الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٤٣
الحديث رقم ٤٠٤٣ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة أحد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٩٥⦘
سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي».
٤٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا. قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تِلْوَ هَذِهِ الْآيَاتِ أَحَادِيثَ كَالْمُفَسِّرَةِ لِلْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
الْأَوَّلُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ الْحَدِيثَ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ، فِيهِ تَجَوُّزٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ أَيُّوبَ بْنِ بِشْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، أَيْ: عِنْدَ خُرُوجِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ) تَابَعَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَتَوْدِيعُ الْأَحْيَاءِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ سِيَاقَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ﷺ وَأَمَّا تَوْدِيعُ الْأَمْوَاتِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ أَرَادَ بِذَلِكَ انْقِطَاعَ زِيَارَتِهِ الْأَمْوَاتَ بِجَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَهِيَ حَيَاةٌ أُخْرَوِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَوْدِيعِ الْأَمْوَاتِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجَنَائِزِ وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَتَأْتِي بَقِيَّهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ، وَالْأَصِيلِيِّ هُنَا قَبْلَ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي بَابِ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا أَبُو ذَرٍّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُتْقِنِي رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا اسْتَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي هَذَا الْمَتْنِ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٤٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنْ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا، حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا. وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لَا تُجِبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لَا تُجبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَجِيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا
نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ الرُّمَاةِ
قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فِي الْجِهَادِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ.
قَوْلُهُ: (لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ) فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ: (الرُّمَاةُ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي الْهَدْيِ أَنَّ الْخَمْسِينَ عَدَدُ الْفَرَسَانِ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي أُحُدٍ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْلِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ: كَانَ مَعَهُمْ فَرَسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: انْضَحُوا الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا.
قَوْلُهُ: (لَا تَبْرَحُوا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: حَتَّى أُرْسِلَ لَكُمْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عن أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تُشْرِكُونَا.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا دَالٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ أُخْرَى سَاكِنَةٌ، أَيْ: يُسْرِعْنَ الْمَشْيَ، يُقَالُ: اشْتَدَّ إِذَا أَسْرَعَ، وَكَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَلَهُ هُنا: يُسْنِدْنَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ يَصْعَدْنَ، يُقَالُ: أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ يُسْنِدُ إِذَا صَعِدَ، وَلِلْبَاقِينَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: يَشْدُدْنَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ فِي الْجِهَادِ: يَشْتَدِدْنَ، وَكَذَا لِابْنِ السَّكَنِ فِيهِ وَفِي الْفَضَائِلِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ: يَشْتَدُّونَ بِمُعْجَمَةٍ وَدَالٍ وَاحِدَةٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يَسْتَنِدُونَ، وَلِرَفِيقِهِ: يَشُدُّونَ، وَكُلُّهُ بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ لِأَجْلِ الْحَفِيظَةِ وَالثَّبَاتِ، وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ النِّسَاءَ الْمَذْكُورَاتِ، وَهُنَّ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ خَرَجَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مَعَ زَوْجِهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَعَ زَوْجِهَا الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَبَرْزَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةُ مَعَ زَوْجِهَا صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَهِيَ وَالِدَةُ ابْنِ صَفْوَانَ، وَرَيْطَةُ بِنْتُ شَيْبَةَ السَّهْمِيَّةُ مَعَ زَوْجِهَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهِيَ وَالِدَةُ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَافَةُ بِنْتُ سَعْدٍ مَعَ زَوْجِهَا طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ، وَخِنَاسُ بِنْتُ مَالِكٍ وَالِدَةُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ بْنِ كِنَانَةَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ النِّسَاءُ اللَّاتِي خَرَجْنَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً.
قَوْلُهُ: (رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ) جَمْعُ سَاقٍ، أَيْ: لِيُعِينَهُنَّ ذَلِكَ عَلَى سُرْعَةِ الْهَرَبِ. وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَذِمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ مَا دُونَ إِحْدَاهُنَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، إِذْ مَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى كَشَفَ الْقَوْمُ عَنْهُ وَخَلَّوْا ظَهْرَنَا لِلْجَبَلِ، فَأُتِينَا مِنْ خَلْفِنَا، وَصَرَخَ صَارِخٌ. أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ لِوَائِهِمْ حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا، فَأَبَوْا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ - أَيْ يَوْمَ الْغَنِيمَةِ - ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ، وَزَادَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لنأتين النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَاحُوا
عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ انْكَفَتِ الرُّمَاةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا فِي الْعَسْكَرِ يَنْتَهِبُونَ، وَقَدِ الْتَفَّتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُمْ هَكَذَا - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَلَمَّا أَخَلَّتِ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّةَ الَّتِي كَانُوا فِيهَا دَخَلَتِ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَبَسُوا، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ، قَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ تِسْعَةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ، وَصَاحَ الشَّيْطَانُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ، وَقَوْلُهُ: صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، أَيْ: تَحَيَّرُوا فَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ. وَزَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَذَلِكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ أَنَّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسَأَذْكُرُهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِعِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا وَلَّى النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ: فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ الْمَدِينَةَ، وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ، فَرَمَاهُ ابْنُ قَمِئَةَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ أَنْفَهُ وَرَبَاعِيَتَهُ، وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ فَأَثْقَلَهُ،، فَتَرَاجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَجَعَلُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ. فَحَمَلَهُ مِنْهُ طَلْحَةُ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَرُمِيَ طَلْحَةُ بِسَهْمٍ وَيَبِسَتْ يَدُهُ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ فَرَّ إِلَى الْجَبَلِ: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَسْتَأْمِنُ لَنَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قُتِلَ فَرَبُّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَقَصَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَبَلَ فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ فَرِحُوا بِهِ وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ وَتَرَاجَعَ النَّاسُ. وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ شَجَّ وَجْهَهُ ﵊.
قَوْلُهُ: (فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: فَأَصَابُوا مِنْهَا، أَيْ: مِنْ طَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَصَابُوا مِنَّا وَهِيَ أَوْجَهُ. وَزَادَ زُهَيْرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الضُّحَى قَالَ: قُتِلَ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - سَبْعُونَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ. قُلْتُ: وَبِهَذَا جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ سَعْدٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، وَكَانَ الْخَامِسُ سَعْدَ مَوْلَى حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَالسَّادِسُ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ. وَعَنْ مَالِكٍ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَّةً أَحَدٌ وَسَبْعُونَ، وَسَرَدَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ أَسْمَاءَهُمْ، فَبَلَغُوا سِتَّةً وَتِسْعِينَ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَحَدَ عَشَرَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالزِّيَادَةُ مِنْ عِنْدِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَوْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَنِ الدِّمْيَاطِيِّ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً، قَالَ: فَزَادُوا عَنِ الْمِائَةِ.
قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: قَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإِنَّهُمْ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ قَتِيلًا وَسَبْعِينَ أَسِيرًا فِي عَدَدِ مَنْ قُتِلَ. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: إِنْ ثَبَتَتْ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ نَاشِئَةٌ عَنِ الْخِلَافِ فِي التَّفْصِيلِ. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ، فَقَالَ: خَيِّرْهُمْ فِي أُسَارَى بَدْرٍ مِنَ
الْقَتْلِ أَوِ الْفِدَاءِ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْ قَابِلٍ مِثْلُهُمْ، قَالُوا: الْفِدَاءُ وَيُقْتَلُ مِنَّا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَوَصَلَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَّةً، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ. قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ﴾ لِلْأَنْصَارِ خَاصَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَنَسٍ: أُصِيبَ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ) أَيِ ابْنُ حَرْبٍ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ) زَادَ زُهَيْرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَا تُجِيبُوهُ) وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا أُجِيبُهُ؟ قَالَ: بَلَى وَكَأَنَّهُ نَهَى عَنْ إِجَابَتِهِ فِي الْأُولَى وَأَذِنَ فِيهَا فِي الثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا.
قَوْلُهُ: (أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ) زَادَ زُهَيْرٌ: إِنَّ الَّذِي عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ.
قَوْلُهُ: (اعْلُ هُبَلْ). فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: اعْلُ هُبَلْ، أَيْ: ظَهَرَ دِينُكَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ. مَعْنَاهُ زَادَ عُلُوًّا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى اعْلُ وَلَا عُلُوَّ فِي هُبَلٍ؟ فَالْجَوَابُ هُوَ بِمَعْنَى الْعُلَا، أَوِ الْمُرَادُ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ اهـ. وَزَادَ زُهَيْرٌ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيَّامُ دُوَلٌ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْعَمَتَ فَعَالٌ أنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ اهـ. وَفَعَالً بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ، قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنْعَمْتِ الْأَزْلَامُ، وَكَانَ اسْتَقْسَمَ بِهَا حِينَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ. وَوَقَعَ فِي خَبَرِ السُّدِّيِّ عندَ الطَّبَرَانِيِّ: اعْلُ هُبَلُ، حَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةٍ، وَيَوْمَ أُحُدٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وَقَدِ اسْتَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لِهِرَقْلَ لَمَّا سَأَلَهُ كَيْفَ كَانَ حَرْبُكُمْ مَعَهُ - أَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ نَطَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: الْحَرْبُ سِجَالٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْقَرْحُ الْجُرْحُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَبَلَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: الْحَرْبُ سِجَالٌ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتَلَاكُمْ فِي النَّارِ. قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنَا إِذًا وَخَسِرْنَا.
قَوْلُهُ: (وَتَجِدُونَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَتَجِدُونَ.
قَوْلُهُ: (مُثْلَةً) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مَثَّلَ بِالْقَتِيلِ إِذَا جَدَعَهُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: خَرَجَتْ هِنْدُ وَالنِّسْوَةُ مَعَهَا يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى، يَجْدَعْنَ الْآذَانَ وَالْأُنُفَ، حَتَّى اتَّخَذَتْ هِنْدُ مِنْ ذَلِكَ حُزَمًا وَقَلَائِدَ، وَأَعْطَتْ حُزَمَهَا وَقَلَائِدَهَا - أَيِ اللَّائِي كُنَّ عَلَيْهَا - لِوَحْشِيٍّ جَزَاءً لَهُ عَلَى قَتْلِ حَمْزَةَ، وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ فَلَاكَتْهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا فَلَفَظَتْهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي) أَيْ لَمْ أَكْرَهْهَا وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا بِغَيْرِ أَمْرِي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا، أَدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: أَمَّا إِنَّهُ كَانَ لَمْ يَكْرَهْهُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَاللَّهِ مَا رَضِيتُ وَمَا سَخِطْتُ، وَمَا نَهَيْتُ وَمَا أَمَرْتُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَنْزِلَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُصُوصِيَّتُهُمَا بِهِ بِحَيْثُ كَانَ أَعْدَاؤُهُ لَا يَعْرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَهُمَا، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا. قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تِلْوَ هَذِهِ الْآيَاتِ أَحَادِيثَ كَالْمُفَسِّرَةِ لِلْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
الْأَوَّلُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ الْحَدِيثَ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ، فِيهِ تَجَوُّزٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ أَيُّوبَ بْنِ بِشْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، أَيْ: عِنْدَ خُرُوجِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ) تَابَعَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَتَوْدِيعُ الْأَحْيَاءِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ سِيَاقَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ﷺ وَأَمَّا تَوْدِيعُ الْأَمْوَاتِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ أَرَادَ بِذَلِكَ انْقِطَاعَ زِيَارَتِهِ الْأَمْوَاتَ بِجَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَهِيَ حَيَاةٌ أُخْرَوِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَوْدِيعِ الْأَمْوَاتِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجَنَائِزِ وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَتَأْتِي بَقِيَّهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ، وَالْأَصِيلِيِّ هُنَا قَبْلَ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي بَابِ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا أَبُو ذَرٍّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُتْقِنِي رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا اسْتَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي هَذَا الْمَتْنِ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٤٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنْ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا، حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا. وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لَا تُجِبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لَا تُجبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَجِيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا
نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ الرُّمَاةِ
قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فِي الْجِهَادِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ.
قَوْلُهُ: (لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ) فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ: (الرُّمَاةُ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي الْهَدْيِ أَنَّ الْخَمْسِينَ عَدَدُ الْفَرَسَانِ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي أُحُدٍ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْلِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ: كَانَ مَعَهُمْ فَرَسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: انْضَحُوا الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا.
قَوْلُهُ: (لَا تَبْرَحُوا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: حَتَّى أُرْسِلَ لَكُمْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عن أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تُشْرِكُونَا.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا دَالٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ أُخْرَى سَاكِنَةٌ، أَيْ: يُسْرِعْنَ الْمَشْيَ، يُقَالُ: اشْتَدَّ إِذَا أَسْرَعَ، وَكَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَلَهُ هُنا: يُسْنِدْنَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ يَصْعَدْنَ، يُقَالُ: أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ يُسْنِدُ إِذَا صَعِدَ، وَلِلْبَاقِينَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: يَشْدُدْنَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَوَقَعَ لِلْقَابِسِيِّ فِي الْجِهَادِ: يَشْتَدِدْنَ، وَكَذَا لِابْنِ السَّكَنِ فِيهِ وَفِي الْفَضَائِلِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ: يَشْتَدُّونَ بِمُعْجَمَةٍ وَدَالٍ وَاحِدَةٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يَسْتَنِدُونَ، وَلِرَفِيقِهِ: يَشُدُّونَ، وَكُلُّهُ بِمَعْنًى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ لِأَجْلِ الْحَفِيظَةِ وَالثَّبَاتِ، وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ النِّسَاءَ الْمَذْكُورَاتِ، وَهُنَّ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ خَرَجَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مَعَ زَوْجِهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَعَ زَوْجِهَا الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَبَرْزَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةُ مَعَ زَوْجِهَا صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَهِيَ وَالِدَةُ ابْنِ صَفْوَانَ، وَرَيْطَةُ بِنْتُ شَيْبَةَ السَّهْمِيَّةُ مَعَ زَوْجِهَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهِيَ وَالِدَةُ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَافَةُ بِنْتُ سَعْدٍ مَعَ زَوْجِهَا طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ، وَخِنَاسُ بِنْتُ مَالِكٍ وَالِدَةُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ بْنِ كِنَانَةَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ النِّسَاءُ اللَّاتِي خَرَجْنَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً.
قَوْلُهُ: (رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ) جَمْعُ سَاقٍ، أَيْ: لِيُعِينَهُنَّ ذَلِكَ عَلَى سُرْعَةِ الْهَرَبِ. وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَذِمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ مَا دُونَ إِحْدَاهُنَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، إِذْ مَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى كَشَفَ الْقَوْمُ عَنْهُ وَخَلَّوْا ظَهْرَنَا لِلْجَبَلِ، فَأُتِينَا مِنْ خَلْفِنَا، وَصَرَخَ صَارِخٌ. أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ لِوَائِهِمْ حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا، فَأَبَوْا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ - أَيْ يَوْمَ الْغَنِيمَةِ - ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَا تَنْتَظِرُونَ، وَزَادَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لنأتين النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَاحُوا
عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ انْكَفَتِ الرُّمَاةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا فِي الْعَسْكَرِ يَنْتَهِبُونَ، وَقَدِ الْتَفَّتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُمْ هَكَذَا - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَلَمَّا أَخَلَّتِ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّةَ الَّتِي كَانُوا فِيهَا دَخَلَتِ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَبَسُوا، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ، قَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ تِسْعَةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ، وَصَاحَ الشَّيْطَانُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ، وَقَوْلُهُ: صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ، أَيْ: تَحَيَّرُوا فَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ. وَزَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَذَلِكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ أَنَّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسَأَذْكُرُهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِعِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا وَلَّى النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ طَلْحَةُ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ: فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ الْمَدِينَةَ، وَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ، فَرَمَاهُ ابْنُ قَمِئَةَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ أَنْفَهُ وَرَبَاعِيَتَهُ، وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ فَأَثْقَلَهُ،، فَتَرَاجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَجَعَلُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ. فَحَمَلَهُ مِنْهُ طَلْحَةُ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَرُمِيَ طَلْحَةُ بِسَهْمٍ وَيَبِسَتْ يَدُهُ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ فَرَّ إِلَى الْجَبَلِ: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَسْتَأْمِنُ لَنَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قُتِلَ فَرَبُّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَقَصَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَبَلَ فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ فَرِحُوا بِهِ وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ وَتَرَاجَعَ النَّاسُ. وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ شَجَّ وَجْهَهُ ﵊.
قَوْلُهُ: (فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: فَأَصَابُوا مِنْهَا، أَيْ: مِنْ طَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَصَابُوا مِنَّا وَهِيَ أَوْجَهُ. وَزَادَ زُهَيْرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الضُّحَى قَالَ: قُتِلَ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - سَبْعُونَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ. قُلْتُ: وَبِهَذَا جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ سَعْدٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، وَكَانَ الْخَامِسُ سَعْدَ مَوْلَى حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَالسَّادِسُ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ. وَعَنْ مَالِكٍ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَّةً أَحَدٌ وَسَبْعُونَ، وَسَرَدَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ أَسْمَاءَهُمْ، فَبَلَغُوا سِتَّةً وَتِسْعِينَ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَحَدَ عَشَرَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالزِّيَادَةُ مِنْ عِنْدِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَوْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَنِ الدِّمْيَاطِيِّ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً، قَالَ: فَزَادُوا عَنِ الْمِائَةِ.
قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: قَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإِنَّهُمْ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ قَتِيلًا وَسَبْعِينَ أَسِيرًا فِي عَدَدِ مَنْ قُتِلَ. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: إِنْ ثَبَتَتْ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ نَاشِئَةٌ عَنِ الْخِلَافِ فِي التَّفْصِيلِ. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ، فَقَالَ: خَيِّرْهُمْ فِي أُسَارَى بَدْرٍ مِنَ
الْقَتْلِ أَوِ الْفِدَاءِ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْ قَابِلٍ مِثْلُهُمْ، قَالُوا: الْفِدَاءُ وَيُقْتَلُ مِنَّا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَوَصَلَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَّةً، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ. قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ﴾ لِلْأَنْصَارِ خَاصَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَنَسٍ: أُصِيبَ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ) أَيِ ابْنُ حَرْبٍ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ) زَادَ زُهَيْرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَا تُجِيبُوهُ) وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا أُجِيبُهُ؟ قَالَ: بَلَى وَكَأَنَّهُ نَهَى عَنْ إِجَابَتِهِ فِي الْأُولَى وَأَذِنَ فِيهَا فِي الثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا.
قَوْلُهُ: (أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ) زَادَ زُهَيْرٌ: إِنَّ الَّذِي عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ.
قَوْلُهُ: (اعْلُ هُبَلْ). فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: اعْلُ هُبَلْ، أَيْ: ظَهَرَ دِينُكَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ. مَعْنَاهُ زَادَ عُلُوًّا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى اعْلُ وَلَا عُلُوَّ فِي هُبَلٍ؟ فَالْجَوَابُ هُوَ بِمَعْنَى الْعُلَا، أَوِ الْمُرَادُ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ اهـ. وَزَادَ زُهَيْرٌ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيَّامُ دُوَلٌ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْعَمَتَ فَعَالٌ أنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ اهـ. وَفَعَالً بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ، قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنْعَمْتِ الْأَزْلَامُ، وَكَانَ اسْتَقْسَمَ بِهَا حِينَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ. وَوَقَعَ فِي خَبَرِ السُّدِّيِّ عندَ الطَّبَرَانِيِّ: اعْلُ هُبَلُ، حَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةٍ، وَيَوْمَ أُحُدٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وَقَدِ اسْتَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لِهِرَقْلَ لَمَّا سَأَلَهُ كَيْفَ كَانَ حَرْبُكُمْ مَعَهُ - أَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ نَطَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: الْحَرْبُ سِجَالٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْقَرْحُ الْجُرْحُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَبَلَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: الْحَرْبُ سِجَالٌ - فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتَلَاكُمْ فِي النَّارِ. قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنَا إِذًا وَخَسِرْنَا.
قَوْلُهُ: (وَتَجِدُونَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَتَجِدُونَ.
قَوْلُهُ: (مُثْلَةً) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مَثَّلَ بِالْقَتِيلِ إِذَا جَدَعَهُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: خَرَجَتْ هِنْدُ وَالنِّسْوَةُ مَعَهَا يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى، يَجْدَعْنَ الْآذَانَ وَالْأُنُفَ، حَتَّى اتَّخَذَتْ هِنْدُ مِنْ ذَلِكَ حُزَمًا وَقَلَائِدَ، وَأَعْطَتْ حُزَمَهَا وَقَلَائِدَهَا - أَيِ اللَّائِي كُنَّ عَلَيْهَا - لِوَحْشِيٍّ جَزَاءً لَهُ عَلَى قَتْلِ حَمْزَةَ، وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ فَلَاكَتْهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا فَلَفَظَتْهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي) أَيْ لَمْ أَكْرَهْهَا وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا بِغَيْرِ أَمْرِي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا، أَدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: أَمَّا إِنَّهُ كَانَ لَمْ يَكْرَهْهُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَاللَّهِ مَا رَضِيتُ وَمَا سَخِطْتُ، وَمَا نَهَيْتُ وَمَا أَمَرْتُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَنْزِلَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُصُوصِيَّتُهُمَا بِهِ بِحَيْثُ كَانَ أَعْدَاؤُهُ لَا يَعْرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَهُمَا، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ