الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٥
الحديث رقم ٣٩٥ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٣٩٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنِ الصَّلَاحِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنَ التَّعْبِيرِ بِأَنَّ مَا إِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا قِصَّةَ مَا أَدْرَكَهَا الرَّاوِي، وَأَمَّا جَزْمُهُ بِكَوْنِ السَّنَدِ الثَّانِي مُعَلَّقًا فَهُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَإِلَّا فَحَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلِهِ مُمْكِنٌ، وَقَدْ رَوَيْنَاهَا فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. فَذَكَرَ مِثْلَ سِيَاقِهَا سَوَاءً، فَعَلَى هَذَا فَلَا ضَعْفَ فِيهِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُ الْمَتْنِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
٣٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾
٣٩٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ للعُمْرَةَ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
[الحديث ٣٩٥ - أطرافه في: ١٧٩٣، ١٦٤٧، ١٦٤٥، ١٦٢٧، ١٦٢٣]
٣٩٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
[الحديث ٣٩٦ - أطرافه في: ١٧٩٤، ١٦٤٦، ١٦٢٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا: وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَهِيَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْخَبَرِ، وَالْأَمْرُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿مُصَلًّى﴾ أَيْ قِبْلَةً قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مُدَّعًى يُدْعَى عِنْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِيهِ بَلْ عِنْدَهُ، وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحَسَنِ بِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ أَيْضًا بِصَلَاتِهِ ﷺ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ اسْتِقْبَالُ الْمَقَامِ لَمَا صَحَّتْ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ، حَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى وُجِدَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ إِلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ فَاسْتَثْبَتَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ مَوْضِعَهُ الْأَوَّلَ فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ وَبَنَى حَوْلَهُ فَاسْتَقَرَّ ثَمَّ إِلَى الْآنَ.
قَوْلُهُ: (طَافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ طَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَةٍ بِحَذْفِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ: لِلْعُمْرَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهَا لِيَصِحَّ الْكَلَامُ.
قَوْلُهُ: (أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ) أَيْ هَلْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الْجِمَاعُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ؟ وَخَصَّ إِتْيَانَ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْإِحْرَامِ، وَأَجَابَهُمُ ابْنُ عُمَرَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي أَمْرِ الْمَنَاسِكِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَأَجَابَهُمْ جَابِرٌ بِصَرِيحِ النَّهْيِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَجَازَ لِلْمُعْتَمِرِ التَّحَلُّلَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى.
وَالْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بأنَّه لا يُصلَّى فيه بل عنده، ويترجَّح القول الأوَّل بأنَّه جارٍ على المعنى اللُّغويِّ، والغرض (١) البيت لا المقام لأنَّ مَن صلَّى إلى الكعبة لغير جهة المقام فقد أدَّى فرضه، والأمر في: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ للاستحباب كما لا يخفى، ومقام إبراهيم هو الحجر الَّذي فيه أثر قدميه (٢)، وقال مجاهدٌ: المراد بـ «مقام إبراهيم»: الحرم (٣) كلُّه، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ: ﴿وَاتَّخَذُواْ﴾ بفتح الخاء بلفظ الماضي عطفًا على ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخَذُواْ﴾ [البقرة: ١٢٥].
٣٩٥ - ٣٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، المكِّيُّ (قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ العُمْرَةَ) بالنَّصب للمُستملي والحَمُّويي، أي: طواف العمرة، ثمَّ حُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وللأربعة: «للعمرة» بلام الجرِّ، أي: لأجل العمرة (وَلَمْ يَطُفْ) أي: لم يسعَ (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي)
أي: هل حلّ من إحرامه حتَّى يجوز له أن يجامع (امْرَأَتَهُ) ويفعل غير ذلك من محرَّمات الإحرام أم لا؟ (فَقَالَ) عبد الله بن عمر مجيبًا له: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ) بضمِّ الهمزة وكسرها: قدوةٌ (١) (حَسَنَةٌ) فأجاب ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتِّباعه ﷺ، لاسيَّما وقد قال ﵊: «خذوا عنِّي مناسككم».
قال عمرو بن دينار: (وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ عن ذلك (فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا) جملةٌ فعليَّةٌ مُؤكَّدةٌ بالنُّون الثَّقيلة (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) فأجاب بصريح النَّهي، ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الحجِّ».
ورواة هذا الحديث الثَّلاثة مكِّيُّون، وفيه: التَّحديث والسُّؤال، وهو من مسند ابن عمر لا من مسند جابر لأنَّه لم يرفعه، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٦٢٤]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنِ الصَّلَاحِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنَ التَّعْبِيرِ بِأَنَّ مَا إِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا قِصَّةَ مَا أَدْرَكَهَا الرَّاوِي، وَأَمَّا جَزْمُهُ بِكَوْنِ السَّنَدِ الثَّانِي مُعَلَّقًا فَهُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَإِلَّا فَحَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلِهِ مُمْكِنٌ، وَقَدْ رَوَيْنَاهَا فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. فَذَكَرَ مِثْلَ سِيَاقِهَا سَوَاءً، فَعَلَى هَذَا فَلَا ضَعْفَ فِيهِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُ الْمَتْنِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
٣٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾
٣٩٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ للعُمْرَةَ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
[الحديث ٣٩٥ - أطرافه في: ١٧٩٣، ١٦٤٧، ١٦٤٥، ١٦٢٧، ١٦٢٣]
٣٩٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
[الحديث ٣٩٦ - أطرافه في: ١٧٩٤، ١٦٤٦، ١٦٢٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا: وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَهِيَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْخَبَرِ، وَالْأَمْرُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿مُصَلًّى﴾ أَيْ قِبْلَةً قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مُدَّعًى يُدْعَى عِنْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِيهِ بَلْ عِنْدَهُ، وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحَسَنِ بِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ أَيْضًا بِصَلَاتِهِ ﷺ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ اسْتِقْبَالُ الْمَقَامِ لَمَا صَحَّتْ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ، حَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى وُجِدَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ إِلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ فَاسْتَثْبَتَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ مَوْضِعَهُ الْأَوَّلَ فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ وَبَنَى حَوْلَهُ فَاسْتَقَرَّ ثَمَّ إِلَى الْآنَ.
قَوْلُهُ: (طَافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ طَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَةٍ بِحَذْفِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ: لِلْعُمْرَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهَا لِيَصِحَّ الْكَلَامُ.
قَوْلُهُ: (أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ) أَيْ هَلْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الْجِمَاعُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ؟ وَخَصَّ إِتْيَانَ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْإِحْرَامِ، وَأَجَابَهُمُ ابْنُ عُمَرَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي أَمْرِ الْمَنَاسِكِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَأَجَابَهُمْ جَابِرٌ بِصَرِيحِ النَّهْيِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَجَازَ لِلْمُعْتَمِرِ التَّحَلُّلَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى.
وَالْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بأنَّه لا يُصلَّى فيه بل عنده، ويترجَّح القول الأوَّل بأنَّه جارٍ على المعنى اللُّغويِّ، والغرض (١) البيت لا المقام لأنَّ مَن صلَّى إلى الكعبة لغير جهة المقام فقد أدَّى فرضه، والأمر في: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ للاستحباب كما لا يخفى، ومقام إبراهيم هو الحجر الَّذي فيه أثر قدميه (٢)، وقال مجاهدٌ: المراد بـ «مقام إبراهيم»: الحرم (٣) كلُّه، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ: ﴿وَاتَّخَذُواْ﴾ بفتح الخاء بلفظ الماضي عطفًا على ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخَذُواْ﴾ [البقرة: ١٢٥].
٣٩٥ - ٣٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، المكِّيُّ (قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ العُمْرَةَ) بالنَّصب للمُستملي والحَمُّويي، أي: طواف العمرة، ثمَّ حُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وللأربعة: «للعمرة» بلام الجرِّ، أي: لأجل العمرة (وَلَمْ يَطُفْ) أي: لم يسعَ (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي)
أي: هل حلّ من إحرامه حتَّى يجوز له أن يجامع (امْرَأَتَهُ) ويفعل غير ذلك من محرَّمات الإحرام أم لا؟ (فَقَالَ) عبد الله بن عمر مجيبًا له: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ) بضمِّ الهمزة وكسرها: قدوةٌ (١) (حَسَنَةٌ) فأجاب ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتِّباعه ﷺ، لاسيَّما وقد قال ﵊: «خذوا عنِّي مناسككم».
قال عمرو بن دينار: (وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ عن ذلك (فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا) جملةٌ فعليَّةٌ مُؤكَّدةٌ بالنُّون الثَّقيلة (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) فأجاب بصريح النَّهي، ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الحجِّ».
ورواة هذا الحديث الثَّلاثة مكِّيُّون، وفيه: التَّحديث والسُّؤال، وهو من مسند ابن عمر لا من مسند جابر لأنَّه لم يرفعه، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٦٢٤]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.