَحزبه المفلحين الْمُتَّقِينَ {وَلَقَد نصركم الله ببدر} قَالَ الشّعبِيّ: بدر بِئْر لرجل يُسمى بدر بن الْحَارِث بن مخلد بن النَّضر بن كنَانَة، وَقيل: سميت بَدْرًا لاستدارتها كالبدر، وَقيل: لصفائها ورؤية الْبَدْر فِيهَا، وَقَالَ السُّهيْلي: احتفرها رجل من بني غفار ثمَّ من بني النجار، واسْمه بدر بن كلدة، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: ذكرت هَذَا لعبد الله بن جَعْفَر وَمُحَمّد بن صَالح فأنكراه، وَقَالا: لأي شَيْء سميت الصَّفْرَاء؟ ولأي شَيْء سمي الْجَار؟ إِنَّمَا هُوَ اسْم الْموضع. قَالَ: وَذكرت ذَلِك ليحيى بن النُّعْمَان الْغِفَارِيّ فَقَالَ: سَمِعت شُيُوخنَا من غفار يَقُولُونَ: هُوَ ماؤنا ومنزلنا وَمَا ملكه أحد قطّ قد اسْمه بدر، وَمَا هُوَ من بِلَاد جُهَيْنَة إِنَّمَا هُوَ من بِلَاد غفار، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هُوَ الْمَعْرُوف عندنَا. وَفِي (الإكليل) : بدر مَوضِع بِأَرْض الْعَرَب يُقَال لَهَا الأثيل بِقرب يَنْبع والصفراء وَالْجَار والجحفة، وَهُوَ موسم من مواسم الْعَرَب وَمجمع من مجامعهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَبهَا قليب وآبار ومياه تستعذب، وَعَن الزُّهْرِيّ: كَانَ بدر متجراً يُؤْتى فِي كل عَام. وَقَالَ الْبكْرِيّ: هِيَ على مائَة وَعشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة، وَمِنْهَا إِلَى الْجَار سِتَّة عشر ميلًا، وَبِه عينان جاريتان عَلَيْهِمَا الموز وَالنَّخْل وَالْعِنَب. قَوْله: {وَأَنْتُم أَذِلَّة} جمع ذليل، وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة: ذلال، وَجَاء بِجمع الْقلَّة ليدل على أَنهم على ذلتهم كَانُوا قَلِيلا وذلتهم مَا كَانَ بهم من ضعف الْحَال وَقلة السِّلَاح وَالْمَال والمركوب، وعدوهم كَثِيرُونَ مَعَ شكة وشوكة، وسنبين ذَلِك عَن قريب. قَوْله: {فَاتَّقُوا الله} أَي: مُخَالفَة أمره وعقابه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ {فَاتَّقُوا الله} فِي الثَّبَات مَعَ رَسُوله {لَعَلَّكُمْ تشكرون} بتقواكم مَا أنعم بِهِ عَلَيْكُم، ولعلكم ينعم الله عَلَيْكُم نعْمَة أُخْرَى تشكرونها، فَوضع الشُّكْر مَوضِع الإنعام لِأَنَّهُ سَبَب

لَهُ. قَوْله: {إِذْ تَقول} ظرف لقَوْله: نصركم، أَو بدل ثَان من: إِذْ غَدَوْت، وَقَالَ ابْن كثير: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا، هَل كَانَ يَوْم بدر أَو يَوْم أحد؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن قَوْله: (إِذْ تَقول) يتَعَلَّق بقوله: {وَلَقَد نصركم الله ببدر} ، رُوِيَ هَذَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وعامر الشّعبِيّ وَالربيع بن أنس وَغَيرهم، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير. وَالثَّانِي: أَنه يتَعَلَّق بقوله: {وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوىء الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ} (آل عمرَان: ١٢١) . وَذَلِكَ يَوْم أحد، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَالزهْرِيّ ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهم، لَكِن قَالُوا: لم يحصل الْإِمْدَاد بِخَمْسَة آلَاف لِأَن الْمُسلمين فروا يَوْمئِذٍ، زَاد عِكْرِمَة: وَلَا بِثَلَاثَة آلَاف. قَوْله: {ألن يكفيكم} قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب عَن دَاوُد عَن عَامر يَعْنِي الشّعبِيّ: أَن الْمُسلمين بَلغهُمْ يَوْم بدر أَن كرز بن جَابر يمد الْمُشْركين، فشق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله: {ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين} إِلَى قَوْله: {مسومين} قَالَ: فبلغت كرز الْهَزِيمَة فَلم يمد الْمُشْركين، وَلم يمد الله الْمُسلمين بالخمسة آلَاف. وَقَالَ الرّبيع بن أنس: أمد الله الْمُسلمين بِأَلف ثمَّ صَارُوا ثَلَاثَة آلَاف ثمَّ صَارُوا خَمْسَة آلَاف. فَإِن قلت: مَا الْجمع بَين هَذِه الْآيَة على هَذَا القَوْل، وَبَين قَوْله فِي قَضِيَّة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ} (الْأَنْفَال: ٩) . قلت: التَّنْصِيص على الْألف هَهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَة آلَاف فَمَا فَوْقهَا، فَمَعْنَى: مُردفِينَ، يردفهم غَيرهم ويتبعهم أُلُوف أخر مثلهم، والكفاية مِقْدَار سد الْخلَّة، والاكتفاء الِاقْتِصَار على ذَلِك، والإمداد إِعْطَاء الشَّيْء بعد الشَّيْء. قَالَ الْمفضل: كل مَا كَانَ على جِهَة الْقُوَّة والإعانة قيل فِيهِ: أمده، وكل مَا كَانَ على جِهَة الزِّيَادَة قيل فِيهِ: مده، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَالْبَحْر يمده} (لُقْمَان: ٢٧) . وَقَالَ بَعضهم: الْمَدّ فِي الشَّرّ والإمداد فِي الْخَيْر، بِدَلِيل قَوْله: {ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون} (الْبَقَرَة: ١٥) . {ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا} (مَرْيَم: ٧٩) . وَقَالَ فِي الْخَيْر: {إِنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف} (الْأَنْفَال: ٩) . قَوْله: (بلَى) تَصْدِيق لما وعده بالإمداد والكفاية. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: بلَى، إِيجَاب لما بعد لن، يَعْنِي: بل يكفيكم الْإِمْدَاد بهم، فَأوجب الْكِفَايَة. قَوْله: (أَن تصبروا) أَي: على لِقَاء الْعَدو وتتقوا مَعْصِيّة الله وَمُخَالفَة نبيه. قَوْله: (ويأتوكم من فورهم هَذَا) ، يَعْنِي الْمُشْركين من فورهم هَذَا يَعْنِي: من ساعتهم هَذِه، قيل: يَوْم فورهم يَوْم بدر، وَقيل: يَوْم أحد، وَقيل: يَوْم فورهم يَوْم غضبهم، ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ قَول عِكْرِمَة وَمُجاهد، وَرُوِيَ عَن الْحسن وَقَتَادَة وَالربيع وَالسُّديّ: أَي: من وجههم هَذَا، وأصل الْفَوْر غليان الْقدر، ثمَّ قيل للغضبان: فائر. قَوْله: (يمددكم) ، جَزَاء. أَن: قَوْله: (مسومين) ، أَي: معلمين بالسيماء، قَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي: عَن حَارِثَة عَن مضرب عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ كَانَ سيماء الْمَلَائِكَة يَوْم بدر الصُّوف الْأَبْيَض وَكَانَ سيماؤهم أَيْضا فِي نواصي خيولهم وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة: {مسومين} قَالَ: بالعهن الْأَحْمَر. وَقَالَ مَكْحُول: مسومين بالعمائم، وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عبد القدوس بن حبيب عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي قَوْله: مسومين، قَالَ: معلمين، وَكَانَت سيماء الْمَلَائِكَة يَوْم بدر عمائم سود، وَيَوْم أحد عمائم حمر، وروى من حَدِيث حُصَيْن بن مُخَارق عَن سعد عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لم تقَاتل الْمَلَائِكَة إلَاّ يَوْم بدر، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا الأحمسي حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا هِشَام ابْن عُرْوَة عَن يحيى بن عباد أَن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ عَلَيْهِ يَوْم بدر عِمَامَة صفراء معتجراً بهَا، فَنزلت الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم عمائم صفر، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي من لَا أتهم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت سيماء الْمَلَائِكَة يَوْم بدر عمائم بيض، قد أرسلوها فِي ظُهُورهمْ، وَيَوْم حنين عمائم حمر، وَلم تضرب الْمَلَائِكَة فِي يَوْم سوى يَوْم بدر، وَكَانُوا يكونُونَ عددا ومددا لَا يضْربُونَ، وَقَالَ عُرْوَة: كَانَت الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ على خيل بلق وعمائمهم صفر، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: عمائمهم بيض، وَقَالَ الْحسن: عمِلُوا على أَذْنَاب خيلهم وَنَوَاصِيهمْ بصوف أَبيض. قَوْله: (وَمَا جعله الله إلَاّ بشرى لكم) ، أَي: مَا جعل الله هَذَا الْوَعْد إلَاّ بِشَارَة لكم. قَوْله: (ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ) ، وَاضح مثل: {وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظاً} (فصلت: ١٢) . قَوْله: (وَمَا النَّصْر إلَاّ من عِنْد الله) أَي دون الْمَلَائِكَة، وَكَثْرَة الْعدَد، وَلَكِن نزولهم سَبَب من أَسبَاب النَّصْر لَا يحْتَاج الرب إِلَيْهِ. قَوْله: (الْعَزِيز) ، أَي: الَّذِي لَا يغالب، (الْحَكِيم) ، الَّذِي تجْرِي أَفعاله على مَا يُرِيد وَهُوَ أعلم بمصالح العبيد. قَوْله: (ليقطع طرفا) ، فِيهِ حرف الْعَطف مَحْذُوف أَي: وليقطع طَائِفَة (من الَّذين كفرُوا) ، وَقَالَ السّديّ: ليهْدم ركنا من أَرْكَان الْمُشْركين بِالْقَتْلِ والأسر. قَوْله: (أَو يكبتهم) أَي: يهزمهم، وَقيل: يصرعهم، وَقيل: يُهْلِكهُمْ، وَقيل: يلعنهم. قَوْله: (فينقلبوا) ، أَي: فيرجعوا خائبين أَي: لم يحصلوا على مَا أَملوهُ.

وقالَ وَحْشِيٌّ قَتَلَ حَمْزَةَ طُعَيْمَةَ بنَ عَدِيِّ بنِ الخِيارِ يَوْمَ بَدْرٍ

وَحشِي، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء: هُوَ ابْن حَرْب ضد الصُّلْح الحبشي، مولى طعيمة مصغر الطعمة بالمهملتين، وَقيل: مولى جُبَير بن مطعم بن عدي بن الْخِيَار، كَذَا وَقع فِيهِ: ابْن الْخِيَار، وَهُوَ وهم وَالصَّوَاب: ابْن نَوْفَل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ طعيمة بن عدي بن نَوْفَل، وَلم يذكر ابْن الْخِيَار. قَوْله: (قتل حَمْزَة) أَي: ابْن عبد الْمطلب، وَكَانَ جُبَير بن مطعم وَهُوَ ابْن أخي طعيمة قَالَ لَهُ: لما قتل حَمْزَة يَوْم بدر: طعيمة! إِن قتلت حَمْزَة بعمي فَأَنت حر، فَقتله يَوْم أحد على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي غَزْوَة أحد فِي: بَاب قتل حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

وقَوْلُهُ تَعَالى وإذْ يَعِدُكُمْ الله إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ الْآيَة} (الْأَنْفَال: ٧) .

كلمة: إِذْ، مَنْصُوبَة بإضمار: اذكر، وَالْمرَاد بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: الطَّائِفَة الَّتِي فِيهَا العير وَالَّتِي فِيهَا النفير، وَكَانَ فِي العير أَبُو سُفْيَان وَمن مَعَه وَمَعَهُمْ من الْأَمْوَال، وَكَانَ فِي النفير أَبُو جهل وَعتبَة بن ربيعَة وَغَيرهمَا من رُؤَسَاء قُرَيْش مستعدين للسلاح متأهبين لِلْقِتَالِ، وَمُرَاد الْمُسلمين حُصُول العير لم، وقصة ذَلِك مختصرة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خرج من الْمَدِينَة طَالبا لعير أبي سُفْيَان الَّتِي بلغه خَبَرهَا أَنا صادرة من الشَّام فِيهَا أَمْوَال جزيلة لقريش، فاستنهض رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمُسلمين من خف مِنْهُم، فَخرج فِي ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجل وَطلب نَحْو السَّاحِل من على طَرِيق بدر، وَعلم أَبُو سُفْيَان بِخُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي طلبه: فَبعث ضَمْضَم بن عَمْرو نذيراً إِلَى أهل مَكَّة فنهضوا فِي قريب من ألف مقنع مَا بَين تِسْعمائَة إِلَى الْألف، وتيامن أَبُو سُفْيَان بالعير إِلَى سَاحل الْبَحْر فنجا، وَجَاء النفير فَوَرَدُوا مَاء بدر، وَجمع الله بَين الْمُسلمين والكافرين على غير ميعاد لما يُرِيد الله تَعَالَى من إعلاء كلمة الْمُسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَالْغَرَض أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بلغه خُرُوج النفير أوحى الله إِلَيْهِ بعدَة إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا العير وَإِمَّا النفير، وَرغب كثير من الْمُسلمين إِلَى العير لِأَنَّهُ كسب بِلَا قتال، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وتودون أَن غير ذَات الشَّوْكَة} (الْأَنْفَال: ٧) . الْآيَة. قَوْله: (أَنَّهَا لكم) بدل من {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} (الْأَنْفَال: ٧) . قَوْله: (وتودون) ، أَي: تحبون أَن الطَّائِفَة الَّتِي لَا حد لَهَا وَلَا مَنْعَة وَلَا قتال تكون لكم وَهِي العير، والشوكة: الشدَّة وَالْقُوَّة، وَأَصلهَا من الشوك، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: مَا أَشد شَوْكَة بني فلَان، أَي: حَدهمْ، وَكَأَنَّهَا مستعارة من وَاحِد الشوك.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله الشَّوْكَةُ الحِدَّة

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، ففسر الشَّوْكَة بالحدة، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَلَيْسَ هَذَا بمذكور فِي بعض النّسخ.

٣٩٥١ - حدَّثني يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ لَمْ أتَخَلَّفْ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوةٍ غَزَاهَا إلَاّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ ولَمْ يُعَاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا إنَّمَا خرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غَيْرِ مِيعَادٍ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر من لفظ الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا قَوْله: (وَلم يُعَاتب أحدا) ، انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهِ وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، وَلَيْسَ الْغَرَض ذَلِك، لِأَن مَا قَالَه لَا يُطَابق التَّرْجَمَة بل الْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، وَرِجَاله قد مروا وَلَا سِيمَا شَيْخه إِلَى عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ طرف من حَدِيث كَعْب بن مَالك فِي قصَّة تَوْبَته، وَسَيَأْتِي مطولا فِي غَزْوَة تَبُوك.

قَوْله:

(إلَاّ فِي غَزْوَة) وَجه هَذَا الِاسْتِثْنَاء أَن غير صفة، وَالْمعْنَى: مَا تخلفت إلَاّ فِي تَبُوك حَال مُغَايرَة تخلف بدر لتخلف تَبُوك، لِأَن التَّوَجُّه فِيهِ لم يكن بِقصد الْغَزْو بل بِقصد أَخذ العير، وَهُوَ معنى قَوْله: (إِنَّمَا خرج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِلَى آخِره. قَوْله: (وَلم يُعَاتب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَفظ (أحد) مَرْفُوع، وَفِي رِوَايَة الكشمسهيني: (وَلم يُعَاتب الله أحدا) قَوْله: (يُرِيد عير قُرَيْش) ، جملَة حَالية، يَعْنِي: لم يرد الْقِتَال. قَوْله: (على غير ميعاد) يَعْنِي: بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين كفار قُرَيْش.

٤ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى {إذْ تسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجَابَ لكُم أنِّي مُمِدُّكُمْ بألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إلَاّ بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلَاّ مِنْ عِنْدِ الله إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ إذْ يُغَشِّيكُمْ النعاسَ أمَنَةً مِنْهُ ويُنَزِّلُ علَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ فثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فوقَ الأعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كلَّ بَنانٍ ذالِكَ بِأنَّهُمْ شَاقُوا الله ورَسُولَهُ ومَنْ يُشَاقِقِ الله ورَسُولَهُ فإنَّ الله شَديدَ العِقَابِ. (الْأَنْفَال: ٩ ١٢) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربَّكم} الْآيَات، هَكَذَا سيقت هَذِه الْآيَات كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب قَول الله تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم} إِلَى قَوْله: {شَدِيد الْعقَاب} قَوْله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ} بدل من قَوْله {إِذْ يَعدكُم} (الْأَنْفَال: ٧) . وَقيل: يتَعَلَّق بقوله: {ليحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل} (الْأَنْفَال: ٨) . واستغاثتهم أَنهم لما علمُوا أَنه لَا بُد من الْقِتَال طفقوا يدعونَ الله تَعَالَى، أَي: رب انصرنا على عَدوك، يَا غياث المستغيثين أغثنا، وَسَيَجِيءُ بَيَان الاستغاثة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: {إنِّي مُمِدكُمْ} من الْإِمْدَاد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وأصل (أَنِّي) بِأَنِّي، فَحذف الْجَار وسلط عَلَيْهِ: اسْتَجَابَ، فنصب مَحَله، وَعَن أبي عَمْرو أَنه قَرَأَ: أَنِّي مُمِدكُمْ، بِالْكَسْرِ على إِرَادَة القَوْل أَو على إِجْرَاء اسْتَجَابَ مجْرى: قَالَ، لِأَن الاستجابة من القَوْل. قَوْله: {مُردفِينَ} أَي: مردف بَعضهم بَعْضًا، وَعَن ابْن عَبَّاس: مُتَتَابعين، يَعْنِي وَرَاء كل ملك ملك، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي الْمثنى حَدثنَا إِسْحَاق حَدثنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن الربيعي عَن أبي الْحُوَيْرِث عَن مُحَمَّد بن جُبَير عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نزل جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميمنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وفيهَا أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَنزل مِيكَائِيل فِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميسرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا فِي الميسرة، وَهَذَا يَقْتَضِي لَو صَحَّ إِسْنَاده أَن الْألف مردفة بِمِثْلِهَا، وَلِهَذَا قَرَأَ بَعضهم: مُردفِينَ، بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (وَمَا جعله الله) ، أَي: وَمَا جعل الله بعث الْمَلَائِكَة وإعلامه إيَّاكُمْ بهم {إلَاّ بشرى لكم ولتطمئن بِهِ قُلُوبكُمْ} (الْأَنْفَال: ٧) . وإلَاّ فَالله تَعَالَى قَادر على نصركم على أعدائكم بِدُونِ ذَلِك، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا النَّصْر إلَاّ من عِنْد الله} قَوْله: {إِذْ يغشيكم النعاس} كلمة: إِذْ، بدل ثَان من: إِذْ يَعدكُم، أَو مَنْصُوب بالنصر، أَو بِمَا فِي من عِنْد الله من معنى الْفِعْل، أَو بِمَا جعله الله، وَمعنى: يغشيكم يغطيكم، يُقَال: غشاه تغشية إِذا غطاه، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، وَنصب النعاس، وَالضَّمِير لله عز وَجل. قَوْله: (أَمَنَة) مفعول لَهُ، أَي: لأمنكم، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ذكرهم الله بِمَا أنعم بِهِ عَلَيْهِم من إلقائه النعاس عَلَيْهِم أَمَانًا من خوفهم الَّذِي حصل لَهُم من كَثْرَة عدوهم وَقلة عَددهمْ، وَقَالَ أَبُو طَلْحَة: كنت مِمَّن أَصَابَهُ النعاس يَوْم أحد، وَلَقَد سقط السَّيْف من يَدي مرَارًا، وَلَقَد نظرت إِلَيْهِم يمتدون وهم تَحت الجحف، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: عَن أبي عَاصِم عَن أبي رزين عَن عبد الله بن عَبَّاس، أَنه قَالَ: النعاس فِي الْقِتَال أَمَنَة من الله، وَفِي الصَّلَاة وَسْوَسَة من الشَّيْطَان، وَقَالَ قَتَادَة: النعاس فِي الرَّأْس وَالنَّوْم فِي الْقلب، وَقَالَ سهل بن عبد الله: هُوَ يحل فِي الرَّأْس مَعَ حَيَاة الْقلب، وَالنَّوْم يحل فِي الْقلب بعد نُزُوله من الرَّأْس. قَوْله: {وَينزل عَلَيْكُم} إِلَى قَوْله: {الْأَقْدَام} وَعَن ابْن عَبَّاس: نزل الْمُسلمُونَ يَوْم بدر على كثيب أعفر سوخ فِيهِ الْأَقْدَام وحوافر الدَّوَابّ، وسبقهم الْمُشْركُونَ إِلَى مَاء بدر وغلبوهم عَلَيْهِ، وَأصْبح الْمُسلمُونَ بَعضهم محدثين وَبَعْضهمْ

جنبا، وأصابهم الظمأ ووسوس إِلَيْهِم الشَّيْطَان، وَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَن فِيكُم نَبِي الله وأنكم أَوْلِيَاء الله وَقد غَلَبَكُمْ الْمُشْركُونَ على المَاء وَأَنْتُم تصلونَ جنبا ومحدثين؟ فَكيف ترجون أَن تظهروا عَلَيْهِم؟ فَأرْسل الله عَلَيْهِم مَطَرا من السَّمَاء سَالَ مِنْهُ الْوَادي، فَشرب مِنْهُ الْمُسلمُونَ وَاغْتَسلُوا وَسقوا الركاب. وملأوا الأسقية وَأَطْفَأت الْغُبَار وَاشْتَدَّ الرمل حَتَّى ثبتَتْ عَلَيْهِ الْأَقْدَام وزالت وَسْوَسَة الشَّيْطَان، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {وَينزل عَلَيْكُم} الْآيَة. قَوْله: (إِذْ يوحي رَبك) بدل ثَالِث من: {إِذْ يَعدكُم} (الْأَنْفَال: ٧) . وَأَنه نصب: بيثبت بِهِ الْأَقْدَام. قَوْله: (إِنِّي مَعكُمْ) ، مفعول يوحي، وقرىء: إِنِّي: بِالْكَسْرِ على إِرَادَة القَوْل. قَوْله: (فثبتوا الَّذين آمنُوا) الْمَعْنى: أَنِّي معينكم على التثبيت فثبتوهم، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فآزروهم، وَقيل: قَاتلُوا مَعَهم، وَقيل: كَثُرُوا سوادهم. قَوْله: (الرعب) ، أَي: الْخَوْف والمذلة وَالصغَار، فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَرَادَ أعالي الْأَعْنَاق الَّتِي هِيَ المذابح لِأَنَّهَا مفاصل، فَكَانَ إِيقَاع الضَّرْب فِيهَا حزاً وتطييراً للرؤوس، وَقيل: أَرَادَ الرؤوس لِأَنَّهَا فَوق الْأَعْنَاق. قَوْله: (كل بنان) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: البنان الْأَصَابِع، يُرِيد الْأَطْرَاف، وَقيل: كل مفصل. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا أَصَابَهُم من الضَّرْب وَالْقَتْل وَالْعِقَاب العاجل، وَمحله الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَقَوله: (بِأَنَّهُم) خَبره أَي: ذَلِك الْعقَاب وَقع عَلَيْهِم بِسَبَب مشاقهم. قَوْله: (شاقوا الله وَرَسُوله) أَي: خالفوهما. قَوْله: (شَدِيد الْعقَاب) أَي: هُوَ الطَّالِب الْغَالِب لمن خَالفه وناواه، لَا يفوتهُ شَيْء وَلَا يقوم لغضبه شَيْء.

٣٩٥٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ مُخارِقٍ عنْ طارِقِ بنِ شِهَاب قَالَ سَمِعْتُ ابنَ مسْعُودٍ يقُولُ شَهِدْتُ مِنَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ مَشْهَدَاً لأنْ أكُونَ أنَا صاحِبَهُ أحَبَّ إليَّ مِمَّا عُدِلَ بهِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يدْعُو علَى المُشْرِكِينَ فَقال لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوساى إذْهَبْ أنْتَ ورَبك فقَاتِلَا ولاكِنَّا نُقاتِلُ عنْ يَمِينِكَ وعنْ شِمالِكَ وبَيْنَ يَدَيْكَ وخَلْفَكَ فرَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أشْرَقَ وجْهُهُ وسَرَّهُ يَعْني قَوْلَهُ. (الحَدِيث ٣٩٥٢ طرفه فِي: ٤٦٠٩) .

ذكر فِي هَذَا الْبَاب حديثين: أَحدهمَا: هَذَا، وَهُوَ فِي بَيَان مَا وَقع قبل الْوَقْعَة. وَالْآخر: حَدِيث ابْن عَبَّاس فِيهِ بَيَان الاستغاثة، وكل مِنْهُمَا مُتَعَلق بِمَا ذكر فِي الْآيَات الْكَرِيمَة والمطابقة بِهَذَا الْمِقْدَار تَكْفِي. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، ومخارق، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره قَاف: ابْن عبد الله ابْن جَابر البَجلِيّ الأحمسي، بالمهملتين، وَيُقَال: اسْم أَبِيه عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: خَليفَة، وَهُوَ كُوفِي ثِقَة عِنْد الْجَمِيع، وَقيل: لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن غير طَارق بن شهَاب بن عبد شمس بن سَلمَة البَجلِيّ الأحمسي الْكُوفِي، يكنى أَبَا عبد الله، رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين غَزْوَة، سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي نعيم أَيْضا، وَعَن حمدَان بن عَمْرو، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أبي بكر بن النَّضر.

قَوْله: (شهِدت من الْمِقْدَاد) ، بِكَسْر الْمِيم: ابْن الْأسود، وَفِي الْحَقِيقَة اسْم أَبِيه عَمْرو، وَالْأسود كَانَ تبناه فَصَارَ ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: (لِأَن أكون أَنا) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة، وَلَفْظَة: أَنا، وَقعت فِي رِوَايَة الْكشميهني: وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز فِي قَوْله: (صَاحبه) الرّفْع وَالنّصب، وعَلى رِوَايَة غَيره يتَعَيَّن النصب. قَوْله: (صَاحبه) ، أَي: صَاحب المشهد. قَوْله: (مِمَّا عدل بِهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: مِمَّا وزن بِهِ من شَيْء يُقَابله، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي: من الثَّوَاب الَّذِي عدل ذَلِك المشهد بِهِ، وَهَذَا فِيهِ مُبَالغَة وإلَاّ قدره من الثَّوَاب خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْأولَى أَن يُقَال: أَي من كل شَيْء يُقَابل ويوازن بِهِ من الدنيويات. قَوْله: (وَهُوَ يَدْعُو) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: الْمِقْدَاد، قَوْله: (لَا نقُول) ، بنُون الْجمع. قَوْله: (كَمَا قَالَ قوم مُوسَى) ، أَي: كَقَوْل قوم مُوسَى لمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وأصل ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه، حَدثنَا عَليّ بن الْحسن حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حَدثنَا حميد عَن أنس: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما سَار إِلَى بدر اسْتَشَارَ الْمُسلمين، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ استشارهم،

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله