«بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٣

الحديث رقم ٤٠٣ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في القبلة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٠٣ في صحيح البخاري

«بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ».

إسناد حديث رقم ٤٠٣ من صحيح البخاري

٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٠٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ .

وَفَائِدَةُ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ تَصْرِيحُ حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَسٍ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَإِنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ. وَأَقُولُ: وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَابَعَاتِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بِالتَّصْرِيحِ الْمَذْكُورِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزُّهْرَانِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّام فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.

[الحديث ٤٠٣ - أطرافه في: ٧٢٥١، ٤٤٩٤، ٤٤٩١، ٤٤٩٠، ٤٤٨٨]

قَوْلُهُ: (بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَعَدَمُ الصَّرْفِ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَسْجِدُ أَهْلِ قُبَاءَ فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ، وَاللَّامُ فِي النَّاسِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَالْمُرَادُ أَهْلُ قُبَاءَ وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) وَلِمُسْلِمٍ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَهُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهَا، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ. وَهَذَا فِيهِ مُغَايَرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَالْجَوَابُ أَنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ وَقْتَ الْعَصْرِ إِلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَالْآتِي إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ أَوِ ابْنُ نَهِيكٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ وَقْتَ الصُّبْحِ إِلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ أَهْلُ قُبَاءٍ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُسَمَّ الْآتِي بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ نَقَلُوا أَنَّهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ بَنِي حَارِثَةَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنْ كَانَ مَا نَقَلُوا مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّادٌ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ أَوَّلًا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِهِمَا أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مَرَّ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ، وَبَنُو سَلَمَةَ غَيْرُ بَنِي حَارِثَةَ.

قَوْلُهُ: (قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) فِيهِ إِطْلَاقُ اللَّيْلَةِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ الْمَاضِي وَاللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ مَجَازًا، وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: قُرْآنٌ لِإِرَادَةِ الْبَعْضِيَّةِ، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ أُمِرَ) فِيهِ أَنَّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ النَّبِيُّ يَلْزَمُ أُمَّتَهُ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُ يُتَأَسَّى بِهَا كَأَقْوَالِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَقْبَلُوهَا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ فَتَحَوَّلُوا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَفَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ قُبَاءٍ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ. . . إِلَخْ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِلتَّحَوُّلِ الْمَذْكُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا النَّبِيَّ وَمَنْ مَعَهُ، وَضَمِيرُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ أَوْ لِأَهْلِ قُبَاءٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فَاسْتَقْبِلُوهَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَيَأْتِي فِي ضَمِيرِ وُجُوهِهِمُ الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَعَوْدِهِ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ أَظْهَرُ، وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا فَدُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْتَاحِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ أَمْرٌ لَا أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَوَقَعَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّحَوُّلِ فِي حَدِيثِ ثُوَيْلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ قَرِيبًا وَقَالَتْ فِيهِ: فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) وسقط قوله: «ابن أنس» عند الأَصيليِّ وابن عساكر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ) بالمدِّ والتَّذكير والصَّرف على الأشهر، أي: بينا النَّاس بمسجد قباءٍ وهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولا منافاة بين قوله هنا: «الصُّبح» وقوله في حديث البراء [خ¦٤٠]: «العصر» إذ المجيء (١) إلى بني حارثة داخل المدينة، وإلى بني عمرو بن عوفٍ بقُبَاءٍ وقت الصُّبح، وقوله: «بينا» أُضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله: (إِذْ جَاءَهُمْ) أي: أهل قُبَاءٍ (آتٍ) بالمدِّ، هو عبَّاد بن بِشْرٍ، بتشديد المُوحَّدة الأولى وكسر الثَّانية (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) بالتَّنكير لأنَّ القصد البعض، وفي رواية الأَصيليِّ: «القرآن» بـ «ال» الَّتي للعهد، أي: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات، وأطلق اللَّيلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا (وَقَدْ أُمِرَ) رسول الله ، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنْ)

أي: بأن (يَسْتَقْبِلَ) أي: باستقبال (الكَعْبَة، فَاسْتَقْبَِلُوهَا) بفتح المُوحَّدة عند جمهور الرُّواة على أنَّه فعلٌ ماضٍ، ويُكسَر عند البعض على أنَّه أمرٌ (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي للتَّحوُّل المذكور، والضَّمير في: «فاستقبلوها» و «وجوههم» لأهل قباءٍ، أو للنَّبيِّ ومَن معه، وفي رواية الأَصيليِّ: «فاستقبِلوها» بكسر المُوحَّدة، بصيغة الأمر لأهل قباءٍ، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٨]: «وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها» (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ) بأن تحوَّل الإمام من مكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخَّره؛ قال في «الفتح» لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار -كما هو في مكانه- لم يكن خلفه مكانٌ يسع الصفوف، ثمَّ تحوَّلت الرِّجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النِّساء حتَّى صِرْنَ خلف الرِّجال، واستُشكِل هذا لما فيه من العمل الكثير في الصَّلاة، وأُجيب باحتمال وقوعه قبل التَّحريم، أو لم تتوالَ الخُطَا عند التَّحويل، بل وقعت مُفرَّقةً. واستُنبِط من الحديث: أنَّ الَّذي يُؤمَر به يلزم أمَّته، وأنَّ أفعاله يُؤتَسى بها كأقواله، حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وأنَّ حكم النَّاسخ لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه، وقبول (١) خبر الواحد، ووجه استدلال المؤلِّف به: أنَّهم صلَّوا إلى القبلة المنسوخة الَّتي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبها، ولم يُؤمَروا بالإعادة.

ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أجلَّاء مشهورون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ (٢) في «الصَّلاة».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ .

وَفَائِدَةُ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ تَصْرِيحُ حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَسٍ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَإِنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ. وَأَقُولُ: وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَابَعَاتِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بِالتَّصْرِيحِ الْمَذْكُورِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزُّهْرَانِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّام فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.

[الحديث ٤٠٣ - أطرافه في: ٧٢٥١، ٤٤٩٤، ٤٤٩١، ٤٤٩٠، ٤٤٨٨]

قَوْلُهُ: (بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَعَدَمُ الصَّرْفِ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَسْجِدُ أَهْلِ قُبَاءَ فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ، وَاللَّامُ فِي النَّاسِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَالْمُرَادُ أَهْلُ قُبَاءَ وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) وَلِمُسْلِمٍ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَهُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهَا، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ. وَهَذَا فِيهِ مُغَايَرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَالْجَوَابُ أَنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ وَقْتَ الْعَصْرِ إِلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَالْآتِي إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ أَوِ ابْنُ نَهِيكٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ وَقْتَ الصُّبْحِ إِلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ أَهْلُ قُبَاءٍ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُسَمَّ الْآتِي بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ نَقَلُوا أَنَّهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ بَنِي حَارِثَةَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنْ كَانَ مَا نَقَلُوا مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّادٌ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ أَوَّلًا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِهِمَا أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مَرَّ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ، وَبَنُو سَلَمَةَ غَيْرُ بَنِي حَارِثَةَ.

قَوْلُهُ: (قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) فِيهِ إِطْلَاقُ اللَّيْلَةِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ الْمَاضِي وَاللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ مَجَازًا، وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: قُرْآنٌ لِإِرَادَةِ الْبَعْضِيَّةِ، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ أُمِرَ) فِيهِ أَنَّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ النَّبِيُّ يَلْزَمُ أُمَّتَهُ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُ يُتَأَسَّى بِهَا كَأَقْوَالِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَقْبَلُوهَا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ فَتَحَوَّلُوا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَفَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ قُبَاءٍ. وَقَوْلُهُ: (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ. . . إِلَخْ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِلتَّحَوُّلِ الْمَذْكُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا النَّبِيَّ وَمَنْ مَعَهُ، وَضَمِيرُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ أَوْ لِأَهْلِ قُبَاءٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فَاسْتَقْبِلُوهَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَيَأْتِي فِي ضَمِيرِ وُجُوهِهِمُ الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَعَوْدِهِ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ أَظْهَرُ، وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا فَدُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْتَاحِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ أَمْرٌ لَا أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَوَقَعَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّحَوُّلِ فِي حَدِيثِ ثُوَيْلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ قَرِيبًا وَقَالَتْ فِيهِ: فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) وسقط قوله: «ابن أنس» عند الأَصيليِّ وابن عساكر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ) بالمدِّ والتَّذكير والصَّرف على الأشهر، أي: بينا النَّاس بمسجد قباءٍ وهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولا منافاة بين قوله هنا: «الصُّبح» وقوله في حديث البراء [خ¦٤٠]: «العصر» إذ المجيء (١) إلى بني حارثة داخل المدينة، وإلى بني عمرو بن عوفٍ بقُبَاءٍ وقت الصُّبح، وقوله: «بينا» أُضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله: (إِذْ جَاءَهُمْ) أي: أهل قُبَاءٍ (آتٍ) بالمدِّ، هو عبَّاد بن بِشْرٍ، بتشديد المُوحَّدة الأولى وكسر الثَّانية (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) بالتَّنكير لأنَّ القصد البعض، وفي رواية الأَصيليِّ: «القرآن» بـ «ال» الَّتي للعهد، أي: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات، وأطلق اللَّيلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا (وَقَدْ أُمِرَ) رسول الله ، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنْ)

أي: بأن (يَسْتَقْبِلَ) أي: باستقبال (الكَعْبَة، فَاسْتَقْبَِلُوهَا) بفتح المُوحَّدة عند جمهور الرُّواة على أنَّه فعلٌ ماضٍ، ويُكسَر عند البعض على أنَّه أمرٌ (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي للتَّحوُّل المذكور، والضَّمير في: «فاستقبلوها» و «وجوههم» لأهل قباءٍ، أو للنَّبيِّ ومَن معه، وفي رواية الأَصيليِّ: «فاستقبِلوها» بكسر المُوحَّدة، بصيغة الأمر لأهل قباءٍ، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٨]: «وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها» (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ) بأن تحوَّل الإمام من مكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخَّره؛ قال في «الفتح» لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار -كما هو في مكانه- لم يكن خلفه مكانٌ يسع الصفوف، ثمَّ تحوَّلت الرِّجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النِّساء حتَّى صِرْنَ خلف الرِّجال، واستُشكِل هذا لما فيه من العمل الكثير في الصَّلاة، وأُجيب باحتمال وقوعه قبل التَّحريم، أو لم تتوالَ الخُطَا عند التَّحويل، بل وقعت مُفرَّقةً. واستُنبِط من الحديث: أنَّ الَّذي يُؤمَر به يلزم أمَّته، وأنَّ أفعاله يُؤتَسى بها كأقواله، حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وأنَّ حكم النَّاسخ لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه، وقبول (١) خبر الواحد، ووجه استدلال المؤلِّف به: أنَّهم صلَّوا إلى القبلة المنسوخة الَّتي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبها، ولم يُؤمَروا بالإعادة.

ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أجلَّاء مشهورون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ (٢) في «الصَّلاة».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله