«إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٦

الحديث رقم ٤١٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب دفن النخامة في المسجد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نصّ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَبْصُقْ…

«إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا».

بَابٌ: إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ

إسناد: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَبْصُقْ…

٤١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

شرح: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَبْصُقْ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَسْجِدِ، وَالْقَاضِي بِخِلَافِهِ يَجْعَلُ الثَّانِيَ عَامًّا وَيَخُصُّ الْأَوَّلَ بِمَنْ لَمْ يُرِدْ دَفْنَهَا، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِيَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ مَكِّيٍّ فِي التَّنْقِيبِ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَغَيْرُهُمَا. وَيَشْهَدُ لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا قَالَ: مَنْ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَتُؤْذِيَهُ. وَأَوْضَحُ مِنْهُ فِي الْمَقْصُودِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: مَنْ تَنَخَّعَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْفِنْهُ فَسَيِّئَةٌ، وَإِنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ فَلَمْ يَجْعَلْهُ سَيِّئَةً إِلَّا بِقَيْدِ عَدَمِ الدَّفْنِ.

وَنَحْوُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا قَالَ: وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِ أُمَّتِي النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا حُكْمُ السَّيِّئَةِ لِمُجَرَّدِ إِيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ بَلْ بِهِ وَبِتَرْكِهَا غَيْرَ مَدْفُونَةٍ. انْتَهَى.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةً فَنَسِيَ أَنْ يَدْفِنَهَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخَذَ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ ثُمَّ جَاءَ فَطَلَبَهَا حَتَّى دَفَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَكْتُبْ عَلَيَّ خَطِيئَةً اللَّيْلَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَطِيئَةَ تَخْتَصُّ بِمَنْ تَرَكَهَا لَا بِمَنْ دَفَنَهَا.

وَعِلَّةُ النَّهْيِ تُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَهِيَ تَأَذِّي الْمُؤْمِنِ بِهَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصُ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا خِلَافٍ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ فَبَصَقَ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ. وَتَوَسَّطَ بَعْضُهُمْ فَحَمَلَ الْجَوَازَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَأَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْمَنْعَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ أَيْضًا بَيْنَ مَنْ بَدَأَ بِمُعَالَجَةِ الدَّفْنِ قَبْلَ الْفِعْلِ كَمَنْ حَفَرَ أَوَّلًا ثُمَّ بَصَقَ وَأَوْرَى، وَبَيْنَ مَنْ بَصَقَ أَوَّلًا بِنِيَّةِ أَنْ يَدْفِنَ مَثَلًا، فَيُجْرَى فِيهِ الْخِلَافُ بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُكَفِّرُ إِثْمَ إِبْرَازِهَا هُوَ دَفْنَهَا فَكَيْفَ يَأْثَمُ مَنْ دَفَنَهَا ابْتِدَاءً؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: كَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا قَالَ الْجُمْهُورُ: يَدْفِنُهَا فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَمْلِهِ أَوْ حَصْبَائِهِ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِدَفْنِهَا إِخْرَاجُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ أَصْلًا.

قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ الرُّويَانِيُّ يَجْرِي عَلَى مَا يَقُولُ النَّوَوِيُّ مِنَ الْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْفَاعِلِ فِيهِ، حَتَّى لَوْ بَصَقَ مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِيهِ تَنَاوَلَهُ النَّهْيُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ

٤١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ بِلَفْظِ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَيَدْفِنُهَا فَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَى الصَّلَاةِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ، لَكِنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا تَرْجَمَ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَهَذَا بِالدَّفْنِ إِشْعَارًا بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ بِلَا حَاجَةٍ - وَهُوَ الَّذِي أَثَبَتَ عَلَيْهِ الْخَطِيئَةَ - وَبَيْنَ مَنْ غَلَبَتْهُ النُّخَامَةُ وَهُوَ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي الدَّفْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا يُنَاجِي) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ.

قَوْلُهُ: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْعِ بِمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي هذا الحديث: التَّحديث والقول والتَّصريح بسماع قتادة من (١) أنسٍ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة وكذا أبو داود.

(٣٨) (بابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ) جائزٌ.

٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) صاحب المؤلَّف، ابن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ، وللأَصيليِّ: «أخبرنا مَعْمَرٌ» (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّه بن كاملٍ الصَّنعانيِّ، أخو وهْبٍ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: شرع فيها (فَلَا يَبْصُقْ) بالصَّاد، والجزم على النَّهي (أَمَامَهُ) بفتح الهمزة، أي: قدَّامه

(فَإِنَّمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّه» (يُنَاجِي اللهَ) ﷿ (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) ظاهره تخصيص المنع بحالة الصَّلاة، لكنَّ التَّعليل بتأذِّي المسلم يقتضي المنع مطلقًا ولولم يكن في الصَّلاة. نعم هو في الصَّلاة أشدُّ إثمًا مطلقًا، وفي جدار القبلة أشدُّ إثمًا من غيرها من جدار المسجد (وَلَا) يبصق (عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) يكتب الحسنات لأنَّ الصَّلاة هي أمُّها، فلا دخل (١) لكاتب السَّيِّئات الكائن عن اليسار فيها، أو (٢) إنَّ لكلِّ أحدٍ قرينًا وموقفه يساره كما في «الطَّبرانيِّ»، فلعلَّ المصلِّي إذا تفل يقع على قرينه وهو الشَّيطان، ولا يصيب (٣) المَلَك منه شيءٌ (وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) إذا كانت جهته فارغةً من المصلِّين، وفي حديث طارق بن عبد الله المحاربيِّ المرويِّ في السَّند: «ولكن تلقى يساره إذا كان فارغًا» (٤) (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) اليسرى في غير المسجد، أمَّا في المسجد ففي ثوبه، لأنَّه قد قال: إنَّه خطيئةٌ، فلم يأذن فيه، فلو تعذَّر في جهة اليسار لوجود مصلٍّ فيها بصق تحت قدمه أو في ثوبه (فَيَدْفِنُهَا) بالرَّفع (٥)، وهو الَّذي في الفرع خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: فهو يدفنها، وبالنَّصب جواب الأمر، وبالجزم عطفًا على الأمر، أي: فيغيِّبُ البصقة بالتَّعميق في باطن أرض المسجد إذا كانت غير متنجِّسةٍ بحيث يأمن الجالس عليها (٦) من الإيذاء، فلو كان المسجد غير ترابيٍّ فليدلكها بشيءٍ حتَّى يذهب أثرها البتَّة (٧). ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بخاريٍّ وصنعانيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة.

(٣٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَدَرَهُ) أي: غلب على المصلِّي (البُزَاقُ) بالزَّاي، ولم يقدر على دفعه (فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ) وقد أنكر الشَّمس السَّروجيُّ أن يُقال: بدره، بل بدرت إليه وبادرته (٢)، وأجاب الزَّركشيُّ والبرماويُّ والدَّمامينيُّ وابن حجرٍ نصرةً للمؤلِّف بأنَّه من باب المغالبة، أي: بادر البزاق فبدره، أي: غلبه (٣) في السَّبق، قال الدَّمامينيُّ: وهذا غير منكرٍ، وتعقَّب العينيُّ ذلك على ابن حجرٍ -كعادته- فقال: هذا كلام من لم يمسَّ شيئًا من علم التَّصريف، فإنَّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَسْجِدِ، وَالْقَاضِي بِخِلَافِهِ يَجْعَلُ الثَّانِيَ عَامًّا وَيَخُصُّ الْأَوَّلَ بِمَنْ لَمْ يُرِدْ دَفْنَهَا، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِيَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ مَكِّيٍّ فِي التَّنْقِيبِ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَغَيْرُهُمَا. وَيَشْهَدُ لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا قَالَ: مَنْ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَتُؤْذِيَهُ. وَأَوْضَحُ مِنْهُ فِي الْمَقْصُودِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: مَنْ تَنَخَّعَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْفِنْهُ فَسَيِّئَةٌ، وَإِنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ فَلَمْ يَجْعَلْهُ سَيِّئَةً إِلَّا بِقَيْدِ عَدَمِ الدَّفْنِ.

وَنَحْوُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا قَالَ: وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِ أُمَّتِي النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا حُكْمُ السَّيِّئَةِ لِمُجَرَّدِ إِيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ بَلْ بِهِ وَبِتَرْكِهَا غَيْرَ مَدْفُونَةٍ. انْتَهَى.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةً فَنَسِيَ أَنْ يَدْفِنَهَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخَذَ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ ثُمَّ جَاءَ فَطَلَبَهَا حَتَّى دَفَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَكْتُبْ عَلَيَّ خَطِيئَةً اللَّيْلَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَطِيئَةَ تَخْتَصُّ بِمَنْ تَرَكَهَا لَا بِمَنْ دَفَنَهَا.

وَعِلَّةُ النَّهْيِ تُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَهِيَ تَأَذِّي الْمُؤْمِنِ بِهَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصُ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا خِلَافٍ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ فَبَصَقَ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ. وَتَوَسَّطَ بَعْضُهُمْ فَحَمَلَ الْجَوَازَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَأَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْمَنْعَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ أَيْضًا بَيْنَ مَنْ بَدَأَ بِمُعَالَجَةِ الدَّفْنِ قَبْلَ الْفِعْلِ كَمَنْ حَفَرَ أَوَّلًا ثُمَّ بَصَقَ وَأَوْرَى، وَبَيْنَ مَنْ بَصَقَ أَوَّلًا بِنِيَّةِ أَنْ يَدْفِنَ مَثَلًا، فَيُجْرَى فِيهِ الْخِلَافُ بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُكَفِّرُ إِثْمَ إِبْرَازِهَا هُوَ دَفْنَهَا فَكَيْفَ يَأْثَمُ مَنْ دَفَنَهَا ابْتِدَاءً؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: كَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا قَالَ الْجُمْهُورُ: يَدْفِنُهَا فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَمْلِهِ أَوْ حَصْبَائِهِ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِدَفْنِهَا إِخْرَاجُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ أَصْلًا.

قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ الرُّويَانِيُّ يَجْرِي عَلَى مَا يَقُولُ النَّوَوِيُّ مِنَ الْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْفَاعِلِ فِيهِ، حَتَّى لَوْ بَصَقَ مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِيهِ تَنَاوَلَهُ النَّهْيُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ

٤١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ بِلَفْظِ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَيَدْفِنُهَا فَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَى الصَّلَاةِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ، لَكِنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا تَرْجَمَ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَهَذَا بِالدَّفْنِ إِشْعَارًا بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ بِلَا حَاجَةٍ - وَهُوَ الَّذِي أَثَبَتَ عَلَيْهِ الْخَطِيئَةَ - وَبَيْنَ مَنْ غَلَبَتْهُ النُّخَامَةُ وَهُوَ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي الدَّفْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا يُنَاجِي) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ.

قَوْلُهُ: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْعِ بِمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي هذا الحديث: التَّحديث والقول والتَّصريح بسماع قتادة من (١) أنسٍ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة وكذا أبو داود.

(٣٨) (بابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ) جائزٌ.

٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) صاحب المؤلَّف، ابن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ، وللأَصيليِّ: «أخبرنا مَعْمَرٌ» (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّه بن كاملٍ الصَّنعانيِّ، أخو وهْبٍ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: شرع فيها (فَلَا يَبْصُقْ) بالصَّاد، والجزم على النَّهي (أَمَامَهُ) بفتح الهمزة، أي: قدَّامه

(فَإِنَّمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّه» (يُنَاجِي اللهَ) ﷿ (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) ظاهره تخصيص المنع بحالة الصَّلاة، لكنَّ التَّعليل بتأذِّي المسلم يقتضي المنع مطلقًا ولولم يكن في الصَّلاة. نعم هو في الصَّلاة أشدُّ إثمًا مطلقًا، وفي جدار القبلة أشدُّ إثمًا من غيرها من جدار المسجد (وَلَا) يبصق (عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) يكتب الحسنات لأنَّ الصَّلاة هي أمُّها، فلا دخل (١) لكاتب السَّيِّئات الكائن عن اليسار فيها، أو (٢) إنَّ لكلِّ أحدٍ قرينًا وموقفه يساره كما في «الطَّبرانيِّ»، فلعلَّ المصلِّي إذا تفل يقع على قرينه وهو الشَّيطان، ولا يصيب (٣) المَلَك منه شيءٌ (وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) إذا كانت جهته فارغةً من المصلِّين، وفي حديث طارق بن عبد الله المحاربيِّ المرويِّ في السَّند: «ولكن تلقى يساره إذا كان فارغًا» (٤) (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) اليسرى في غير المسجد، أمَّا في المسجد ففي ثوبه، لأنَّه قد قال: إنَّه خطيئةٌ، فلم يأذن فيه، فلو تعذَّر في جهة اليسار لوجود مصلٍّ فيها بصق تحت قدمه أو في ثوبه (فَيَدْفِنُهَا) بالرَّفع (٥)، وهو الَّذي في الفرع خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: فهو يدفنها، وبالنَّصب جواب الأمر، وبالجزم عطفًا على الأمر، أي: فيغيِّبُ البصقة بالتَّعميق في باطن أرض المسجد إذا كانت غير متنجِّسةٍ بحيث يأمن الجالس عليها (٦) من الإيذاء، فلو كان المسجد غير ترابيٍّ فليدلكها بشيءٍ حتَّى يذهب أثرها البتَّة (٧). ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بخاريٍّ وصنعانيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة.

(٣٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَدَرَهُ) أي: غلب على المصلِّي (البُزَاقُ) بالزَّاي، ولم يقدر على دفعه (فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ) وقد أنكر الشَّمس السَّروجيُّ أن يُقال: بدره، بل بدرت إليه وبادرته (٢)، وأجاب الزَّركشيُّ والبرماويُّ والدَّمامينيُّ وابن حجرٍ نصرةً للمؤلِّف بأنَّه من باب المغالبة، أي: بادر البزاق فبدره، أي: غلبه (٣) في السَّبق، قال الدَّمامينيُّ: وهذا غير منكرٍ، وتعقَّب العينيُّ ذلك على ابن حجرٍ -كعادته- فقال: هذا كلام من لم يمسَّ شيئًا من علم التَّصريف، فإنَّ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده