«حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٢٨

الحديث رقم ٤٠٢٨ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله ﷺ إليهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٠٢٨ في صحيح البخاري

«حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ.»

إسناد حديث رقم ٤٠٢٨ من صحيح البخاري

٤٠٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٠٢٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ هُنَا أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَقَدْ سَبَقَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَرْتِيبِ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَهُوَ أَضْبَطُ لِاسْتِيعَابِ أَسْمَائِهِمْ، وَلَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ، وَاسْتَوْعَبَهُمِ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَبَيَّنَ اخْتِلَافَ أَهْلِ السِّيَرِ فِي بَعْضِهِمْ وَهُوَ اخْتِلَافٌ غَيْرُ فَاحِشٍ، وَأَوْرَدَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ أَسْمَاءَهُمْ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ لَكِنْ عَلَى الْقَبَائِلِ كَمَا صَنَعَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَوْعَبَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَزَادُوا - عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ - خَمْسِينَ رَجُلًا، قَالَ: وَسَبَبُ الزِّيَادَةِ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ. قُلْتُ: وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَسَرَدْتُ أَسْمَاءَهُمْ مُفَصِّلًا مُبَيِّنًا لِلرَّاجِحِ، لَكِنْ فِي هَذِهِ الْإِشَارَةِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

١٤ - بَاب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ، وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وقعة أُحُدٍ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ.

٤٠٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا. وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ.

٤٠٢٩ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ "قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ قَالَ قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ" تَابَعَهُ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ

[الحديث ٤٠٢٩ - أطرافه في: ٤٨٨٣، ٤٨٨٢، ٤٦٤٥]

٤٠٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ "كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ"

٤٠٣١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ "حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَنَزَلَتْ [٥٩ الحشر] ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾

٤٠٣٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

قَالَ فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ:

أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ … وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ

سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ … وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ

قَوْلُهُ: (حَدِيثُ بَنِي النَّضِيرِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، هُمْ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ مَضَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّعْرِيفِ بِهِمْ فِي أَوَائِلِ الْكَلَامِ عَلَى أَحَادِيثِ الْهِجْرَةِ. وَكَانَ الْكُفَّارُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَعَ النَّبِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُمَالِئُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، وَهُمْ طَوَائِفُ الْيَهُودِ الثَّلَاثَةِ: قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَقَيْنُقَاعُ. وَقِسْمٌ حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ كَقُرَيْشٍ.

وَقِسْمٌ تَارَكُوهُ وَانْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ كَطَوَائِفَ مِنَ الْعَرَبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ فِي الْبَاطِنِ كَخُزَاعَةَ، وَبِالْعَكْسِ كَبَنِي بَكْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُ ظَاهِرًا وَمَعَ عَدُوِّهِ بَاطِنًا وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنَ الْيَهُودِ بَنُو قَيْنُقَاعَ فَحَارَبَهُمْ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَأَرَادَ قَتَلَهُمْ فَاسْتَوْهَبَهُمْ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ فَوَهَبَهُمْ لَهُ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَذْرِعَاتَ. ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ رَئِيسَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخَطْبَ. ثُمَّ نَقَضَتْ قُرَيْظَةُ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ حَالِهِمْ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَمَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَمَا أَرَادُوا مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَتَمَّ مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَنَخْلُهُمْ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ لَا الْحَلْقَةُ يَعْنِي السِّلَاحَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ فَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ فِيمَا خَلَا، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. وَقَوْلُهُ ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ أَوَّلَ حَشْرٍ فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّامِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ مَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ قَالَ: وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ.

قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاهٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَاهَرُوا الْأَحْزَابَ، وَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَحْزَابِ ذِكْرٌ، بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي جَمْعِ الْأَحْزَابِ مَا وَقَعَ مِنْ جَلَائِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ رُءُوسِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخَطَبَ وَهُوَ الَّذِي حَسَّنَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ الْغَدْرَ وَمُوَافَقَةَ الْأَحْزَابِ كَمَا سَيَأْتِي، حَتَّى كَانَ مِنْ هَلَاكِهِمْ مَا كَانَ، فَكَيْفَ يَصِيرُ السَّابِقُ لَاحِقًا؟

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ كَتَبَ﴾ وَقَدْ وَضَّحَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَثَرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ تَفْسِيرَهَا لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ. وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ خَاصَّةً بِرَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا عليهم بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: (وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ) كَذَا هُوَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ مَجْزُومًا بِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ

وَجَعَلَهُ إِسْحَاقُ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَرْمَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا اسْمُ جَدِّهِ يَسَارٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ أَعْتَقَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا قُتِلَ أَهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، فَخَرَجَ عَمْرٌو إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَادَفَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ مَعَهُمَا عَقْدٌ وَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَمْرٌو، فَقَالَ لَهُمَا عَمْرٌو: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَذَكَرَا أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَتَرَكَهُمَا حَتَّى نَامَا فَقَتَلَهُمَا عَمْرٌو، وَظَنَّ أَنَّهُ ظَفِرَ بِبَعْضِ ثَأْرِ أَصْحَابِهِ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لَأُودِيَنَّهُمَا. انْتَهَى.

وَسَيَأْتِي خَبَرُ غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَفِيهَا عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرَهُ الْمُشْرِكُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَتِهِمَا فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ، قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوهُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ. قَالَ: وَكَانَ جَالِسًا إِلَى جَانِبِ جِدَارٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِيَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ وَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَامَ مُظْهِرًا أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْرَحُوا. وَرَجَعَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَبْطَأَهُ أَصْحَابُهُ فَأُخْبِرُوا أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَحِقُوا بِهِ، فَأَمَرَ بِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَتَحَصَّنُوا، فَأَمَرَ بِقَطْعِ النَّخْلِ وَالتَّحْرِيقِ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ حَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَكَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعَثُوا إِلَيْهِمْ أَنِ اثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا، فَإِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، فَتَرَبَّصُوا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، فَسَأَلُوا أَنْ يُجلَّوْا عَنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ فَصُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاحْتُمِلُوا إِلَى خَيْبَرَ وَإِلَى الشَّامِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمْ جَلَوْا الْأَمْوَالِ مِنَ الْخَيْلِ وَالْمَزَارِعِ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ فَأَحْرَزَا أَمْوَالَهُمَا.

وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالَ: كَتَبَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ قَبْلَ بَدْرٍ يُهَدِّدُونَهُمْ بِإِيوَائِهِمُ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ، وَيَتَوَعَّدُونَهُمْ أَنْ يَغْزُوهُمْ بِجَمِيعِ الْعَرَبِ، فَهَمَّ ابْنُ أُبَيٍّ وَمَنْ مَعَهُ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَا كَادَكُمْ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا كَادَتْكُمْ قُرَيْشٌ، يُرِيدُونَ أَنْ تُلْقُوا بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ عَرَفُوا الْحَقَّ فَتَفَرَّقُوا. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ كَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَهَا إِلَى الْيَهُودِ أَنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، يَتَهَدَّدونَهُمْ، فَأَجْمَعَ بَنُو النَّضِيرِ عَلَى الْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ : اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَيَلْقَاكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَإِنْ آمَنُوا بِكَ اتَّبَعْنَاكَ. فَفَعَلَ.

فَاشْتَمَلَ الْيَهُودُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْخَنَاجِرِ فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى أَخٍ لَهَا مِنَ الْأَنْصَارِ مُسْلِمٍ تُخْبِرُهُ بِأَمْرِ بَنِي النَّضِيرِ، فَأَخْبَرَ أَخُوهَا النَّبِيَّ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ، فَرَجَعَ، وَصَبَّحَهُمْ بِالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ يَوْمَهُ، ثُمَّ غَدَا عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَاصَرَهُمْ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ إِلَّا السِّلَاحَ، فَاحْتَمَلُوا حَتَّى أَبْوَابَ بُيُوتِهِمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فَيَهْدِمُونَهَا، وَيَحْمِلُونَ مَا يُوَافِقُهُمْ مِنْ خَشَبِهَا، وَكَانَ جَلَاؤُهُمْ ذَلِكَ أَوَّلَ حَشْرِ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى ابْنِ

التِّينِ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَدِيثٌ بِإِسْنَادٍ، قُلْتُ: فَهَذَا أَقْوَى مِمَّا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ طَلَبُهُ أَنْ يُعِينُوهُ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، لَكِنْ وَافَقَ ابْنَ إِسْحَاقَ جُلُّ أَهْلِ الْمَغَازِي، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ مَا ذُكِرَ مِنْ هَمِّهِمْ بِالْغَدْرِ بِهِ وَهُوَ إِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَمَا جَاءَ إِلَيْهِمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي دِيَةِ قَتِيلَيْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، تَعَيَّنَ مَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، لِأَنَّ بِئْرَ مَعُونَةَ كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيُّ فَرَجَّحَ مَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَلَوْلَا مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، كَذَا فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَفْعُولَ مِنْ حَارَبَتْ وَلَمْ يُسَمِّ فَاعِلَ أَجْلَى، وَالْمُرَادُ النَّبِيُّ . وَكَانَ سَبَبُ وُقُوعِ الْمُحَارَبَةِ نَقَضَهُمُ الْعَهْدَ: أَمَّا النَّضِيرُ فَبِالسَّبَبِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي قَالَ: كَانَتِ النَّضِيرُ قَدْ دَسُّوا إِلَى قُرَيْشٍ وَحَضُّوهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ وَدَلُّوهُمْ عَلَى الْعَوْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ مَجِيءِ النَّبِيِّ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ: وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَنِ اخْرُجُوا مِنْ بَلَدِي، فَلَا تُسَاكِنُونِي بَعْدَ أَنْ هَمَمْتُمْ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنَ الْغَدْرِ، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا. وَأَمَّا قُرَيْظَةُ فَبِمُظَاهَرَتِهِمُ الْأَحْزَابَ عَلَى النَّبِيِّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ) سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. كَذَا وَقَعَ تَقْدِيمُ قُرَيْظَةَ عَلَى النَّضِيرِ وَكَأَنَّهُ لِشَرَفِهِمْ، وَإِلَّا فَإِجْلَاءُ النَّضِيرِ كَانَ قَبْلَ قُرَيْظَةَ بِكَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّضِيرُ) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَنِ اخْرُجُوا وَأَجَلَّهُمْ عَشْرًا وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يُثَبِّطُهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ إِنَّا لَا نَخْرُجُ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، حَارَبَتْ يَهُودُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَخَذَلَهُمِ ابْنُ أُبَيٍّ وَلَمْ تُعِنْهُمْ قُرَيْظَةُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ صَبِيحَةَ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، يَعْنِي الْآتِي ذِكْرُهُ عَقِبَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (بَنِي قَيْنُقَاعَ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَنُونُ قَيْنُقَاعَ مُثَلَّثَةٌ وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الضَّمُّ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُخْرِجَ مِنَ الْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ قَامَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَكَانَ لَهُ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلُ الَّذِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَتَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنْهُمْ. قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُمْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَإِنِّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ إِجْلَاءَهُمْ كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، يَعْنِي بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: يَا يَهُودُ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَالُوا: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، وَلَوْ قَاتَلْنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا الرِّجَالُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الأَبْصَارِ﴾.

وَأَغْرَبَ الْحَاكِمُ فَزَعَمَ أَنَّ إِجْلَاءَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَإِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ عَلَى قَوْلِ عُرْوَةَ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَسْمِيَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ سُورَةَ النَّضِيرِ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَرِهَ تَسْمِيَتَهَا سُورَةَ الْحَشْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

أَوْ لِكَوْنِهِ مُجْمَلًا فَكَرِهَ النِّسْبَةَ إِلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ. كَذَا قَالَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ اللَّهُ فِيهَا الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِسْحَاقُ بَدَلَ الْحَسَنِ وَهُوَ غَلَطٌ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ هُشَيْمٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ كَمَا سَيَأْتِي هُنَاكَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ النَّخَلَاتِ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْخُمُسِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ قُرَيْظَةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. وَقَوْلُهُ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: مَا كَانُوا أَعْطَوْهُ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لِلْأَنْصَارِ لَمَّا فَتَحَ النَّضِيرَ: إِنْ أَحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيَّ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّكْنَى فِي مَنَازِلِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَعْطَيْتُهُمْ وَخَرَجُوا عَنْكُمْ، فَاخْتَارُوا الثَّانِيَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.

قَوْلُهُ: (حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: نَخْلَ النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ) بِالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرُ بُؤْرَةٍ وَهِيَ الْحُفْرَةُ، وَهِيَ هُنَا مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَ تَيْمَاءَ، وَهِيَ مِنْ جِهَةِ قِبْلَةِ مَسْجِدِ قَبَاءَ إِلَى جِهَةِ الْغَرْبِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْبُوَيْلَةُ بِاللَّامِ بَدَلَ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ هِيَ صِنْفٌ مِنَ النَّخْلِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِي تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ قَطْعُهُ مِنْ شَجَرِ الْعَدُوِّ مَا لَا يَكُونُ مُعَدًّا لِلِاقْتِيَاتِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الْعَجْوَةَ وَالْبَرْنِيَّ دُونَ اللِّينَةِ. وَفِي الْجَامِعِ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ، وَقِيلَ: الدِّقلُ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ النَّخْلِ سِوَى الْعَجْوَةِ فَهُوَ مِنَ اللِّينِ.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِسْحَاقُ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ)، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَهَانَ بِاللَّامِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَسَقَطَتِ اللَّامُ وَالْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. وَقَوْلُهُ: سَرَاةِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ جَمْعُ سَرِيٍّ وَهُوَ الرَّئِيسُ، وَقَوْلُهُ:

حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ، أَيْ: مُشْتَعِلٌ، وَإِنَّمَا قَالَ حَسَّانُ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِقُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَغْرُوهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَأَمَرُوهُمْ بِهِ وَوَعَدُوهُمْ أَنْ يَنْصُرُوهُمْ إِنْ قَصَدَهُمُ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ وَكَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يُسْلِمْ وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ فِي الْفَتْحِ وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ بِحُنَيْنٍ، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ اسْمَهُ الْمُغِيرَةُ، وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَخُوهُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالسُّهَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ) بِنُونٍ ثُمَّ زَايٍ سَاكِنَةٍ، أَيْ: بِبُعْدٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَيُقَالُ بِفَتْحِ النُّونِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَقَوْلُهُ: تَضِيرُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الضَّيْرِ وَهُوَ بِمَعْنَى الضُّرِّ، وَيُطْلَقُ الضَّيْرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَضَرَّةُ. وَنِسْبَةُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَوَابُهَا لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الصَّحِيحِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بَعْضُ ذَلِكَ، وَعِنْدَ شَيْخِ شُيُوخِنَا أَبِي الْفَتْحِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ لَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ:

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ

هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: عَزَّ بَدَلَ هَانَ، وَأَنَّ الَّذِي أَجَابَ بِقَوْلِهِ:

أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ

الْبَيْتَيْنِ هُوَ حَسَّانُ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْبُخَارِيِّ، اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا لِلتَّرْجِيحِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يُظَاهِرُونَ كُلَّ مَنْ عَادَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ وَيَعِدُونَهُمُ النَّصْرَ وَالْمُسَاعَدَةَ، فَلَمَّا وَقَعَ لِبَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْخِذْلَانِ مَا وَقَعَ قَالَ حَسَّانُ الْأَبْيَاتَ الْمَذْكُورَةَ مُوَبِّخًا لِقُرَيْشٍ - وَهُمْ بَنُو لُؤَيٍّ - كَيْفَ خَذَلُوا أَصْحَابَهُمْ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ حَسَّانَ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ بَنِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ هُنَا أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَقَدْ سَبَقَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَرْتِيبِ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَهُوَ أَضْبَطُ لِاسْتِيعَابِ أَسْمَائِهِمْ، وَلَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ، وَاسْتَوْعَبَهُمِ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَبَيَّنَ اخْتِلَافَ أَهْلِ السِّيَرِ فِي بَعْضِهِمْ وَهُوَ اخْتِلَافٌ غَيْرُ فَاحِشٍ، وَأَوْرَدَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ أَسْمَاءَهُمْ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ لَكِنْ عَلَى الْقَبَائِلِ كَمَا صَنَعَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَوْعَبَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَزَادُوا - عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ - خَمْسِينَ رَجُلًا، قَالَ: وَسَبَبُ الزِّيَادَةِ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ. قُلْتُ: وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَسَرَدْتُ أَسْمَاءَهُمْ مُفَصِّلًا مُبَيِّنًا لِلرَّاجِحِ، لَكِنْ فِي هَذِهِ الْإِشَارَةِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

١٤ - بَاب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ، وَمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وقعة أُحُدٍ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ.

٤٠٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا. وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ.

٤٠٢٩ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ "قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ قَالَ قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ" تَابَعَهُ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ

[الحديث ٤٠٢٩ - أطرافه في: ٤٨٨٣، ٤٨٨٢، ٤٦٤٥]

٤٠٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ "كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ"

٤٠٣١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ "حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَنَزَلَتْ [٥٩ الحشر] ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾

٤٠٣٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

قَالَ فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ:

أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ … وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ

سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ … وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ

قَوْلُهُ: (حَدِيثُ بَنِي النَّضِيرِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، هُمْ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ مَضَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّعْرِيفِ بِهِمْ فِي أَوَائِلِ الْكَلَامِ عَلَى أَحَادِيثِ الْهِجْرَةِ. وَكَانَ الْكُفَّارُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَعَ النَّبِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُمَالِئُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، وَهُمْ طَوَائِفُ الْيَهُودِ الثَّلَاثَةِ: قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَقَيْنُقَاعُ. وَقِسْمٌ حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ كَقُرَيْشٍ.

وَقِسْمٌ تَارَكُوهُ وَانْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ كَطَوَائِفَ مِنَ الْعَرَبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ فِي الْبَاطِنِ كَخُزَاعَةَ، وَبِالْعَكْسِ كَبَنِي بَكْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُ ظَاهِرًا وَمَعَ عَدُوِّهِ بَاطِنًا وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنَ الْيَهُودِ بَنُو قَيْنُقَاعَ فَحَارَبَهُمْ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَأَرَادَ قَتَلَهُمْ فَاسْتَوْهَبَهُمْ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ فَوَهَبَهُمْ لَهُ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَذْرِعَاتَ. ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَنُو النَّضِيرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ رَئِيسَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخَطْبَ. ثُمَّ نَقَضَتْ قُرَيْظَةُ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ حَالِهِمْ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَمَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَمَا أَرَادُوا مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَتَمَّ مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَنَخْلُهُمْ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ لَا الْحَلْقَةُ يَعْنِي السِّلَاحَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ فَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ فِيمَا خَلَا، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. وَقَوْلُهُ ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ أَوَّلَ حَشْرٍ فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّامِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ مَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ قَالَ: وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ.

قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاهٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَاهَرُوا الْأَحْزَابَ، وَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَحْزَابِ ذِكْرٌ، بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي جَمْعِ الْأَحْزَابِ مَا وَقَعَ مِنْ جَلَائِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ رُءُوسِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخَطَبَ وَهُوَ الَّذِي حَسَّنَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ الْغَدْرَ وَمُوَافَقَةَ الْأَحْزَابِ كَمَا سَيَأْتِي، حَتَّى كَانَ مِنْ هَلَاكِهِمْ مَا كَانَ، فَكَيْفَ يَصِيرُ السَّابِقُ لَاحِقًا؟

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ كَتَبَ﴾ وَقَدْ وَضَّحَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَثَرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ تَفْسِيرَهَا لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ. وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ خَاصَّةً بِرَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا عليهم بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ أَصْلًا.

قَوْلُهُ: (وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ) كَذَا هُوَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ مَجْزُومًا بِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ

وَجَعَلَهُ إِسْحَاقُ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَرْمَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا اسْمُ جَدِّهِ يَسَارٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ أَعْتَقَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا قُتِلَ أَهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، فَخَرَجَ عَمْرٌو إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَادَفَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ مَعَهُمَا عَقْدٌ وَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَمْرٌو، فَقَالَ لَهُمَا عَمْرٌو: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَذَكَرَا أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَتَرَكَهُمَا حَتَّى نَامَا فَقَتَلَهُمَا عَمْرٌو، وَظَنَّ أَنَّهُ ظَفِرَ بِبَعْضِ ثَأْرِ أَصْحَابِهِ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لَأُودِيَنَّهُمَا. انْتَهَى.

وَسَيَأْتِي خَبَرُ غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَفِيهَا عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرَهُ الْمُشْرِكُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَتِهِمَا فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ، قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوهُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ. قَالَ: وَكَانَ جَالِسًا إِلَى جَانِبِ جِدَارٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِيَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ وَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَامَ مُظْهِرًا أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْرَحُوا. وَرَجَعَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَبْطَأَهُ أَصْحَابُهُ فَأُخْبِرُوا أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَحِقُوا بِهِ، فَأَمَرَ بِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَتَحَصَّنُوا، فَأَمَرَ بِقَطْعِ النَّخْلِ وَالتَّحْرِيقِ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ حَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَكَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعَثُوا إِلَيْهِمْ أَنِ اثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا، فَإِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، فَتَرَبَّصُوا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، فَسَأَلُوا أَنْ يُجلَّوْا عَنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ فَصُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاحْتُمِلُوا إِلَى خَيْبَرَ وَإِلَى الشَّامِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمْ جَلَوْا الْأَمْوَالِ مِنَ الْخَيْلِ وَالْمَزَارِعِ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ فَأَحْرَزَا أَمْوَالَهُمَا.

وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالَ: كَتَبَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ قَبْلَ بَدْرٍ يُهَدِّدُونَهُمْ بِإِيوَائِهِمُ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ، وَيَتَوَعَّدُونَهُمْ أَنْ يَغْزُوهُمْ بِجَمِيعِ الْعَرَبِ، فَهَمَّ ابْنُ أُبَيٍّ وَمَنْ مَعَهُ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَا كَادَكُمْ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا كَادَتْكُمْ قُرَيْشٌ، يُرِيدُونَ أَنْ تُلْقُوا بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ عَرَفُوا الْحَقَّ فَتَفَرَّقُوا. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ كَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَهَا إِلَى الْيَهُودِ أَنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، يَتَهَدَّدونَهُمْ، فَأَجْمَعَ بَنُو النَّضِيرِ عَلَى الْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ : اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَيَلْقَاكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَإِنْ آمَنُوا بِكَ اتَّبَعْنَاكَ. فَفَعَلَ.

فَاشْتَمَلَ الْيَهُودُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْخَنَاجِرِ فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى أَخٍ لَهَا مِنَ الْأَنْصَارِ مُسْلِمٍ تُخْبِرُهُ بِأَمْرِ بَنِي النَّضِيرِ، فَأَخْبَرَ أَخُوهَا النَّبِيَّ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ، فَرَجَعَ، وَصَبَّحَهُمْ بِالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ يَوْمَهُ، ثُمَّ غَدَا عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَاصَرَهُمْ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ إِلَّا السِّلَاحَ، فَاحْتَمَلُوا حَتَّى أَبْوَابَ بُيُوتِهِمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فَيَهْدِمُونَهَا، وَيَحْمِلُونَ مَا يُوَافِقُهُمْ مِنْ خَشَبِهَا، وَكَانَ جَلَاؤُهُمْ ذَلِكَ أَوَّلَ حَشْرِ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى ابْنِ

التِّينِ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَدِيثٌ بِإِسْنَادٍ، قُلْتُ: فَهَذَا أَقْوَى مِمَّا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ طَلَبُهُ أَنْ يُعِينُوهُ فِي دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ، لَكِنْ وَافَقَ ابْنَ إِسْحَاقَ جُلُّ أَهْلِ الْمَغَازِي، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ مَا ذُكِرَ مِنْ هَمِّهِمْ بِالْغَدْرِ بِهِ وَهُوَ إِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَمَا جَاءَ إِلَيْهِمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي دِيَةِ قَتِيلَيْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، تَعَيَّنَ مَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، لِأَنَّ بِئْرَ مَعُونَةَ كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيُّ فَرَجَّحَ مَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَلَوْلَا مَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، كَذَا فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَفْعُولَ مِنْ حَارَبَتْ وَلَمْ يُسَمِّ فَاعِلَ أَجْلَى، وَالْمُرَادُ النَّبِيُّ . وَكَانَ سَبَبُ وُقُوعِ الْمُحَارَبَةِ نَقَضَهُمُ الْعَهْدَ: أَمَّا النَّضِيرُ فَبِالسَّبَبِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي قَالَ: كَانَتِ النَّضِيرُ قَدْ دَسُّوا إِلَى قُرَيْشٍ وَحَضُّوهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ وَدَلُّوهُمْ عَلَى الْعَوْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ مَجِيءِ النَّبِيِّ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ: وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الْآيَةَ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَنِ اخْرُجُوا مِنْ بَلَدِي، فَلَا تُسَاكِنُونِي بَعْدَ أَنْ هَمَمْتُمْ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنَ الْغَدْرِ، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا. وَأَمَّا قُرَيْظَةُ فَبِمُظَاهَرَتِهِمُ الْأَحْزَابَ عَلَى النَّبِيِّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ) سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. كَذَا وَقَعَ تَقْدِيمُ قُرَيْظَةَ عَلَى النَّضِيرِ وَكَأَنَّهُ لِشَرَفِهِمْ، وَإِلَّا فَإِجْلَاءُ النَّضِيرِ كَانَ قَبْلَ قُرَيْظَةَ بِكَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (وَالنَّضِيرُ) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قِصَّتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَنِ اخْرُجُوا وَأَجَلَّهُمْ عَشْرًا وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يُثَبِّطُهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ إِنَّا لَا نَخْرُجُ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، حَارَبَتْ يَهُودُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَخَذَلَهُمِ ابْنُ أُبَيٍّ وَلَمْ تُعِنْهُمْ قُرَيْظَةُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ صَبِيحَةَ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، يَعْنِي الْآتِي ذِكْرُهُ عَقِبَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (بَنِي قَيْنُقَاعَ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَنُونُ قَيْنُقَاعَ مُثَلَّثَةٌ وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الضَّمُّ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُخْرِجَ مِنَ الْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ قَامَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَكَانَ لَهُ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلُ الَّذِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَتَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنْهُمْ. قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُمْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَإِنِّي امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ إِجْلَاءَهُمْ كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، يَعْنِي بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: يَا يَهُودُ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَالُوا: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، وَلَوْ قَاتَلْنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا الرِّجَالُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الأَبْصَارِ﴾.

وَأَغْرَبَ الْحَاكِمُ فَزَعَمَ أَنَّ إِجْلَاءَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَإِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ عَلَى قَوْلِ عُرْوَةَ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَسْمِيَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ سُورَةَ النَّضِيرِ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَرِهَ تَسْمِيَتَهَا سُورَةَ الْحَشْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

أَوْ لِكَوْنِهِ مُجْمَلًا فَكَرِهَ النِّسْبَةَ إِلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ. كَذَا قَالَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ فِي بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ اللَّهُ فِيهَا الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ النِّقْمَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِسْحَاقُ بَدَلَ الْحَسَنِ وَهُوَ غَلَطٌ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ هُشَيْمٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ كَمَا سَيَأْتِي هُنَاكَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ النَّخَلَاتِ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْخُمُسِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ قُرَيْظَةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. وَقَوْلُهُ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: مَا كَانُوا أَعْطَوْهُ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لِلْأَنْصَارِ لَمَّا فَتَحَ النَّضِيرَ: إِنْ أَحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيَّ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّكْنَى فِي مَنَازِلِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَعْطَيْتُهُمْ وَخَرَجُوا عَنْكُمْ، فَاخْتَارُوا الثَّانِيَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.

قَوْلُهُ: (حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: نَخْلَ النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ) بِالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرُ بُؤْرَةٍ وَهِيَ الْحُفْرَةُ، وَهِيَ هُنَا مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَ تَيْمَاءَ، وَهِيَ مِنْ جِهَةِ قِبْلَةِ مَسْجِدِ قَبَاءَ إِلَى جِهَةِ الْغَرْبِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْبُوَيْلَةُ بِاللَّامِ بَدَلَ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ هِيَ صِنْفٌ مِنَ النَّخْلِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فِي تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ قَطْعُهُ مِنْ شَجَرِ الْعَدُوِّ مَا لَا يَكُونُ مُعَدًّا لِلِاقْتِيَاتِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الْعَجْوَةَ وَالْبَرْنِيَّ دُونَ اللِّينَةِ. وَفِي الْجَامِعِ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ، وَقِيلَ: الدِّقلُ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ النَّخْلِ سِوَى الْعَجْوَةِ فَهُوَ مِنَ اللِّينِ.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِسْحَاقُ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ)، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَهَانَ بِاللَّامِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَسَقَطَتِ اللَّامُ وَالْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. وَقَوْلُهُ: سَرَاةِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ جَمْعُ سَرِيٍّ وَهُوَ الرَّئِيسُ، وَقَوْلُهُ:

حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ، أَيْ: مُشْتَعِلٌ، وَإِنَّمَا قَالَ حَسَّانُ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِقُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَغْرُوهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَأَمَرُوهُمْ بِهِ وَوَعَدُوهُمْ أَنْ يَنْصُرُوهُمْ إِنْ قَصَدَهُمُ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ وَكَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يُسْلِمْ وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ فِي الْفَتْحِ وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ بِحُنَيْنٍ، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ اسْمَهُ الْمُغِيرَةُ، وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَخُوهُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالسُّهَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ) بِنُونٍ ثُمَّ زَايٍ سَاكِنَةٍ، أَيْ: بِبُعْدٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَيُقَالُ بِفَتْحِ النُّونِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَقَوْلُهُ: تَضِيرُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الضَّيْرِ وَهُوَ بِمَعْنَى الضُّرِّ، وَيُطْلَقُ الضَّيْرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَضَرَّةُ. وَنِسْبَةُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَوَابُهَا لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الصَّحِيحِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بَعْضُ ذَلِكَ، وَعِنْدَ شَيْخِ شُيُوخِنَا أَبِي الْفَتْحِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ لَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ:

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ

هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: عَزَّ بَدَلَ هَانَ، وَأَنَّ الَّذِي أَجَابَ بِقَوْلِهِ:

أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ

الْبَيْتَيْنِ هُوَ حَسَّانُ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْبُخَارِيِّ، اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا لِلتَّرْجِيحِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يُظَاهِرُونَ كُلَّ مَنْ عَادَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ وَيَعِدُونَهُمُ النَّصْرَ وَالْمُسَاعَدَةَ، فَلَمَّا وَقَعَ لِبَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْخِذْلَانِ مَا وَقَعَ قَالَ حَسَّانُ الْأَبْيَاتَ الْمَذْكُورَةَ مُوَبِّخًا لِقُرَيْشٍ - وَهُمْ بَنُو لُؤَيٍّ - كَيْفَ خَذَلُوا أَصْحَابَهُمْ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ حَسَّانَ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ بَنِي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر