«وَجَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ فَقَالَ لِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٢٢

الحديث رقم ٤٢٢ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب فيه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «وجدت النبي ﷺ في المسجد معه ناس فقمت فقال…

«وَجَدْتُ النَّبِيَّ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ فَقَالَ لِي: آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟. قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لِطَعَامٍ؟. قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ».

سند حديث: ٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَ أَنَسًا قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «وجدت النبي ﷺ في المسجد معه ناس فقمت فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ مُرْسَلًا أَنَّهُ كَانَ مِائَةَ أَلْفٍ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ خَرَاجِ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ خَرَاجٍ حُمِلَ إِلَى النَّبِيِّ . وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَيْهِمْ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ الْحَدِيثَ. فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَعْيِينُ الْآتِي بِالْمَالِ، لَكِنْ فِي الرِّدَّةِ لِلْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِالْمَالِ هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ حَارِثَةَ الثَّقَفِيُّ، فَلَعَلَّهُ كَانَ رَفِيقَ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ. وَفِيهِ: فَلَمْ يَقْدُمْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ، فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَلَيْسَ مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ فِي السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا النَّبِيُّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالَ خَرَاجٍ أَوْ جِزْيَةٍ فَكَانَ يَقْدُمُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: انْثُرُوهُ) أَيْ صُبُّوهُ.

قَوْلُهُ: (وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) أَيِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ أُسِرَ مَعَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ: (فَحَثَا) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَالضَّمِيرُ فِي ثَوْبِهِ يَعُودُ عَلَى الْعَبَّاسِ.

قَوْلُهُ: (يُقِلُّهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِقْلَالِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَالْحَمْلُ.

قَوْلُهُ: (مُرْ بَعْضَهُمْ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ اؤْمُرْ بِالْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ: (يَرْفَعْهُ) بالْجَزْمُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ فَهُوَ يَرْفَعُهُ.

قَوْلُهُ: (عَلَى كَاهِلِهِ) أَيْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (يُتْبِعُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِتْبَاعِ، وَ (عَجَبًا) بِالْفَتْحِ. وَقَوْلُهُ: (وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ هُنَاكَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ كَرَمِ النَّبِيِّ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ إِلَى الْمَالِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَأَنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ مَالَ الْمَصَالِحِ فِي مُسْتَحِقِّيهَا وَلَا يُؤَخِّرَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ مُخْتَصَرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا جَوَازُ وَضْعِ مَا يَشْتَرِكُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَحِلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يُمْنَعْ مِمَّا وُضِعَ لَهُ الْمَسْجِدُ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا بُنِيَ الْمَسْجِدُ لِأَجْلِهِ، وَنَحْوُ وَضْعِ هَذَا الْمَالِ وَضْعُ مَالِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ وَضْعِ مَا يَعُمُّ نَفْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْمَاءِ لِشُرْبِ مَنْ يَعْطَشُ، وَيُحْتَمَلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا يُوضَعُ لِلتَّفْرِقَةِ وَبَيْنَ مَا يُوضَعُ لِلْخَزْنِ فَيُمْنَعُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ.

[الحديث ٤٢٢ - أطرافه في: ٦٦٨٨، ٥٤٥٠، ٥٣٨١، ٣٥٧٨]

٤٣ - بَاب مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ أَجَابَ منه

٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ أَنَسًا قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ، فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: لِطَعَامٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ مِنْهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِأَحَدِ شِقَّيِ التَّرْجَمَةِ وَهُوَ الثَّانِي، وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْمَسْجِدِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ دَعَا لَا بِقَوْلِهِ: طَعَامٌ فَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ الَّذِي يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ. وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ ابْتِدَائِيَّةٌ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَعُودُ عَلَى الطَّعَامِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ بَدَلَ لِمَنْ حَوْلَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الدُّعَاءِ إِلَى الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيمَةً، وَاسْتِدْعَاءُ الْكَثِيرِ إِلَى الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ الْمَدْعُوَّ إِذَا عَلِمَ مِنَ الدَّاعِي أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا بَأْسَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طلحة» كما في الفرع وأصله (١)، وهو ابن أخي أنسٍ لأمِّه (سَمِعَ) وللأَصيليِّ: «أنَّه سمع» (أَنَسًا) وفي روايةٍ: «أنس بن مالك ».

(وَجَدْتُ) أي: يقول: وجدت، ولابن عساكر: «قال: وجدت» أي: أصبت (النَّبِيَّ ) حال كونه (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (٢) حال كونه (مَعَهُ نَاسٌ) ولأبي الوقت: «ومعه» بالواو (فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي) : (أأرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) زيد بن سهلٍ، أحد النُّقباء ليلة العقبة، زوج أمِّ أنسٍّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على الأصحِّ، وقول ابن الملقِّن: آرسلك، بالمدِّ، وهو علمٌ من أعلام نبوَّته لأنَّ أبا طلحة أرسله بغتةً، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا يظهر هذا (٣) مع وجود الاستفهام إذ ليس فيه إخبارٌ البتَّة، وفي بعض الأصول: «أرسلك» بغير همزة الاستفهام (قُلْتُ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقلت»: (نَعَمْ) أرسلني (فَقَالَ) ، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (لِطَعَامٍ؟) بالتَّنكير، وفي روايةٍ: «للطَّعام» (قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ) بفاءٍ قبل القاف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال» (لِمَنْ معه) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «لمن حَوْلَهُ» بالنَّصب

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَوله: (وَمَعَهُ نَاس) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أرسلك) ، ويروي: (أأرسلك) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) ، هُوَ: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ أحد نقباء الْعقبَة، شهد الْمشَاهد كلهَا، رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَتسْعُونَ حَدِيثا، مِنْهَا للْبُخَارِيّ ثَلَاثَة، وَهُوَ زوج أم أنس، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ على الْأَصَح. قَوْله: (قَالَ لطعام) ، ويروى: (للطعام) . قَوْله: (قَالَ لمن حوله) مَنْصُوب بالظرفية أَي: لمن كَانَ حوله. قَوْله: (فَانْطَلق) أَي: إِلَى بَيت أبي طَلْحَة، وَفِي بعض النّسخ: (فَانْطَلقُوا) أَي: انْطلق النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَمن كَانَ مَعَه.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الحجابة، وَهُوَ أَن يتَقَدَّم بعض الخدام بَين يَدي الإِمَام وَنَحْوه. وَفِيه: الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام وَإِن لم يكن وَلِيمَة. وَفِيه: أَن الدُّعَاء إِلَى ذَلِك من الْمَسْجِد وَغَيره سَوَاء، لِأَن ذَلِك من أَعمال الْبر، وَلَيْسَ ثَوَاب الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد بِأَقَلّ من ثَوَاب الْإِطْعَام. وَفِيه: دُعَاء السُّلْطَان إِلَى الطَّعَام الْقَلِيل. وَفِيه: أَن الرجل الْكَبِير إِذا دعِي إِلَى طَعَام، وَعلم أَن صَاحبه لَا يكره أَن يجلب مَعَه غَيره ان الطَّعَام يكفيهم انه لَا بَأْس بِأَن يحمل مَعَه من حَضَره وانما حملهمْ النَّبِي بأصلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، إِلَى طَعَام، أبي طَلْحَة، وَهُوَ قَلِيل، لعلمه أَنه يَكْتَفِي جَمِيعهم ببركته وَمَا خصّه اتعالى بِهِ من الْكَرَامَة والفضيلة، وَهُوَ من عَلَامَات النُّبُوَّة.

٤٤ - (بابُ القَضاء واللِّعَانِ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجال والنِّساء)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقَضَاء، وَهُوَ: الحكم وَحكم اللّعان فِي الْمَسْجِد، وَعطف اللّعان على الْقَضَاء من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْقَضَاء أَعم من أَن يكون فِي اللّعان أَو غَيره، وَاللّعان مصدر: لَا عَن من: اللَّعْن، وَهُوَ الطَّرْد والإبعاد، وَسمي بِهِ لما فِيهِ من لعن نَفسه فِي الْخَامِسَة، وَهِي من تَسْمِيَة الْكل باسم الْبَعْض، كَالصَّلَاةِ تسمى رُكُوعًا وسجوداً. وَاللّعان، عندنَا: شَهَادَات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قَائِمَة مقَام الْقَذْف فِي حَقه، ومقام حد الزِّنَا فِي حَقّهَا، وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: هُوَ أَيْمَان مؤكدات بِلَفْظ الشَّهَادَة بِشَرْط أهليه الْيَمين، وَصفَة اللّعان مَا نطق بِهِ نَص الْقُرْآن فِي سُورَة النُّور، وَهُوَ أَن يبتدىء القَاضِي بِالزَّوْجِ فَيشْهد أَربع شَهَادَات يَقُول فِي كل مرّة أشهد با أَنِّي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا، يُشِير إِلَيْهَا فِي كل مرّة، وَيَقُول فِي الْخَامِسَة: لعنة اعليه إِن كَانَ من الْكَاذِبين، فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا، ثمَّ تشهد الْمَرْأَة أَربع شَهَادَات تَقول فِي كل مرّة أشهد با أَنه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا، وَتقول فِي الْخَامِسَة: غضب اعليها إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا. قَوْله: (بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء) ، حَشْو، وَلِهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

٣٢٤٤٨ - حدّثنا يَحْيَى قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ أنَ رَجُلاً قَالَ يَا رسولَ اأرَأيَتَ رَجُلاً وجَدَ مَعَ امْرأتِهِ رَجُلاً أيقْتُلُهُ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنا شاهِدٌ. (الحَدِيث ٣٢٤ أَطْرَافه فِي: ٥٤٧٤، ٦٤٧٤، ٩٥٢٥، ٨٠٣٥، ٩٠٣٥، ٤٥٨٦، ٥٦١٧، ٦٦١٧، ٤٠٣٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ) ، لِأَنَّهُ لَو لم ير مُبَاشرَة تَامَّة لما سَأَلَ رَسُول اعن جَوَاز قتل الرجل، وَإِلَّا فمجرد وجدان الرجل مَعَ امْرَأَته من غير مُبَاشرَة لَا يَقْتَضِي سُؤال الْقَتْل فِيهِ، فَفِي الْجُمْلَة لَيْسَ فِيهِ إِشْعَار بِالزِّنَا، وَلَا يَقْتَضِيهِ إلَاّ مَا يفهم من قَوْله: أَيَقْتُلُهُ؟ .

ذكر رِجَاله: خَمْسَة: الأول: يحيى بن مُوسَى أَبُو زَكَرِيَّا، يعرف بالخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سهل بن سعد بن مَالك بن خَالِد الخزرجي السَّاعِدِيّ، أَبُو الْعَبَّاس، وَقيل: أَبُو يحيى.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: ح دّثنا يحيى مُجَردا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحيى بن مُوسَى. وَقَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقيل: هُوَ يحيى بن جَعْفَر البيكندي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ: يحيى بن معِين، لِأَنَّهُ سمع من عبد الرَّزَّاق قلت: الْأَصَح مَا قَالَه ابْن السكن. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وصنعاني ومكي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، وَفِي التَّفْسِير عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَفِي الِاعْتِصَام عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب، وَفِي الْأَحْكَام، وَفِي الْمُحَاربين عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن فليح، وَعَن إِسْحَاق عَن الْفرْيَابِيّ عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك مطولا، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي بِبَعْضِه، وَعَن مُسَدّد ووهب بن بَيَان وَأحمد بن عَمْرو بن السَّرْح وَعَمْرو بن عُثْمَان، وَعَن مَحْمُود بن خَالِد، وَعَن أَحْمد بن صَالح، وَعَن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْوَركَانِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان.

ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ: قَوْله: (أَن رجلا) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: إِنَّه هِلَال بن أُميَّة وَقيل: عَاصِم بن عدي، وَقيل: عُوَيْمِر الْعجْلَاني. قلت: روى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ: (عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن عويمراً جَاءَ إِلَى عَاصِم ابْن عدي فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله أتقتلونه؟ سل يَا عَاصِم رَسُول ا)

الحَدِيث، وَفِي حَدِيث أنس، رَضِي اتعالى عَنهُ، هِلَال بن أُميَّة، روى الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث ابْن سِيرِين: (عَن أنس بن مَالك أَن هِلَال بن أُميَّة قذف شريك ابْن سمحاء بامرأته، فَرفع ذَلِك إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: (ائْتِ بأَرْبعَة شُهَدَاء، وإلَاّ فحد فِي ظهرك)

الحَدِيث. وَفِيه: (فَنزلت آيَة اللّعان) ، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: عُوَيْمِر الْعجْلَاني: (أَن رَسُول الله لَا عَن بَين الْعجْلَاني وَامْرَأَته)

الحَدِيث، وَرَاه الطَّحَاوِيّ وَأحمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) وَوَقع فِي حَدِيث عبد اللَّه بن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ إِلَى رَسُول الله فلاعن امْرَأَته. وَقَالَ الْمُهلب: الصَّحِيح أَن الْقَاذِف: عُوَيْمِر، وَالَّذِي ذكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله الْعجْلَاني هُوَ عُوَيْمِر، وَكَذَا فِي قَول عبد اللَّه بن مَسْعُود، وَكَانَ رجلا، وهلال بن أُميَّة خطأ، وَأَظنهُ غَلطا من هِشَام بن حسان، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قصَّة وَاحِدَة، وَالدَّلِيل على ذَلِك توقفه فِيهَا حَتَّى نزلت الْآيَة الْكَرِيمَة، وَلَو أَنَّهُمَا قضيتان لم يتَوَقَّف على الحكم فِي الثَّانِيَة بِمَا نزل عَلَيْهِ فِي الأولى. قلت: كَأَنَّهُ تبع فِي هَذَا الْكَلَام مُحَمَّد بن جرير، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّهْذِيب) : يستنكر قَوْله فِي الحَدِيث: هِلَال بن أُميَّة، وَإِنَّمَا الْقَاذِف عُوَيْمِر بن الْحَارِث بن زيد بن الْجد بن عجلَان. وَفِيمَا قَالَاه نظر لِأَن قَضِيَّة هِلَال وقذفه زَوجته بِشريك ثَابِتَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي موضِعين: الشَّهَادَات وَالتَّفْسِير وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس. وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّحِيح أَن هلالاً لَا عَن قبل عُوَيْمِر، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي. الْأَكْثَرُونَ على أَن قصَّة هِلَال أسبق من قصَّة عُوَيْمِر، وَفِي (الشَّامِل) لِابْنِ الصّباغ قصَّة هِلَال، تبين أَن الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِيهِ أَولا.

قَوْله: (أَرَأَيْت رجلا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، أَي: أَخْبرنِي بِحكمِهِ فِي أَنه هَل يجوز قَتله أَو لَا؟ قَوْله: (فَتَلَاعَنا) ، فِيهِ حذف كثير وَقد بَين ذَلِك فِي غَيره من الْأَحَادِيث الَّتِي أخرجهَا البُخَارِيّ مكررة، كَمَا ذكرنَا، والمحذوف بعد قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ) أم كَيفَ يفعل؟ فَأنْزل افي شَأْنه مَا ذكر فِي الْقُرْآن من أَمر المتلاعنين، فَقَالَ النَّبِي: قد قضى فِيك وَفِي امْرَأَتك، قَالَ: فَتَلَاعَنا فِي الْمَسْجِد وَأَنا شَاهد، فَلَمَّا فرغا قَالَ: كذبت عَلَيْهَا يَا رَسُول اإن أَمْسَكتهَا، فَطلقهَا ثَلَاثًا قبل أَن يإمره رَسُول الله حِين فرغا من التلاعن، ففارقها عِنْد النَّبِي فَقَالَ: (ذَاك تَفْرِيق بَين كلا متلاعنين)

الحَدِيث وَسَيَأْتِي أَحْكَام اللّعان مستقصاة فِي كتاب اللّعان، وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا لأجل جَوَاز الْقُضَاة فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ جَائِز عِنْد عَامَّة الْعلمَاء، وَقَالَ مَالك: جُلُوس القَاضِي فِي الْمَسْجِد للْقَضَاء من الْأَمر الْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ، وَقَالَ ابْن حبيب: وَكَانَ من مضى من الْقَضَاء لَا يَجْلِسُونَ إلَاّ فِي رحاب الْمَسَاجِد خَارِجا. وَقَالَ أَشهب: لَا بَأْس أَن يقْضِي فِي بَيته أَو حَيْثُ أحب، وَاسْتحبَّ بَعضهم الرحاب، وَفِي (المعونة) : الأولى أَن يقْضِي فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ شُرَيْح وَابْن أبي ليلى يقضيان فِيهِ، وَرُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب كَرَاهِيَة ذَلِك، قَالَ: لَو كَانَ لي من الْأَمر شَيْء مَا تركت اثْنَيْنِ يختصمان فِي الْمَسْجِد. وَعَن الشَّافِعِي كراهيته فِي الْمَسْجِد إِذا أعده لذَلِك دون مَا إِذا انفقت لَهُ حُكُومَة فِيهِ، إِذْ فِيهِ حَدِيث: (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ رفع أَصْوَاتكُم وَخُصُومَاتكُمْ) ، وَلَا يعْتَرض على هَذَا بِاللّعانِ لِأَنَّهَا أَيْمَان وَيُرَاد بهَا التَّرْهِيب ليرْجع الْمُبْطل.

قلت: قَالَ أَصْحَابنَا جَمِيعًا: وَالْمُسْتَحب أَن يجلس فِي مجْلِس الحكم فِي الْجَامِع، فَإِن كَانَ مَسْجِدا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ مُرْسَلًا أَنَّهُ كَانَ مِائَةَ أَلْفٍ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ خَرَاجِ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ خَرَاجٍ حُمِلَ إِلَى النَّبِيِّ . وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَيْهِمْ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ الْحَدِيثَ. فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَعْيِينُ الْآتِي بِالْمَالِ، لَكِنْ فِي الرِّدَّةِ لِلْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِالْمَالِ هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ حَارِثَةَ الثَّقَفِيُّ، فَلَعَلَّهُ كَانَ رَفِيقَ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ. وَفِيهِ: فَلَمْ يَقْدُمْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ، فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَلَيْسَ مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ فِي السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا النَّبِيُّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالَ خَرَاجٍ أَوْ جِزْيَةٍ فَكَانَ يَقْدُمُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: انْثُرُوهُ) أَيْ صُبُّوهُ.

قَوْلُهُ: (وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) أَيِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ أُسِرَ مَعَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ: (فَحَثَا) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَالضَّمِيرُ فِي ثَوْبِهِ يَعُودُ عَلَى الْعَبَّاسِ.

قَوْلُهُ: (يُقِلُّهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِقْلَالِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَالْحَمْلُ.

قَوْلُهُ: (مُرْ بَعْضَهُمْ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ اؤْمُرْ بِالْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ: (يَرْفَعْهُ) بالْجَزْمُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ فَهُوَ يَرْفَعُهُ.

قَوْلُهُ: (عَلَى كَاهِلِهِ) أَيْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (يُتْبِعُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِتْبَاعِ، وَ (عَجَبًا) بِالْفَتْحِ. وَقَوْلُهُ: (وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ هُنَاكَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ كَرَمِ النَّبِيِّ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ إِلَى الْمَالِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَأَنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ مَالَ الْمَصَالِحِ فِي مُسْتَحِقِّيهَا وَلَا يُؤَخِّرَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ مُخْتَصَرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا جَوَازُ وَضْعِ مَا يَشْتَرِكُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَحِلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يُمْنَعْ مِمَّا وُضِعَ لَهُ الْمَسْجِدُ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا بُنِيَ الْمَسْجِدُ لِأَجْلِهِ، وَنَحْوُ وَضْعِ هَذَا الْمَالِ وَضْعُ مَالِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ وَضْعِ مَا يَعُمُّ نَفْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْمَاءِ لِشُرْبِ مَنْ يَعْطَشُ، وَيُحْتَمَلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا يُوضَعُ لِلتَّفْرِقَةِ وَبَيْنَ مَا يُوضَعُ لِلْخَزْنِ فَيُمْنَعُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ.

[الحديث ٤٢٢ - أطرافه في: ٦٦٨٨، ٥٤٥٠، ٥٣٨١، ٣٥٧٨]

٤٣ - بَاب مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ أَجَابَ منه

٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ أَنَسًا قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ، فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: لِطَعَامٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ مِنْهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِأَحَدِ شِقَّيِ التَّرْجَمَةِ وَهُوَ الثَّانِي، وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي الْمَسْجِدِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ دَعَا لَا بِقَوْلِهِ: طَعَامٌ فَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ الَّذِي يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ. وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ ابْتِدَائِيَّةٌ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَعُودُ عَلَى الطَّعَامِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ بَدَلَ لِمَنْ حَوْلَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الدُّعَاءِ إِلَى الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيمَةً، وَاسْتِدْعَاءُ الْكَثِيرِ إِلَى الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ الْمَدْعُوَّ إِذَا عَلِمَ مِنَ الدَّاعِي أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا بَأْسَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طلحة» كما في الفرع وأصله (١)، وهو ابن أخي أنسٍ لأمِّه (سَمِعَ) وللأَصيليِّ: «أنَّه سمع» (أَنَسًا) وفي روايةٍ: «أنس بن مالك ».

(وَجَدْتُ) أي: يقول: وجدت، ولابن عساكر: «قال: وجدت» أي: أصبت (النَّبِيَّ ) حال كونه (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (٢) حال كونه (مَعَهُ نَاسٌ) ولأبي الوقت: «ومعه» بالواو (فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي) : (أأرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) زيد بن سهلٍ، أحد النُّقباء ليلة العقبة، زوج أمِّ أنسٍّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على الأصحِّ، وقول ابن الملقِّن: آرسلك، بالمدِّ، وهو علمٌ من أعلام نبوَّته لأنَّ أبا طلحة أرسله بغتةً، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا يظهر هذا (٣) مع وجود الاستفهام إذ ليس فيه إخبارٌ البتَّة، وفي بعض الأصول: «أرسلك» بغير همزة الاستفهام (قُلْتُ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقلت»: (نَعَمْ) أرسلني (فَقَالَ) ، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (لِطَعَامٍ؟) بالتَّنكير، وفي روايةٍ: «للطَّعام» (قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ) بفاءٍ قبل القاف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال» (لِمَنْ معه) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «لمن حَوْلَهُ» بالنَّصب

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَقَوله: (وَمَعَهُ نَاس) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أرسلك) ، ويروي: (أأرسلك) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) ، هُوَ: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ أحد نقباء الْعقبَة، شهد الْمشَاهد كلهَا، رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَتسْعُونَ حَدِيثا، مِنْهَا للْبُخَارِيّ ثَلَاثَة، وَهُوَ زوج أم أنس، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ على الْأَصَح. قَوْله: (قَالَ لطعام) ، ويروى: (للطعام) . قَوْله: (قَالَ لمن حوله) مَنْصُوب بالظرفية أَي: لمن كَانَ حوله. قَوْله: (فَانْطَلق) أَي: إِلَى بَيت أبي طَلْحَة، وَفِي بعض النّسخ: (فَانْطَلقُوا) أَي: انْطلق النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَمن كَانَ مَعَه.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الحجابة، وَهُوَ أَن يتَقَدَّم بعض الخدام بَين يَدي الإِمَام وَنَحْوه. وَفِيه: الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام وَإِن لم يكن وَلِيمَة. وَفِيه: أَن الدُّعَاء إِلَى ذَلِك من الْمَسْجِد وَغَيره سَوَاء، لِأَن ذَلِك من أَعمال الْبر، وَلَيْسَ ثَوَاب الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد بِأَقَلّ من ثَوَاب الْإِطْعَام. وَفِيه: دُعَاء السُّلْطَان إِلَى الطَّعَام الْقَلِيل. وَفِيه: أَن الرجل الْكَبِير إِذا دعِي إِلَى طَعَام، وَعلم أَن صَاحبه لَا يكره أَن يجلب مَعَه غَيره ان الطَّعَام يكفيهم انه لَا بَأْس بِأَن يحمل مَعَه من حَضَره وانما حملهمْ النَّبِي بأصلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، إِلَى طَعَام، أبي طَلْحَة، وَهُوَ قَلِيل، لعلمه أَنه يَكْتَفِي جَمِيعهم ببركته وَمَا خصّه اتعالى بِهِ من الْكَرَامَة والفضيلة، وَهُوَ من عَلَامَات النُّبُوَّة.

٤٤ - (بابُ القَضاء واللِّعَانِ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجال والنِّساء)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقَضَاء، وَهُوَ: الحكم وَحكم اللّعان فِي الْمَسْجِد، وَعطف اللّعان على الْقَضَاء من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْقَضَاء أَعم من أَن يكون فِي اللّعان أَو غَيره، وَاللّعان مصدر: لَا عَن من: اللَّعْن، وَهُوَ الطَّرْد والإبعاد، وَسمي بِهِ لما فِيهِ من لعن نَفسه فِي الْخَامِسَة، وَهِي من تَسْمِيَة الْكل باسم الْبَعْض، كَالصَّلَاةِ تسمى رُكُوعًا وسجوداً. وَاللّعان، عندنَا: شَهَادَات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قَائِمَة مقَام الْقَذْف فِي حَقه، ومقام حد الزِّنَا فِي حَقّهَا، وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: هُوَ أَيْمَان مؤكدات بِلَفْظ الشَّهَادَة بِشَرْط أهليه الْيَمين، وَصفَة اللّعان مَا نطق بِهِ نَص الْقُرْآن فِي سُورَة النُّور، وَهُوَ أَن يبتدىء القَاضِي بِالزَّوْجِ فَيشْهد أَربع شَهَادَات يَقُول فِي كل مرّة أشهد با أَنِّي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا، يُشِير إِلَيْهَا فِي كل مرّة، وَيَقُول فِي الْخَامِسَة: لعنة اعليه إِن كَانَ من الْكَاذِبين، فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا، ثمَّ تشهد الْمَرْأَة أَربع شَهَادَات تَقول فِي كل مرّة أشهد با أَنه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا، وَتقول فِي الْخَامِسَة: غضب اعليها إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا. قَوْله: (بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء) ، حَشْو، وَلِهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

٣٢٤٤٨ - حدّثنا يَحْيَى قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ أنَ رَجُلاً قَالَ يَا رسولَ اأرَأيَتَ رَجُلاً وجَدَ مَعَ امْرأتِهِ رَجُلاً أيقْتُلُهُ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنا شاهِدٌ. (الحَدِيث ٣٢٤ أَطْرَافه فِي: ٥٤٧٤، ٦٤٧٤، ٩٥٢٥، ٨٠٣٥، ٩٠٣٥، ٤٥٨٦، ٥٦١٧، ٦٦١٧، ٤٠٣٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ) ، لِأَنَّهُ لَو لم ير مُبَاشرَة تَامَّة لما سَأَلَ رَسُول اعن جَوَاز قتل الرجل، وَإِلَّا فمجرد وجدان الرجل مَعَ امْرَأَته من غير مُبَاشرَة لَا يَقْتَضِي سُؤال الْقَتْل فِيهِ، فَفِي الْجُمْلَة لَيْسَ فِيهِ إِشْعَار بِالزِّنَا، وَلَا يَقْتَضِيهِ إلَاّ مَا يفهم من قَوْله: أَيَقْتُلُهُ؟ .

ذكر رِجَاله: خَمْسَة: الأول: يحيى بن مُوسَى أَبُو زَكَرِيَّا، يعرف بالخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سهل بن سعد بن مَالك بن خَالِد الخزرجي السَّاعِدِيّ، أَبُو الْعَبَّاس، وَقيل: أَبُو يحيى.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: ح دّثنا يحيى مُجَردا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحيى بن مُوسَى. وَقَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقيل: هُوَ يحيى بن جَعْفَر البيكندي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ: يحيى بن معِين، لِأَنَّهُ سمع من عبد الرَّزَّاق قلت: الْأَصَح مَا قَالَه ابْن السكن. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وصنعاني ومكي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، وَفِي التَّفْسِير عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَفِي الِاعْتِصَام عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب، وَفِي الْأَحْكَام، وَفِي الْمُحَاربين عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن فليح، وَعَن إِسْحَاق عَن الْفرْيَابِيّ عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك مطولا، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي بِبَعْضِه، وَعَن مُسَدّد ووهب بن بَيَان وَأحمد بن عَمْرو بن السَّرْح وَعَمْرو بن عُثْمَان، وَعَن مَحْمُود بن خَالِد، وَعَن أَحْمد بن صَالح، وَعَن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْوَركَانِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان.

ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ: قَوْله: (أَن رجلا) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: إِنَّه هِلَال بن أُميَّة وَقيل: عَاصِم بن عدي، وَقيل: عُوَيْمِر الْعجْلَاني. قلت: روى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ: (عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن عويمراً جَاءَ إِلَى عَاصِم ابْن عدي فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله أتقتلونه؟ سل يَا عَاصِم رَسُول ا)

الحَدِيث، وَفِي حَدِيث أنس، رَضِي اتعالى عَنهُ، هِلَال بن أُميَّة، روى الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث ابْن سِيرِين: (عَن أنس بن مَالك أَن هِلَال بن أُميَّة قذف شريك ابْن سمحاء بامرأته، فَرفع ذَلِك إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: (ائْتِ بأَرْبعَة شُهَدَاء، وإلَاّ فحد فِي ظهرك)

الحَدِيث. وَفِيه: (فَنزلت آيَة اللّعان) ، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: عُوَيْمِر الْعجْلَاني: (أَن رَسُول الله لَا عَن بَين الْعجْلَاني وَامْرَأَته)

الحَدِيث، وَرَاه الطَّحَاوِيّ وَأحمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) وَوَقع فِي حَدِيث عبد اللَّه بن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ إِلَى رَسُول الله فلاعن امْرَأَته. وَقَالَ الْمُهلب: الصَّحِيح أَن الْقَاذِف: عُوَيْمِر، وَالَّذِي ذكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله الْعجْلَاني هُوَ عُوَيْمِر، وَكَذَا فِي قَول عبد اللَّه بن مَسْعُود، وَكَانَ رجلا، وهلال بن أُميَّة خطأ، وَأَظنهُ غَلطا من هِشَام بن حسان، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قصَّة وَاحِدَة، وَالدَّلِيل على ذَلِك توقفه فِيهَا حَتَّى نزلت الْآيَة الْكَرِيمَة، وَلَو أَنَّهُمَا قضيتان لم يتَوَقَّف على الحكم فِي الثَّانِيَة بِمَا نزل عَلَيْهِ فِي الأولى. قلت: كَأَنَّهُ تبع فِي هَذَا الْكَلَام مُحَمَّد بن جرير، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّهْذِيب) : يستنكر قَوْله فِي الحَدِيث: هِلَال بن أُميَّة، وَإِنَّمَا الْقَاذِف عُوَيْمِر بن الْحَارِث بن زيد بن الْجد بن عجلَان. وَفِيمَا قَالَاه نظر لِأَن قَضِيَّة هِلَال وقذفه زَوجته بِشريك ثَابِتَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي موضِعين: الشَّهَادَات وَالتَّفْسِير وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس. وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّحِيح أَن هلالاً لَا عَن قبل عُوَيْمِر، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي. الْأَكْثَرُونَ على أَن قصَّة هِلَال أسبق من قصَّة عُوَيْمِر، وَفِي (الشَّامِل) لِابْنِ الصّباغ قصَّة هِلَال، تبين أَن الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِيهِ أَولا.

قَوْله: (أَرَأَيْت رجلا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، أَي: أَخْبرنِي بِحكمِهِ فِي أَنه هَل يجوز قَتله أَو لَا؟ قَوْله: (فَتَلَاعَنا) ، فِيهِ حذف كثير وَقد بَين ذَلِك فِي غَيره من الْأَحَادِيث الَّتِي أخرجهَا البُخَارِيّ مكررة، كَمَا ذكرنَا، والمحذوف بعد قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ) أم كَيفَ يفعل؟ فَأنْزل افي شَأْنه مَا ذكر فِي الْقُرْآن من أَمر المتلاعنين، فَقَالَ النَّبِي: قد قضى فِيك وَفِي امْرَأَتك، قَالَ: فَتَلَاعَنا فِي الْمَسْجِد وَأَنا شَاهد، فَلَمَّا فرغا قَالَ: كذبت عَلَيْهَا يَا رَسُول اإن أَمْسَكتهَا، فَطلقهَا ثَلَاثًا قبل أَن يإمره رَسُول الله حِين فرغا من التلاعن، ففارقها عِنْد النَّبِي فَقَالَ: (ذَاك تَفْرِيق بَين كلا متلاعنين)

الحَدِيث وَسَيَأْتِي أَحْكَام اللّعان مستقصاة فِي كتاب اللّعان، وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا لأجل جَوَاز الْقُضَاة فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ جَائِز عِنْد عَامَّة الْعلمَاء، وَقَالَ مَالك: جُلُوس القَاضِي فِي الْمَسْجِد للْقَضَاء من الْأَمر الْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ، وَقَالَ ابْن حبيب: وَكَانَ من مضى من الْقَضَاء لَا يَجْلِسُونَ إلَاّ فِي رحاب الْمَسَاجِد خَارِجا. وَقَالَ أَشهب: لَا بَأْس أَن يقْضِي فِي بَيته أَو حَيْثُ أحب، وَاسْتحبَّ بَعضهم الرحاب، وَفِي (المعونة) : الأولى أَن يقْضِي فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ شُرَيْح وَابْن أبي ليلى يقضيان فِيهِ، وَرُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب كَرَاهِيَة ذَلِك، قَالَ: لَو كَانَ لي من الْأَمر شَيْء مَا تركت اثْنَيْنِ يختصمان فِي الْمَسْجِد. وَعَن الشَّافِعِي كراهيته فِي الْمَسْجِد إِذا أعده لذَلِك دون مَا إِذا انفقت لَهُ حُكُومَة فِيهِ، إِذْ فِيهِ حَدِيث: (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ رفع أَصْوَاتكُم وَخُصُومَاتكُمْ) ، وَلَا يعْتَرض على هَذَا بِاللّعانِ لِأَنَّهَا أَيْمَان وَيُرَاد بهَا التَّرْهِيب ليرْجع الْمُبْطل.

قلت: قَالَ أَصْحَابنَا جَمِيعًا: وَالْمُسْتَحب أَن يجلس فِي مجْلِس الحكم فِي الْجَامِع، فَإِن كَانَ مَسْجِدا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله