«إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٢

الحديث رقم ٤٢ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حسن إسلام المرء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٢ في صحيح البخاري

«إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».

بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ

إسناد حديث رقم ٤٢ من صحيح البخاري

٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقُدَمَاءِ وَالْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ الْمُنِيرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْمُخَالِفُ لِلْقَوَاعِدِ دَعْوَى أَنْ يُكْتَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَأَمَّا أَنَّ اللَّهَ يُضِيفُ إِلَى حَسَنَاتِهِ فِي الْإِسْلَامِ ثَوَابَ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِمَّا كَانَ يَظُنُّهُ خَيْرًا فَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، وَكَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَى الْعَاجِزِ بِثَوَابِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ قَادِرٌ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَوَابَ مَا لَمْ يَعْمَلِ الْبَتَّةَ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَوَابَ مَا عَمِلَهُ غَيْرَ مُوَفَّى الشُّرُوطِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ لَوْ مَاتَ عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، بَلْ يَكُونُ هَبَاءً مَنْثُورًا.

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ الْأَوَّلِ يُكْتَبُ لَهُ مُضَافًا إِلَى عَمَلِهِ الثَّانِي، وَبِقَوْلِهِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ: وَمَا كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الْخَيْرِ هَلْ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ نَفَعَهُ مَا عَمِلَهُ فِي الْكُفْرِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) أَيْ: كِتَابَةُ الْمُجَازَاةِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِأَنَّهُ اسْمُ كَانَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامَّةً، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ الْوُقُوعَ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وَقَوْلُهُ: الْحَسَنَةُ مُبْتَدَأٌ، وَبِعَشْرِ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: إِلَى سبعمائة مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، أَيْ مُنْتَهِيَةٍ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْغَايَةِ فَزَعَمَ أَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَتَجَاوَزُ سَبْعَمِائَةٍ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُضَاعِفُ تِلْكَ الْمُضَاعَفَةِ بِأَنْ يَجْعَلَهَا سَبْعَمِائَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُضَاعِفُ السَّبْعَمِائَةِ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا، وَالْمُصَرِّحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُخَرَّجُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ وَلَفْظُهُ: كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا) زَادَ سَمَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ: إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ وَهُوَ الْغَفُورُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْمُوجِبِينَ لِخُلُودِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْحُسْنَ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ، وَآخِرُهُ يَرُدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.

٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ هَمَّامٍ) هُوَ ابْنُ مُنَبِّهٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ نُسْخَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِفْرَادِ حَدِيثٍ مِنْ نُسْخَةٍ هَلْ يُسَاقُ بِإِسْنَادِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدَأً بِهِ، أَوْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ وَمِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَبَدًا بِأَوَّلِ حَدِيثٍ وَيَذْكُرُ بَعْدَهُ مَا أَرَادَ. وَتَوَسَّطَ مُسْلِمٌ فَأَتَى بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ مِنْ جُمْلَةِ النُّسْخَةِ فَيَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا إِذَا انْتَهَى الْإِسْنَادُ: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا كَذَا، ثُمَّ يَذْكُرُ أَيَّ حَدِيثٍ أَرَادَ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) كَذَا لَهُ وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ إِذَا حَسُنَ إِسْلَامُ أَحَدِكُمْ وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ. وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ كَالْأَوَّلِ، وَالْخِطَابُ بِأَحَدِكُمْ بِحَسَبِ اللَّفْظِ لِلْحَاضِرِينَ، لَكِنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّنَاوُلِ أَهِيَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِالْمَجَازِ.

قَوْلُهُ: (فَكُلُّ حَسَنَةٍ) يُنْبِئُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

العمل، الحسنة بِعشْر أمثالها إلى سَبْعِ مئةٍ، والسَّيِّئة بمثلها إلَّا أن يغفر (١) الله»، والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من تِسع طرقٍ، ولفظه من طريق طلحة بن يحيى عن مالكٍ: «ما من عبدٍ يُسْلِم فَيحسن إسلامه إلَّا كتب الله له كلَّ حسنةٍ زَلَفَها، ومحا عنه كلَّ خطيئةٍ زَلَفَها» بالتَّخفيف فيهما، وللنَّسائيِّ نحوه، لكن قال: «أَزْلفها»، فقد ثبت في جميع الرِّوايات ما أسقطه البخاريُّ؛ وهو كتابة الحسنات المُتقدِّمة قبل الإسلام، وقوله: «كتب الله» أي: أمر أن يُكتب، وللدَّارقطنيِّ من طريق ابن شعيبٍ عن مالكٍ: «يقول الله لملائكته: اكتبوا»، قِيلَ: وإنَّما اختصره المؤلِّف لأنَّ قاعدة الشَّرع: أنَّ الكافر لا يُثابُ على طاعته في شِرْكِه؛ لأنَّ من شرطِ المتقرِّبِ كونه عارفًا بمن تقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وردَّه النَّوويُّ: بأنَّ الذي عليه المحقِّقون -بل نقل بعضهم فيه الإجماع- أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلةً على جهة التَّقرُّب إلى الله تعالى؛ كصدقةٍ، وصِلَةِ رَحمٍ، وإعتاقٍ ونحوها، ثمَّ أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتَب له، وحديث حكيم بن حزامٍ المرويُّ في «الصَّحيحين» يدلُّ عليه [خ¦١٤٣٦] كالحديث الآتي [خ¦٤٢] ودعوى أنَّه مخالفٌ للقواعد غير مُسلَّمَةٍ؛ لأنَّه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنيا؛ ككفَّارة الظِّهار، فإنَّه لا يلزم إعادتها إذا أسلم، وتُجْزِئُهُ، قال ابن المُنَيِّر: المُخالف للقواعد دعوى أنَّه يُكتَب له ذلك في حال كفره، وأمَّا أنَّ الله تعالى يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه ممَّا كان يظنُّه خيرًا فلا مانع منه، ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ مشهورون، وهو مُسلسَلٌ بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد، مع التَّصريح بسماع الصَّحابيِّ من الرسول .

٤٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية ابن عساكرَ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أي: ابن بَِهْرام؛ بكسر المُوحَّدة فيما قاله النَّوويُّ، والمشهور: فتحها، أبو يعقوب

الكوسج، من أهل مرو، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكرَ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ اليمانيُّ الصَّنعانيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى عَشْرَةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمَين مفتوحتَين، ابن راشدٍ أبو عروةَ البصريُّ، وسبق (عَنْ هَمَّامٍ) بتشديد الميم، وفي روايةٍ: «عن همَّام بن مُنَبِّهٍ» بن كاملٍ أبي عقبة اليمانيِّ الصَّنعانيِّ (١) الذِّماريِّ الأبناويِّ (٢) التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى عَشْرَةَ ومئةٍ بصنعاءَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظَّاهر، والخطاب للحاضرين، والحكم عامٌّ لهم ولغيرهم باتِّفاقٍ؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكمٌ على الجماعة، ويدخل فيه النِّساء والعبيد، لكنِ النِّزاع في كيفيَّة التَّناول؛ أهي حقيقةٌ عرفيَّةٌ أو شرعيَّةٌ، أو مجازٌ؟ (فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا) مبتدأٌ، خبره: (تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) حال كونها منتهيةً (إِلَى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ) بكسر الضَّاد، أي: مثل، وأتى بـ «كلُّ»، وهي أصرح في الاستغراق من «ال» في الحديث السَّابق (وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا) زاد مسلمٌ: «حتَّى يلقى الله تعالى» وقيَّد الحسنة والسَّيئة هنا بالعمل، وأطلق في السَّابق، فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والباء في «بمثلها» للمقابلة.

وفي هذا (٤) الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو إسنادُ حديثٍ من نسخة همَّامٍ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْقُدَمَاءِ وَالْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ الْمُنِيرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْمُخَالِفُ لِلْقَوَاعِدِ دَعْوَى أَنْ يُكْتَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَأَمَّا أَنَّ اللَّهَ يُضِيفُ إِلَى حَسَنَاتِهِ فِي الْإِسْلَامِ ثَوَابَ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِمَّا كَانَ يَظُنُّهُ خَيْرًا فَلَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، وَكَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَى الْعَاجِزِ بِثَوَابِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ قَادِرٌ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَوَابَ مَا لَمْ يَعْمَلِ الْبَتَّةَ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ ثَوَابَ مَا عَمِلَهُ غَيْرَ مُوَفَّى الشُّرُوطِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ لَوْ مَاتَ عَلَى إِيمَانِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، بَلْ يَكُونُ هَبَاءً مَنْثُورًا.

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ الْأَوَّلِ يُكْتَبُ لَهُ مُضَافًا إِلَى عَمَلِهِ الثَّانِي، وَبِقَوْلِهِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ: وَمَا كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الْخَيْرِ هَلْ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ نَفَعَهُ مَا عَمِلَهُ فِي الْكُفْرِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) أَيْ: كِتَابَةُ الْمُجَازَاةِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِأَنَّهُ اسْمُ كَانَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامَّةً، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ الْوُقُوعَ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وَقَوْلُهُ: الْحَسَنَةُ مُبْتَدَأٌ، وَبِعَشْرِ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: إِلَى سبعمائة مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، أَيْ مُنْتَهِيَةٍ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْغَايَةِ فَزَعَمَ أَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَتَجَاوَزُ سَبْعَمِائَةٍ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُضَاعِفُ تِلْكَ الْمُضَاعَفَةِ بِأَنْ يَجْعَلَهَا سَبْعَمِائَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُضَاعِفُ السَّبْعَمِائَةِ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا، وَالْمُصَرِّحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُخَرَّجُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ وَلَفْظُهُ: كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا) زَادَ سَمَّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ: إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ وَهُوَ الْغَفُورُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْمُوجِبِينَ لِخُلُودِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْحُسْنَ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ، وَآخِرُهُ يَرُدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.

٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ هَمَّامٍ) هُوَ ابْنُ مُنَبِّهٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ نُسْخَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِفْرَادِ حَدِيثٍ مِنْ نُسْخَةٍ هَلْ يُسَاقُ بِإِسْنَادِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدَأً بِهِ، أَوْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ وَمِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَبَدًا بِأَوَّلِ حَدِيثٍ وَيَذْكُرُ بَعْدَهُ مَا أَرَادَ. وَتَوَسَّطَ مُسْلِمٌ فَأَتَى بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ مِنْ جُمْلَةِ النُّسْخَةِ فَيَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا إِذَا انْتَهَى الْإِسْنَادُ: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا كَذَا، ثُمَّ يَذْكُرُ أَيَّ حَدِيثٍ أَرَادَ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) كَذَا لَهُ وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ إِذَا حَسُنَ إِسْلَامُ أَحَدِكُمْ وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ. وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ كَالْأَوَّلِ، وَالْخِطَابُ بِأَحَدِكُمْ بِحَسَبِ اللَّفْظِ لِلْحَاضِرِينَ، لَكِنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّنَاوُلِ أَهِيَ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِالْمَجَازِ.

قَوْلُهُ: (فَكُلُّ حَسَنَةٍ) يُنْبِئُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

العمل، الحسنة بِعشْر أمثالها إلى سَبْعِ مئةٍ، والسَّيِّئة بمثلها إلَّا أن يغفر (١) الله»، والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من تِسع طرقٍ، ولفظه من طريق طلحة بن يحيى عن مالكٍ: «ما من عبدٍ يُسْلِم فَيحسن إسلامه إلَّا كتب الله له كلَّ حسنةٍ زَلَفَها، ومحا عنه كلَّ خطيئةٍ زَلَفَها» بالتَّخفيف فيهما، وللنَّسائيِّ نحوه، لكن قال: «أَزْلفها»، فقد ثبت في جميع الرِّوايات ما أسقطه البخاريُّ؛ وهو كتابة الحسنات المُتقدِّمة قبل الإسلام، وقوله: «كتب الله» أي: أمر أن يُكتب، وللدَّارقطنيِّ من طريق ابن شعيبٍ عن مالكٍ: «يقول الله لملائكته: اكتبوا»، قِيلَ: وإنَّما اختصره المؤلِّف لأنَّ قاعدة الشَّرع: أنَّ الكافر لا يُثابُ على طاعته في شِرْكِه؛ لأنَّ من شرطِ المتقرِّبِ كونه عارفًا بمن تقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك، وردَّه النَّوويُّ: بأنَّ الذي عليه المحقِّقون -بل نقل بعضهم فيه الإجماع- أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلةً على جهة التَّقرُّب إلى الله تعالى؛ كصدقةٍ، وصِلَةِ رَحمٍ، وإعتاقٍ ونحوها، ثمَّ أسلم ومات على الإسلام؛ أنَّ ثواب ذلك يُكتَب له، وحديث حكيم بن حزامٍ المرويُّ في «الصَّحيحين» يدلُّ عليه [خ¦١٤٣٦] كالحديث الآتي [خ¦٤٢] ودعوى أنَّه مخالفٌ للقواعد غير مُسلَّمَةٍ؛ لأنَّه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنيا؛ ككفَّارة الظِّهار، فإنَّه لا يلزم إعادتها إذا أسلم، وتُجْزِئُهُ، قال ابن المُنَيِّر: المُخالف للقواعد دعوى أنَّه يُكتَب له ذلك في حال كفره، وأمَّا أنَّ الله تعالى يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه ممَّا كان يظنُّه خيرًا فلا مانع منه، ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ مشهورون، وهو مُسلسَلٌ بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد، مع التَّصريح بسماع الصَّحابيِّ من الرسول .

٤٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية ابن عساكرَ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أي: ابن بَِهْرام؛ بكسر المُوحَّدة فيما قاله النَّوويُّ، والمشهور: فتحها، أبو يعقوب

الكوسج، من أهل مرو، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكرَ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ اليمانيُّ الصَّنعانيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى عَشْرَةَ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمَين مفتوحتَين، ابن راشدٍ أبو عروةَ البصريُّ، وسبق (عَنْ هَمَّامٍ) بتشديد الميم، وفي روايةٍ: «عن همَّام بن مُنَبِّهٍ» بن كاملٍ أبي عقبة اليمانيِّ الصَّنعانيِّ (١) الذِّماريِّ الأبناويِّ (٢) التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى عَشْرَةَ ومئةٍ بصنعاءَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظَّاهر، والخطاب للحاضرين، والحكم عامٌّ لهم ولغيرهم باتِّفاقٍ؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكمٌ على الجماعة، ويدخل فيه النِّساء والعبيد، لكنِ النِّزاع في كيفيَّة التَّناول؛ أهي حقيقةٌ عرفيَّةٌ أو شرعيَّةٌ، أو مجازٌ؟ (فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا) مبتدأٌ، خبره: (تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) حال كونها منتهيةً (إِلَى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ) بكسر الضَّاد، أي: مثل، وأتى بـ «كلُّ»، وهي أصرح في الاستغراق من «ال» في الحديث السَّابق (وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا) زاد مسلمٌ: «حتَّى يلقى الله تعالى» وقيَّد الحسنة والسَّيئة هنا بالعمل، وأطلق في السَّابق، فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد، والباء في «بمثلها» للمقابلة.

وفي هذا (٤) الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو إسنادُ حديثٍ من نسخة همَّامٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل