«يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٧٦

الحديث رقم ٤٤٧٦ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله وعلم آدم الأسماء كلها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٤٧٦ في صحيح البخاري

«يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَيَسْتَحِي، فَيَقُولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَهُ

⦗١٨⦘

فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمُ، ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللهِ وَرُوحَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمُ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ، عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي، مِثْلَهُ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ».

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

بَابٌ

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللهُ جَامِعُهُمْ عَلَى الْخَاشِعِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٤٧٦

٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ . وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٤٧٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ح. وقَالَ لِي خَلِيفَةُ:، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي - ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ: - ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ - فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ؛ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.

فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثالثة، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الْبَقَرَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِهَا. وَسَيَأْتِي قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ لِغَيْرِهِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِآدَمَ: وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ: فَقِيلَ: أَسْمَاءُ ذُرِّيَّتِهِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الْقَصْعَةِ. وَقَدْ غَفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَنَسَبَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إِلَى كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ ذِكْرٌ. وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّفْسِيرِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

٢ - بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ، ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكٌّ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ، ﴿لا شِيَةَ﴾ لَا بَيَاضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ، الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ، ﴿شَرَوْا﴾ بَاعُوا، ﴿رَاعِنَا﴾ مِنْ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا: رَاعِنًا ﴿لا يَجْزِي﴾ لَا يُغْنِي، ﴿خُطُوَاتِ﴾ مِنْ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى: آثَارَهُ، ﴿ابْتَلَى﴾ اخْتَبَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ) سَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلسَّرَخْسِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قَالَ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَذَكَرَهُ. وَمَنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرُءُوسِهِمْ وَقَادَتِهِمْ فِي الشَّرِّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا الصَّحَابَةَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَهُمْ أَصْحَابُهُمْ - قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ. وَالنُّكْتَةُ فِي تَعْدِيَةِ خَلَوْا بِإِلَى مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ وَالسُّخْرِيَةَ تَقُولُ: خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ، وَالَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى نَصٌّ فِي الِانْفِرَادِ، أَفَادَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ خَلَا مَعْنَى ذَهَبَ. وَعَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَإِلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ.

قَوْلُهُ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَزَادَ: فِي جَهَنَّمَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: مُنْزِلٌ بِهِمُ النِّقْمَةَ.

(تَنْبِيهٌ)

قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ وَجُمْلَةِ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾

قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ﴾ دِينٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: دِينَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِطْرَتَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا تَهَوُّدًا، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، وَإِنَّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَمَنْ كان بَعْدَهُ، انْتَهَى.

وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صِبْغَةَ﴾ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ انْتَصَبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمُوا، وَكَأَنَّ لَفْظَ صِبْغَةٍ وَرَدَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي مَاءِ الْمَعْمُودِيَّةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْخَائِفِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ.

قَوْلُهُ: (بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْقُوَّةُ: الطَّاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ قَالَ: الْقُوَّةُ: الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: أَبُو الْعَالِيَةِ: مَرَضٌ: شَكٌّ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الرِّيَاءُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: نِفَاقًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قَالَ: رِيبَةٌ وَشَكٌّ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ

أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أَيْ: عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ﴾ فِيهَا لَا بَيَاضَ فِيهَا) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي الْمَجَازِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا … أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّوْمُ بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ: يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ، وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ. وَقَالَ: الطَّبَرِيُّ مَعْنَى ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُورِدُونَكُمْ، أَوْ: يُذِيقُونَكُمْ، أَوْ: يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةً) أَيْ: مَفْتُوحَةَ الْوَاوِ (مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ الْوَلْيِ، وَبِالْكَسْرِ، وَوَلِيتَ الْعَمَلَ وَالْأَمْرَ تَلِيهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَهْفِ لَا فِي الْبَقَرَةِ لِيُقَوِّيَ تَفْسِيرَ يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) هَذَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ قَالَ: الْفُومُ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ. وَبِهِ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْفَاءُ تُبَدَلُ مِنَ الثَّاءِ فِي عِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى مِثْلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ يَسْتَظْهِرُونَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ قَالُوا: فِينَا وَفِي الْيَهُودِ نَزَلَتْ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (شَرَوْا بَاعُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بَاعُوا،، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿رَاعِنَا﴾ مِنَ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنَا) قُلْتُ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَيْوَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا، أَيْ: قَوْلًا ذَا رُعُونَةٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الرَّاعِنُ: السِّخْرِيُّ مِنَ الْقَوْلِ، نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ الْقَوْلُ التَّسْمِيَةَ، أَيْ: لَا تُسَمُّوا نَبِيَّكُمْ رَاعِنًا. الرَّاعِنُ الْأَحْمَقُ، وَالْأَرْعَنُ مُبَالَغَةٌ فِيهِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَا تَقُولُوا رَاعُونَا وَهِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَيْضًا: أَرْعُونَا وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَاعِنَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُرَاعَاةِ. إِنَّمَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَقَدْ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ: لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعْ مِنْكَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

٤٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ح. وقَالَ لِي خَلِيفَةُ:، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي - ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ: - ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ - فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا ؛ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.

فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثالثة، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم سُورَةُ الْبَقَرَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِهَا. وَسَيَأْتِي قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتْ لِغَيْرِهِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ، وَسَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِآدَمَ: وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ: فَقِيلَ: أَسْمَاءُ ذُرِّيَّتِهِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: أَسْمَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الْقَصْعَةِ. وَقَدْ غَفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَنَسَبَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إِلَى كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ لَهَا فِيهِ ذِكْرٌ. وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّفْسِيرِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

٢ - بَاب قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ، ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكٌّ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ، ﴿لا شِيَةَ﴾ لَا بَيَاضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ، الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةٌ مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتْ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ، ﴿شَرَوْا﴾ بَاعُوا، ﴿رَاعِنَا﴾ مِنْ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا: رَاعِنًا ﴿لا يَجْزِي﴾ لَا يُغْنِي، ﴿خُطُوَاتِ﴾ مِنْ الْخَطْوِ، وَالْمَعْنَى: آثَارَهُ، ﴿ابْتَلَى﴾ اخْتَبَرَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ) سَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلسَّرَخْسِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قَالَ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَذَكَرَهُ. وَمَنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرُءُوسِهِمْ وَقَادَتِهِمْ فِي الشَّرِّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا الصَّحَابَةَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَهُمْ أَصْحَابُهُمْ - قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ. وَالنُّكْتَةُ فِي تَعْدِيَةِ خَلَوْا بِإِلَى مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ أَنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ وَالسُّخْرِيَةَ تَقُولُ: خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ، وَالَّذِي يَتَعَدَّى بِإِلَى نَصٌّ فِي الِانْفِرَادِ، أَفَادَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ خَلَا مَعْنَى ذَهَبَ. وَعَلَى طَرِيقَةِ الْكُوفِيِّينَ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَإِلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ.

قَوْلُهُ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّهُ جَامِعُهُمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَزَادَ: فِي جَهَنَّمَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: مُنْزِلٌ بِهِمُ النِّقْمَةَ.

(تَنْبِيهٌ)

قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جُمْلَةُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ وَجُمْلَةِ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾

قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ﴾ دِينٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: دِينَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِطْرَتَ اللَّهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا تَهَوُّدًا، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، وَإِنَّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَمَنْ كان بَعْدَهُ، انْتَهَى.

وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صِبْغَةَ﴾ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ انْتَصَبَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمُوا، وَكَأَنَّ لَفْظَ صِبْغَةٍ وَرَدَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَغْمِسُونَ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ فِي مَاءِ الْمَعْمُودِيَّةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُطَهِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: الْزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ شَبَابَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْخَائِفِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ.

قَوْلُهُ: (بِقُوَّةٍ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْقُوَّةُ: الطَّاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ قَالَ: الْقُوَّةُ: الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: أَبُو الْعَالِيَةِ: مَرَضٌ: شَكٌّ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: شَكٌّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الرِّيَاءُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: نِفَاقًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قَالَ: رِيبَةٌ وَشَكٌّ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ

أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أَيْ: عُقُوبَةً لِمَا خَلَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أَيْ: عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ﴾ فِيهَا لَا بَيَاضَ فِيهَا) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُولُونَكُمْ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَالْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنَّفِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي الْمَجَازِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا … أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّوْمُ بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ: يُدِيمُونَ تَعْذِيبَكُمْ، وَمِنْهُ سَائِمَةُ الْغَنَمِ لِمُدَاوَمَتِهَا الرَّعْيَ. وَقَالَ: الطَّبَرِيُّ مَعْنَى ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يُورِدُونَكُمْ، أَوْ: يُذِيقُونَكُمْ، أَوْ: يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (الْوَلَايَةُ مَفْتُوحَةً) أَيْ: مَفْتُوحَةَ الْوَاوِ (مَصْدَرُ الْوَلَاءِ وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَإِذَا كُسِرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْإِمَارَةُ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ الْوَلْيِ، وَبِالْكَسْرِ، وَوَلِيتَ الْعَمَلَ وَالْأَمْرَ تَلِيهِ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَهْفِ لَا فِي الْبَقَرَةِ لِيُقَوِّيَ تَفْسِيرَ يَسُومُونَكُمْ يُولُونَكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ) هَذَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ قَالَ: الْفُومُ كُلُّ حَبٍّ يُخْتَبَزُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ. وَبِهِ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالْفَاءُ تُبَدَلُ مِنَ الثَّاءِ فِي عِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ ﴿فَبَاءُوا﴾ فَانْقَلَبُوا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يَسْتَنْصِرُونَ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى مِثْلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَيْ يَسْتَظْهِرُونَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُمْ قَالُوا: فِينَا وَفِي الْيَهُودِ نَزَلَتْ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (شَرَوْا بَاعُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بَاعُوا،، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿رَاعِنَا﴾ مِنَ الرُّعُونَةِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنَا) قُلْتُ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَيْوَةَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا، أَيْ: قَوْلًا ذَا رُعُونَةٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الرَّاعِنُ: السِّخْرِيُّ مِنَ الْقَوْلِ، نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ مُحَمَّدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّنَ الْقَوْلُ التَّسْمِيَةَ، أَيْ: لَا تُسَمُّوا نَبِيَّكُمْ رَاعِنًا. الرَّاعِنُ الْأَحْمَقُ، وَالْأَرْعَنُ مُبَالَغَةٌ فِيهِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لَا تَقُولُوا رَاعُونَا وَهِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَكَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَيْضًا: أَرْعُونَا وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: رَاعِنَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُرَاعَاةِ. إِنَّمَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَقَدْ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ: لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعْ مِنْكَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله