«إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩

الحديث رقم ٣٩ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدين يسر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٩ في صحيح البخاري

«إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».

بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ

إسناد حديث رقم ٣٩ من صحيح البخاري

٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) هُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النِّسْبَةِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ الْعَبْدِيُّ وَيُقَالُ لَهُ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانَ: لَمْ يُعْتَلَّ عَلَيْهِ بِقَادِحٍ. وَفِي طَبَقَتِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ بَصْرِيٌّ أَيْضًا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَمْ يُخَرَّجْ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ الضَّبِّيُّ.

قَوْلُهُ: (انْتَدَبَ اللَّهُ) هُوَ بِالنُّونِ، أَيْ: سَارَعَ بِثَوَابِهِ وَحُسْنِ جَزَائِهِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى أَجَابَ إِلَى الْمُرَادِ، فَفِي الصِّحَاحِ نَدَبْتُ فُلَانًا لِكَذَا فَانْتَدَبَ أَيْ: أَجَابَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَكَفَّلَ بِالْمَطْلُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُؤَلِّفِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ تَكَفَّلَ اللَّهُ وَلَهُ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِلَفْظِ تَوَكَّلَ اللَّهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَعَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا ائْتَدَبَ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ مَهْمُوزَةٍ بَدَلَ النُّونِ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ وَجَّهُوهُ بِتَكَلُّفٍ، لَكِنْ إِطْبَاقَ الرُّوَاةِ عَلَى خِلَافِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ كَافٍ فِي تَخْطِئَتِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي) كَذَا هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُخْرِجُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَّا إِيمَانًا بِالنَّصْبِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَتَقْدِيرُهُ لَا يُخْرِجُهُ الْمُخْرِجُ إِلَّا الْإِيمَانَ وَالتَّصْدِيقَ.

قَوْلُهُ: (وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِلَفْظِ أَوْ تَصْدِيقٌ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَتَكَلَّفَ الْجَوَابَ عَنْهُ، وَالصَّوَابُ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ أَوْ وَقَوْلُهُ بِي فِيهِ عُدُولٌ عَنْ ضَمِيرِ الْغِيبَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، فَهُوَ الْتِفَاتٌ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: كَانَ اللَّائِقُ فِي الظَّاهِرِ هُنَا إِيمَانٌ بِهِ، وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْقَوْلِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيِ: انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ قَائِلًا لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي، وَلَا يُخْرِجُهُ مَقُولُ الْقَوْلِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَالِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هُوَ اللَّهُ. وَتَعَقَّبَهُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ الْمُرَحِّلِ بِأَنَّ حَذْفَ الْحَالِ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّ التَّعْبِيرَ بِاللَّائِقِ هُنَا غَيْرُ لَائِقٍ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ بِلَفْظِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ.

(تَنْبِيهٌ): جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ هَذِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ سِيَاقِهِ أَكْثَرَ الْأَمْرِ الثَّانِي، وَسَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ الْمَذْكُورِ بِتَمَامِهِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُفَرَّقًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ وَبَابِ صِيَامِ رَمَضَانَ يؤتى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

٢٩ - بَاب الدِّينُ يُسْرٌ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ : أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ.

٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ.

[الحديث ٣٩ - أطرافه في: ٧٢٣٥، ٦٤٦٣، ٥٦٧٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدِّينِ يُسْرٌ)، أَيْ: دِينُ الْإِسْلَامِ ذُو يُسْرٍ، أَوْ سَمَّى الدِّينَ يُسْرًا مُبَالَغَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَانِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلِهِمْ. وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَمْثِلَةِ لَهُ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَتَوْبَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ وَالنَّدَمِ.

قَوْلُهُ: (أَحَبُّ الدِّينِ) أَيْ: خِصَالُ الدِّينِ ; لِأَنَّ خِصَالَ الدِّينِ كُلُّهَا مَحْبُوبَةٌ،

لَكِنْ مَا كَانَ مِنْهَا سَمْحًا - أَيْ: سَهْلًا - فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَعْرَابِيٍّ لَمْ يُسَمِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ. أَوِ الدِّينُ جِنْسٌ، أَيْ: أَحَبُّ الْأَدْيَانِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ.

وَالْمُرَادُ بِالْأَدْيَانِ الشَّرَائِعُ الْمَاضِيَةُ قَبْلَ أَنْ تُبَدَّلَ وَتُنْسَخَ. وَالْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحَنِيفُ فِي اللُّغَةِ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا لِمَيْلِهِ عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَنَفِ الْمَيْلُ، وَالسَّمْحَةُ السَّهْلَةُ، أَيْ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّهُولَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ لَمْ يُسْنِدْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ. نَعَمْ وَصَلَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَكَذَا وَصَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. اسْتَعْمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ لِكَوْنِهِ مُتَقَاصِرًا عَنْ شَرْطِهِ، وَقَوَّاهُ بِمَا دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ لِتَنَاسُبِ السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهِّرٍ) أَيِ: ابْنُ حُسَامٍ الْبَصْرِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو ظَفَرٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْمُقَدِّمِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ; لَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ شَدِيدُ التَّدْلِيسِ، وَصَفَهُ بِذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَهُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ مُدَلِّسٍ بِالْعَنْعَنَةِ - لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدِ بْنِ الْمِقْدَامِ أَحَدِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَذَكَرَهُ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ، لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَى شِقِّهِ الثَّانِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُهُ سَدِّدُوا وَقَرِّبُوا وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا وَلَمْ يَذْكُرْ شِقَّهُ الْأَوَّلَ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِ شَوَاهِدِهِ وَمِنْهَا حَدِيثِ عُرْوَةَ الْفُقَيْمِيِّ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ إِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ، وَمِنْهَا حَدِيثُ بُرَيْدَ. ةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادُّ هَذَا الدِّينِ يَغْلِبُهُ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) هَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِإِضْمَارِ الْفَاعِلِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَصِيلِيِّ بِلَفْظِ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، وَكَذَا هُوَ فِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ، وَالدِّينَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا أَيْضًا، وَأَضْمَرَ الْفَاعِلَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِرَفْعِ الدِّينِ عَلَى أَنَّ يُشَادَّ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَعَارَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِالنَّصْبِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَاتِ الْمَغَارِبَةِ وَالْمَشَارِقَةِ، وَيُؤَيِّدُ النَّصْبَ لَفْظُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ إِنَّهُ مَنْ شَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبُهُ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هُوَ سَبَبُ حَدِيثِ الْبَابِ. وَالْمُشَادَّةُ بِالتَّشْدِيدِ الْمُغَالَبَةُ، يُقَالُ شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إِذَا قَاوَاهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَعَمَّقُ أَحَدٌ فِي الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ وَيَتْرُكُ الرِّفْقَ إِلَّا عَجَزَ وَانْقَطَعَ فَيُغْلَبُ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاسُ قَبْلَنَا أَنَّ كُلَّ مُتَنَطِّعٍ فِي الدِّينِ يَنْقَطِعُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْعَ طَلَبِ الْأَكْمَلِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْمُودَةِ، بَلْ مَنْعُ الْإِفْرَاطِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَالِ، أَوِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّطَوُّعِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، أَوْ إِخْرَاجِ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ وَيُغَالِبُ النَّوْمَ إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَنَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ، أَوْ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ، أَوْ إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَخَرَجَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ، وَفِي حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ عِنْدَ أَحْمَدَ: إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْيَسَرَةُ وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْإِشَارَةِ إِلَى الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ فِي مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ تَنَطُّعٌ، كَمَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يتَّصف بالعسر واليسر إنَّما هو الأعمال دون التَّصديق.

٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بالطَّاء المُهمَلَة والهاء المُشدَّدة المفتوحتين، ابن حسامٍ الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) يعني: ابن عطاءٍ، وعين «عُمر» مضمومةٌ، المقدَّميُّ البصريُّ، وكان يدلِّس تدليسًا شديدًا؛ يقول: حدَّثنا وسمعت، ثمَّ يسكت، ثمَّ يقول: هشامُ بن عروة، الأعمشُ، وتُوفِّي سنة تسعين ومئةٍ (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المُهمَلة، واسمُ جدِّه معنٌ أيضًا (الغِفَارِيِّ) بكسر الغين المُعجَمة؛ نسبةً إلى «غِفارٍ» الحجازيِّ، فإن قلت: ما حكم رواية عمر بن عليِّ المدلِّس بالعنعنة عن معنٍ؟ أُجِيب: بأنَّها محمولةٌ على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى؛ كجميع ما في «الصَّحيحين» عن المدلِّسين. انتهى (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه: كيسان (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ المُوحَّدة؛ نسبةً إلى مَقبُرة بالمدينة كان مجاورًا بها، المدنيِّ، أبي سعْدٍ -بسكون العين- المُتوفَّى بعد اختلاطه بأربع سنين، سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، وكان سماع معنٍ عن سعيدٍ قبل اختلاطه، وإلَّا لمَا أخرجه المؤلِّف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) أي: ذو يسرٍ، قال العينيُّ: وذلك لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرطٌ، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتَّأويل، أو هو اليسر نفسُه؛ كقول بعضهم في النبي : إنَّه عين الرَّحمة، مستدِلًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنَّه لكثرة الرَّحمة المُودَعة فيه صار نفسها، والتَّأكيد بـ «إنَّ» فيه ردٌّ (١) على منكر يسر هذا الدِّين، فإمَّا أن يكون المُخاطَب مُنكِرًا، أو على تقدير تنزيله منزلته، أو على تقدير المُنكِرِين غير المُخاطَبين، أو لكون القصَّة ممَّا يُهتَمُّ بها (وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا) كذا في

«اليونينيَّة» بغير رقم (١) (الدِّينَ) وللأَصيليِّ: «ولن يشادَّ الدِّين» (أَحَدٌ) بالشِّين المُعجَمة وإدغامِ سابقِ المثلين في لاحِقِه؛ من المُشادَّة وهي المغالبة، أي: لا يتعمَّقُ أحدٌ في الدِّين ويترك الرِّفق (إِلَّا غَلَبَهُ) الدِّين، وعجز وانقطع عن عمله، كلِّه أو بعضِه، و «يشادَّ» منصوبٌ بـ «لن»، و «الدِّين» نُصِبَ بإضمار الفاعل، أي: «لن يشادَّ الدِّينَ أحدٌ»، ورواه كذلك ابن السَّكن، وكذا هو في بعض روايات الأَصيليِّ كما نبَّهوا عليه، ووجدته في فرع «اليونينيَّة»، وحكى صاحب «المطالع»: أنَّ أكثر الرِّوايات برفع «الدِّينُ»، على أنَّ «يُشَادَّ» مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أكثر الرِّوايات بالنَّصب، وجمع بينهما الحافظ ابن حجرٍ بالنِّسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ولابن عساكرَ: «ولن يُشادَّ هذا الدِّين (٢) إلَّا غلبه» وله أيضًا: «ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلَّا غلبه» (فَسَدِّدُوا) -بالمُهمَلة- من السَّداد؛ وهو التَّوسُّط في العمل، أي: الزموا السَّداد من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ (وَقَارِبُوا) في العبادة، وهو بالمُوحَّدة، أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة من الإبشار، وفي لغةٍ: بضمِّ الشِّين من البشرى بمعنى الإبشار، أي: أبشروا بالثَّواب على العمل وإن قلَّ (٣)،

وأبهم المبشَّر به للتَّنبيه على تعظيمه وتفخيمه، وسقط لغير أبي ذَرٍّ لفظ «وأبشروا» (وَاسْتَعِينُوا) من الإعانة (بِالغَدْوَةِ) سير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، كالغداة والغدية (وَالرَّوْحَةِ): اسمٌ للوقت من زوال الشَّمس إلى اللَّيل، وضبطهما الحافظ ابن حجرٍ -كالزَّركشيِّ والكِرمانيِّ- بفتح أوَّلهما، وكذا البرماويُّ، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة»، وضبطه العينيُّ بضمِّ أوَّل الغُدوة وفتح أوَّل الثَّاني، قلت: وكذا ضبطه ابن الأثير، وعبارته: «والغُدوة» بالضَّمِّ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس (١)، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَشَيْءٍ) أي: واستعينوا بشيءٍ (مِنَ الدُّلْجَةِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وإسكان اللَّام؛ سير آخر اللَّيل أو اللَّيل كلِّه، ومن ثمَّ عبَّر بالتَّبعيض، ولأنَّ عمل اللَّيل أشقُّ (٢) من عمل النَّهار، وفي هذا استعارة «الغدوة» و «الرَّوحة» و «شيءٍ من الدُّلجة» لأوقات النَّشاط وفراغ القلب للطَّاعة، فإنَّ هذه الأوقات أطيبُ أوقات المسافر، فكأنَّه خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأنَّ المسافر إذا سافر اللَّيل والنَّهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرَّى السَّير في هذه الأوقات المنشطة؛ أمكنته المُداوَمَة من غير مشقَّةٍ، وحسَّن هذه الاستعارة: أنَّ الدُّنيا في الحقيقة دار نقلةٍ إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة.

ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرج المؤلِّف طرفًا منه في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٦٣]، وأخرجه النَّسائيُّ.

ولمَّا كانت الصَّلوات الخمس أفضل طاعات البدن، وهي تُقَام في هذه الأوقات الثَّلاث، فالصُّبح في الغدوة، والظُّهر والعصر في الرَّوحة، والعشاءان في جزء الدُّلجة عند من يقول: إنَّها سير اللَّيل كلِّه؛ عقَّب المصنِّف هذا الباب بذكر «الصَّلاة من الإيمان» فقال:

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز إضافة

الباب إلى الجملة، ولفظ: «بابٌ» ساقطٌ عند الأَصيليِّ (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﷿» و «قولُ»: بالرَّفع عطفًا على لفظ «الصَّلاة»، والجرِّ عطفًا على المُضَاف إليه (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالخطاب، وكان المقام يقتضي الغَيبة، لكنَّه قصد تعميم الحكم للأمَّة الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المُخاطَبين تغليبًا لهم على غيرهم، وفسَّر البخاريُّ «الإيمان» بقوله: (يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ) بمكَّة (عِنْدَ البَيْتِ) الحرام إلى بيت المقدس، قال في «الفتح»: قد وقع التَّنصيص على هذا التَّفسير من الوجه الذي أخرج منه المصنِّف حديث الباب (١)، وروى النَّسائيُّ والطَّيالسيُّ: فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنِّف: «عند البيت» مُشكِلٌ، مع أنَّه ثابتٌ عنه في جميع الرِّوايات، ولا اختصاص بذلك (٢) لكونه عند البيت، وقد قِيلَ: إنَّه تصحيفٌ، والصَّواب: يعني صلاتكم لغير البيت، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّه لا تصحيفَ فيه، بل هو صوابٌ، ومقاصد البخاريِّ دقيقةٌ، وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان توجَّه إليها للصَّلاة وهو بمكَّة، فقال ابن عبَّاسٍ وغيره: إلى بيت المقدس، لكنَّه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون: أنَّه كان يصلِّي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلِّي إلى الكعبة، فلمَّا تحوَّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيفٌ، ويلزم منه دعوى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) هُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النِّسْبَةِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ الْعَبْدِيُّ وَيُقَالُ لَهُ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانَ: لَمْ يُعْتَلَّ عَلَيْهِ بِقَادِحٍ. وَفِي طَبَقَتِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ بَصْرِيٌّ أَيْضًا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَمْ يُخَرَّجْ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ الضَّبِّيُّ.

قَوْلُهُ: (انْتَدَبَ اللَّهُ) هُوَ بِالنُّونِ، أَيْ: سَارَعَ بِثَوَابِهِ وَحُسْنِ جَزَائِهِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى أَجَابَ إِلَى الْمُرَادِ، فَفِي الصِّحَاحِ نَدَبْتُ فُلَانًا لِكَذَا فَانْتَدَبَ أَيْ: أَجَابَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَكَفَّلَ بِالْمَطْلُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُؤَلِّفِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ تَكَفَّلَ اللَّهُ وَلَهُ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِلَفْظِ تَوَكَّلَ اللَّهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَعَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا ائْتَدَبَ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ مَهْمُوزَةٍ بَدَلَ النُّونِ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ وَجَّهُوهُ بِتَكَلُّفٍ، لَكِنْ إِطْبَاقَ الرُّوَاةِ عَلَى خِلَافِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ كَافٍ فِي تَخْطِئَتِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي) كَذَا هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُخْرِجُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَّا إِيمَانًا بِالنَّصْبِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَتَقْدِيرُهُ لَا يُخْرِجُهُ الْمُخْرِجُ إِلَّا الْإِيمَانَ وَالتَّصْدِيقَ.

قَوْلُهُ: (وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِلَفْظِ أَوْ تَصْدِيقٌ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَتَكَلَّفَ الْجَوَابَ عَنْهُ، وَالصَّوَابُ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ أَوْ وَقَوْلُهُ بِي فِيهِ عُدُولٌ عَنْ ضَمِيرِ الْغِيبَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، فَهُوَ الْتِفَاتٌ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: كَانَ اللَّائِقُ فِي الظَّاهِرِ هُنَا إِيمَانٌ بِهِ، وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْقَوْلِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيِ: انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ قَائِلًا لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي، وَلَا يُخْرِجُهُ مَقُولُ الْقَوْلِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَالِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هُوَ اللَّهُ. وَتَعَقَّبَهُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ الْمُرَحِّلِ بِأَنَّ حَذْفَ الْحَالِ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّ التَّعْبِيرَ بِاللَّائِقِ هُنَا غَيْرُ لَائِقٍ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ بِلَفْظِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ.

(تَنْبِيهٌ): جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ هَذِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ سِيَاقِهِ أَكْثَرَ الْأَمْرِ الثَّانِي، وَسَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ الْمَذْكُورِ بِتَمَامِهِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُفَرَّقًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ وَبَابِ صِيَامِ رَمَضَانَ يؤتى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

٢٩ - بَاب الدِّينُ يُسْرٌ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ : أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ.

٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ.

[الحديث ٣٩ - أطرافه في: ٧٢٣٥، ٦٤٦٣، ٥٦٧٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدِّينِ يُسْرٌ)، أَيْ: دِينُ الْإِسْلَامِ ذُو يُسْرٍ، أَوْ سَمَّى الدِّينَ يُسْرًا مُبَالَغَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَانِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلِهِمْ. وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَمْثِلَةِ لَهُ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَتَوْبَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ وَالنَّدَمِ.

قَوْلُهُ: (أَحَبُّ الدِّينِ) أَيْ: خِصَالُ الدِّينِ ; لِأَنَّ خِصَالَ الدِّينِ كُلُّهَا مَحْبُوبَةٌ،

لَكِنْ مَا كَانَ مِنْهَا سَمْحًا - أَيْ: سَهْلًا - فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَعْرَابِيٍّ لَمْ يُسَمِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ. أَوِ الدِّينُ جِنْسٌ، أَيْ: أَحَبُّ الْأَدْيَانِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ.

وَالْمُرَادُ بِالْأَدْيَانِ الشَّرَائِعُ الْمَاضِيَةُ قَبْلَ أَنْ تُبَدَّلَ وَتُنْسَخَ. وَالْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحَنِيفُ فِي اللُّغَةِ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا لِمَيْلِهِ عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَنَفِ الْمَيْلُ، وَالسَّمْحَةُ السَّهْلَةُ، أَيْ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّهُولَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ لَمْ يُسْنِدْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ. نَعَمْ وَصَلَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَكَذَا وَصَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. اسْتَعْمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ لِكَوْنِهِ مُتَقَاصِرًا عَنْ شَرْطِهِ، وَقَوَّاهُ بِمَا دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ لِتَنَاسُبِ السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهِّرٍ) أَيِ: ابْنُ حُسَامٍ الْبَصْرِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو ظَفَرٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْمُقَدِّمِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ; لَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ شَدِيدُ التَّدْلِيسِ، وَصَفَهُ بِذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَهُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ مُدَلِّسٍ بِالْعَنْعَنَةِ - لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدِ بْنِ الْمِقْدَامِ أَحَدِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَذَكَرَهُ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ، لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَى شِقِّهِ الثَّانِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُهُ سَدِّدُوا وَقَرِّبُوا وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا وَلَمْ يَذْكُرْ شِقَّهُ الْأَوَّلَ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِ شَوَاهِدِهِ وَمِنْهَا حَدِيثِ عُرْوَةَ الْفُقَيْمِيِّ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ إِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ، وَمِنْهَا حَدِيثُ بُرَيْدَ. ةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادُّ هَذَا الدِّينِ يَغْلِبُهُ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ) هَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِإِضْمَارِ الْفَاعِلِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَصِيلِيِّ بِلَفْظِ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، وَكَذَا هُوَ فِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ، وَالدِّينَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا أَيْضًا، وَأَضْمَرَ الْفَاعِلَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِرَفْعِ الدِّينِ عَلَى أَنَّ يُشَادَّ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَعَارَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِالنَّصْبِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَاتِ الْمَغَارِبَةِ وَالْمَشَارِقَةِ، وَيُؤَيِّدُ النَّصْبَ لَفْظُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ إِنَّهُ مَنْ شَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبُهُ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هُوَ سَبَبُ حَدِيثِ الْبَابِ. وَالْمُشَادَّةُ بِالتَّشْدِيدِ الْمُغَالَبَةُ، يُقَالُ شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إِذَا قَاوَاهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَعَمَّقُ أَحَدٌ فِي الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ وَيَتْرُكُ الرِّفْقَ إِلَّا عَجَزَ وَانْقَطَعَ فَيُغْلَبُ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاسُ قَبْلَنَا أَنَّ كُلَّ مُتَنَطِّعٍ فِي الدِّينِ يَنْقَطِعُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْعَ طَلَبِ الْأَكْمَلِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْمُودَةِ، بَلْ مَنْعُ الْإِفْرَاطِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَالِ، أَوِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّطَوُّعِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، أَوْ إِخْرَاجِ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ وَيُغَالِبُ النَّوْمَ إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَنَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ، أَوْ إِلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ، أَوْ إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَخَرَجَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ، وَفِي حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ عِنْدَ أَحْمَدَ: إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْيَسَرَةُ وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْإِشَارَةِ إِلَى الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ فِي مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ تَنَطُّعٌ، كَمَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يتَّصف بالعسر واليسر إنَّما هو الأعمال دون التَّصديق.

٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بالطَّاء المُهمَلَة والهاء المُشدَّدة المفتوحتين، ابن حسامٍ الأزديُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) يعني: ابن عطاءٍ، وعين «عُمر» مضمومةٌ، المقدَّميُّ البصريُّ، وكان يدلِّس تدليسًا شديدًا؛ يقول: حدَّثنا وسمعت، ثمَّ يسكت، ثمَّ يقول: هشامُ بن عروة، الأعمشُ، وتُوفِّي سنة تسعين ومئةٍ (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المُهمَلة، واسمُ جدِّه معنٌ أيضًا (الغِفَارِيِّ) بكسر الغين المُعجَمة؛ نسبةً إلى «غِفارٍ» الحجازيِّ، فإن قلت: ما حكم رواية عمر بن عليِّ المدلِّس بالعنعنة عن معنٍ؟ أُجِيب: بأنَّها محمولةٌ على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى؛ كجميع ما في «الصَّحيحين» عن المدلِّسين. انتهى (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه: كيسان (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ المُوحَّدة؛ نسبةً إلى مَقبُرة بالمدينة كان مجاورًا بها، المدنيِّ، أبي سعْدٍ -بسكون العين- المُتوفَّى بعد اختلاطه بأربع سنين، سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، وكان سماع معنٍ عن سعيدٍ قبل اختلاطه، وإلَّا لمَا أخرجه المؤلِّف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) أي: ذو يسرٍ، قال العينيُّ: وذلك لأنَّ الالتئام بين الموضوع والمحمول شرطٌ، وفي مثل هذا لا يكون إلَّا بالتَّأويل، أو هو اليسر نفسُه؛ كقول بعضهم في النبي : إنَّه عين الرَّحمة، مستدِلًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنَّه لكثرة الرَّحمة المُودَعة فيه صار نفسها، والتَّأكيد بـ «إنَّ» فيه ردٌّ (١) على منكر يسر هذا الدِّين، فإمَّا أن يكون المُخاطَب مُنكِرًا، أو على تقدير تنزيله منزلته، أو على تقدير المُنكِرِين غير المُخاطَبين، أو لكون القصَّة ممَّا يُهتَمُّ بها (وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا) كذا في

«اليونينيَّة» بغير رقم (١) (الدِّينَ) وللأَصيليِّ: «ولن يشادَّ الدِّين» (أَحَدٌ) بالشِّين المُعجَمة وإدغامِ سابقِ المثلين في لاحِقِه؛ من المُشادَّة وهي المغالبة، أي: لا يتعمَّقُ أحدٌ في الدِّين ويترك الرِّفق (إِلَّا غَلَبَهُ) الدِّين، وعجز وانقطع عن عمله، كلِّه أو بعضِه، و «يشادَّ» منصوبٌ بـ «لن»، و «الدِّين» نُصِبَ بإضمار الفاعل، أي: «لن يشادَّ الدِّينَ أحدٌ»، ورواه كذلك ابن السَّكن، وكذا هو في بعض روايات الأَصيليِّ كما نبَّهوا عليه، ووجدته في فرع «اليونينيَّة»، وحكى صاحب «المطالع»: أنَّ أكثر الرِّوايات برفع «الدِّينُ»، على أنَّ «يُشَادَّ» مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أكثر الرِّوايات بالنَّصب، وجمع بينهما الحافظ ابن حجرٍ بالنِّسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ولابن عساكرَ: «ولن يُشادَّ هذا الدِّين (٢) إلَّا غلبه» وله أيضًا: «ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلَّا غلبه» (فَسَدِّدُوا) -بالمُهمَلة- من السَّداد؛ وهو التَّوسُّط في العمل، أي: الزموا السَّداد من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ (وَقَارِبُوا) في العبادة، وهو بالمُوحَّدة، أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة من الإبشار، وفي لغةٍ: بضمِّ الشِّين من البشرى بمعنى الإبشار، أي: أبشروا بالثَّواب على العمل وإن قلَّ (٣)،

وأبهم المبشَّر به للتَّنبيه على تعظيمه وتفخيمه، وسقط لغير أبي ذَرٍّ لفظ «وأبشروا» (وَاسْتَعِينُوا) من الإعانة (بِالغَدْوَةِ) سير أوَّل النَّهار إلى الزَّوال، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، كالغداة والغدية (وَالرَّوْحَةِ): اسمٌ للوقت من زوال الشَّمس إلى اللَّيل، وضبطهما الحافظ ابن حجرٍ -كالزَّركشيِّ والكِرمانيِّ- بفتح أوَّلهما، وكذا البرماويُّ، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة»، وضبطه العينيُّ بضمِّ أوَّل الغُدوة وفتح أوَّل الثَّاني، قلت: وكذا ضبطه ابن الأثير، وعبارته: «والغُدوة» بالضَّمِّ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس (١)، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَشَيْءٍ) أي: واستعينوا بشيءٍ (مِنَ الدُّلْجَةِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وإسكان اللَّام؛ سير آخر اللَّيل أو اللَّيل كلِّه، ومن ثمَّ عبَّر بالتَّبعيض، ولأنَّ عمل اللَّيل أشقُّ (٢) من عمل النَّهار، وفي هذا استعارة «الغدوة» و «الرَّوحة» و «شيءٍ من الدُّلجة» لأوقات النَّشاط وفراغ القلب للطَّاعة، فإنَّ هذه الأوقات أطيبُ أوقات المسافر، فكأنَّه خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأنَّ المسافر إذا سافر اللَّيل والنَّهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرَّى السَّير في هذه الأوقات المنشطة؛ أمكنته المُداوَمَة من غير مشقَّةٍ، وحسَّن هذه الاستعارة: أنَّ الدُّنيا في الحقيقة دار نقلةٍ إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة.

ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرج المؤلِّف طرفًا منه في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٦٣]، وأخرجه النَّسائيُّ.

ولمَّا كانت الصَّلوات الخمس أفضل طاعات البدن، وهي تُقَام في هذه الأوقات الثَّلاث، فالصُّبح في الغدوة، والظُّهر والعصر في الرَّوحة، والعشاءان في جزء الدُّلجة عند من يقول: إنَّها سير اللَّيل كلِّه؛ عقَّب المصنِّف هذا الباب بذكر «الصَّلاة من الإيمان» فقال:

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز إضافة

الباب إلى الجملة، ولفظ: «بابٌ» ساقطٌ عند الأَصيليِّ (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﷿» و «قولُ»: بالرَّفع عطفًا على لفظ «الصَّلاة»، والجرِّ عطفًا على المُضَاف إليه (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) بالخطاب، وكان المقام يقتضي الغَيبة، لكنَّه قصد تعميم الحكم للأمَّة الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المُخاطَبين تغليبًا لهم على غيرهم، وفسَّر البخاريُّ «الإيمان» بقوله: (يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ) بمكَّة (عِنْدَ البَيْتِ) الحرام إلى بيت المقدس، قال في «الفتح»: قد وقع التَّنصيص على هذا التَّفسير من الوجه الذي أخرج منه المصنِّف حديث الباب (١)، وروى النَّسائيُّ والطَّيالسيُّ: فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنِّف: «عند البيت» مُشكِلٌ، مع أنَّه ثابتٌ عنه في جميع الرِّوايات، ولا اختصاص بذلك (٢) لكونه عند البيت، وقد قِيلَ: إنَّه تصحيفٌ، والصَّواب: يعني صلاتكم لغير البيت، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّه لا تصحيفَ فيه، بل هو صوابٌ، ومقاصد البخاريِّ دقيقةٌ، وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان توجَّه إليها للصَّلاة وهو بمكَّة، فقال ابن عبَّاسٍ وغيره: إلى بيت المقدس، لكنَّه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون: أنَّه كان يصلِّي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلِّي إلى الكعبة، فلمَّا تحوَّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيفٌ، ويلزم منه دعوى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد