الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣٥٨
الحديث رقم ٤٣٥٨ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة ذات السلاسل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
ذَهَابُ جَرِيرٍ إِلَى الْيَمَنِ
٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِ أَنَسٍ: كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَكَأَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَعْنَى اقْتَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَحْمَسَ لِمَا اعْتَمَدُوهُ مِنْ دَحْضِ الْكُفْرِ وَنَصْرِ الْإِسْلَامِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ مِنْهُمْ.
٦٣ - بَاب غَزْوَةُ ذَاتِ السُّلَاسِلِ وَهِيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامَ
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ: هِيَ بِلَادُ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَنِي الْقَيْنِ
٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا فِي أَوَاخِرِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، قِيلَ: سُمِّيَتْ ذَاتَ السَّلَاسِلِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ارْتَبَطَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَفِرُّوا، وَقِيلَ: لِأَنَّ بِهَا مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: السَّلْسَلُ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، قَالَ: وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ فِي كِتَابِ صَحِيحِ التَّارِيخِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَسَاكِرَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، إِلَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ: قَبْلَهَا. قُلْتُ: وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ أَبِي خَالِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ مَاءٌ لِبَنِي جُذَامٍ وَلَخْمٍ، أَمَّا لَخْمٌ فَبِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى لَخْمٍ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أَدَدَ، وَأَمَّا جُذَامٌ فَبِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ وَهُمْ إِخْوَةُ لَخْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ: هِيَ بِلَادُ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَنِي الْقَيْنِ) أَمَّا يَزِيدُ فَهُوَ ابْنُ رُومَانَ مَدَنِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَمَّا عُرْوَةُ فَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَأَمَّا الْقَبَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا فَالثَّلَاثَةُ بُطُونٌ مِنْ قُضَاعَةَ، أَمَّا بَلِيٌّ فَبِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا يَاءُ النَّسَبِ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَمَّا عُذْرَةُ فَبِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ هُذَيْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ أَسْلُمَ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَمَّا بَنُو الْقَيْنِ فَقَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى الْقَيْنِ بْنِ جِسْرٍ، وَيُقَالُ: كَانَ لَهُ عَبْدٌ يُسَمَّى الْقَيْنُ حَضَنَهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَكَانَ اسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ جِسْرِ بْنِ شِيعِ اللَّهِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ابْنِ أَسَدِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ ثَعْلَبِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَوَهَمَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: بَنُو الْقَيْنِ قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ تَجَمَّعُوا وَأَرَادُوا أَنْ يَدْنُوا مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثمِائَةٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، ثُمَّ أَمَدَّهُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فِي مِائَتَيْنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو وَأَنْ لَا يَخْتَلِفَا فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمَّ بِهِمْ فَمَنَعَهُ عَمْرٌو وَقَالَ: إِنَّمَا قَدِمْتَ عَلَيَّ مَدَدًا وَأَنَا
الْأَمِيرُ، فَأَطَاعَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَصَلَّى بِهِمْ عَمْرٌو، وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَغْتَسِلْ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِهِمْ الْحَدِيثَ. وَسَارَ عَمْرٌو
حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ.
وَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أُمَّ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَتْ مِنْ بَلِيٍّ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَمْرًا يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَأْلِفُهُمْ بِذَلِكَ، وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَمَرَهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ أَنْ لَا يُوقِدُوا نَارًا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: دَعْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْعَثْهُ عَلَيْنَا إِلَّا لِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَهَذَا السَّبَبُ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ فِي ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَسَأَلَهُ أَصْحَابُهُ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا فَمَنَعَهُمْ، فَكَلَّمُوا أَبَا بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يُوقِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ نَارًا إِلَّا قَذَفْتُهُ فِيهَا. قَالَ: فَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَهَزَمَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَمَنَعَهُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا فَيَرَى عَدُوُّهُمْ قِلَّتَهُمْ، وَكَرِهْتُ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيَكُونَ لَهُ مَدَدٌ. فَحَمِدَ أَمْرَهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ الْحَدِيثَ.
فَاشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاقُ عَلَى فَوَائِدَ زَوَائِدَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَسَلَّمَ لَهُ أَمْرَهُ، وَأَلَحُّوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ حَتَّى يَسْأَلَهُ فَسَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) هَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، بَلْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ مَوْصُولٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. وَأَبُو عُثْمَانَ سَمِعَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، وَمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَيْتُهُ) فِي رِوَايَةِ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ قَدِمْتُ مِنْ جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثَتْ نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْنِي عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ إِلَّا لِمَنْزِلَةٍ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (فَعَدَّ رِجَالًا) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَأْمِيرِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ إِذَا امْتَازَ الْمَفْضُولُ بِصِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ، وَمَزِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الرِّجَالِ وَبِنْتِهِ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِبِ، وَمَنْقَبَةٌ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِتَأْمِيرِهِ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ لَكِنْ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فَضْلًا فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ الطَّائِيِّ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي يَفْتَخِرُ بِهَا أَهْلُ الشَّامِ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ آخُذَ ثِيَابِي وَسِلَاحِي فَقَالَ: يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُغْنِمَكَ اللَّهُ وَيُسَلِّمَكَ، قُلْتُ: إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي الْمَالِ. قَالَ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ، وَهَذَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ بَعْثَهُ عَقِبَ إِسْلَامِهِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي أَثْنَاءِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (فَسَكَتُّ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَضْمُومَةِ، هُوَ مَقُولُ عَمْرٍو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة إِلَى آخِره. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حرق الدّور والنخيل.
قَوْله: (فِيهِ نصب) ، بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُون الصَّاد أَيْضا، وَهُوَ حجر كَانُوا ينصبونه فِي الْجَاهِلِيَّة ويذبحون عَلَيْهِ، فيحمر بِالدَّمِ ويعبدونه، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَيْت. وَفِي قَوْله: (فَأَتَاهَا) إِلَى ذِي الخلصة. قَوْله: (فحرقها) يَعْنِي: مَا فِيهَا من الأخشاب. و: (كسرهَا) أَي: هدما فِيهَا من الْبناء. قَوْله: (يستقسم) . أَي: يطْلب قسْمَة من الْخَيْر وَالشَّر بِالْقداحِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَأَن تستقسموا بالأزلام} (الْمَائِدَة: ٣) وَلَيْسَ هَذَا من الْقسم بِمَعْنى: الْيَمين. قَوْله: (يضْرب بهَا) ، أَي: بالأزلام. قَوْله: (وَكسرهَا) أَي: الأزلام وَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: (يكنى أَبَا أَرْطَأَة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالطاء بعْدهَا التَّاء، واسْمه: حُصَيْن بن ربيعَة وَقع مُسَمّى فِي (صَحِيح مُسلم) وَوَقع لبَعض رُوَاته: حُسَيْن، بسين مُهْملَة بدل الصَّاد وَهُوَ تَصْحِيف، وَقيل: اسْمه حصن، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الصَّاد، وَمن الروَاة من قلبه فَقَالَ: ربيعَة بن حُصَيْن، وَمِنْهُم من سَمَّاهُ: أَرْطَاة وَالصَّحِيح: أَبُو أَرْطَأَة حُصَيْن بن ربيعَة بن عَامر بن الْأَزْوَر وَهُوَ صَحَابِيّ بجلي وَلَيْسَ لَهُ ذكر إلاّ فِي هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (فبرك) ، بِالتَّشْدِيدِ أَي: دَعَا بِالْبركَةِ. قَوْله: (خمس مَرَّات) ، فَإِن قلت: فِي حَدِيث أنس: كَانَ إِذا دَعَا عائلاً. قلت: هَذَا يحمل على الْغَالِب وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ لِمَعْنى اقْتضى ذَلِك.
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد الدَّالَّة مَا يفتتن بِهِ النَّاس من بِنَاء وَغَيره سَوَاء كَانَ من الصُّور أَو الجماد، والبشارة فِي الْفتُوح، وَفضل ركُوب الْخَيل فِي الْحَرْب، وَقبُول خبر الْوَاحِد، وَالْمُبَالغَة فِي نكاية الْعَدو وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لجرير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه: بركَة دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٦٤ - (غَزْوَةُ ذاتَ السّلَاسِلِ)
أَي: هَذَا بَيَان غَزْوَة ذَات السلَاسِل، وَفِي بعض النّسخ: بَاب غَزْوَة ذَات السلَاسِل، وَسميت هَذِه الْغَزْوَة بِذَات السلَاسِل لِأَن الْمُشْركين ارْتبط بَعضهم إِلَى بعض مَخَافَة أَن يَفروا. وَقيل: لِأَن بهَا مَاء يُقَال لَهُ: السلسل، وَقَالَ ابْن سعد: هِيَ مَا وَرَاء وَادي الْقرى بَينهمَا وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَيَّام، قَالَ: وَكَانَت فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَقيل: كَانَت سنة سبع، وَالله أعلم.
وهْيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وجُذَامَ قالهُ إسْماعِيلُ بنُ أبي خالدٍ وَقَالَ ابنُ إسْحاق عنْ يَزِيدَ عَنْ عُرْوَةَ هِيَ بِلادُ بَلِيٍّ وعُذْرَةَ وبَنى القَيْنِ.
أَي: غَزْوَة ذَات السلَاسِل غَزْوَة لخم، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة مَشْهُورَة ينسبون إِلَى لخم واسْمه مَالك بن عدي بن الْحَارِث بن مرّة بن أدد، وَقَالَ الرشاطي: رَأَيْت فِي نسب لخم وأخيه جذام وأختهما عاملة اخْتِلَافا كثيرا، وَقَالَ فِي بَاب الْجِيم: كَانَ لخم وجذام أَخَوَيْنِ فاقتتلا، وكا اسْم لخم مَالك بن عدي، وَاسم جذام عَامر بن عدي فجذم مَالك إِصْبَع عَامر فَسُمي جذاماً، لِأَن أُصْبُعه جذمت، ولخم عَامر مَالِكًا فَسمى لخماً، واللخمة اللَّطْمَة. قَوْله: (قَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد) وَاسم أبي خَالِد: سعد، وَيُقَال: هُرْمُز، وَيُقَال: كثير الأحمسي البَجلِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي. قَوْله: (وَقَالَ ابْن إِسْحَاق) هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) (عَن يزِيد) من الزِّيَادَة ابْن رُومَان الْمدنِي، يرْوى عَن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (هِيَ بِلَاد بلي) أَي: ذَات السلَاسِل هِيَ بِلَاد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، أما بلي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر اللَّام الْخَفِيفَة وياء النِّسْبَة، فَهِيَ قَبيلَة كَبِيرَة ينبسون إِلَى بلي بن عَمْرو بن الحاف ابْن قضاعة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: بلي، فعيل من قَوْلهم: بلواً سفرا، أَي: نضوا سفرا، وَمن قَوْلهم: بلوت الرجل: إِذا اختبرته، وَأما (عذرة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: فَهِيَ قَبيلَة كَبِيرَة ينسبون إِلَى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن لَيْث بن سُوَيْد بن أسلم، بِضَم اللَّام اب الحاف بن قضاعة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ من عذرت الصَّبِي وأعذرته: إِذا ختنته، والعذرة أَيْضا دَار يُصِيب النَّاس فِي حُلُوقهمْ، وَأما (بَنو الْقَيْن) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: فَهِيَ قَبيلَة كَبِيرَة ينسبون إِلَى الْقَيْن بن جسر، وَقَالَ الرشاطي: الْقَيْن هُوَ النُّعْمَان بن جسر بن شيع الله، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره عين مُهْملَة: ابْن أَسد بن وبرة بن ثَعْلَب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: النُّعْمَان حضنه
عبد يُقَال لَهُ الْقَيْن فغلب عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَر: كل عبد عِنْد الْعَرَب قينٍ وَالْأمة قينةٍ والقين الْحداد، وَفِي كِتَابه أَيْضا: قين وَهُوَ قين ابْن عَامر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة.
٤٣٥٨ - ح دّثنا إسْحاقُ أخبرنَا خالدُ بنُ عبْدِ الله عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ أبي عُثْمانَ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعَثَ عَمْرَو بنَ العاصِ علَى جَيْش ذاتِ السّلَاسِلِ قَالَ فأتَيْتُهُ فقُلْتُ أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إليْكَ قَالَ عائِشَةُ قُلْتُ ومِنَ الرِّجالِ قَالَ أبُوها قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ فَعَدَّ رِجالاً فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أنْ يَجْعَلَنِي فِي آخرِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٦٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بعث عَمْرو بن الْعَاصِ على جَيش ذَات السلَاسِل) وَسبب ذَلِك مَا ذكره ابْن سعد: أَن جمعا من قضاعة تجمعُوا وَأَرَادُوا أَن يدنوا من أَطْرَاف المدنية فَدَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَمْرو بن الْعَاصِ فعقد لَهُ لِوَاء أَبيض وَبَعثه فِي ثَلَاثمِائَة من سراة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، ثمَّ أمده بِأبي عُبَيْدَة بن الْجراح فِي مِائَتَيْنِ وَأمره أَن يلْحق بِعَمْرو وَأَن لَا يختلفا، فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَة أَن يؤمهم فَمَنعه عَمْرو، وَقَالَ: إِنَّمَا قدمت عَليّ مدَدا وَأَنا الْأَمِير، فأطاع لَهُ أَبُو عُبَيْدَة، فصلى بهم عَمْرو، وَسَار عَمْرو حَتَّى وطىء بِلَاد بلَى وعذرة. وذكرا نب حبَان هَذَا الحَدِيث وَفِيه، فَلَقوا الْعَدو فهزموهم فأرادوا أَن يتبعوهم فَمَنعهُمْ، يَعْنِي: عَمْرو بن الْعَاصِ أَمِير الْقَوْم.
وَأما حَدِيث الْبَاب فَأخْرجهُ عَن إِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، وهذ مُرْسل، وَجزم بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ.
قَوْله: (قَالَ: فَأَتَيْته) أَي: قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: فَأتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُعلى بن مَنْصُور فِي مُسلم: (قدمت من جَيش ذَات السلَاسِل فَأتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (فَسكت) ، بتَشْديد تَاء الْمُتَكَلّم هُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ، وَفِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز تأمير الْمَفْضُول عِنْد وجود الْفَاضِل إِذا امتاز الْمَفْضُول بِصفة تتَعَلَّق بِتِلْكَ الْولَايَة فَإِنَّهُ كَانَ فِي هَذَا الْجَيْش أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَلَا يَقْتَضِي تأمير عَمْرو فِي هَذَا أفضليته عَلَيْهِمَا وَلَكِن يَقْتَضِي لَهُ فضلا فِي الْجُمْلَة، وَفِي هَذِه الْغَزْوَة تيَمّم عَمْرو بن الْعَاصِ مَخَافَة الْبرد.
٤٣٥٩ - ح دّثنا عبْد الله بنُ أبي شَيْبَةَ العَبْسيُّ حدّثنا ابنُ إدْرِيسَ عنْ إسْماعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنْتُ بالبَحْرِ فَلِقيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أهْلِ اليَمَنِ ذَا كَلَاعٍ وذَا عَمْروٍ فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْروٍ لَئِنْ كانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أمْرِ صاحِبِكَ لَقَدْ مَرَّ عَلَى أجَلِهِ مُنْذُ ثَلاثٍ وأقْبَلَا مَعِي حَتَّى إذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ المَدِينَةِ فَسألْناهُمْ فَقالُوا قُبِضَ رسُولُ الله واسْتُخْلِفَ أبُو بكْرٍ والنَّاسُ صالُحونَ فَقَالَا أخْبِرْ صاحِبكَ أنّا قَدْ جِئْنا وَلعَلَّنا سنَعُودُ إنْ شاءَ الله وَرَجَعَا إِلَى اليَمَنِ فأخبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ
بِحَدِيثِهِمْ قَالَ أفَلَا جِئْتَ بِهِمْ فَلَمَّا كانَ بَعْدُ قَالَ لِي ذُو عَمْروٍ يَا جَرِيرُ إنَّ لَكَ عَلَى كَرَامَةً وإنِّي مخْبِرُكَ خَبَراً إنَّكُمْ مَعْشَرَ العرَبِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إذَا هَلَكَ أمِيرٌ تأمَّرْتُمْ فِي آخَرَ فإذَا كانَتْ بالسَّيْفِ كانُوا مُلُوكاً يَغْضَبُونَ غَضَبَ المُلُوكِ ويَرْضُونَ رِضا المُلُوكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن جَرِيرًا لما هد ذَا الخلصة بعد شُهُوده حجَّة الْوَدَاع ذهب إِلَى الْيمن ثمَّ لما رَجَعَ، بلغته وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعبد الله هُوَ أَبُو بكر وَاسم أَبِيه مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْحَافِظ الْعَبْسِي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، يروي عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم.
قَوْله: (ذَا كلاع) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام واسْمه: إسميفع، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء وَفِي آخِره عين مُهْملَة، وَيُقَال: إيفع بن باكوراء، وَيُقَال: ابْن حَوْشَب بن عمر، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَأَظنهُ من حمير، وَيُقَال: إِنَّه اب عمر كَعْب الْأَحْبَار يكنى أَبَا شُرَحْبِيل، وَيُقَال: أَبُو شُرَحْبِيل كَانَ ريئسا فِي قومه مُطَاعًا متبوعاً اسْلَمْ وَكتب إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التعاون على الْأسود ومسيلمة وطليحة وَكَانَ الرَّسُول إِلَيْهِ جرير بن عبد الله البَجلِيّ فَأسلم وَخرج مَعَ جرير إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ ذُو الْكَلَام الْقَائِم بِأَمْر مُعَاوِيَة فِي حَرْب صفّين وَقتل قبل انْقِضَاء الْحَرْب، ففرح مُعَاوِيَة بِمَوْتِهِ، وَكَانَ مَوته فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَالَ أَبُو عَمْرو. وَلَا أعلم لذِي الكلاع صُحْبَة أَكثر من إِسْلَامه واتباعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي حَيَاته، وَأَظنهُ أحد الْوُفُود عَلَيْهِ، وَالله أعلم، وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة إلَاّ عَن عَمْرو وعَوْف بن مَالك، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَإنَّهُ أعتق عشرَة آلَاف أهل بَيت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كَانَ ذُو الكلاع ادّعى الربوبية فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَن إِسْلَامه إِنَّمَا كَانَ أَيَّام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب لَهُ مَعَ جرير وَجَرِير إِنَّمَا قدم بعد وَفَاة سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَذَا عَمْرو) ، كَانَ أحد مُلُوك الْيمن، وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو عمر رجل من الْيمن أقبل مَعَ ذِي الكلاع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُسلمين ومعهما جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَيُقَال: كَانَا عزما على التَّوَجُّه إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا بلغهما وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجعا إِلَى الْيمن ثمَّ هاجرا فِي زمن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أحدثهم) ، إِنَّمَا جمع الضَّمِير بِاعْتِبَار من كَانَ مَعَهُمَا. قَوْله: (من أَمر صَاحبك) أَرَادَ بالصاحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لقد مر على أَجله مُنْذُ ثَلَاث) أَرَادَ إِنَّه مَاتَ مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَيْن جَزَاء الشَّرْط؟ قلت: جَوَاب الْقسم جزاءاً للشّرط معنى. فَإِن قلت: الشَّرْط شَرطه أَن يكون سَببا للجزاء، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك؟ قلت: هُوَ متأول بالإخبار، إِن تُخبرنِي بذلك أخْبرك بِهَذَا، فالإخبار سَبَب للإخبار، وَقَالَ أَيْضا: إِنَّمَا علم وَفَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِمَّا بِسَمَاعِهِ من بعض القادمين من الْمَدِينَة سرا، وَإِمَّا أَنه كَانَ من المحدَّثين، وَإِمَّا أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة كَاهِنًا، إِنَّمَا أخبر بذلك عَن إطلاع من الْكتب الْقَدِيمَة لِأَن الْيمن كَانَ أَقَامَ بهَا جمَاعَة من الْيَهُود فَدخل كثير من أهل الْيمن فِي دينهم وتعلموا مِنْهُم. قَوْله: (وأقبلا معي) ، من كَلَام جرير، أَي: أقبل ذُو الكلاع وَذُو عَمْرو، يَعْنِي: متوجهين إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (فَقَالَا) أَي: ذُو الكلاع وَذُو عَمْرو (أخبر صَاحبك) أَرَادَ بِهِ: أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بِحَدِيثِهِمْ) ، قد ذكرنَا أَن جمعه بِاعْتِبَار اتباعهم أَو بِاعْتِبَار أَن أقل الْجمع اثْنَان. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ بعد) ، بِضَم الدَّال على الْبناء أَي: بعد هَذَا الْأَمر. وَلَعَلَّه كَانَ ذَلِك بعد أَن هَاجر ذُو عَمْرو فِي خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر يَعْقُوب بن شبة بِإِسْنَاد لَهُ: أَن ذَا الكلاع كَا مَعَه اثْنَي عشر ألف بَيت من موَالِيه، فَسَأَلَهُ عمر بيعهم ليستعين بهم على حَرْب الْمُشْركين، فَقَالَ ذُو الكلاع: هم أَحْرَار فَأعْتقهُمْ فِي سَاعَة وَاحِدَة. قَوْله: (كَرَامَة) مَنْصُوب، قَوْله: (تآمرتم) ، بِمد الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم، أَي: تشاورتم، والائتمار الْمُشَاورَة ويروى: (تأمرتم) ، بِالْقصرِ وبتشديد الْمِيم أَي: اقمتم أَمِيرا مِنْكُم عَن رضى مِنْكُم أَو عهد من الأول. قَوْله: (فَإِذا كَانَت) ، أَي: الْإِمَارَة: (بِالسَّيْفِ) أَي: بالقهر وَالْغَلَبَة (كَانُوا ملوكاً) أَي: خلفاء، وَهَذَا الْكَلَام مِنْهُ يدل على أَن ذَا عمر وَله اطلَاع على الْأَخْبَار من الْكتب الْقَدِيمَة، لِأَنَّهُ يُطَابق حَدِيث سفينة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا) ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ ابْن حبَان.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِ أَنَسٍ: كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَكَأَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَعْنَى اقْتَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَحْمَسَ لِمَا اعْتَمَدُوهُ مِنْ دَحْضِ الْكُفْرِ وَنَصْرِ الْإِسْلَامِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ مِنْهُمْ.
٦٣ - بَاب غَزْوَةُ ذَاتِ السُّلَاسِلِ وَهِيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامَ
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ: هِيَ بِلَادُ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَنِي الْقَيْنِ
٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا فِي أَوَاخِرِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، قِيلَ: سُمِّيَتْ ذَاتَ السَّلَاسِلِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ارْتَبَطَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَفِرُّوا، وَقِيلَ: لِأَنَّ بِهَا مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: السَّلْسَلُ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، قَالَ: وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ فِي كِتَابِ صَحِيحِ التَّارِيخِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَسَاكِرَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، إِلَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ: قَبْلَهَا. قُلْتُ: وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ أَبِي خَالِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ مَاءٌ لِبَنِي جُذَامٍ وَلَخْمٍ، أَمَّا لَخْمٌ فَبِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى لَخْمٍ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أَدَدَ، وَأَمَّا جُذَامٌ فَبِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ وَهُمْ إِخْوَةُ لَخْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُرْوَةَ: هِيَ بِلَادُ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَنِي الْقَيْنِ) أَمَّا يَزِيدُ فَهُوَ ابْنُ رُومَانَ مَدَنِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَمَّا عُرْوَةُ فَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَأَمَّا الْقَبَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا فَالثَّلَاثَةُ بُطُونٌ مِنْ قُضَاعَةَ، أَمَّا بَلِيٌّ فَبِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا يَاءُ النَّسَبِ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَمَّا عُذْرَةُ فَبِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ هُذَيْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ أَسْلُمَ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَمَّا بَنُو الْقَيْنِ فَقَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَى الْقَيْنِ بْنِ جِسْرٍ، وَيُقَالُ: كَانَ لَهُ عَبْدٌ يُسَمَّى الْقَيْنُ حَضَنَهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَكَانَ اسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ جِسْرِ بْنِ شِيعِ اللَّهِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ابْنِ أَسَدِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ ثَعْلَبِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَوَهَمَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: بَنُو الْقَيْنِ قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ تَجَمَّعُوا وَأَرَادُوا أَنْ يَدْنُوا مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثمِائَةٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، ثُمَّ أَمَدَّهُ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فِي مِائَتَيْنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو وَأَنْ لَا يَخْتَلِفَا فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمَّ بِهِمْ فَمَنَعَهُ عَمْرٌو وَقَالَ: إِنَّمَا قَدِمْتَ عَلَيَّ مَدَدًا وَأَنَا
الْأَمِيرُ، فَأَطَاعَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَصَلَّى بِهِمْ عَمْرٌو، وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَغْتَسِلْ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِهِمْ الْحَدِيثَ. وَسَارَ عَمْرٌو
حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ.
وَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أُمَّ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَتْ مِنْ بَلِيٍّ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَمْرًا يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَأْلِفُهُمْ بِذَلِكَ، وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَمَرَهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ أَنْ لَا يُوقِدُوا نَارًا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: دَعْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْعَثْهُ عَلَيْنَا إِلَّا لِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَهَذَا السَّبَبُ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ فِي ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَسَأَلَهُ أَصْحَابُهُ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا فَمَنَعَهُمْ، فَكَلَّمُوا أَبَا بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يُوقِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ نَارًا إِلَّا قَذَفْتُهُ فِيهَا. قَالَ: فَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَهَزَمَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَمَنَعَهُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا فَيَرَى عَدُوُّهُمْ قِلَّتَهُمْ، وَكَرِهْتُ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيَكُونَ لَهُ مَدَدٌ. فَحَمِدَ أَمْرَهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ الْحَدِيثَ.
فَاشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاقُ عَلَى فَوَائِدَ زَوَائِدَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَسَلَّمَ لَهُ أَمْرَهُ، وَأَلَحُّوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ حَتَّى يَسْأَلَهُ فَسَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) هَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ، بَلْ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ مَوْصُولٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. وَأَبُو عُثْمَانَ سَمِعَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، وَمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَيْتُهُ) فِي رِوَايَةِ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ قَدِمْتُ مِنْ جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثَتْ نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْنِي عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ إِلَّا لِمَنْزِلَةٍ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (فَعَدَّ رِجَالًا) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَأْمِيرِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ إِذَا امْتَازَ الْمَفْضُولُ بِصِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ، وَمَزِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الرِّجَالِ وَبِنْتِهِ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِبِ، وَمَنْقَبَةٌ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِتَأْمِيرِهِ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ لَكِنْ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فَضْلًا فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ الطَّائِيِّ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي يَفْتَخِرُ بِهَا أَهْلُ الشَّامِ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنِي أَنْ آخُذَ ثِيَابِي وَسِلَاحِي فَقَالَ: يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدَ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُغْنِمَكَ اللَّهُ وَيُسَلِّمَكَ، قُلْتُ: إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي الْمَالِ. قَالَ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ، وَهَذَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ بَعْثَهُ عَقِبَ إِسْلَامِهِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي أَثْنَاءِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (فَسَكَتُّ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَضْمُومَةِ، هُوَ مَقُولُ عَمْرٍو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة إِلَى آخِره. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حرق الدّور والنخيل.
قَوْله: (فِيهِ نصب) ، بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُون الصَّاد أَيْضا، وَهُوَ حجر كَانُوا ينصبونه فِي الْجَاهِلِيَّة ويذبحون عَلَيْهِ، فيحمر بِالدَّمِ ويعبدونه، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى الْبَيْت. وَفِي قَوْله: (فَأَتَاهَا) إِلَى ذِي الخلصة. قَوْله: (فحرقها) يَعْنِي: مَا فِيهَا من الأخشاب. و: (كسرهَا) أَي: هدما فِيهَا من الْبناء. قَوْله: (يستقسم) . أَي: يطْلب قسْمَة من الْخَيْر وَالشَّر بِالْقداحِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَأَن تستقسموا بالأزلام} (الْمَائِدَة: ٣) وَلَيْسَ هَذَا من الْقسم بِمَعْنى: الْيَمين. قَوْله: (يضْرب بهَا) ، أَي: بالأزلام. قَوْله: (وَكسرهَا) أَي: الأزلام وَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: (يكنى أَبَا أَرْطَأَة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالطاء بعْدهَا التَّاء، واسْمه: حُصَيْن بن ربيعَة وَقع مُسَمّى فِي (صَحِيح مُسلم) وَوَقع لبَعض رُوَاته: حُسَيْن، بسين مُهْملَة بدل الصَّاد وَهُوَ تَصْحِيف، وَقيل: اسْمه حصن، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الصَّاد، وَمن الروَاة من قلبه فَقَالَ: ربيعَة بن حُصَيْن، وَمِنْهُم من سَمَّاهُ: أَرْطَاة وَالصَّحِيح: أَبُو أَرْطَأَة حُصَيْن بن ربيعَة بن عَامر بن الْأَزْوَر وَهُوَ صَحَابِيّ بجلي وَلَيْسَ لَهُ ذكر إلاّ فِي هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (فبرك) ، بِالتَّشْدِيدِ أَي: دَعَا بِالْبركَةِ. قَوْله: (خمس مَرَّات) ، فَإِن قلت: فِي حَدِيث أنس: كَانَ إِذا دَعَا عائلاً. قلت: هَذَا يحمل على الْغَالِب وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ لِمَعْنى اقْتضى ذَلِك.
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد الدَّالَّة مَا يفتتن بِهِ النَّاس من بِنَاء وَغَيره سَوَاء كَانَ من الصُّور أَو الجماد، والبشارة فِي الْفتُوح، وَفضل ركُوب الْخَيل فِي الْحَرْب، وَقبُول خبر الْوَاحِد، وَالْمُبَالغَة فِي نكاية الْعَدو وَفِيه: منقبة عَظِيمَة لجرير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه: بركَة دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٦٤ - (غَزْوَةُ ذاتَ السّلَاسِلِ)
أَي: هَذَا بَيَان غَزْوَة ذَات السلَاسِل، وَفِي بعض النّسخ: بَاب غَزْوَة ذَات السلَاسِل، وَسميت هَذِه الْغَزْوَة بِذَات السلَاسِل لِأَن الْمُشْركين ارْتبط بَعضهم إِلَى بعض مَخَافَة أَن يَفروا. وَقيل: لِأَن بهَا مَاء يُقَال لَهُ: السلسل، وَقَالَ ابْن سعد: هِيَ مَا وَرَاء وَادي الْقرى بَينهمَا وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَيَّام، قَالَ: وَكَانَت فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَقيل: كَانَت سنة سبع، وَالله أعلم.
وهْيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وجُذَامَ قالهُ إسْماعِيلُ بنُ أبي خالدٍ وَقَالَ ابنُ إسْحاق عنْ يَزِيدَ عَنْ عُرْوَةَ هِيَ بِلادُ بَلِيٍّ وعُذْرَةَ وبَنى القَيْنِ.
أَي: غَزْوَة ذَات السلَاسِل غَزْوَة لخم، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة مَشْهُورَة ينسبون إِلَى لخم واسْمه مَالك بن عدي بن الْحَارِث بن مرّة بن أدد، وَقَالَ الرشاطي: رَأَيْت فِي نسب لخم وأخيه جذام وأختهما عاملة اخْتِلَافا كثيرا، وَقَالَ فِي بَاب الْجِيم: كَانَ لخم وجذام أَخَوَيْنِ فاقتتلا، وكا اسْم لخم مَالك بن عدي، وَاسم جذام عَامر بن عدي فجذم مَالك إِصْبَع عَامر فَسُمي جذاماً، لِأَن أُصْبُعه جذمت، ولخم عَامر مَالِكًا فَسمى لخماً، واللخمة اللَّطْمَة. قَوْله: (قَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد) وَاسم أبي خَالِد: سعد، وَيُقَال: هُرْمُز، وَيُقَال: كثير الأحمسي البَجلِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي. قَوْله: (وَقَالَ ابْن إِسْحَاق) هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) (عَن يزِيد) من الزِّيَادَة ابْن رُومَان الْمدنِي، يرْوى عَن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (هِيَ بِلَاد بلي) أَي: ذَات السلَاسِل هِيَ بِلَاد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، أما بلي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر اللَّام الْخَفِيفَة وياء النِّسْبَة، فَهِيَ قَبيلَة كَبِيرَة ينبسون إِلَى بلي بن عَمْرو بن الحاف ابْن قضاعة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: بلي، فعيل من قَوْلهم: بلواً سفرا، أَي: نضوا سفرا، وَمن قَوْلهم: بلوت الرجل: إِذا اختبرته، وَأما (عذرة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: فَهِيَ قَبيلَة كَبِيرَة ينسبون إِلَى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن لَيْث بن سُوَيْد بن أسلم، بِضَم اللَّام اب الحاف بن قضاعة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ من عذرت الصَّبِي وأعذرته: إِذا ختنته، والعذرة أَيْضا دَار يُصِيب النَّاس فِي حُلُوقهمْ، وَأما (بَنو الْقَيْن) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: فَهِيَ قَبيلَة كَبِيرَة ينسبون إِلَى الْقَيْن بن جسر، وَقَالَ الرشاطي: الْقَيْن هُوَ النُّعْمَان بن جسر بن شيع الله، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره عين مُهْملَة: ابْن أَسد بن وبرة بن ثَعْلَب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: النُّعْمَان حضنه
عبد يُقَال لَهُ الْقَيْن فغلب عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَر: كل عبد عِنْد الْعَرَب قينٍ وَالْأمة قينةٍ والقين الْحداد، وَفِي كِتَابه أَيْضا: قين وَهُوَ قين ابْن عَامر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة.
٤٣٥٨ - ح دّثنا إسْحاقُ أخبرنَا خالدُ بنُ عبْدِ الله عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ أبي عُثْمانَ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعَثَ عَمْرَو بنَ العاصِ علَى جَيْش ذاتِ السّلَاسِلِ قَالَ فأتَيْتُهُ فقُلْتُ أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إليْكَ قَالَ عائِشَةُ قُلْتُ ومِنَ الرِّجالِ قَالَ أبُوها قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ فَعَدَّ رِجالاً فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أنْ يَجْعَلَنِي فِي آخرِهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٦٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بعث عَمْرو بن الْعَاصِ على جَيش ذَات السلَاسِل) وَسبب ذَلِك مَا ذكره ابْن سعد: أَن جمعا من قضاعة تجمعُوا وَأَرَادُوا أَن يدنوا من أَطْرَاف المدنية فَدَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَمْرو بن الْعَاصِ فعقد لَهُ لِوَاء أَبيض وَبَعثه فِي ثَلَاثمِائَة من سراة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، ثمَّ أمده بِأبي عُبَيْدَة بن الْجراح فِي مِائَتَيْنِ وَأمره أَن يلْحق بِعَمْرو وَأَن لَا يختلفا، فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَة أَن يؤمهم فَمَنعه عَمْرو، وَقَالَ: إِنَّمَا قدمت عَليّ مدَدا وَأَنا الْأَمِير، فأطاع لَهُ أَبُو عُبَيْدَة، فصلى بهم عَمْرو، وَسَار عَمْرو حَتَّى وطىء بِلَاد بلَى وعذرة. وذكرا نب حبَان هَذَا الحَدِيث وَفِيه، فَلَقوا الْعَدو فهزموهم فأرادوا أَن يتبعوهم فَمَنعهُمْ، يَعْنِي: عَمْرو بن الْعَاصِ أَمِير الْقَوْم.
وَأما حَدِيث الْبَاب فَأخْرجهُ عَن إِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين عَن خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، وهذ مُرْسل، وَجزم بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ.
قَوْله: (قَالَ: فَأَتَيْته) أَي: قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: فَأتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُعلى بن مَنْصُور فِي مُسلم: (قدمت من جَيش ذَات السلَاسِل فَأتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (فَسكت) ، بتَشْديد تَاء الْمُتَكَلّم هُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ، وَفِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز تأمير الْمَفْضُول عِنْد وجود الْفَاضِل إِذا امتاز الْمَفْضُول بِصفة تتَعَلَّق بِتِلْكَ الْولَايَة فَإِنَّهُ كَانَ فِي هَذَا الْجَيْش أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَلَا يَقْتَضِي تأمير عَمْرو فِي هَذَا أفضليته عَلَيْهِمَا وَلَكِن يَقْتَضِي لَهُ فضلا فِي الْجُمْلَة، وَفِي هَذِه الْغَزْوَة تيَمّم عَمْرو بن الْعَاصِ مَخَافَة الْبرد.
٤٣٥٩ - ح دّثنا عبْد الله بنُ أبي شَيْبَةَ العَبْسيُّ حدّثنا ابنُ إدْرِيسَ عنْ إسْماعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنْتُ بالبَحْرِ فَلِقيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أهْلِ اليَمَنِ ذَا كَلَاعٍ وذَا عَمْروٍ فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْروٍ لَئِنْ كانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أمْرِ صاحِبِكَ لَقَدْ مَرَّ عَلَى أجَلِهِ مُنْذُ ثَلاثٍ وأقْبَلَا مَعِي حَتَّى إذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ المَدِينَةِ فَسألْناهُمْ فَقالُوا قُبِضَ رسُولُ الله واسْتُخْلِفَ أبُو بكْرٍ والنَّاسُ صالُحونَ فَقَالَا أخْبِرْ صاحِبكَ أنّا قَدْ جِئْنا وَلعَلَّنا سنَعُودُ إنْ شاءَ الله وَرَجَعَا إِلَى اليَمَنِ فأخبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ
بِحَدِيثِهِمْ قَالَ أفَلَا جِئْتَ بِهِمْ فَلَمَّا كانَ بَعْدُ قَالَ لِي ذُو عَمْروٍ يَا جَرِيرُ إنَّ لَكَ عَلَى كَرَامَةً وإنِّي مخْبِرُكَ خَبَراً إنَّكُمْ مَعْشَرَ العرَبِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إذَا هَلَكَ أمِيرٌ تأمَّرْتُمْ فِي آخَرَ فإذَا كانَتْ بالسَّيْفِ كانُوا مُلُوكاً يَغْضَبُونَ غَضَبَ المُلُوكِ ويَرْضُونَ رِضا المُلُوكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن جَرِيرًا لما هد ذَا الخلصة بعد شُهُوده حجَّة الْوَدَاع ذهب إِلَى الْيمن ثمَّ لما رَجَعَ، بلغته وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعبد الله هُوَ أَبُو بكر وَاسم أَبِيه مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْحَافِظ الْعَبْسِي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، يروي عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم.
قَوْله: (ذَا كلاع) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام واسْمه: إسميفع، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء وَفِي آخِره عين مُهْملَة، وَيُقَال: إيفع بن باكوراء، وَيُقَال: ابْن حَوْشَب بن عمر، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَأَظنهُ من حمير، وَيُقَال: إِنَّه اب عمر كَعْب الْأَحْبَار يكنى أَبَا شُرَحْبِيل، وَيُقَال: أَبُو شُرَحْبِيل كَانَ ريئسا فِي قومه مُطَاعًا متبوعاً اسْلَمْ وَكتب إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التعاون على الْأسود ومسيلمة وطليحة وَكَانَ الرَّسُول إِلَيْهِ جرير بن عبد الله البَجلِيّ فَأسلم وَخرج مَعَ جرير إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ ذُو الْكَلَام الْقَائِم بِأَمْر مُعَاوِيَة فِي حَرْب صفّين وَقتل قبل انْقِضَاء الْحَرْب، ففرح مُعَاوِيَة بِمَوْتِهِ، وَكَانَ مَوته فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَالَ أَبُو عَمْرو. وَلَا أعلم لذِي الكلاع صُحْبَة أَكثر من إِسْلَامه واتباعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي حَيَاته، وَأَظنهُ أحد الْوُفُود عَلَيْهِ، وَالله أعلم، وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة إلَاّ عَن عَمْرو وعَوْف بن مَالك، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَإنَّهُ أعتق عشرَة آلَاف أهل بَيت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كَانَ ذُو الكلاع ادّعى الربوبية فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَن إِسْلَامه إِنَّمَا كَانَ أَيَّام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب لَهُ مَعَ جرير وَجَرِير إِنَّمَا قدم بعد وَفَاة سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَذَا عَمْرو) ، كَانَ أحد مُلُوك الْيمن، وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو عمر رجل من الْيمن أقبل مَعَ ذِي الكلاع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُسلمين ومعهما جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَيُقَال: كَانَا عزما على التَّوَجُّه إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا بلغهما وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجعا إِلَى الْيمن ثمَّ هاجرا فِي زمن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أحدثهم) ، إِنَّمَا جمع الضَّمِير بِاعْتِبَار من كَانَ مَعَهُمَا. قَوْله: (من أَمر صَاحبك) أَرَادَ بالصاحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لقد مر على أَجله مُنْذُ ثَلَاث) أَرَادَ إِنَّه مَاتَ مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَيْن جَزَاء الشَّرْط؟ قلت: جَوَاب الْقسم جزاءاً للشّرط معنى. فَإِن قلت: الشَّرْط شَرطه أَن يكون سَببا للجزاء، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك؟ قلت: هُوَ متأول بالإخبار، إِن تُخبرنِي بذلك أخْبرك بِهَذَا، فالإخبار سَبَب للإخبار، وَقَالَ أَيْضا: إِنَّمَا علم وَفَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِمَّا بِسَمَاعِهِ من بعض القادمين من الْمَدِينَة سرا، وَإِمَّا أَنه كَانَ من المحدَّثين، وَإِمَّا أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة كَاهِنًا، إِنَّمَا أخبر بذلك عَن إطلاع من الْكتب الْقَدِيمَة لِأَن الْيمن كَانَ أَقَامَ بهَا جمَاعَة من الْيَهُود فَدخل كثير من أهل الْيمن فِي دينهم وتعلموا مِنْهُم. قَوْله: (وأقبلا معي) ، من كَلَام جرير، أَي: أقبل ذُو الكلاع وَذُو عَمْرو، يَعْنِي: متوجهين إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (فَقَالَا) أَي: ذُو الكلاع وَذُو عَمْرو (أخبر صَاحبك) أَرَادَ بِهِ: أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بِحَدِيثِهِمْ) ، قد ذكرنَا أَن جمعه بِاعْتِبَار اتباعهم أَو بِاعْتِبَار أَن أقل الْجمع اثْنَان. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ بعد) ، بِضَم الدَّال على الْبناء أَي: بعد هَذَا الْأَمر. وَلَعَلَّه كَانَ ذَلِك بعد أَن هَاجر ذُو عَمْرو فِي خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر يَعْقُوب بن شبة بِإِسْنَاد لَهُ: أَن ذَا الكلاع كَا مَعَه اثْنَي عشر ألف بَيت من موَالِيه، فَسَأَلَهُ عمر بيعهم ليستعين بهم على حَرْب الْمُشْركين، فَقَالَ ذُو الكلاع: هم أَحْرَار فَأعْتقهُمْ فِي سَاعَة وَاحِدَة. قَوْله: (كَرَامَة) مَنْصُوب، قَوْله: (تآمرتم) ، بِمد الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم، أَي: تشاورتم، والائتمار الْمُشَاورَة ويروى: (تأمرتم) ، بِالْقصرِ وبتشديد الْمِيم أَي: اقمتم أَمِيرا مِنْكُم عَن رضى مِنْكُم أَو عهد من الأول. قَوْله: (فَإِذا كَانَت) ، أَي: الْإِمَارَة: (بِالسَّيْفِ) أَي: بالقهر وَالْغَلَبَة (كَانُوا ملوكاً) أَي: خلفاء، وَهَذَا الْكَلَام مِنْهُ يدل على أَن ذَا عمر وَله اطلَاع على الْأَخْبَار من الْكتب الْقَدِيمَة، لِأَنَّهُ يُطَابق حَدِيث سفينة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا) ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ ابْن حبَان.