«صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٠٤

الحديث رقم ٤٠٤ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في القبلة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٠٤ في صحيح البخاري

«صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟. قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا،

⦗٩٠⦘

فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ».

بَابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ

إسناد حديث رقم ٤٠٤ من صحيح البخاري

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ. قُلْتُ: وَتَصْوِيرُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفِ، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتِ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالْفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعُوهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَجَحَ عِنْدَهُمُ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلُ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ سَابِقٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَرَقِّبًا التَّحَوُّلَ الْمَذْكُورَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا صَنَعُوا مِنَ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلِ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَنَسْخُ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ وَمُقَدَّمَاتٌ أَفَادَتِ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِصِدْقِ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ فَلَمْ يُنْسَخْ عِنْدَهُمْ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَقِيلَ: كَانَ النَّسْخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا فِي زَمَنِهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا مُنِعَ بَعْدَهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا، وَأَنَّ اسْتِمَاعَ الْمُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ الَّذِي حُوِّلَتْ فِيهِ الْقِبْلَةُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ وَعَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ جَاهِلِينَ بِوُجُوبِ التَّحَوُّلِ عَنْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُونُ حُكْمُ السَّاهِي كَذَلِكَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجَاهِلَ مُسْتَصْحِبٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ مُغْتَفَرٌ فِي حَقِّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ السَّاهِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ حُكْمٍ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَعَرَفَهُ.

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ. (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) أَيْ: مَا سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ؟ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ سَهْوًا كَمَا يَظْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَثَنَى رِجْلَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.

٣٣ - بَاب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنْ الْمَسْجِدِ

٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي

الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِآلَةٍ أَمْ لَا. وَنَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فَحَكَّهُ بِيَدِهِ أَيْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لَا أَنَّهُ بَاشَرَ بِيَدِهِ النُّخَامَةَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ أَنَّهُ حَكَّهَا بِعُرْجُونٍ اهـ. وَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي الْقِصَّةِ مِنَ التَّعَدُّدِ، وَحَدِيثُ الْعُرْجُونِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ.

قَوْلُهُ: (نُخَامَةٌ) قِيلَ: هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الصَّدْرِ، وَبِالْمِيمِ مِنَ الرَّأْسِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْقِبْلَةِ) أَيِ: الْحَائِطِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى رُئِيَ) أَيْ شُوهِدَ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْمَشَقَّةِ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَّ رَبَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَأَنَّ رَبَّهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاجَاةِ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ حَقِيقَةُ النَّجْوَى وَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لَازِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ: فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَظَمَةُ اللَّهِ أَوْ ثَوَابُ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ. وَقَدْ نَزَعَ بِهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ جَهْلٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْزُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَفِيهِ نَقْضُ مَا أَصَّلُوهُ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ (١) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْقِبْلَةِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْمُصَلِّي فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ كَرَاهِيَةَ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ. وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

قَوْلُهُ: (قِبَلَ قِبْلَتِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ قِبْلَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أَيِ الْيُسْرَى كَمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعاتٍ (فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ) : (وَمَا ذَاكَ) أي: ما سبب هذا السُّؤال؟ (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) قال: (فَثَنَى) ، أي: عطف (رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، ولابن عساكر: «رجله» بالإفراد (٢) (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان أحكام القبلة شَرَعَ في بيان أحكام المساجد، فقال:

(٣٣) (بابُ حَكِّ البُزَاقِ) بالزَّاي، لغةٌ (٣) كالصَّاد والسِّين (بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) سواءٌ كان بآلةٍ أم لا.

٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ »: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً) بالميم مع ضمِّ النُّون، وهي ما يخرج من الصَّدر، أو من الرَّأس (فِي) الحائط الَّذي من (٤) جهة (القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) (حَتَّى رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن

الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى (١) رِيْء» بكسر الرَّاء وسكون الياء آخره همزةٌ، أي: شُوهِد (فِي وَجْهِهِ) أثر المشقَّة، وفي رواية النَّسائيِّ: «فغضب حتَّى احمرَّ وجهه» (فَقَامَ) (فَحَكَّهُ) أي: أثر النُّخامة (بِيَدِهِ فَقَالَ) ، ولابن عساكر: «وقال»: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) بعد شروعه فيها (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنَّه يناجيه تعالى والرَّبُّ تعالى يناجيه من جهةِ لازمِ ذلك وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز لأنَّ القرينة صارفةٌ عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسٌ إِلَّا من جهة العبد (أَوْ أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها كما في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «وإنَّ» (رَبَّهُ) بواو العطف، أي: اطِّلاع (٣) ربِّه على ما (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) إذ ظاهره مُحالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب على المصلِّي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء (٤) وسوء الأدب أن تتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجَّه إليه، قاله ابن بطَّالٍ. وقال الطِّيبيُّ: فإنَّه يناجي ربَّه، تعليلٌ للنَّهي (٥) شَبَّهَ العبد

وتوجُّهه إلى الله ﷿ في الصَّلاة، وما فيها من القرآن والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته ورحمته، مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويُطْرِق رأسه ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتَّى لا يصدر منه (١) من تلك الهيئات (٢) شيءٌ، وإن كان (٣) الله تعالى مُنزَّهًا عن الجهات لأنَّ الآداب الظَّاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها مع بعض (٤) (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا (٥) يبزق (٦)» (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (قِبْلَتِهِ) الَّتي عظَّمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي (٧) للاستخفاف والاحتقار، والأصحُّ: أنَّ النَّهي للتَّحريم كما يدلُّ عليه قوله في حديث الباب: فشقّ ذلك عليه حتَّى رُئِي في وجهه، وفي رواية النَّسائيِّ -كما مرَّ بعضه-: «حتَّى احمرَّ وجهه»، وبه جزم النَّوويُّ في «التَّحقيق» و «المجموع»، وكان تمسَّك بقوله في الحديث الصَّحيح: أنه خطيئةٌ، لكن في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ: ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد. بل بذلك، وببقائها غير مدفونةٍ (٨) (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي: لا عن يمينه، فإنَّ عن يمينه كاتبَ الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قدمه» أي: اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي، قال النَّوويُّ: هذا في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزق إِلَّا في ثوبه (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ

بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا) عُطِفَ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنَّه أوقع في النَّفس، وليست لفظة: «أو» هنا للشَّكِّ، بل للتَّنويع، أي (١): هو مُخيَّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أنَّ المصنِّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البصاق، وحينئذٍ فـ «أو» للتَّنويع.

وأخرج هذا الحديث المؤلِّف في «كفَّارة البزاق في المسجد» [خ¦٤١٥] وفي «باب إذا بدره البزاق» [خ¦٤١٧] وفي غيرهما، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ. قُلْتُ: وَتَصْوِيرُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفِ، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتِ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالْفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعُوهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَجَحَ عِنْدَهُمُ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلُ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ سَابِقٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَرَقِّبًا التَّحَوُّلَ الْمَذْكُورَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا صَنَعُوا مِنَ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلِ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَنَسْخُ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ؛ لِأَنَّ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ وَمُقَدَّمَاتٌ أَفَادَتِ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِصِدْقِ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ فَلَمْ يُنْسَخْ عِنْدَهُمْ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَقِيلَ: كَانَ النَّسْخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا فِي زَمَنِهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا مُنِعَ بَعْدَهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا، وَأَنَّ اسْتِمَاعَ الْمُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ الَّذِي حُوِّلَتْ فِيهِ الْقِبْلَةُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ وَعَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ جَاهِلِينَ بِوُجُوبِ التَّحَوُّلِ عَنْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُونُ حُكْمُ السَّاهِي كَذَلِكَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجَاهِلَ مُسْتَصْحِبٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ مُغْتَفَرٌ فِي حَقِّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ السَّاهِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ حُكْمٍ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَعَرَفَهُ.

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ. (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَعَلُّقُهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) أَيْ: مَا سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ؟ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ سَهْوًا كَمَا يَظْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَثَنَى رِجْلَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.

٣٣ - بَاب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنْ الْمَسْجِدِ

٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي

الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِآلَةٍ أَمْ لَا. وَنَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فَحَكَّهُ بِيَدِهِ أَيْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لَا أَنَّهُ بَاشَرَ بِيَدِهِ النُّخَامَةَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ أَنَّهُ حَكَّهَا بِعُرْجُونٍ اهـ. وَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي الْقِصَّةِ مِنَ التَّعَدُّدِ، وَحَدِيثُ الْعُرْجُونِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ.

قَوْلُهُ: (نُخَامَةٌ) قِيلَ: هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الصَّدْرِ، وَبِالْمِيمِ مِنَ الرَّأْسِ.

قَوْلُهُ: (فِي الْقِبْلَةِ) أَيِ: الْحَائِطِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى رُئِيَ) أَيْ شُوهِدَ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْمَشَقَّةِ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَّ رَبَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَأَنَّ رَبَّهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاجَاةِ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ حَقِيقَةُ النَّجْوَى وَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لَازِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ: فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَظَمَةُ اللَّهِ أَوْ ثَوَابُ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ. وَقَدْ نَزَعَ بِهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ جَهْلٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْزُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَفِيهِ نَقْضُ مَا أَصَّلُوهُ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ (١) وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْقِبْلَةِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْمُصَلِّي فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ كَرَاهِيَةَ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ. وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

قَوْلُهُ: (قِبَلَ قِبْلَتِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ قِبْلَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أَيِ الْيُسْرَى كَمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ الظُّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعاتٍ (فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ) : (وَمَا ذَاكَ) أي: ما سبب هذا السُّؤال؟ (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) قال: (فَثَنَى) ، أي: عطف (رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، ولابن عساكر: «رجله» بالإفراد (٢) (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان أحكام القبلة شَرَعَ في بيان أحكام المساجد، فقال:

(٣٣) (بابُ حَكِّ البُزَاقِ) بالزَّاي، لغةٌ (٣) كالصَّاد والسِّين (بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) سواءٌ كان بآلةٍ أم لا.

٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ »: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً) بالميم مع ضمِّ النُّون، وهي ما يخرج من الصَّدر، أو من الرَّأس (فِي) الحائط الَّذي من (٤) جهة (القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) (حَتَّى رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن

الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى (١) رِيْء» بكسر الرَّاء وسكون الياء آخره همزةٌ، أي: شُوهِد (فِي وَجْهِهِ) أثر المشقَّة، وفي رواية النَّسائيِّ: «فغضب حتَّى احمرَّ وجهه» (فَقَامَ) (فَحَكَّهُ) أي: أثر النُّخامة (بِيَدِهِ فَقَالَ) ، ولابن عساكر: «وقال»: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) بعد شروعه فيها (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنَّه يناجيه تعالى والرَّبُّ تعالى يناجيه من جهةِ لازمِ ذلك وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز لأنَّ القرينة صارفةٌ عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسٌ إِلَّا من جهة العبد (أَوْ أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها كما في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «وإنَّ» (رَبَّهُ) بواو العطف، أي: اطِّلاع (٣) ربِّه على ما (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) إذ ظاهره مُحالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب على المصلِّي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء (٤) وسوء الأدب أن تتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجَّه إليه، قاله ابن بطَّالٍ. وقال الطِّيبيُّ: فإنَّه يناجي ربَّه، تعليلٌ للنَّهي (٥) شَبَّهَ العبد

وتوجُّهه إلى الله ﷿ في الصَّلاة، وما فيها من القرآن والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته ورحمته، مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويُطْرِق رأسه ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتَّى لا يصدر منه (١) من تلك الهيئات (٢) شيءٌ، وإن كان (٣) الله تعالى مُنزَّهًا عن الجهات لأنَّ الآداب الظَّاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها مع بعض (٤) (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا (٥) يبزق (٦)» (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (قِبْلَتِهِ) الَّتي عظَّمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي (٧) للاستخفاف والاحتقار، والأصحُّ: أنَّ النَّهي للتَّحريم كما يدلُّ عليه قوله في حديث الباب: فشقّ ذلك عليه حتَّى رُئِي في وجهه، وفي رواية النَّسائيِّ -كما مرَّ بعضه-: «حتَّى احمرَّ وجهه»، وبه جزم النَّوويُّ في «التَّحقيق» و «المجموع»، وكان تمسَّك بقوله في الحديث الصَّحيح: أنه خطيئةٌ، لكن في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ: ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد. بل بذلك، وببقائها غير مدفونةٍ (٨) (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي: لا عن يمينه، فإنَّ عن يمينه كاتبَ الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قدمه» أي: اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي، قال النَّوويُّ: هذا في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزق إِلَّا في ثوبه (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ

بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا) عُطِفَ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنَّه أوقع في النَّفس، وليست لفظة: «أو» هنا للشَّكِّ، بل للتَّنويع، أي (١): هو مُخيَّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أنَّ المصنِّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البصاق، وحينئذٍ فـ «أو» للتَّنويع.

وأخرج هذا الحديث المؤلِّف في «كفَّارة البزاق في المسجد» [خ¦٤١٥] وفي «باب إذا بدره البزاق» [خ¦٤١٧] وفي غيرهما، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله