«صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٤

الحديث رقم ٤٠٤ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في القبلة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «صلى النبي ﷺ الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في…

«صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟. قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا،

⦗٩٠⦘

فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ».

سند حديث: ٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «صلى النبي ﷺ الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ. قُلْتُ: وَتَصْوِيرُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفِ، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتِ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالْفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعُوهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَجَحَ عِنْدَهُمُ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلُ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ سَابِقٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَرَقِّبًا التَّحَوُّلَ الْمَذْكُورَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا صَنَعُوا مِنَ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلِ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَنَسْخُ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ وَمُقَدَّمَاتٌ أَفَادَتِ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِصِدْقِ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ فَلَمْ يُنْسَخْ عِنْدَهُمْ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَقِيلَ: كَانَ النَّسْخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا فِي زَمَنِهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا مُنِعَ بَعْدَهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا، وَأَنَّ اسْتِمَاعَ الْمُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ الَّذِي حُوِّلَتْ فِيهِ الْقِبْلَةُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ وَعَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ جَاهِلِينَ بِوُجُوبِ التَّحَوُّلِ عَنْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُونُ حُكْمُ السَّاهِي كَذَلِكَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجَاهِلَ مُسْتَصْحِبٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ مُغْتَفَرٌ فِي حَقِّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ السَّاهِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ حُكْمٍ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَعَرَفَهُ.

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ. (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) أَيْ: مَا سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ؟ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ سَهْوًا كَمَا يَظْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَثَنَى رِجْلَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.

٣٣ - بَاب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنْ الْمَسْجِدِ

٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي

الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِآلَةٍ أَمْ لَا. وَنَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فَحَكَّهُ بِيَدِهِ أَيْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لَا أَنَّهُ بَاشَرَ بِيَدِهِ النُّخَامَةَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ أَنَّهُ حَكَّهَا بِعُرْجُونٍ اهـ. وَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي الْقِصَّةِ مِنَ التَّعَدُّدِ، وَحَدِيثُ الْعُرْجُونِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ.

قَوْلُهُ: (نُخَامَةٌ) قِيلَ: هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الصَّدْرِ، وَبِالْمِيمِ مِنَ الرَّأْسِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْقِبْلَةِ) أَيِ: الْحَائِطِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى رُئِيَ) أَيْ شُوهِدَ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْمَشَقَّةِ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَّ رَبَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَأَنَّ رَبَّهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاجَاةِ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ حَقِيقَةُ النَّجْوَى وَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لَازِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ: فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَظَمَةُ اللَّهِ أَوْ ثَوَابُ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ. وَقَدْ نَزَعَ بِهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ جَهْلٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْزُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَفِيهِ نَقْضُ مَا أَصَّلُوهُ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ (١) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْقِبْلَةِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْمُصَلِّي فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ كَرَاهِيَةَ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ. وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

قَوْلُهُ: (قِبَلَ قِبْلَتِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ قِبْلَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أَيِ الْيُسْرَى كَمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعاتٍ (فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ) : (وَمَا ذَاكَ) أي: ما سبب هذا السُّؤال؟ (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) قال: (فَثَنَى) ، أي: عطف (رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، ولابن عساكر: «رجله» بالإفراد (٢) (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان أحكام القبلة شَرَعَ في بيان أحكام المساجد، فقال:

(٣٣) (بابُ حَكِّ البُزَاقِ) بالزَّاي، لغةٌ (٣) كالصَّاد والسِّين (بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) سواءٌ كان بآلةٍ أم لا.

٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ »: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً) بالميم مع ضمِّ النُّون، وهي ما يخرج من الصَّدر، أو من الرَّأس (فِي) الحائط الَّذي من (٤) جهة (القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) (حَتَّى رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن

الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى (١) رِيْء» بكسر الرَّاء وسكون الياء آخره همزةٌ، أي: شُوهِد (فِي وَجْهِهِ) أثر المشقَّة، وفي رواية النَّسائيِّ: «فغضب حتَّى احمرَّ وجهه» (فَقَامَ) (فَحَكَّهُ) أي: أثر النُّخامة (بِيَدِهِ فَقَالَ) ، ولابن عساكر: «وقال»: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) بعد شروعه فيها (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنَّه يناجيه تعالى والرَّبُّ تعالى يناجيه من جهةِ لازمِ ذلك وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز لأنَّ القرينة صارفةٌ عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسٌ إِلَّا من جهة العبد (أَوْ أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها كما في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «وإنَّ» (رَبَّهُ) بواو العطف، أي: اطِّلاع (٣) ربِّه على ما (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) إذ ظاهره مُحالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب على المصلِّي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء (٤) وسوء الأدب أن تتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجَّه إليه، قاله ابن بطَّالٍ. وقال الطِّيبيُّ: فإنَّه يناجي ربَّه، تعليلٌ للنَّهي (٥) شَبَّهَ العبد

وتوجُّهه إلى الله ﷿ في الصَّلاة، وما فيها من القرآن والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته ورحمته، مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويُطْرِق رأسه ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتَّى لا يصدر منه (١) من تلك الهيئات (٢) شيءٌ، وإن كان (٣) الله تعالى مُنزَّهًا عن الجهات لأنَّ الآداب الظَّاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها مع بعض (٤) (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا (٥) يبزق (٦)» (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (قِبْلَتِهِ) الَّتي عظَّمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي (٧) للاستخفاف والاحتقار، والأصحُّ: أنَّ النَّهي للتَّحريم كما يدلُّ عليه قوله في حديث الباب: فشقّ ذلك عليه حتَّى رُئِي في وجهه، وفي رواية النَّسائيِّ -كما مرَّ بعضه-: «حتَّى احمرَّ وجهه»، وبه جزم النَّوويُّ في «التَّحقيق» و «المجموع»، وكان تمسَّك بقوله في الحديث الصَّحيح: أنه خطيئةٌ، لكن في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ: ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد. بل بذلك، وببقائها غير مدفونةٍ (٨) (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي: لا عن يمينه، فإنَّ عن يمينه كاتبَ الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قدمه» أي: اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي، قال النَّوويُّ: هذا في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزق إِلَّا في ثوبه (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ

بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا) عُطِفَ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنَّه أوقع في النَّفس، وليست لفظة: «أو» هنا للشَّكِّ، بل للتَّنويع، أي (١): هو مُخيَّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أنَّ المصنِّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البصاق، وحينئذٍ فـ «أو» للتَّنويع.

وأخرج هذا الحديث المؤلِّف في «كفَّارة البزاق في المسجد» [خ¦٤١٥] وفي «باب إذا بدره البزاق» [خ¦٤١٧] وفي غيرهما، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَإِن قلت: يبنيه على الْأَقَل. قلت: لَا وَجه لذَلِك أَيْضا، لِأَن ذَلِك لَا يوصله إِلَى مَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْنِي على الْأَقَل إلاّ عِنْد عدم وُقُوع تحريه على شَيْء، كَمَا ذكرنَا.

٢٣ - (بابُ مَا جاءَ فِي القِبْلَةِ وَمَنْ لَا يَرَى الإِعادَةَ عَلى منْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَمر الْقبْلَة، وَهُوَ بِخِلَاف مَا تقدم قبل هَذَا الْبَاب، فَإِن ذَاك فِي حكم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَهَذَا فِي حكم من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَأَشَارَ إِلَى حكم هَذَا بقوله: وَمن لم ير الْإِعَادَة. إِلَى آخِره. وَهَذَا بَاب فِيهِ الْخلاف، وَهُوَ أَن الرجل إِذا اجْتهد فِي الْقبْلَة فصلى إِلَى غَيرهَا فَهَل يُعِيد أم لَا؟

فَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وَحَمَّاد: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ. وَعَن مَالك كَذَلِك، وَعنهُ: يُعِيد فِي الْوَقْت اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر؛ وَهُوَ قَول الْحسن وَالزهْرِيّ، وَقَالَ الْمُغيرَة: يُعِيد أبدا. وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن وطاووس وَالزهْرِيّ: يُعِيد فِي الْوَقْت. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن فرغ من صلَاته ثمَّ بَان لَهُ أَنه صلى إِلَى الْمغرب اسْتَأْنف الصَّلَاة، وَإِن لم يبن لَهُ ذَلِك إلَاّ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن لم يتَيَقَّن الْخَطَأ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ، وَإِلَّا أعَاد وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أَنه قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي فِي سفر فغيمت السَّمَاء وأشكلت علينا الْقبْلَة فصليناه وَأَعْلَمنَا، فَلَمَّا طلعت الشَّمْس إِذا نَحن قد صلينَا إِلَى غير الْقبْلَة، فَذَكرنَا ذَلِك للنَّبِي فَأنْزل اتعالى {فإينما توَلّوا فثم وَجه ا} (الْبَقَرَة: ٥١١)) . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث جَابر: (أَنهم صلوا فِي لَيْلَة مظْلمَة كل رجل مِنْهُم على حياله، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: (مَضَت صَلَاتكُمْ) ، وَنزلت {فأينما توَلّوا فثم وَجه ا} (الْبَقَرَة: ٥١١) ويحتج بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين لما ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمن تبعه فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدِيث جَابر ضَعِيف قلت: رُوِيَ حَدِيث جَابر من ثَلَاث طرق: إِحْدَاهَا أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَن مُحَمَّد بن سَالم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَنهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَمُحَمّد بن سَالم لَا أعرفهُ بعدالة وَلَا جرح. وَقَالَ الواحدي: مَذْهَب ابْن عمرَان: الْآيَة نازلة فِي التَّطَوُّع بالنافلة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: لما توفّي النَّجَاشِيّ جَاءَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: إِن النَّجَاشِيّ توفّي فصل عَلَيْهِ. فَقَالَ الصَّحَابَة فِي أنفسهم: كَيفَ نصلي على رجل مَاتَ وَلم يصلِّ إِلَى قبلتنا؟ وَكَانَ النَّجَاشِيّ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَى أَن مَاتَ، فَنزلت الْآيَة. وَقَالَ قَتَادَة: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره} (الْبَقَرَة: ٤٤١) وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة) ، وَفِي بعض النّسخ (وَمن لم يرى الْإِعَادَة) ، وَهُوَ عطف على قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: وَبَاب مَا جَاءَ فِيمَن لَا يرى إِعَادَة الصَّلَاة على من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فصلى تَفْسِير لقَوْله: سَهَا، وَالْفَاء، تفسيرية. قلت: وَفِيه: بعد، وَالْأولَى إِن تكون للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ أَن اأنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة} (الْحَج: ٣٦) وَلَو قَالَ: بِالْوَاو، لَكِن أحسن على مَا لَا يخفى.

وقَد سَلَّمَ النبيُّ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ وأقْبَلَ عَلى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أتَمَّ مَا بَقِيّ.

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ عدم وجوب الْإِعَادَة على من صلى سَاهِيا إِلَى غير الْقبْلَة، وَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ، فِي حَال إقباله على النَّاس دَاخل فِي حكم الصَّلَاة، وَأَنه فِي ذَلِك الزَّمَان ساهٍ مصلَ إِلَى غير الْقبْلَة؛ وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَزعم ابْن بطال وَابْن التِّين أَنه طرف من حَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي سلف، وَهَذَا وهم مِنْهُمَا، لِأَن حَدِيث ابْن مَسْعُود لَيْسَ فِي شَيْء من طرقه أَنه سلم من رَكْعَتَيْنِ.

٦٦ - (حَدثنَا عَمْرو بن عون قَالَ حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى فَنزلت وَاتَّخذُوا من مقَام

إِبْرَاهِيم مصلى وَآيَة الْحجاب قلت يَا رَسُول الله لَو أمرت نِسَاءَك أَن يحتجبن فَإِنَّهُ يكلمهن الْبر والفاجر فَنزلت آيَة الْحجاب وَاجْتمعَ نسَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن فَنزلت هَذِه الْآيَة) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " وَالْمرَاد من مقَام إِبْرَاهِيم الْكَعْبَة على قَول وَهِي قبْلَة وَالْبَاب فِيمَا جَاءَ فِي الْقبْلَة وعَلى قَول من فسر مقَام إِبْرَاهِيم بِالْحرم فالحرم كُله قبْلَة فِي حق الأفاقيين وَالْبَاب فِي أُمُور الْقبْلَة وَأما على قَول من فسر الْمقَام بِالْحجرِ الَّذِي وقف عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتكون الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة مُتَعَلقَة بالمتعلق بالقبلة لَا بِنَفس الْقبْلَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَمْرو بن عون أَبُو عُثْمَان الوَاسِطِيّ الْبَزَّاز بالزاي المكررة نزيل الْبَصْرَة مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بشير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر ذكره فِي أول كتاب التَّيَمُّم. الثَّالِث حميد الطَّوِيل وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع أنس بن مَالك. الْخَامِس عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه القَوْل. وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين واسطي وبصري وَفِيه رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عون وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن حميد بِقصَّة الْحجاب فَقَط وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بالقصة الأولى وَعَن عبد بن حميد عَن حجاج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد عَن يحيى بن زَائِدَة عَن حميد بالقصة الأولى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن حميد بالقصة الثَّانِيَة قصَّة الْحجاب وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن هشيم بالقصة الثَّالِثَة اجْتمع نساؤه فِي الْغيرَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن هشيم بالقصة الأولى. (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " وَافَقت رَبِّي " من الْمُوَافقَة من بَاب المفاعلة الَّتِي تدل على مُشَاركَة اثْنَيْنِ فِي فعل ينْسب إِلَى أَحدهمَا مُتَعَلقا بِالْآخرِ وَالْمعْنَى فِي الأَصْل وَافقنِي رَبِّي فَأنْزل الْقُرْآن على وفْق مَا رَأَيْت وَلكنه رَاعى الْأَدَب فأسند الْمُوَافقَة إِلَى نَفسه لَا إِلَى الرب جلّ وَعز قَوْله " فِي ثَلَاث " أَي فِي ثَلَاثَة أُمُور وَإِنَّمَا لم يؤنث الثَّلَاث مَعَ أَن الْأَمر مُذَكّر لِأَن الْمُمَيز إِذا لم يكن مَذْكُورا جَازَ فِي لفظ الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث (فَإِن قلت) حصلت الْمُوَافقَة لَهُ فِي أَشْيَاء غير هَذِه الثَّلَاث. مِنْهَا فِي أُسَارَى بدر حَيْثُ كَانَ رَأْيه أَن لَا يفدون فَنزل {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} وَمِنْهَا فِي منع الصَّلَاة على الْمُنَافِقين فَنزل {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} وَمِنْهَا فِي تَحْرِيم الْخمر. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عَليّ بن زيد " عَن أنس قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي أَربع " وَذكر مَا فِي البُخَارِيّ قَالَ " وَنزلت {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين} إِلَى قَوْله {ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر} فَقلت أَنا {تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ} فَنزلت كَذَلِك ". وَمِنْهَا فِي شَأْن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا " لما قَالَ أهل الْإِفْك مَا قَالُوا فَقَالَ يَا رَسُول الله من زوجكها فَقَالَ الله تَعَالَى قَالَ أفتنظر أَن رَبك دلّس عَلَيْك فِيهَا {سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم} فَأنْزل الله ذَلِك " ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه وَقد ذكر أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن الْمُوَافقَة فِي أحد عشر موضعا (قلت) يشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححا من حَدِيث ابْن عمر " مَا نزل بِالنَّاسِ أَمر قطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن على نَحْو مَا قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ وَهَذَا يدل على كَثْرَة مُوَافَقَته فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف نَص على الثَّلَاث فِي الْعدَد (قلت) التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد وَقيل يحْتَمل أَنه ذكر ذَلِك قبل أَن يُوَافق فِي أَربع وَمَا زَاد وَفِيه نظر لِأَن عمر أخبر بِهَذَا بعد موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا يتَّجه مَا ذكر من ذَلِك وَيُقَال يحْتَمل أَن الرَّاوِي اعتنى بِذكر الثَّلَاث دون مَا سواهَا لغَرَض لَهُ قَوْله " قلت " ويروى " فَقلت " قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " جَوَاب لَو مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون لَو لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْن الصَّائِغ وَابْن هِشَام هِيَ قسم برأسها لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب كجواب الشَّرْط

وَلَكِن قد يُؤْتى لَهَا بِجَوَاب مَنْصُوب كجواب لَيْت وَقَالَ بَعضهم هِيَ لَو الشّرطِيَّة أشربت معنى التَّمَنِّي وَقَالَ ابْن مَالك هِيَ لَو المصدرية أغنت عَن فعل التَّمَنِّي قَوْله " وَآيَة الْحجاب " هِيَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن} وَآيَة الْحجاب كَلَام إضافي يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر أما الرّفْع فَيحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالِابْتِدَاءِ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره وَآيَة الْحجاب كَذَلِك وَالْآخر أَن يكون مَعْطُوفًا على مُقَدّر تَقْدِيره هُوَ اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب وَأما النصب فعلى الِاخْتِصَاص وَأما الْجَرّ فعلى أَنه مَعْطُوف على مجرور وَهُوَ بدل من ثَلَاث وَالتَّقْدِير فِي ثَلَاث اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب قَوْله " الْبر " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة صفة مشبهة من بررت أبر من بَاب علم يعلم فَأَنا بر وبار وَيجمع الْبر على أبرار والبار على البررة وَالْبر مُقَابل الْفَاجِر من الْفُجُور قَالَ الْجَوْهَرِي فجر فجورا أَي فسق وفجر أَي كذب وَأَصله الْميل والفاجر المائل قَوْله " فِي الْغيرَة " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهِي الحمية والأنفة يُقَال رجل غيور وَامْرَأَة غيور بِلَا هَاء لِأَن فعولًا يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى يُقَال غرت على أَهلِي أغار غيرَة فَأَنا غائر وغيور للْمُبَالَغَة (ذكر استنباط الْأَحْكَام) وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع كَمَا صرح بهَا فِي الحَدِيث. الأول سُؤال عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن يتَّخذ من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقَالَ الْخطابِيّ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يَجْعَل ذَلِك الْحجر الَّذِي فِيهِ أثر مقَامه مصلى بَين يَدي الْقبْلَة يقوم الإِمَام عِنْده فَنزلت الْآيَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فَإِن قيل مَا السِّرّ فِي أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم يقنع بِمَا فِي شرعنا حَتَّى طلب الاستنان بِملَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَقد نَهَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن مثل هَذَا حِين أَتَى بأَشْيَاء من التَّوْرَاة فَالْجَوَاب أَن عمر لما سمع قَوْله تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا} ثمَّ سمع {أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم} على أَن الائتمام بِهِ مَشْرُوع فِي شرعنا دون غَيره ثمَّ رأى أَن الْبَيْت مُضَاف إِلَيْهِ وَأَن أثر قدمه فِي الْمقَام كرقم اسْم الْبَانِي فِي الْبناء ليذكر بِهِ بعد مَوته فَرَأى الصَّلَاة عِنْد الْمقَام كَقِرَاءَة الطَّائِف بِالْبَيْتِ اسْم من بناه انْتهى وَلم تزل آثَار قدمي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ظَاهِرَة فِيهِ مَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالب فِي قصيدته اللامية الْمَعْرُوفَة

(وموطىء إِبْرَاهِيم فِي الصخر رطبَة ... على قَدَمَيْهِ حافيا غير ناعل)

وَقد أدْرك الْمُسلمُونَ ذَلِك فِيهِ أَيْضا كَمَا قَالَ عبد الله بن وهب أَخْبرنِي يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ قَالَ رَأَيْت الْمقَام فِيهِ أَصَابِعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَخْمص قَدَمَيْهِ غير أَنه أذهبه مسح النَّاس بِأَيْدِيهِم وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا بشر بن معَاذ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} إِنَّمَا أمروا أَن يصلوا عِنْده وَلم يؤمروا بمسحه وَلَقَد تكلفت هَذِه الْأمة شَيْئا مَا تكلفته الْأُمَم قبلهَا وَلَقَد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فِيهَا فَمَا زَالَت هَذِه الْأمة يمسحونه حَتَّى اخلولق وانمحى. الثَّانِي الْحجاب فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَارِيا فِيهِ على عَادَة الْعَرَب وَلم يكن يخفى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن حجبهن خير من غَيره لكنه كَانَ ينْتَظر الْوَحْي بِدَلِيل أَنه لم يُوَافق عمر حِين أَشَارَ بذلك قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَكَانَ الْحجاب فِي السّنة الْخَامِسَة فِي قَول قَتَادَة وَقيل فِي السّنة الثَّالِثَة قَالَه أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَعند ابْن سعد فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما تزوج زَيْنَب بنت جحش أولم عَلَيْهَا فَأكل جمَاعَة وَهِي مولية بوجهها إِلَى الْحَائِط وَلم يخرجُوا فَخرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يخرجُوا وَعَاد وَلم يخرجُوا فَنزلت آيَة الْحجاب وَقَالَ عِيَاض أما الْحجاب الَّذِي خص بِهِ زَوْجَات النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ فرض عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك لشهادة وَلَا لغَيْرهَا وَلَا إِظْهَار شخصهن إِذا خرجن كَمَا فعلت حَفْصَة يَوْم مَاتَ أَبوهَا ستر شخصها حِين خرجت وبنيت عَلَيْهَا قبَّة لما توفيت قَالَ تَعَالَى {وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب} . الثَّالِث اجْتِمَاع نسَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَا ذكره البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة حَدثنَا مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث أَو وَافقنِي رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتَّخذت من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقلت يَا رَسُول الله يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر فَلَو أمرت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بالحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب قَالَ وَبَلغنِي معاتبة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعض نِسَائِهِ فَدخلت عَلَيْهِنَّ قلت إِن انتهيتن أَو ليبدلن الله رَسُوله خيرا مِنْكُن حَتَّى أتيت إِحْدَى

نِسَائِهِ فَقَالَت يَا عمر أما فِي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا يعظ نِسَاءَهُ حَتَّى تعظهن أَنْت فَأنْزل الله تَعَالَى {عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات} " الْآيَة وَأخرج فِي سُورَة التَّحْرِيم وَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن عون حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اجْتمع نسَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ {عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن} فَنزلت الْآيَة " وأصل هَذِه الْقَضِيَّة أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذا صلى الْغَدَاة دخل على نِسَائِهِ امْرَأَة امْرَأَة وَكَانَت قد أهديت لحفصة بنت عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عكة من عسل فَكَانَت إِذا دخل عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُسلما حَبسته وسقته مِنْهَا وَأَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنْكرت احتباسه عِنْدهَا فَقَالَت لجويرية عِنْدهَا حبشية يُقَال لَهَا خضرَة إِذا دخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على حَفْصَة فادخلي عَلَيْهَا فانظري مَاذَا تصنع فَأَخْبَرتهَا الْخَبَر وشأن الْعَسَل فغارت فَأرْسلت إِلَى صواحبها وَقَالَت إِذا دخل عليكن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقُلْنَ إِنَّا نجد مِنْك ريح مَغَافِير وَهُوَ صمغ العرفط كريه الرَّائِحَة وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يكره ويشق عَلَيْهِ أَن يُوجد مِنْهُ ريح مُنْتِنَة لِأَنَّهُ يَأْتِيك الْملك فَدخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على سَوْدَة قَالَت فَمَا أردْت أَن أَقُول ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ إِنِّي فرقت من عَائِشَة فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَذِه الرّيح الَّتِي أَجدهَا مِنْك أكلت المغافير قَالَ لَا وَلَكِن حَفْصَة سقتني عسلا ثمَّ دخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على امْرَأَة امْرَأَة وَهن يقلن لَهُ ذَلِك ثمَّ دخل على عَائِشَة فَأخذت بأنفها فَقَالَ لَهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا شَأْنك قَالَت أجد ريح المغافير أأكلتها يَا رَسُول الله قَالَ لَا بل سقتني حَفْصَة عسلا قَالَت جرست إِذا نحله العرفط فَقَالَ لَهَا وَالله لَا أطْعمهُ أبدا فحرمه على نَفسه قَالُوا وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قسم الْأَيَّام بَين نِسَائِهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم حَفْصَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن لي إِلَى أبي حَاجَة نَفَقَة لي عِنْده فَأذن لي أَن أَزورهُ وَآتِي بهَا فَأذن لَهَا فَلَمَّا خرجت أرسل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى جَارِيَته مَارِيَة الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد أهداها لَهُ الْمُقَوْقس فَأدْخلهَا بَيت حَفْصَة فَوَقع عَلَيْهَا فَأَتَت حَفْصَة فَوجدت الْبَاب مغلقا فَجَلَست عِنْد الْبَاب فَخرج رَسُول الله وَوَجهه يقطر عرقا وَحَفْصَة تبْكي فَقَالَ مَا يبكيك فَقَالَت إِنَّمَا أَذِنت لي من أجل هَذَا أدخلت أمتك بَيْتِي ثمَّ وَقعت عَلَيْهَا فِي يومي وعَلى فِرَاشِي أما رَأَيْت لي حُرْمَة وَحقا مَا كنت تصنع هَذَا بِامْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَلَيْسَ هِيَ جاريتي قد أحلهَا الله لي اسكتي فَهِيَ عَليّ حرَام ألتمس بِذَاكَ رضاك فَلَا تُخْبِرِي بِهَذَا امْرَأَة مِنْهُنَّ وَهُوَ عنْدك أَمَانَة فَلَمَّا خرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قرعت حَفْصَة الْجِدَار الَّذِي بَينهَا وَبَين عَائِشَة فَقَالَت أَلا أُبَشِّرك أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد حرم عَلَيْهِ أمته مَارِيَة فقد أراحنا الله مِنْهَا وأخبرت عَائِشَة بِمَا رَأَتْ وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سَائِر أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلم يزل نَبِي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى حلف أَن لَا يقربهَا فَأنْزل الله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك} يَعْنِي الْعَسَل ومارية ثمَّ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما بلغه ذَلِك دخل على نِسَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فوعظهن وزجرهن وَمن جملَة مَا قَالَ {عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن} فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَهَذَا من جملَة مَا وَافق عمر ربه عز وَجل وَوَافَقَهُ ربه. وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف (فَإِن قلت) كَيفَ يكون المبدلات خيرا مِنْهُنَّ وَلم يكن على وَجه الأَرْض نسَاء خير من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ (قلت) إِذا طلقهن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعصيانهن لَهُ وإيذائهن إِيَّاه لم يبْقين على تِلْكَ الصّفة وَكَانَ غَيْرهنَّ من الموصوفات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف مَعَ الطَّاعَة لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النُّزُول على هَوَاهُ وَرضَاهُ خيرا مِنْهُنَّ وَإِنَّمَا أخليت الصِّفَات كلهَا عَن العاطف ووسط بَين الثيبات والأبكار لِأَنَّهُمَا صفتان متنافيتان لَا يجتمعن فيهمَا اجتماعهن فِي سَائِر الصِّفَات فَلم يكن بُد من الْوَاو وَقَالَ النَّسَفِيّ الْآيَة وَارِدَة فِي الْإِخْبَار عَن الْقُدْرَة لَا عَن الْكَوْن فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ إِن طَلَّقَكُن وَقد علم أَنه لَا يُطَلِّقهُنَّ وَهَذَا كَقَوْلِه {وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ} الْآيَة فَهَذَا إِخْبَار عَن الْقُدْرَة وتخويف لَهُم لَا أَن فِي الْوُجُود من هُوَ خير من أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

(قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ ابْن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب قَالَ حَدثنِي حميد قَالَ سَمِعت أنسا بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم وَيحيى بن أَيُّوب الغافقي أَو حميد الطَّوِيل وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا هَهُنَا وَفِي التَّفْسِير أَيْضا وَنَصّ عَلَيْهِ أَيْضا خلف وَصَاحب الْمُسْتَخْرج

وَهُوَ الظَّاهِر وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ غير ظَاهر لِأَن البُخَارِيّ لم يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب وَإِنَّمَا ذكره فِي الاستشهاد والمتابعة (فَإِن قلت) قَالَ ابْن بطال خرج لَهُ الشَّيْخَانِ (قلت) فِيهِ نظر لِأَنَّهُ نقض كَلَام نَفسه بِنَفسِهِ بِذكرِهِ لَهُ تَرْجَمَة فِي إِفْرَاد مُسلم (فَإِن قلت) مَا فَائِدَة ذكر البُخَارِيّ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرت (قلت) ليُفِيد تَصْرِيح حميد فِيهِ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس فَحصل الْأَمْن من تدليسه وَقَالَ الْكرْمَانِي إِنَّمَا اسْتشْهد بِهَذَا الطَّرِيق للتقوية دفعا لما فِي الْإِسْنَاد السَّابِق من ضعف عنعنة هشيم إِذْ قيل أَنه مُدَلّس (قلت) فِيهِ نظر لِأَن معنعنات الصَّحِيحَيْنِ كلهَا مَقْبُولَة مَحْمُولَة على السماع وَكَلَامه يدل على هَذَا فَحِينَئِذٍ ذكره كَمَا ذكرنَا هُوَ الْوَاقِع فِي مَحَله ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) لم مَا عكس بِأَن يَجْعَل هَذَا الْإِسْنَاد أصلا (قلت) لما فِي يحيى من سوء الْحِفْظ وَلِأَن ابْن أبي مَرْيَم مَا نَقله بِلَفْظ النَّقْل والتحديث بل ذكره على سَبِيل المذاكرة وَلِهَذَا قَالَ البُخَارِيّ قَالَ ابْن أبي مَرْيَم (قلت) يُعَكر على مَا قَالَه رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم كَمَا ذَكرْنَاهُ وَالظَّاهِر أَن الْكرْمَانِي لَو اطلع على هَذِه الرِّوَايَة لما قَالَ مَا ذكره قَوْله " بِهَذَا " أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور سندا ومتنا فَهُوَ من رِوَايَة أنس عَن عمر لَا من رِوَايَة أنس عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَافْهَم

٦٧ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَينا النَّاس بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح إِذْ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فاستقبلوها وَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ الدّلَالَة عَلَيْهَا من الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " وَمن الْجُزْء الثَّانِي أَيْضا وَذَلِكَ لأَنهم صلوا فِي أول تِلْكَ الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة المنسوخة الَّتِي هِيَ غير الْقبْلَة الْوَاجِب استقبالها جاهلين بِوُجُوبِهِ وَالْجَاهِل كالناسي حَيْثُ لم يؤمروا بِإِعَادَة صلَاتهم. وَرِجَاله أَئِمَّة مَشْهُورُونَ. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك والعنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يحيى بن قزعة وقتيبة فرقهما وَفِي خبر الْوَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة أربعتهم عَنهُ بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بَينا " أَصله بَين فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا يُقَال بَينا وبينما وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل مُبْتَدأ وَخبر ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى والأفصح فِي جوابهما أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا وَقد جاآ كثيرا تَقول بَينا زيد جَالس دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذ دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَبينا هَهُنَا أضيف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَجَوَابه قَوْله إِذْ جَاءَهُم آتٍ وَفِي قبَاء سِتّ لُغَات الْمَدّ وَالْقصر والتذكير والتأنيث وَالصرْف وَالْمَنْع وأفصحها الْمَدّ وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف ظَاهر الْمَدِينَة وَالْمعْنَى هُنَا بَينا النَّاس فِي مَسْجِد قبَاء وهم فِي صَلَاة الصُّبْح وَاللَّام فِي النَّاس للْعهد الذهْنِي لِأَن المُرَاد أهل قبَاء وَمن حضر مَعَهم فِي الصَّلَاة قَوْله " آتٍ " فَاعل من أَتَى يَأْتِي فأعل إعلال قَاض وَهَذَا الْآتِي هُوَ عباد بِالتَّشْدِيدِ ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي حَدِيث الْبَراء الْمُتَقَدّم فِي صَلَاة الْعَصْر وَلَا مُنَافَاة بَين الْخَبَرَيْنِ وَقد ذكرنَا وَجهه فِي حَدِيث الْبَراء وَهُوَ أَن الْخَبَر وصل وَقت الْعَصْر إِلَى من هُوَ دَاخل الْمَدِينَة وَوقت الصُّبْح فِي الْيَوْم الثَّانِي إِلَى من هُوَ خَارِجهَا قَوْله " وَقد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن " أطلق اللَّيْلَة على بعض الْيَوْم الْمَاضِي وَمَا يَلِيهِ مجَازًا وَأَرَادَ بِالْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى {قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء} الْآيَات وَفِيه أَيْضا مجَاز حَيْثُ ذكر الْكل وَأَرَادَ الْجُزْء وَفِي بعض النّسخ الْقُرْآن بِالْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ للْعهد قَوْله " وَقد أَمر " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أَمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " أَي بِأَن يسْتَقْبل وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالْمعْنَى باستقبال الْكَعْبَة قَوْله " فاستقبلوها " على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابه وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير لأهل قبَاء يَعْنِي حِين سمعُوا من الْآتِي مَا بَلغهُمْ استقبلوا الْكَعْبَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " فاستقبلوها " بِكَسْر الْبَاء على صِيغَة الْأَمر للْجمع وَالْأَمر لأهل قبَاء من الْآتِي قَوْله " وَكَانَت وُجُوههم "

هُوَ من كَلَام ابْن عمر لَا كَلَام الرجل الْمخبر بِتَغَيُّر الْقبْلَة قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) لَا مَانع أَن يكون من كَلَام الْمخبر فعلى هَذَا تكون الْوَاو للْحَال فَتكون جملَة حَالية على رِوَايَة الْأَكْثَرين وَهُوَ أَن يكون صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وعَلى رِوَايَة الْأصيلِيّ تكون الْوَاو للْعَطْف وَجَاء عطف الْجُمْلَة الخبرية على الإنشائية وَالضَّمِير فِي وُجُوههم يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين وَقَالَ بَعضهم عوده إِلَى أهل قبَاء أظهر ويرجح رِوَايَة الْكسر أَنه عِنْد المُصَنّف فِي التَّفْسِير " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة أَلا فاستقبلوها " فدخول حرف الاستفتاح يشْعر بِأَن الَّذِي بعده أَمر لَا أَنه بَقِيَّة الْخَبَر الَّذِي قبله (قلت) إِلَّا فِي مثل هَذَا الْموضع تكون للتّنْبِيه لتدل على تحقق مَا بعْدهَا وَلَا يُسمى حرف استفتاح إِلَّا فِي مَكَان يهمل مَعْنَاهَا وَفِي تَرْجِيحه الْكسر بِهَذَا نظر لِأَنَّهُ يُعَكر عَلَيْهِ قَوْله " فاستداروا " إِذا جعل وَكَانَت وُجُوههم من كَلَام ابْن عمر (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) قد مر أَكْثَره فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب وَفِيه مَا يُؤمر بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يلْزم أمته وَفِيه أَن أَفعاله يجب الْإِتْيَان بهَا عِنْد قيام الدَّلِيل على الْوُجُوب وَيسن وَيسْتَحب بِحَسب الْمقَام والقرائن وَفِيه قبُول خبر الْوَاحِد وَفِيه جَوَاز تَعْلِيم من لَيْسَ فِي الصَّلَاة من هُوَ فِيهَا وَفِيه اسْتِمَاع الْمُصَلِّي لكَلَام من لَيْسَ فِي الصَّلَاة لَا يضر صلَاته وَفِيه أَن من تبلغه الدعْوَة وَلم يُمكنهُ استعلام ذَلِك فالفرض غير لَازم لَهُ هَكَذَا استنبطه الطَّحَاوِيّ مِنْهُ

٤٠٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَة عنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ صَلَّى النبيُّ الظُّهْرَ خَمْساً فقالُوا أزِيدَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ وَمَا ذاكَ قالُوا صَلَّيْتَ خَمْساً فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة على من سَهَا فصلى) ظَاهِرَة لِأَنَّهُ سهى فصلى وَلم يعد تِلْكَ الصَّلَاة، وَهَذَا الحَدِيث مضى عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ وَعبد ابْن مَسْعُود.

فَإِن قلت: مَا وَجه احتجاج البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث؟ قلت: هُوَ أَن إقباله على النَّاس بِوَجْهِهِ بعد انْصِرَافه بعد السَّلَام كَانَ فِي غير صَلَاة، فَلَمَّا بنى على صلَاته بَان أَنه كَانَ فِي وَقت استدبار الْقبْلَة فِي حكم الْمُصَلِّي، لِأَنَّهُ لَو خرج من الصَّلَاة لم يجز لَهُ أَن يَبْنِي على مَا مضى مِنْهَا، فَظهر بِهَذَا أَن من أَخطَأ الْقبْلَة لَا يُعِيد.

٣٣ - (بابُ حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حك البزاق بِالْيَدِ، سَوَاء كَانَ بِآلَة أَو لَا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث الْبَاب الحك بِالْيَدِ من غير ذكر آلَة وَكَذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة قلت: قَوْله: بِالْيَدِ، أَعم من أَن يكون فِيهَا آلَة أَو لَا، على أَن أَبَا دَاوُد روى عَن جَابر قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله فِي مَسْجِدنَا وَفِي يَده عرجون ابْن طَابَ، فَنظر فَرَأى فِي قبْلَة الْمَسْجِد نخامة، فَأقبل عَلَيْهَا فحتها بالعرجون) الحَدِيث، فَهَذَا يدل على أَنه بَاشر بِيَدِهِ بعرجون فِيهَا؛ والعرجون، بِضَم الْعين: هُوَ الْعود الْأَصْغَر الَّذِي فِيهِ الشماريخ إِذا يبس واعوج، وَهُوَ من الانعراج، وَهُوَ الانعطاف، وَجمعه: عراجين، و: الْوَاو وَالنُّون فِيهِ زائدتان، و: ابْن طَابَ، رجل من أهل الْمَدِينَة ينْسب إِلَيْهِ نوع من تمر الْمَدِينَة، وَمن عاداتهم أَنهم ينسبون ألوان التَّمْر كل لون إِلَى أحد، وَمَعَ هَذَا يحْتَمل تعدد الْقِصَّة. وَفِي البزاق ثَلَاث لُغَات: بالزاي وَالصَّاد وَالسِّين، والأوليان مشهورتان.

وَلما فرغ من بَيَان أَحْكَام الْقبْلَة شرع فِي بَيَان أَحْكَام الْمَسَاجِد، والمناسبة ظَاهِرَة.

٥٠٤٩٦ - ح دّثنا قتَيْبَةُ قَالَ حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ أنَّ النبيَّ رَأى نُخَامَةً فِي القبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ فقامَ فَحكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: (إِنَّ أحَدَكُمْ إذَا قامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ أَو إنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فقالَ أَو يَفْعَلُ هَكَذَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه تقدم فِي بَاب خوف الْمُؤمن أَن يحبط عمله.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب كَفَّارَة البزاق فِي الْمَسْجِد، وَفِي بَاب إِذا بدره البزاق وَفِي بَاب لَا يبصق عَن يَمِينه فِي الصَّلَاة، وَفِي بَاب ليبصق عَن يسَاره، وَفِي بَاب مَا يجوز من البزاق، وَفِي بَاب الْمُصَلِّي يُنَاجِي ربه. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي هَذَا الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَعَائِشَة يَأْتِي عَن قريب، وَحَدِيث النَّسَائِيّ عَن أنس قَالَ: (رأى رَسُول الله نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه، فَقَامَتْ امْرَأَة من الْأَنْصَار فحكتها وَجعلت مَكَانهَا خلوقاً، قَالَ رَسُول ا: مَا أحسن هَذَا) وَفِي كتاب (الْمَسَاجِد) لأبي نعيم: (من ابتلع رِيقه إعظاماً لِلْمَسْجِدِ وَلم يمح اسْما من أَسمَاء اتعالى ببزاق كَانَ من خِيَار عباد ا) . وَفِي سَنَده ضرار بن عَمْرو، وَفِيه كَلَام، وَذكر ابْن خالويه فِي هَذَا (أَن النَّبِي لما رأى النخامة فِي الْمِحْرَاب قَالَ: من إِمَام هَذَا الْمَسْجِد؟ قَالُوا؛ فلَان. قَالَ: قد عزلته، فَقَالَت امْرَأَته: لِمَ عزل النَّبِي زَوجي عَن الْإِمَامَة؟ فَقَالَ: رأى نخامة فِي الْمَسْجِد فعمدت إِلَى خلوق طيب فخلقت بِهِ الْمِحْرَاب، فاجتاز عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ: من فعل هَذَا؟ قَالَ: امْرَأَة الإِمَام قَالَ: قد وهبت ذَنبه لامْرَأَته ورددته إِلَى الْإِمَامَة) . فَكَانَ هَذَا أول خلوق كَانَ فِي الْإِسْلَام.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (نخامة) ، بِضَم النُّون: النخاعة، وَقد ذكره البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ فِي بَاب الِالْتِفَات. يُقَال: تنخم الرجل إِذا تنخع. وَفِي (الْمطَالع) : النخامة مَا يخرج من الصَّدْر وَهُوَ البلغم اللزج. وَفِي (النِّهَايَة) : النخامة البزقة الَّتِي تخرج من الرَّأْس. وَيُقَال: النخامة مَا يخرج من الصَّدْر. والبصاق مَا يخرج من الْفَم، والمخاط مَا يسيل من الْأنف. قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: فِي حَائِط من جِهَة قبْلَة الْمَسْجِد. قَوْله: (حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجهه) ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْهمزَة وَفتح الْيَاء، أَي: شوهد أثر الْمَشَقَّة فِي وَجهه، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فَغَضب حَتَّى أحمَّر وَجهه) ، وللبخاري فِي الْأَدَب من حَدِيث ابْن عمر: (فتغيظ على أهل الْمَسْجِد) . قَوْله: (إِذا قَامَ فِي صلَاته) ، الْفرق بَين: قَامَ فِي الصَّلَاة، وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة، أَن الأول يكون بعد الشُّرُوع، وَالثَّانِي عِنْد الشُّرُوع. قَوْله: (فَإِنَّهُ) ، الْفَاء: فِيهِ جَوَاب: إِذا، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة، قَائِمَة مقَام خبر الْمُبْتَدَأ. قَوْله: (يُنَاجِي ربه) ، من الْمُنَاجَاة. قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُنَاجَاة إِشَارَة إِلَى إخلاص الْقلب وحضوره وتفريغه لذكر اتعالى. قلت: الْمُنَاجَاة والنجوى هُوَ السِّرّ بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: نَاجَيْته إِذا ساررته، وَكَذَلِكَ نجوت نجوى، ومناجاة الرب مجَاز لِأَن الْقَرِينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة، إِذْ لَا كَلَام محسوساً، إلَاّ من طرف العَبْد، فَيكون المُرَاد لَازم الْمُنَاجَاة وَهُوَ إِرَادَة الْخَيْر، وَيجوز أَن تكون من بَاب التَّشْبِيه أَي: كَأَنَّهُ ربه يُنَادي، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه شبه العَبْد وتوجهه إِلَى اتعالى فِي الصَّلَاة وَمَا فِيهَا من الْقِرَاءَة والأذكار وكشف الْأَسْرَار واستنزال رَحمته ورأفته مَعَ الخضوع والخشوع. بِمن يُنَاجِي مَوْلَاهُ ومالكه، فَمن شَرَائِط حسن الْأَدَب أَن يقف محاذيه ويطرق رَأسه وَلَا يمد بَصَره إِلَيْهِ ويراعي جِهَة أَمَامه حَتَّى لَا يصدر من تِلْكَ الهيئات شَيْء وَإِن كَانَ اتعالى منزهاً عَن الْجِهَات، لِأَن الْآدَاب الظَّاهِرَة والباطنة مُرْتَبِط بَعْضهَا بِبَعْض. قَوْله: (أَو أَن ربه بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: بواو، الْعَطف وَلَا يَصح حمل هَذَا الْكَلَام على ظَاهره، لِأَن اتعالى منزه عَن الْحُلُول فِي الْمَكَان، فَالْمَعْنى على التَّشْبِيه، أَي: كَأَنَّهُ بَينه وَبَين الْقبْلَة، وَكَذَا معنى قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي بعده: (فَإِن اقِبَل وَجهه) . وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن توجهه إِلَى الْقبْلَة مفض بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى ربه، فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَأَن مَقْصُوده بَينه وَبَين قبلته، فَأمر أَن تصان تِلْكَ الْجِهَة عَن البزاق وَنَحْوه من أثقال الْبدن. قَوْله: (قبل) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. أَي: جِهَة الْقبْلَة. قَوْله: (أَو تَحت قدمه الْيُسْرَى) كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَي: فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَزَاد أَيْضا من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة: (فيدفنها) ، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ اتعالى. قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه) الخ، فِيهِ الْبَيَان بِالْفِعْلِ ليَكُون أوقع فِي نفس السَّامع. قَوْله: (أَو يفعل هَكَذَا) عطف على الْمُقدر بعد حرف الِاسْتِدْرَاك، أَي: وَلَكِن يبزق عَن يسَاره أَو يفعل هَكَذَا، وَلَيْسَت كلمة: أَو، هَهُنَا للشَّكّ بل للتنويع، وَمَعْنَاهُ أَنه: مُخَيّر بَين هَذَا وَهَذَا.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَعْظِيم الْمَسَاجِد عَن إثقال ابدن، وَعَن القاذورات بِالطَّرِيقِ الأولى. وَفِيه: احترام جِهَة الْقبْلَة. وَفِيه: إِزَالَة البزاق وَغَيره من الأقذار من الْمَسْجِد. وَفِيه: أَنه إِذا بزق يبزق عَن يسَاره وَلَا يبزق أَمَامه تَشْرِيفًا

للْقبْلَة، وَلَا عَن يَمِينه تَشْرِيفًا للْيَمِين، وَجَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) ، وَعند ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: (لَا يبزق عَن يَمِينه فَعَن يَمِينه كَاتب الْحَسَنَات، وَلَكِن يبزق عَن شِمَاله أَو خلف ظَهره) . وَقَوله: (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) دَلِيل على أَنه لَا يكون حالتئذٍ عَن يسَاره ملك، لِأَنَّهُ فِي طَاعَة فَإِن قلت: يخدش فِي هَذَا قَوْله: (إِن الْكِرَام الْكَاتِبين لَا يفارقان العَبْد إلَاّ عِنْد الْخَلَاء وَالْجِمَاع) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا فِي غير الْمَسْجِد، أما فِيهِ فَلَا يبزق إلَاّ فِي ثَوْبه.

قلت: وَسِيَاق الحَدِيث على أَنه فِي الْمَسْجِد. وَاعْلَم أَن البصاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة مُطلقًا، سَوَاء احْتَاجَ إِلَيْهِ أم لَا، فَإِن احْتَاجَ يبزق فِي ثَوْبه، فَإِن بزق فِي الْمَسْجِد يكون خَطِيئَة وَعَلِيهِ أَن يكفر هَذِه الْخَطِيئَة بدفنه، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: البزاق لَيْسَ بخطيئة إلَاّ فِي حق من لم يدفنه، فَأَما من أَرَادَ دَفنه فَلَيْسَ بخطيئة، وَهَذَا غير صَحِيح، وَالْحق مَا ذَكرْنَاهُ. وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد: بدفنه، فالجمهور على أَنه الدّفن فِي تُرَاب الْمَسْجِد ورمله وحصياته إِن كَانَت فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء، وإلَاّ يُخرجهَا. وَعَن أَصْحَاب الشَّافِعِي قَولَانِ: أَحدهمَا إِخْرَاجه مُطلقًا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الرَّوْيَانِيّ، فَإِن لم تكن الْمَسَاجِد تربة وَكَانَت ذَات حَصِير فَلَا يجوز احتراماً للمآلية، وَفِيه أَن البزاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة طَاهِرَة، وَلَيْسَ فِيهِ خلاف إلَاّ مَا حُكيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ يَقُول: البزاق نجس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الحَدِيث دَال على تَحْرِيم البصاق فِي الْقبْلَة، فَإِن الدّفن لَا يَكْفِيهِ. قيل: هُوَ كَمَا قَالَ. وَقيل: دَفنه كَفَّارَته. وَقيل: النَّهْي فِيهِ للتنزيه، وَالأَصَح أَنه للتَّحْرِيم، وَفِي (صحيحي) ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، من حَدِيث حُذَيْفَة مَرْفُوعا: (من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفله بَين عَيْنَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة، من حَدِيث ابْن عمر، مَرْفُوعا: (يبْعَث صَاحب النخامة فِي الْقبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِي فِي وَجهه) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سهلة السَّائِب بن خَلاد، قَالَ أَحْمد، من أَصْحَاب النَّبِي: (إِن رجلا أم قوما فبصق فِي الْقبْلَة وَرَسُول الله ينظر، فَقَالَ رَسُول الله حِين فرغ: لَا يُصَلِّي لكم، فَأَرَادَ بعد ذَلِك أَن يُصَلِّي لَهُم فمنعوه وَأَخْبرُوهُ بقول رَسُول ا، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله فَقَالَ: نعم، وحسبت أَنه قَالَ: إِنَّك آذيت اورسوله) . وَالْمعْنَى: أَنه فعل فعلا لَا يُرْضِي اورسوله. وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث جَابر أَنه قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله فِي مَسْجِدنَا هَذَا، وَفِي يَده عرجون ابْن طَابَ) ، ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا بَال أحدكُم يقوم يسْتَقْبل ربه، عز وَجل، فيتنخع أَمَامه، أَيُحِبُّ أَن يسْتَقْبل فيتنخع فِي وَجهه؟) الحَدِيث.

٦٠٤٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله رَأى بُصَاقاً فِي جِدَارِ القِبلَةِ فَحكَّهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى الناسِ فَقَالَ: (إذَا كانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى) . (الحَدِيث ٦٠٤ أَطْرَافه فِي: ٣٥٧، ٣١٢١، ١١١٦) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من إِسْنَاد الحك إِلَيْهِ أَنه كَانَ بِيَدِهِ، وَأَن الْمَعْهُود من جِدَار الْقبْلَة، جِدَار قبْلَة مَسْجِد رَسُول ا، وَبِهَذَا التَّقْدِير يسْقط سُؤال من يَقُول: إِن هَذَا الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على بعض التَّرْجَمَة، وَلَا يعلم أَن الحك كَانَ بِيَدِهِ وَلَا من الْمَسْجِد فَافْهَم.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب وَغَيره. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَنهُ بِهِ.

قَوْله: (فِي جِدَار الْقبْلَة) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فِي جِدَار الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة من طَرِيق أَيُّوب عَن نَافِع: (فِي قبْلَة الْمَسْجِد) وَزَاد فِيهِ: (ثمَّ نزل فحكها بِيَدِهِ) ، وَفِيه إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَالَة الْخطْبَة، وَصرح الْإِسْمَاعِيلِيّ بذلك فِي رِوَايَة من طَرِيق شيخ البُخَارِيّ، وَزَاد فِيهِ أَيْضا قَالَ: (وَأَحْسبهُ دَعَا بزعفران فلطخه بِهِ) ، وَزَاد عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَة عَن معمر عَن أَيُّوب، فَلذَلِك صنع الزَّعْفَرَان فِي الْمَسَاجِد. قَوْله: (فَإِن اقبل وَجهه) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، أَي: جِهَة وَجهه، وَهَذَا أَيْضا على سَبِيل التَّشْبِيه، أَي كَأَن اتعالى فِي مُقَابل وَجهه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن اقِبَل الْجِهَة الَّتِي عظمها، وَقيل: فَإِن قبله اوقبله ثَوَابه وَنَحْو ذَلِك، فَلَا يُقَابل هَذِه الْجِهَة بالبزاق الَّذِي هُوَ الاستخفاف لمن يبزق إِلَيْهِ وتحقيره.

٧٠٤١٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عنْ عائِشَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ. قُلْتُ: وَتَصْوِيرُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفِ، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتِ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالْفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعُوهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَجَحَ عِنْدَهُمُ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلُ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ سَابِقٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَرَقِّبًا التَّحَوُّلَ الْمَذْكُورَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا صَنَعُوا مِنَ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلِ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَنَسْخُ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ وَمُقَدَّمَاتٌ أَفَادَتِ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِصِدْقِ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ فَلَمْ يُنْسَخْ عِنْدَهُمْ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَقِيلَ: كَانَ النَّسْخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا فِي زَمَنِهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا مُنِعَ بَعْدَهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا، وَأَنَّ اسْتِمَاعَ الْمُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ الَّذِي حُوِّلَتْ فِيهِ الْقِبْلَةُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ وَعَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ جَاهِلِينَ بِوُجُوبِ التَّحَوُّلِ عَنْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُونُ حُكْمُ السَّاهِي كَذَلِكَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجَاهِلَ مُسْتَصْحِبٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ مُغْتَفَرٌ فِي حَقِّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ السَّاهِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ حُكْمٍ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَعَرَفَهُ.

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ. (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) أَيْ: مَا سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ؟ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ سَهْوًا كَمَا يَظْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَثَنَى رِجْلَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.

٣٣ - بَاب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنْ الْمَسْجِدِ

٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي

الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِآلَةٍ أَمْ لَا. وَنَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فَحَكَّهُ بِيَدِهِ أَيْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لَا أَنَّهُ بَاشَرَ بِيَدِهِ النُّخَامَةَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ أَنَّهُ حَكَّهَا بِعُرْجُونٍ اهـ. وَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي الْقِصَّةِ مِنَ التَّعَدُّدِ، وَحَدِيثُ الْعُرْجُونِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ.

قَوْلُهُ: (نُخَامَةٌ) قِيلَ: هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الصَّدْرِ، وَبِالْمِيمِ مِنَ الرَّأْسِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْقِبْلَةِ) أَيِ: الْحَائِطِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى رُئِيَ) أَيْ شُوهِدَ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْمَشَقَّةِ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَّ رَبَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَأَنَّ رَبَّهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاجَاةِ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ حَقِيقَةُ النَّجْوَى وَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لَازِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ: فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَظَمَةُ اللَّهِ أَوْ ثَوَابُ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ. وَقَدْ نَزَعَ بِهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ جَهْلٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْزُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَفِيهِ نَقْضُ مَا أَصَّلُوهُ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ (١) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْقِبْلَةِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْمُصَلِّي فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ كَرَاهِيَةَ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ. وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

قَوْلُهُ: (قِبَلَ قِبْلَتِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ قِبْلَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أَيِ الْيُسْرَى كَمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعاتٍ (فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ) : (وَمَا ذَاكَ) أي: ما سبب هذا السُّؤال؟ (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) قال: (فَثَنَى) ، أي: عطف (رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، ولابن عساكر: «رجله» بالإفراد (٢) (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان أحكام القبلة شَرَعَ في بيان أحكام المساجد، فقال:

(٣٣) (بابُ حَكِّ البُزَاقِ) بالزَّاي، لغةٌ (٣) كالصَّاد والسِّين (بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) سواءٌ كان بآلةٍ أم لا.

٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ »: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً) بالميم مع ضمِّ النُّون، وهي ما يخرج من الصَّدر، أو من الرَّأس (فِي) الحائط الَّذي من (٤) جهة (القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) (حَتَّى رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن

الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى (١) رِيْء» بكسر الرَّاء وسكون الياء آخره همزةٌ، أي: شُوهِد (فِي وَجْهِهِ) أثر المشقَّة، وفي رواية النَّسائيِّ: «فغضب حتَّى احمرَّ وجهه» (فَقَامَ) (فَحَكَّهُ) أي: أثر النُّخامة (بِيَدِهِ فَقَالَ) ، ولابن عساكر: «وقال»: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) بعد شروعه فيها (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنَّه يناجيه تعالى والرَّبُّ تعالى يناجيه من جهةِ لازمِ ذلك وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز لأنَّ القرينة صارفةٌ عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسٌ إِلَّا من جهة العبد (أَوْ أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها كما في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «وإنَّ» (رَبَّهُ) بواو العطف، أي: اطِّلاع (٣) ربِّه على ما (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) إذ ظاهره مُحالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب على المصلِّي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء (٤) وسوء الأدب أن تتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجَّه إليه، قاله ابن بطَّالٍ. وقال الطِّيبيُّ: فإنَّه يناجي ربَّه، تعليلٌ للنَّهي (٥) شَبَّهَ العبد

وتوجُّهه إلى الله ﷿ في الصَّلاة، وما فيها من القرآن والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته ورحمته، مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويُطْرِق رأسه ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتَّى لا يصدر منه (١) من تلك الهيئات (٢) شيءٌ، وإن كان (٣) الله تعالى مُنزَّهًا عن الجهات لأنَّ الآداب الظَّاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها مع بعض (٤) (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا (٥) يبزق (٦)» (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (قِبْلَتِهِ) الَّتي عظَّمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي (٧) للاستخفاف والاحتقار، والأصحُّ: أنَّ النَّهي للتَّحريم كما يدلُّ عليه قوله في حديث الباب: فشقّ ذلك عليه حتَّى رُئِي في وجهه، وفي رواية النَّسائيِّ -كما مرَّ بعضه-: «حتَّى احمرَّ وجهه»، وبه جزم النَّوويُّ في «التَّحقيق» و «المجموع»، وكان تمسَّك بقوله في الحديث الصَّحيح: أنه خطيئةٌ، لكن في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ: ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد. بل بذلك، وببقائها غير مدفونةٍ (٨) (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي: لا عن يمينه، فإنَّ عن يمينه كاتبَ الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قدمه» أي: اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي، قال النَّوويُّ: هذا في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزق إِلَّا في ثوبه (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ

بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا) عُطِفَ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنَّه أوقع في النَّفس، وليست لفظة: «أو» هنا للشَّكِّ، بل للتَّنويع، أي (١): هو مُخيَّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أنَّ المصنِّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البصاق، وحينئذٍ فـ «أو» للتَّنويع.

وأخرج هذا الحديث المؤلِّف في «كفَّارة البزاق في المسجد» [خ¦٤١٥] وفي «باب إذا بدره البزاق» [خ¦٤١٧] وفي غيرهما، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَإِن قلت: يبنيه على الْأَقَل. قلت: لَا وَجه لذَلِك أَيْضا، لِأَن ذَلِك لَا يوصله إِلَى مَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْنِي على الْأَقَل إلاّ عِنْد عدم وُقُوع تحريه على شَيْء، كَمَا ذكرنَا.

٢٣ - (بابُ مَا جاءَ فِي القِبْلَةِ وَمَنْ لَا يَرَى الإِعادَةَ عَلى منْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَمر الْقبْلَة، وَهُوَ بِخِلَاف مَا تقدم قبل هَذَا الْبَاب، فَإِن ذَاك فِي حكم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَهَذَا فِي حكم من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَأَشَارَ إِلَى حكم هَذَا بقوله: وَمن لم ير الْإِعَادَة. إِلَى آخِره. وَهَذَا بَاب فِيهِ الْخلاف، وَهُوَ أَن الرجل إِذا اجْتهد فِي الْقبْلَة فصلى إِلَى غَيرهَا فَهَل يُعِيد أم لَا؟

فَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وَحَمَّاد: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ. وَعَن مَالك كَذَلِك، وَعنهُ: يُعِيد فِي الْوَقْت اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر؛ وَهُوَ قَول الْحسن وَالزهْرِيّ، وَقَالَ الْمُغيرَة: يُعِيد أبدا. وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن وطاووس وَالزهْرِيّ: يُعِيد فِي الْوَقْت. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن فرغ من صلَاته ثمَّ بَان لَهُ أَنه صلى إِلَى الْمغرب اسْتَأْنف الصَّلَاة، وَإِن لم يبن لَهُ ذَلِك إلَاّ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن لم يتَيَقَّن الْخَطَأ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ، وَإِلَّا أعَاد وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أَنه قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي فِي سفر فغيمت السَّمَاء وأشكلت علينا الْقبْلَة فصليناه وَأَعْلَمنَا، فَلَمَّا طلعت الشَّمْس إِذا نَحن قد صلينَا إِلَى غير الْقبْلَة، فَذَكرنَا ذَلِك للنَّبِي فَأنْزل اتعالى {فإينما توَلّوا فثم وَجه ا} (الْبَقَرَة: ٥١١)) . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث جَابر: (أَنهم صلوا فِي لَيْلَة مظْلمَة كل رجل مِنْهُم على حياله، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: (مَضَت صَلَاتكُمْ) ، وَنزلت {فأينما توَلّوا فثم وَجه ا} (الْبَقَرَة: ٥١١) ويحتج بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين لما ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمن تبعه فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدِيث جَابر ضَعِيف قلت: رُوِيَ حَدِيث جَابر من ثَلَاث طرق: إِحْدَاهَا أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَن مُحَمَّد بن سَالم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَنهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَمُحَمّد بن سَالم لَا أعرفهُ بعدالة وَلَا جرح. وَقَالَ الواحدي: مَذْهَب ابْن عمرَان: الْآيَة نازلة فِي التَّطَوُّع بالنافلة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: لما توفّي النَّجَاشِيّ جَاءَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: إِن النَّجَاشِيّ توفّي فصل عَلَيْهِ. فَقَالَ الصَّحَابَة فِي أنفسهم: كَيفَ نصلي على رجل مَاتَ وَلم يصلِّ إِلَى قبلتنا؟ وَكَانَ النَّجَاشِيّ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَى أَن مَاتَ، فَنزلت الْآيَة. وَقَالَ قَتَادَة: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره} (الْبَقَرَة: ٤٤١) وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة) ، وَفِي بعض النّسخ (وَمن لم يرى الْإِعَادَة) ، وَهُوَ عطف على قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: وَبَاب مَا جَاءَ فِيمَن لَا يرى إِعَادَة الصَّلَاة على من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فصلى تَفْسِير لقَوْله: سَهَا، وَالْفَاء، تفسيرية. قلت: وَفِيه: بعد، وَالْأولَى إِن تكون للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ أَن اأنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة} (الْحَج: ٣٦) وَلَو قَالَ: بِالْوَاو، لَكِن أحسن على مَا لَا يخفى.

وقَد سَلَّمَ النبيُّ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ وأقْبَلَ عَلى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أتَمَّ مَا بَقِيّ.

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ عدم وجوب الْإِعَادَة على من صلى سَاهِيا إِلَى غير الْقبْلَة، وَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ، فِي حَال إقباله على النَّاس دَاخل فِي حكم الصَّلَاة، وَأَنه فِي ذَلِك الزَّمَان ساهٍ مصلَ إِلَى غير الْقبْلَة؛ وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَزعم ابْن بطال وَابْن التِّين أَنه طرف من حَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي سلف، وَهَذَا وهم مِنْهُمَا، لِأَن حَدِيث ابْن مَسْعُود لَيْسَ فِي شَيْء من طرقه أَنه سلم من رَكْعَتَيْنِ.

٦٦ - (حَدثنَا عَمْرو بن عون قَالَ حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى فَنزلت وَاتَّخذُوا من مقَام

إِبْرَاهِيم مصلى وَآيَة الْحجاب قلت يَا رَسُول الله لَو أمرت نِسَاءَك أَن يحتجبن فَإِنَّهُ يكلمهن الْبر والفاجر فَنزلت آيَة الْحجاب وَاجْتمعَ نسَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن فَنزلت هَذِه الْآيَة) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " وَالْمرَاد من مقَام إِبْرَاهِيم الْكَعْبَة على قَول وَهِي قبْلَة وَالْبَاب فِيمَا جَاءَ فِي الْقبْلَة وعَلى قَول من فسر مقَام إِبْرَاهِيم بِالْحرم فالحرم كُله قبْلَة فِي حق الأفاقيين وَالْبَاب فِي أُمُور الْقبْلَة وَأما على قَول من فسر الْمقَام بِالْحجرِ الَّذِي وقف عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتكون الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة مُتَعَلقَة بالمتعلق بالقبلة لَا بِنَفس الْقبْلَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَمْرو بن عون أَبُو عُثْمَان الوَاسِطِيّ الْبَزَّاز بالزاي المكررة نزيل الْبَصْرَة مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بشير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر ذكره فِي أول كتاب التَّيَمُّم. الثَّالِث حميد الطَّوِيل وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع أنس بن مَالك. الْخَامِس عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه القَوْل. وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين واسطي وبصري وَفِيه رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عون وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن حميد بِقصَّة الْحجاب فَقَط وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بالقصة الأولى وَعَن عبد بن حميد عَن حجاج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد عَن يحيى بن زَائِدَة عَن حميد بالقصة الأولى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن حميد بالقصة الثَّانِيَة قصَّة الْحجاب وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن هشيم بالقصة الثَّالِثَة اجْتمع نساؤه فِي الْغيرَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن هشيم بالقصة الأولى. (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " وَافَقت رَبِّي " من الْمُوَافقَة من بَاب المفاعلة الَّتِي تدل على مُشَاركَة اثْنَيْنِ فِي فعل ينْسب إِلَى أَحدهمَا مُتَعَلقا بِالْآخرِ وَالْمعْنَى فِي الأَصْل وَافقنِي رَبِّي فَأنْزل الْقُرْآن على وفْق مَا رَأَيْت وَلكنه رَاعى الْأَدَب فأسند الْمُوَافقَة إِلَى نَفسه لَا إِلَى الرب جلّ وَعز قَوْله " فِي ثَلَاث " أَي فِي ثَلَاثَة أُمُور وَإِنَّمَا لم يؤنث الثَّلَاث مَعَ أَن الْأَمر مُذَكّر لِأَن الْمُمَيز إِذا لم يكن مَذْكُورا جَازَ فِي لفظ الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث (فَإِن قلت) حصلت الْمُوَافقَة لَهُ فِي أَشْيَاء غير هَذِه الثَّلَاث. مِنْهَا فِي أُسَارَى بدر حَيْثُ كَانَ رَأْيه أَن لَا يفدون فَنزل {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} وَمِنْهَا فِي منع الصَّلَاة على الْمُنَافِقين فَنزل {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} وَمِنْهَا فِي تَحْرِيم الْخمر. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عَليّ بن زيد " عَن أنس قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي أَربع " وَذكر مَا فِي البُخَارِيّ قَالَ " وَنزلت {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين} إِلَى قَوْله {ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر} فَقلت أَنا {تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ} فَنزلت كَذَلِك ". وَمِنْهَا فِي شَأْن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا " لما قَالَ أهل الْإِفْك مَا قَالُوا فَقَالَ يَا رَسُول الله من زوجكها فَقَالَ الله تَعَالَى قَالَ أفتنظر أَن رَبك دلّس عَلَيْك فِيهَا {سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم} فَأنْزل الله ذَلِك " ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه وَقد ذكر أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن الْمُوَافقَة فِي أحد عشر موضعا (قلت) يشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححا من حَدِيث ابْن عمر " مَا نزل بِالنَّاسِ أَمر قطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن على نَحْو مَا قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ وَهَذَا يدل على كَثْرَة مُوَافَقَته فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف نَص على الثَّلَاث فِي الْعدَد (قلت) التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد وَقيل يحْتَمل أَنه ذكر ذَلِك قبل أَن يُوَافق فِي أَربع وَمَا زَاد وَفِيه نظر لِأَن عمر أخبر بِهَذَا بعد موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا يتَّجه مَا ذكر من ذَلِك وَيُقَال يحْتَمل أَن الرَّاوِي اعتنى بِذكر الثَّلَاث دون مَا سواهَا لغَرَض لَهُ قَوْله " قلت " ويروى " فَقلت " قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " جَوَاب لَو مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون لَو لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْن الصَّائِغ وَابْن هِشَام هِيَ قسم برأسها لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب كجواب الشَّرْط

وَلَكِن قد يُؤْتى لَهَا بِجَوَاب مَنْصُوب كجواب لَيْت وَقَالَ بَعضهم هِيَ لَو الشّرطِيَّة أشربت معنى التَّمَنِّي وَقَالَ ابْن مَالك هِيَ لَو المصدرية أغنت عَن فعل التَّمَنِّي قَوْله " وَآيَة الْحجاب " هِيَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن} وَآيَة الْحجاب كَلَام إضافي يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر أما الرّفْع فَيحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالِابْتِدَاءِ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره وَآيَة الْحجاب كَذَلِك وَالْآخر أَن يكون مَعْطُوفًا على مُقَدّر تَقْدِيره هُوَ اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب وَأما النصب فعلى الِاخْتِصَاص وَأما الْجَرّ فعلى أَنه مَعْطُوف على مجرور وَهُوَ بدل من ثَلَاث وَالتَّقْدِير فِي ثَلَاث اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب قَوْله " الْبر " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة صفة مشبهة من بررت أبر من بَاب علم يعلم فَأَنا بر وبار وَيجمع الْبر على أبرار والبار على البررة وَالْبر مُقَابل الْفَاجِر من الْفُجُور قَالَ الْجَوْهَرِي فجر فجورا أَي فسق وفجر أَي كذب وَأَصله الْميل والفاجر المائل قَوْله " فِي الْغيرَة " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهِي الحمية والأنفة يُقَال رجل غيور وَامْرَأَة غيور بِلَا هَاء لِأَن فعولًا يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى يُقَال غرت على أَهلِي أغار غيرَة فَأَنا غائر وغيور للْمُبَالَغَة (ذكر استنباط الْأَحْكَام) وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع كَمَا صرح بهَا فِي الحَدِيث. الأول سُؤال عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن يتَّخذ من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقَالَ الْخطابِيّ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يَجْعَل ذَلِك الْحجر الَّذِي فِيهِ أثر مقَامه مصلى بَين يَدي الْقبْلَة يقوم الإِمَام عِنْده فَنزلت الْآيَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فَإِن قيل مَا السِّرّ فِي أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم يقنع بِمَا فِي شرعنا حَتَّى طلب الاستنان بِملَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَقد نَهَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن مثل هَذَا حِين أَتَى بأَشْيَاء من التَّوْرَاة فَالْجَوَاب أَن عمر لما سمع قَوْله تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا} ثمَّ سمع {أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم} على أَن الائتمام بِهِ مَشْرُوع فِي شرعنا دون غَيره ثمَّ رأى أَن الْبَيْت مُضَاف إِلَيْهِ وَأَن أثر قدمه فِي الْمقَام كرقم اسْم الْبَانِي فِي الْبناء ليذكر بِهِ بعد مَوته فَرَأى الصَّلَاة عِنْد الْمقَام كَقِرَاءَة الطَّائِف بِالْبَيْتِ اسْم من بناه انْتهى وَلم تزل آثَار قدمي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ظَاهِرَة فِيهِ مَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالب فِي قصيدته اللامية الْمَعْرُوفَة

(وموطىء إِبْرَاهِيم فِي الصخر رطبَة ... على قَدَمَيْهِ حافيا غير ناعل)

وَقد أدْرك الْمُسلمُونَ ذَلِك فِيهِ أَيْضا كَمَا قَالَ عبد الله بن وهب أَخْبرنِي يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ قَالَ رَأَيْت الْمقَام فِيهِ أَصَابِعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَخْمص قَدَمَيْهِ غير أَنه أذهبه مسح النَّاس بِأَيْدِيهِم وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا بشر بن معَاذ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} إِنَّمَا أمروا أَن يصلوا عِنْده وَلم يؤمروا بمسحه وَلَقَد تكلفت هَذِه الْأمة شَيْئا مَا تكلفته الْأُمَم قبلهَا وَلَقَد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فِيهَا فَمَا زَالَت هَذِه الْأمة يمسحونه حَتَّى اخلولق وانمحى. الثَّانِي الْحجاب فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَارِيا فِيهِ على عَادَة الْعَرَب وَلم يكن يخفى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن حجبهن خير من غَيره لكنه كَانَ ينْتَظر الْوَحْي بِدَلِيل أَنه لم يُوَافق عمر حِين أَشَارَ بذلك قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَكَانَ الْحجاب فِي السّنة الْخَامِسَة فِي قَول قَتَادَة وَقيل فِي السّنة الثَّالِثَة قَالَه أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَعند ابْن سعد فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما تزوج زَيْنَب بنت جحش أولم عَلَيْهَا فَأكل جمَاعَة وَهِي مولية بوجهها إِلَى الْحَائِط وَلم يخرجُوا فَخرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يخرجُوا وَعَاد وَلم يخرجُوا فَنزلت آيَة الْحجاب وَقَالَ عِيَاض أما الْحجاب الَّذِي خص بِهِ زَوْجَات النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ فرض عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك لشهادة وَلَا لغَيْرهَا وَلَا إِظْهَار شخصهن إِذا خرجن كَمَا فعلت حَفْصَة يَوْم مَاتَ أَبوهَا ستر شخصها حِين خرجت وبنيت عَلَيْهَا قبَّة لما توفيت قَالَ تَعَالَى {وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب} . الثَّالِث اجْتِمَاع نسَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَا ذكره البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة حَدثنَا مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث أَو وَافقنِي رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتَّخذت من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقلت يَا رَسُول الله يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر فَلَو أمرت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بالحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب قَالَ وَبَلغنِي معاتبة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعض نِسَائِهِ فَدخلت عَلَيْهِنَّ قلت إِن انتهيتن أَو ليبدلن الله رَسُوله خيرا مِنْكُن حَتَّى أتيت إِحْدَى

نِسَائِهِ فَقَالَت يَا عمر أما فِي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا يعظ نِسَاءَهُ حَتَّى تعظهن أَنْت فَأنْزل الله تَعَالَى {عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات} " الْآيَة وَأخرج فِي سُورَة التَّحْرِيم وَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن عون حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اجْتمع نسَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ {عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن} فَنزلت الْآيَة " وأصل هَذِه الْقَضِيَّة أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذا صلى الْغَدَاة دخل على نِسَائِهِ امْرَأَة امْرَأَة وَكَانَت قد أهديت لحفصة بنت عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عكة من عسل فَكَانَت إِذا دخل عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُسلما حَبسته وسقته مِنْهَا وَأَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنْكرت احتباسه عِنْدهَا فَقَالَت لجويرية عِنْدهَا حبشية يُقَال لَهَا خضرَة إِذا دخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على حَفْصَة فادخلي عَلَيْهَا فانظري مَاذَا تصنع فَأَخْبَرتهَا الْخَبَر وشأن الْعَسَل فغارت فَأرْسلت إِلَى صواحبها وَقَالَت إِذا دخل عليكن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقُلْنَ إِنَّا نجد مِنْك ريح مَغَافِير وَهُوَ صمغ العرفط كريه الرَّائِحَة وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يكره ويشق عَلَيْهِ أَن يُوجد مِنْهُ ريح مُنْتِنَة لِأَنَّهُ يَأْتِيك الْملك فَدخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على سَوْدَة قَالَت فَمَا أردْت أَن أَقُول ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ إِنِّي فرقت من عَائِشَة فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَذِه الرّيح الَّتِي أَجدهَا مِنْك أكلت المغافير قَالَ لَا وَلَكِن حَفْصَة سقتني عسلا ثمَّ دخل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على امْرَأَة امْرَأَة وَهن يقلن لَهُ ذَلِك ثمَّ دخل على عَائِشَة فَأخذت بأنفها فَقَالَ لَهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا شَأْنك قَالَت أجد ريح المغافير أأكلتها يَا رَسُول الله قَالَ لَا بل سقتني حَفْصَة عسلا قَالَت جرست إِذا نحله العرفط فَقَالَ لَهَا وَالله لَا أطْعمهُ أبدا فحرمه على نَفسه قَالُوا وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قسم الْأَيَّام بَين نِسَائِهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم حَفْصَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن لي إِلَى أبي حَاجَة نَفَقَة لي عِنْده فَأذن لي أَن أَزورهُ وَآتِي بهَا فَأذن لَهَا فَلَمَّا خرجت أرسل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى جَارِيَته مَارِيَة الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد أهداها لَهُ الْمُقَوْقس فَأدْخلهَا بَيت حَفْصَة فَوَقع عَلَيْهَا فَأَتَت حَفْصَة فَوجدت الْبَاب مغلقا فَجَلَست عِنْد الْبَاب فَخرج رَسُول الله وَوَجهه يقطر عرقا وَحَفْصَة تبْكي فَقَالَ مَا يبكيك فَقَالَت إِنَّمَا أَذِنت لي من أجل هَذَا أدخلت أمتك بَيْتِي ثمَّ وَقعت عَلَيْهَا فِي يومي وعَلى فِرَاشِي أما رَأَيْت لي حُرْمَة وَحقا مَا كنت تصنع هَذَا بِامْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَلَيْسَ هِيَ جاريتي قد أحلهَا الله لي اسكتي فَهِيَ عَليّ حرَام ألتمس بِذَاكَ رضاك فَلَا تُخْبِرِي بِهَذَا امْرَأَة مِنْهُنَّ وَهُوَ عنْدك أَمَانَة فَلَمَّا خرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قرعت حَفْصَة الْجِدَار الَّذِي بَينهَا وَبَين عَائِشَة فَقَالَت أَلا أُبَشِّرك أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد حرم عَلَيْهِ أمته مَارِيَة فقد أراحنا الله مِنْهَا وأخبرت عَائِشَة بِمَا رَأَتْ وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سَائِر أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلم يزل نَبِي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى حلف أَن لَا يقربهَا فَأنْزل الله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك} يَعْنِي الْعَسَل ومارية ثمَّ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما بلغه ذَلِك دخل على نِسَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فوعظهن وزجرهن وَمن جملَة مَا قَالَ {عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن} فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَهَذَا من جملَة مَا وَافق عمر ربه عز وَجل وَوَافَقَهُ ربه. وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف (فَإِن قلت) كَيفَ يكون المبدلات خيرا مِنْهُنَّ وَلم يكن على وَجه الأَرْض نسَاء خير من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ (قلت) إِذا طلقهن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعصيانهن لَهُ وإيذائهن إِيَّاه لم يبْقين على تِلْكَ الصّفة وَكَانَ غَيْرهنَّ من الموصوفات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف مَعَ الطَّاعَة لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النُّزُول على هَوَاهُ وَرضَاهُ خيرا مِنْهُنَّ وَإِنَّمَا أخليت الصِّفَات كلهَا عَن العاطف ووسط بَين الثيبات والأبكار لِأَنَّهُمَا صفتان متنافيتان لَا يجتمعن فيهمَا اجتماعهن فِي سَائِر الصِّفَات فَلم يكن بُد من الْوَاو وَقَالَ النَّسَفِيّ الْآيَة وَارِدَة فِي الْإِخْبَار عَن الْقُدْرَة لَا عَن الْكَوْن فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ إِن طَلَّقَكُن وَقد علم أَنه لَا يُطَلِّقهُنَّ وَهَذَا كَقَوْلِه {وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ} الْآيَة فَهَذَا إِخْبَار عَن الْقُدْرَة وتخويف لَهُم لَا أَن فِي الْوُجُود من هُوَ خير من أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

(قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ ابْن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب قَالَ حَدثنِي حميد قَالَ سَمِعت أنسا بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم وَيحيى بن أَيُّوب الغافقي أَو حميد الطَّوِيل وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا هَهُنَا وَفِي التَّفْسِير أَيْضا وَنَصّ عَلَيْهِ أَيْضا خلف وَصَاحب الْمُسْتَخْرج

وَهُوَ الظَّاهِر وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ غير ظَاهر لِأَن البُخَارِيّ لم يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب وَإِنَّمَا ذكره فِي الاستشهاد والمتابعة (فَإِن قلت) قَالَ ابْن بطال خرج لَهُ الشَّيْخَانِ (قلت) فِيهِ نظر لِأَنَّهُ نقض كَلَام نَفسه بِنَفسِهِ بِذكرِهِ لَهُ تَرْجَمَة فِي إِفْرَاد مُسلم (فَإِن قلت) مَا فَائِدَة ذكر البُخَارِيّ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرت (قلت) ليُفِيد تَصْرِيح حميد فِيهِ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس فَحصل الْأَمْن من تدليسه وَقَالَ الْكرْمَانِي إِنَّمَا اسْتشْهد بِهَذَا الطَّرِيق للتقوية دفعا لما فِي الْإِسْنَاد السَّابِق من ضعف عنعنة هشيم إِذْ قيل أَنه مُدَلّس (قلت) فِيهِ نظر لِأَن معنعنات الصَّحِيحَيْنِ كلهَا مَقْبُولَة مَحْمُولَة على السماع وَكَلَامه يدل على هَذَا فَحِينَئِذٍ ذكره كَمَا ذكرنَا هُوَ الْوَاقِع فِي مَحَله ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) لم مَا عكس بِأَن يَجْعَل هَذَا الْإِسْنَاد أصلا (قلت) لما فِي يحيى من سوء الْحِفْظ وَلِأَن ابْن أبي مَرْيَم مَا نَقله بِلَفْظ النَّقْل والتحديث بل ذكره على سَبِيل المذاكرة وَلِهَذَا قَالَ البُخَارِيّ قَالَ ابْن أبي مَرْيَم (قلت) يُعَكر على مَا قَالَه رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم كَمَا ذَكرْنَاهُ وَالظَّاهِر أَن الْكرْمَانِي لَو اطلع على هَذِه الرِّوَايَة لما قَالَ مَا ذكره قَوْله " بِهَذَا " أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور سندا ومتنا فَهُوَ من رِوَايَة أنس عَن عمر لَا من رِوَايَة أنس عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَافْهَم

٦٧ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَينا النَّاس بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح إِذْ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فاستقبلوها وَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ الدّلَالَة عَلَيْهَا من الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " وَمن الْجُزْء الثَّانِي أَيْضا وَذَلِكَ لأَنهم صلوا فِي أول تِلْكَ الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة المنسوخة الَّتِي هِيَ غير الْقبْلَة الْوَاجِب استقبالها جاهلين بِوُجُوبِهِ وَالْجَاهِل كالناسي حَيْثُ لم يؤمروا بِإِعَادَة صلَاتهم. وَرِجَاله أَئِمَّة مَشْهُورُونَ. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك والعنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يحيى بن قزعة وقتيبة فرقهما وَفِي خبر الْوَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة أربعتهم عَنهُ بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بَينا " أَصله بَين فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا يُقَال بَينا وبينما وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل مُبْتَدأ وَخبر ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى والأفصح فِي جوابهما أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا وَقد جاآ كثيرا تَقول بَينا زيد جَالس دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذ دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَبينا هَهُنَا أضيف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَجَوَابه قَوْله إِذْ جَاءَهُم آتٍ وَفِي قبَاء سِتّ لُغَات الْمَدّ وَالْقصر والتذكير والتأنيث وَالصرْف وَالْمَنْع وأفصحها الْمَدّ وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف ظَاهر الْمَدِينَة وَالْمعْنَى هُنَا بَينا النَّاس فِي مَسْجِد قبَاء وهم فِي صَلَاة الصُّبْح وَاللَّام فِي النَّاس للْعهد الذهْنِي لِأَن المُرَاد أهل قبَاء وَمن حضر مَعَهم فِي الصَّلَاة قَوْله " آتٍ " فَاعل من أَتَى يَأْتِي فأعل إعلال قَاض وَهَذَا الْآتِي هُوَ عباد بِالتَّشْدِيدِ ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي حَدِيث الْبَراء الْمُتَقَدّم فِي صَلَاة الْعَصْر وَلَا مُنَافَاة بَين الْخَبَرَيْنِ وَقد ذكرنَا وَجهه فِي حَدِيث الْبَراء وَهُوَ أَن الْخَبَر وصل وَقت الْعَصْر إِلَى من هُوَ دَاخل الْمَدِينَة وَوقت الصُّبْح فِي الْيَوْم الثَّانِي إِلَى من هُوَ خَارِجهَا قَوْله " وَقد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن " أطلق اللَّيْلَة على بعض الْيَوْم الْمَاضِي وَمَا يَلِيهِ مجَازًا وَأَرَادَ بِالْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى {قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء} الْآيَات وَفِيه أَيْضا مجَاز حَيْثُ ذكر الْكل وَأَرَادَ الْجُزْء وَفِي بعض النّسخ الْقُرْآن بِالْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ للْعهد قَوْله " وَقد أَمر " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أَمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " أَي بِأَن يسْتَقْبل وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالْمعْنَى باستقبال الْكَعْبَة قَوْله " فاستقبلوها " على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابه وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير لأهل قبَاء يَعْنِي حِين سمعُوا من الْآتِي مَا بَلغهُمْ استقبلوا الْكَعْبَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " فاستقبلوها " بِكَسْر الْبَاء على صِيغَة الْأَمر للْجمع وَالْأَمر لأهل قبَاء من الْآتِي قَوْله " وَكَانَت وُجُوههم "

هُوَ من كَلَام ابْن عمر لَا كَلَام الرجل الْمخبر بِتَغَيُّر الْقبْلَة قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) لَا مَانع أَن يكون من كَلَام الْمخبر فعلى هَذَا تكون الْوَاو للْحَال فَتكون جملَة حَالية على رِوَايَة الْأَكْثَرين وَهُوَ أَن يكون صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وعَلى رِوَايَة الْأصيلِيّ تكون الْوَاو للْعَطْف وَجَاء عطف الْجُمْلَة الخبرية على الإنشائية وَالضَّمِير فِي وُجُوههم يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين وَقَالَ بَعضهم عوده إِلَى أهل قبَاء أظهر ويرجح رِوَايَة الْكسر أَنه عِنْد المُصَنّف فِي التَّفْسِير " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة أَلا فاستقبلوها " فدخول حرف الاستفتاح يشْعر بِأَن الَّذِي بعده أَمر لَا أَنه بَقِيَّة الْخَبَر الَّذِي قبله (قلت) إِلَّا فِي مثل هَذَا الْموضع تكون للتّنْبِيه لتدل على تحقق مَا بعْدهَا وَلَا يُسمى حرف استفتاح إِلَّا فِي مَكَان يهمل مَعْنَاهَا وَفِي تَرْجِيحه الْكسر بِهَذَا نظر لِأَنَّهُ يُعَكر عَلَيْهِ قَوْله " فاستداروا " إِذا جعل وَكَانَت وُجُوههم من كَلَام ابْن عمر (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) قد مر أَكْثَره فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب وَفِيه مَا يُؤمر بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يلْزم أمته وَفِيه أَن أَفعاله يجب الْإِتْيَان بهَا عِنْد قيام الدَّلِيل على الْوُجُوب وَيسن وَيسْتَحب بِحَسب الْمقَام والقرائن وَفِيه قبُول خبر الْوَاحِد وَفِيه جَوَاز تَعْلِيم من لَيْسَ فِي الصَّلَاة من هُوَ فِيهَا وَفِيه اسْتِمَاع الْمُصَلِّي لكَلَام من لَيْسَ فِي الصَّلَاة لَا يضر صلَاته وَفِيه أَن من تبلغه الدعْوَة وَلم يُمكنهُ استعلام ذَلِك فالفرض غير لَازم لَهُ هَكَذَا استنبطه الطَّحَاوِيّ مِنْهُ

٤٠٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَة عنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ صَلَّى النبيُّ الظُّهْرَ خَمْساً فقالُوا أزِيدَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ وَمَا ذاكَ قالُوا صَلَّيْتَ خَمْساً فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة على من سَهَا فصلى) ظَاهِرَة لِأَنَّهُ سهى فصلى وَلم يعد تِلْكَ الصَّلَاة، وَهَذَا الحَدِيث مضى عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ وَعبد ابْن مَسْعُود.

فَإِن قلت: مَا وَجه احتجاج البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث؟ قلت: هُوَ أَن إقباله على النَّاس بِوَجْهِهِ بعد انْصِرَافه بعد السَّلَام كَانَ فِي غير صَلَاة، فَلَمَّا بنى على صلَاته بَان أَنه كَانَ فِي وَقت استدبار الْقبْلَة فِي حكم الْمُصَلِّي، لِأَنَّهُ لَو خرج من الصَّلَاة لم يجز لَهُ أَن يَبْنِي على مَا مضى مِنْهَا، فَظهر بِهَذَا أَن من أَخطَأ الْقبْلَة لَا يُعِيد.

٣٣ - (بابُ حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حك البزاق بِالْيَدِ، سَوَاء كَانَ بِآلَة أَو لَا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث الْبَاب الحك بِالْيَدِ من غير ذكر آلَة وَكَذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة قلت: قَوْله: بِالْيَدِ، أَعم من أَن يكون فِيهَا آلَة أَو لَا، على أَن أَبَا دَاوُد روى عَن جَابر قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله فِي مَسْجِدنَا وَفِي يَده عرجون ابْن طَابَ، فَنظر فَرَأى فِي قبْلَة الْمَسْجِد نخامة، فَأقبل عَلَيْهَا فحتها بالعرجون) الحَدِيث، فَهَذَا يدل على أَنه بَاشر بِيَدِهِ بعرجون فِيهَا؛ والعرجون، بِضَم الْعين: هُوَ الْعود الْأَصْغَر الَّذِي فِيهِ الشماريخ إِذا يبس واعوج، وَهُوَ من الانعراج، وَهُوَ الانعطاف، وَجمعه: عراجين، و: الْوَاو وَالنُّون فِيهِ زائدتان، و: ابْن طَابَ، رجل من أهل الْمَدِينَة ينْسب إِلَيْهِ نوع من تمر الْمَدِينَة، وَمن عاداتهم أَنهم ينسبون ألوان التَّمْر كل لون إِلَى أحد، وَمَعَ هَذَا يحْتَمل تعدد الْقِصَّة. وَفِي البزاق ثَلَاث لُغَات: بالزاي وَالصَّاد وَالسِّين، والأوليان مشهورتان.

وَلما فرغ من بَيَان أَحْكَام الْقبْلَة شرع فِي بَيَان أَحْكَام الْمَسَاجِد، والمناسبة ظَاهِرَة.

٥٠٤٩٦ - ح دّثنا قتَيْبَةُ قَالَ حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ أنَّ النبيَّ رَأى نُخَامَةً فِي القبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ فقامَ فَحكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: (إِنَّ أحَدَكُمْ إذَا قامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ أَو إنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فقالَ أَو يَفْعَلُ هَكَذَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه تقدم فِي بَاب خوف الْمُؤمن أَن يحبط عمله.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب كَفَّارَة البزاق فِي الْمَسْجِد، وَفِي بَاب إِذا بدره البزاق وَفِي بَاب لَا يبصق عَن يَمِينه فِي الصَّلَاة، وَفِي بَاب ليبصق عَن يسَاره، وَفِي بَاب مَا يجوز من البزاق، وَفِي بَاب الْمُصَلِّي يُنَاجِي ربه. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي هَذَا الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَعَائِشَة يَأْتِي عَن قريب، وَحَدِيث النَّسَائِيّ عَن أنس قَالَ: (رأى رَسُول الله نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه، فَقَامَتْ امْرَأَة من الْأَنْصَار فحكتها وَجعلت مَكَانهَا خلوقاً، قَالَ رَسُول ا: مَا أحسن هَذَا) وَفِي كتاب (الْمَسَاجِد) لأبي نعيم: (من ابتلع رِيقه إعظاماً لِلْمَسْجِدِ وَلم يمح اسْما من أَسمَاء اتعالى ببزاق كَانَ من خِيَار عباد ا) . وَفِي سَنَده ضرار بن عَمْرو، وَفِيه كَلَام، وَذكر ابْن خالويه فِي هَذَا (أَن النَّبِي لما رأى النخامة فِي الْمِحْرَاب قَالَ: من إِمَام هَذَا الْمَسْجِد؟ قَالُوا؛ فلَان. قَالَ: قد عزلته، فَقَالَت امْرَأَته: لِمَ عزل النَّبِي زَوجي عَن الْإِمَامَة؟ فَقَالَ: رأى نخامة فِي الْمَسْجِد فعمدت إِلَى خلوق طيب فخلقت بِهِ الْمِحْرَاب، فاجتاز عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ: من فعل هَذَا؟ قَالَ: امْرَأَة الإِمَام قَالَ: قد وهبت ذَنبه لامْرَأَته ورددته إِلَى الْإِمَامَة) . فَكَانَ هَذَا أول خلوق كَانَ فِي الْإِسْلَام.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (نخامة) ، بِضَم النُّون: النخاعة، وَقد ذكره البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ فِي بَاب الِالْتِفَات. يُقَال: تنخم الرجل إِذا تنخع. وَفِي (الْمطَالع) : النخامة مَا يخرج من الصَّدْر وَهُوَ البلغم اللزج. وَفِي (النِّهَايَة) : النخامة البزقة الَّتِي تخرج من الرَّأْس. وَيُقَال: النخامة مَا يخرج من الصَّدْر. والبصاق مَا يخرج من الْفَم، والمخاط مَا يسيل من الْأنف. قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: فِي حَائِط من جِهَة قبْلَة الْمَسْجِد. قَوْله: (حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجهه) ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْهمزَة وَفتح الْيَاء، أَي: شوهد أثر الْمَشَقَّة فِي وَجهه، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فَغَضب حَتَّى أحمَّر وَجهه) ، وللبخاري فِي الْأَدَب من حَدِيث ابْن عمر: (فتغيظ على أهل الْمَسْجِد) . قَوْله: (إِذا قَامَ فِي صلَاته) ، الْفرق بَين: قَامَ فِي الصَّلَاة، وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة، أَن الأول يكون بعد الشُّرُوع، وَالثَّانِي عِنْد الشُّرُوع. قَوْله: (فَإِنَّهُ) ، الْفَاء: فِيهِ جَوَاب: إِذا، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة، قَائِمَة مقَام خبر الْمُبْتَدَأ. قَوْله: (يُنَاجِي ربه) ، من الْمُنَاجَاة. قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُنَاجَاة إِشَارَة إِلَى إخلاص الْقلب وحضوره وتفريغه لذكر اتعالى. قلت: الْمُنَاجَاة والنجوى هُوَ السِّرّ بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: نَاجَيْته إِذا ساررته، وَكَذَلِكَ نجوت نجوى، ومناجاة الرب مجَاز لِأَن الْقَرِينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة، إِذْ لَا كَلَام محسوساً، إلَاّ من طرف العَبْد، فَيكون المُرَاد لَازم الْمُنَاجَاة وَهُوَ إِرَادَة الْخَيْر، وَيجوز أَن تكون من بَاب التَّشْبِيه أَي: كَأَنَّهُ ربه يُنَادي، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه شبه العَبْد وتوجهه إِلَى اتعالى فِي الصَّلَاة وَمَا فِيهَا من الْقِرَاءَة والأذكار وكشف الْأَسْرَار واستنزال رَحمته ورأفته مَعَ الخضوع والخشوع. بِمن يُنَاجِي مَوْلَاهُ ومالكه، فَمن شَرَائِط حسن الْأَدَب أَن يقف محاذيه ويطرق رَأسه وَلَا يمد بَصَره إِلَيْهِ ويراعي جِهَة أَمَامه حَتَّى لَا يصدر من تِلْكَ الهيئات شَيْء وَإِن كَانَ اتعالى منزهاً عَن الْجِهَات، لِأَن الْآدَاب الظَّاهِرَة والباطنة مُرْتَبِط بَعْضهَا بِبَعْض. قَوْله: (أَو أَن ربه بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: بواو، الْعَطف وَلَا يَصح حمل هَذَا الْكَلَام على ظَاهره، لِأَن اتعالى منزه عَن الْحُلُول فِي الْمَكَان، فَالْمَعْنى على التَّشْبِيه، أَي: كَأَنَّهُ بَينه وَبَين الْقبْلَة، وَكَذَا معنى قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي بعده: (فَإِن اقِبَل وَجهه) . وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن توجهه إِلَى الْقبْلَة مفض بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى ربه، فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَأَن مَقْصُوده بَينه وَبَين قبلته، فَأمر أَن تصان تِلْكَ الْجِهَة عَن البزاق وَنَحْوه من أثقال الْبدن. قَوْله: (قبل) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. أَي: جِهَة الْقبْلَة. قَوْله: (أَو تَحت قدمه الْيُسْرَى) كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَي: فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَزَاد أَيْضا من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة: (فيدفنها) ، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ اتعالى. قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه) الخ، فِيهِ الْبَيَان بِالْفِعْلِ ليَكُون أوقع فِي نفس السَّامع. قَوْله: (أَو يفعل هَكَذَا) عطف على الْمُقدر بعد حرف الِاسْتِدْرَاك، أَي: وَلَكِن يبزق عَن يسَاره أَو يفعل هَكَذَا، وَلَيْسَت كلمة: أَو، هَهُنَا للشَّكّ بل للتنويع، وَمَعْنَاهُ أَنه: مُخَيّر بَين هَذَا وَهَذَا.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَعْظِيم الْمَسَاجِد عَن إثقال ابدن، وَعَن القاذورات بِالطَّرِيقِ الأولى. وَفِيه: احترام جِهَة الْقبْلَة. وَفِيه: إِزَالَة البزاق وَغَيره من الأقذار من الْمَسْجِد. وَفِيه: أَنه إِذا بزق يبزق عَن يسَاره وَلَا يبزق أَمَامه تَشْرِيفًا

للْقبْلَة، وَلَا عَن يَمِينه تَشْرِيفًا للْيَمِين، وَجَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) ، وَعند ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: (لَا يبزق عَن يَمِينه فَعَن يَمِينه كَاتب الْحَسَنَات، وَلَكِن يبزق عَن شِمَاله أَو خلف ظَهره) . وَقَوله: (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) دَلِيل على أَنه لَا يكون حالتئذٍ عَن يسَاره ملك، لِأَنَّهُ فِي طَاعَة فَإِن قلت: يخدش فِي هَذَا قَوْله: (إِن الْكِرَام الْكَاتِبين لَا يفارقان العَبْد إلَاّ عِنْد الْخَلَاء وَالْجِمَاع) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا فِي غير الْمَسْجِد، أما فِيهِ فَلَا يبزق إلَاّ فِي ثَوْبه.

قلت: وَسِيَاق الحَدِيث على أَنه فِي الْمَسْجِد. وَاعْلَم أَن البصاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة مُطلقًا، سَوَاء احْتَاجَ إِلَيْهِ أم لَا، فَإِن احْتَاجَ يبزق فِي ثَوْبه، فَإِن بزق فِي الْمَسْجِد يكون خَطِيئَة وَعَلِيهِ أَن يكفر هَذِه الْخَطِيئَة بدفنه، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: البزاق لَيْسَ بخطيئة إلَاّ فِي حق من لم يدفنه، فَأَما من أَرَادَ دَفنه فَلَيْسَ بخطيئة، وَهَذَا غير صَحِيح، وَالْحق مَا ذَكرْنَاهُ. وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد: بدفنه، فالجمهور على أَنه الدّفن فِي تُرَاب الْمَسْجِد ورمله وحصياته إِن كَانَت فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء، وإلَاّ يُخرجهَا. وَعَن أَصْحَاب الشَّافِعِي قَولَانِ: أَحدهمَا إِخْرَاجه مُطلقًا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الرَّوْيَانِيّ، فَإِن لم تكن الْمَسَاجِد تربة وَكَانَت ذَات حَصِير فَلَا يجوز احتراماً للمآلية، وَفِيه أَن البزاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة طَاهِرَة، وَلَيْسَ فِيهِ خلاف إلَاّ مَا حُكيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ يَقُول: البزاق نجس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الحَدِيث دَال على تَحْرِيم البصاق فِي الْقبْلَة، فَإِن الدّفن لَا يَكْفِيهِ. قيل: هُوَ كَمَا قَالَ. وَقيل: دَفنه كَفَّارَته. وَقيل: النَّهْي فِيهِ للتنزيه، وَالأَصَح أَنه للتَّحْرِيم، وَفِي (صحيحي) ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، من حَدِيث حُذَيْفَة مَرْفُوعا: (من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفله بَين عَيْنَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة، من حَدِيث ابْن عمر، مَرْفُوعا: (يبْعَث صَاحب النخامة فِي الْقبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِي فِي وَجهه) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سهلة السَّائِب بن خَلاد، قَالَ أَحْمد، من أَصْحَاب النَّبِي: (إِن رجلا أم قوما فبصق فِي الْقبْلَة وَرَسُول الله ينظر، فَقَالَ رَسُول الله حِين فرغ: لَا يُصَلِّي لكم، فَأَرَادَ بعد ذَلِك أَن يُصَلِّي لَهُم فمنعوه وَأَخْبرُوهُ بقول رَسُول ا، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله فَقَالَ: نعم، وحسبت أَنه قَالَ: إِنَّك آذيت اورسوله) . وَالْمعْنَى: أَنه فعل فعلا لَا يُرْضِي اورسوله. وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث جَابر أَنه قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله فِي مَسْجِدنَا هَذَا، وَفِي يَده عرجون ابْن طَابَ) ، ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا بَال أحدكُم يقوم يسْتَقْبل ربه، عز وَجل، فيتنخع أَمَامه، أَيُحِبُّ أَن يسْتَقْبل فيتنخع فِي وَجهه؟) الحَدِيث.

٦٠٤٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله رَأى بُصَاقاً فِي جِدَارِ القِبلَةِ فَحكَّهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى الناسِ فَقَالَ: (إذَا كانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى) . (الحَدِيث ٦٠٤ أَطْرَافه فِي: ٣٥٧، ٣١٢١، ١١١٦) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من إِسْنَاد الحك إِلَيْهِ أَنه كَانَ بِيَدِهِ، وَأَن الْمَعْهُود من جِدَار الْقبْلَة، جِدَار قبْلَة مَسْجِد رَسُول ا، وَبِهَذَا التَّقْدِير يسْقط سُؤال من يَقُول: إِن هَذَا الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على بعض التَّرْجَمَة، وَلَا يعلم أَن الحك كَانَ بِيَدِهِ وَلَا من الْمَسْجِد فَافْهَم.

وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب وَغَيره. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَنهُ بِهِ.

قَوْله: (فِي جِدَار الْقبْلَة) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فِي جِدَار الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة من طَرِيق أَيُّوب عَن نَافِع: (فِي قبْلَة الْمَسْجِد) وَزَاد فِيهِ: (ثمَّ نزل فحكها بِيَدِهِ) ، وَفِيه إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَالَة الْخطْبَة، وَصرح الْإِسْمَاعِيلِيّ بذلك فِي رِوَايَة من طَرِيق شيخ البُخَارِيّ، وَزَاد فِيهِ أَيْضا قَالَ: (وَأَحْسبهُ دَعَا بزعفران فلطخه بِهِ) ، وَزَاد عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَة عَن معمر عَن أَيُّوب، فَلذَلِك صنع الزَّعْفَرَان فِي الْمَسَاجِد. قَوْله: (فَإِن اقبل وَجهه) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، أَي: جِهَة وَجهه، وَهَذَا أَيْضا على سَبِيل التَّشْبِيه، أَي كَأَن اتعالى فِي مُقَابل وَجهه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن اقِبَل الْجِهَة الَّتِي عظمها، وَقيل: فَإِن قبله اوقبله ثَوَابه وَنَحْو ذَلِك، فَلَا يُقَابل هَذِه الْجِهَة بالبزاق الَّذِي هُوَ الاستخفاف لمن يبزق إِلَيْهِ وتحقيره.

٧٠٤١٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عنْ عائِشَة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله