الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٩
الحديث رقم ٣٩٩ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التوجه نحو القبلة حيث كان.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٩⦘
فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ».
٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَيْتِ (١) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣١ - بَاب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ.
٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ - شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ - وَهُمْ الْيَهُودُ -: ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ) أَيْ حَيْثُ وُجِدَ الشَّخْصُ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُصَرِّحًا بِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ) جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ - وَالْيَهُودُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا - يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ وَيَتْبَعُ قِبْلَتَنَا، فَنَزَلَتْ.
وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ أُمِرَ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الصَّلَاةِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ (٢) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى ثَلَاثَ حِجَجٍ، ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إِلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ. فَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ أَمَرَهُ اللَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاجْتِهَادٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَأَلَّفُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ بِتَوْقِيفٍ.
قَوْلُهُ: (نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم، الغُدَانيُّ، بضمِّ الغين المُعجمَة (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (١)، عمرو بن عبد الله الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو ابن عبد الله السَّبِيعيِّ الكوفيِّ (٢)، جدِّ إسرائيل (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄) ثبت: «ابن عازبٍ» عند أبي ذرٍّ عن المُستملي (٣) (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النِّبيُّ» (ﷺ صَلَّى نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ شهرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له، قاله الطَّبريُّ، ويُجمَع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد من وجهٍ آخر: أنَّه ﷺ كان يصلِّي بمكَّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه بحمل (٤) الأمر في المدينة على الاستمرار (٥) باستقبال بيت المقدس، وفي حديث الطَّبريِّ من طريق (٦) ابن جريجٍ قال: أوَّل ما صلَّى إلى الكعبة، ثمَّ صُرِف إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فصلَّى ثلاث حججٍ، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستَّة عشر شهرًا، ثمَّ وجَّهه الله تعالى إلى الكعبة (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ) بضمِّ أوَّله وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول، أي: يُؤمَر بالتَّوجُّه (إِلَى الكَعْبَةِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند (٧) الطَّبريِّ: وكان يدعو
و (١) ينظر إلى السَّماء (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤]) تردُّد وجهك في جهة السَّماء تطلُّعًا للوحي، وكان ﵊ يقع في روعه، ويتوقَّع من ربِّه أن يحوِّله إلى الكعبة لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدلُّ على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، قاله البيضاويُّ. (فَتَوَجَّهَ) ﷺ بعد نزول الآية (نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ -وَهُمُ اليَهُودُ-: ﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾) أي: ما صرفهم (﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾؟) يعني: بيت المقدس، والقبلة في الأصل: الحال الَّتي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان المُتوجَّه إليه للصَّلاة (﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾) لا يختصُّ به مكانٌ دون مكانٍ بخاصَّةٍ (٢) ذاتيَّةٍ تمنع إقامة غيره مقامه، وإنَّما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان (﴿يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]) وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التَّوجُّه إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة تارةً (٣) أخرى (فَصَلَّى) الظُّهر (٤) (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ) اسمه عبَّاد بن بشرٍ كما قاله ابن بَشكوال، أو هو عبَّاد بن نَهِيكٍ، بفتح النُّون وكسر الهاء (ثُمَّ خَرَجَ) أي: الرَّجل (بَعْدَمَا صَلَّى) أي: بعد صلاته، أو بعد الَّذي صلَّى، وللمُستملي والحَمُّويي: «فصلَّى مع النَّبيِّ ﷺ رجالٌ» بالجمع «ثم خرج» أي: بعض أولئك الرجال، أي «بعد ما
صلَّى» (فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في صلاة العصر، يصلُّون نحو بيت المقدس» (فَقَالَ) الرَّجل: (هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّهُ) ﵊ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ) وللأربعة: «وأنَّه نحو الكعبة» (فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ) وعنى بقوله: «هو يشهد» نفسَه على طريق التَّجريد بأن جرَّد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الرَّاوي كلامه بالمعنى، وعند ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: أنَّه ﵊ صلَّى ركعتين من الظُّهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أُمِر أن يتوجَّه إلى المسجد الحرام (١)، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويُقال: إنَّه ﵊ زار أُمَّ بِشْرِ بن البراء ابن معرورٍ في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظُّهر، فصلَّى ﷺ بأصحابه ركعتين، ثمَّ أُمِر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعدٍ (٢): قال الواقديُّ: هذا أَثْبَتُ عندنا، ولا تَنافيَ بين قوله هنا: «صلاة العصر» وبين ثبوت الرِّواية عن ابن عمر في الصُّبح بقباء المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦٤٠٣] والنَّسائيِّ؛ لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه بالمدينة، والصُّبح لأهل قباء في اليوم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَيْتِ (١) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣١ - بَاب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ.
٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ - شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ - وَهُمْ الْيَهُودُ -: ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ) أَيْ حَيْثُ وُجِدَ الشَّخْصُ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُصَرِّحًا بِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ) جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ - وَالْيَهُودُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا - يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ وَيَتْبَعُ قِبْلَتَنَا، فَنَزَلَتْ.
وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ أُمِرَ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الصَّلَاةِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ (٢) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى ثَلَاثَ حِجَجٍ، ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إِلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ. فَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ أَمَرَهُ اللَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاجْتِهَادٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَأَلَّفُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ بِتَوْقِيفٍ.
قَوْلُهُ: (نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم، الغُدَانيُّ، بضمِّ الغين المُعجمَة (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (١)، عمرو بن عبد الله الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو ابن عبد الله السَّبِيعيِّ الكوفيِّ (٢)، جدِّ إسرائيل (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄) ثبت: «ابن عازبٍ» عند أبي ذرٍّ عن المُستملي (٣) (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النِّبيُّ» (ﷺ صَلَّى نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ شهرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له، قاله الطَّبريُّ، ويُجمَع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد من وجهٍ آخر: أنَّه ﷺ كان يصلِّي بمكَّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه بحمل (٤) الأمر في المدينة على الاستمرار (٥) باستقبال بيت المقدس، وفي حديث الطَّبريِّ من طريق (٦) ابن جريجٍ قال: أوَّل ما صلَّى إلى الكعبة، ثمَّ صُرِف إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فصلَّى ثلاث حججٍ، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستَّة عشر شهرًا، ثمَّ وجَّهه الله تعالى إلى الكعبة (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ) بضمِّ أوَّله وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول، أي: يُؤمَر بالتَّوجُّه (إِلَى الكَعْبَةِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند (٧) الطَّبريِّ: وكان يدعو
و (١) ينظر إلى السَّماء (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤]) تردُّد وجهك في جهة السَّماء تطلُّعًا للوحي، وكان ﵊ يقع في روعه، ويتوقَّع من ربِّه أن يحوِّله إلى الكعبة لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدلُّ على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، قاله البيضاويُّ. (فَتَوَجَّهَ) ﷺ بعد نزول الآية (نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ -وَهُمُ اليَهُودُ-: ﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾) أي: ما صرفهم (﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾؟) يعني: بيت المقدس، والقبلة في الأصل: الحال الَّتي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان المُتوجَّه إليه للصَّلاة (﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾) لا يختصُّ به مكانٌ دون مكانٍ بخاصَّةٍ (٢) ذاتيَّةٍ تمنع إقامة غيره مقامه، وإنَّما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان (﴿يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]) وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التَّوجُّه إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة تارةً (٣) أخرى (فَصَلَّى) الظُّهر (٤) (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ) اسمه عبَّاد بن بشرٍ كما قاله ابن بَشكوال، أو هو عبَّاد بن نَهِيكٍ، بفتح النُّون وكسر الهاء (ثُمَّ خَرَجَ) أي: الرَّجل (بَعْدَمَا صَلَّى) أي: بعد صلاته، أو بعد الَّذي صلَّى، وللمُستملي والحَمُّويي: «فصلَّى مع النَّبيِّ ﷺ رجالٌ» بالجمع «ثم خرج» أي: بعض أولئك الرجال، أي «بعد ما
صلَّى» (فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في صلاة العصر، يصلُّون نحو بيت المقدس» (فَقَالَ) الرَّجل: (هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّهُ) ﵊ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ) وللأربعة: «وأنَّه نحو الكعبة» (فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ) وعنى بقوله: «هو يشهد» نفسَه على طريق التَّجريد بأن جرَّد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الرَّاوي كلامه بالمعنى، وعند ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: أنَّه ﵊ صلَّى ركعتين من الظُّهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أُمِر أن يتوجَّه إلى المسجد الحرام (١)، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويُقال: إنَّه ﵊ زار أُمَّ بِشْرِ بن البراء ابن معرورٍ في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظُّهر، فصلَّى ﷺ بأصحابه ركعتين، ثمَّ أُمِر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعدٍ (٢): قال الواقديُّ: هذا أَثْبَتُ عندنا، ولا تَنافيَ بين قوله هنا: «صلاة العصر» وبين ثبوت الرِّواية عن ابن عمر في الصُّبح بقباء المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦٤٠٣] والنَّسائيِّ؛ لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه بالمدينة، والصُّبح لأهل قباء في اليوم