«يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤

الحديث رقم ٤٤ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب زيادة الإيمان ونقصانه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٤ في صحيح البخاري

«يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ

⦗١٨⦘

النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ.»

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ مِنْ خَيْرٍ.

إسناد حديث رقم ٤٤ من صحيح البخاري

٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَخَالُفٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: بِدَوَامِ الْقَلِيلِ تَسْتَمِرُّ الطَّاعَةُ بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الشَّاقِّ حَتَّى يَنْمُوَ الْقَلِيلُ الدَّائِمُ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا أَحَبَّ الدَّائِمَ لِمَعْنَيَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّارِكَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ الْوَصْلِ، فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ، وَلِهَذَا وَرَدَ الْوَعِيدُ فِي حَقِّ مَنْ حَفِظَ آيَةً ثُمَّ نَسِيَهَا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حِفْظِهَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ.

ثَانِيهُمَا: أَنَّ مُدَاوِمَ الْخَيْرِ مُلَازِمٌ لِلْخِدْمَةِ، وَلَيْسَ مَنْ لَازَمَ الْبَابَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتًا مَا كَمَنْ لَازَمَ يَوْمًا كَامِلًا ثُمَّ انْقَطَعَ. وَزَادَ الْمُصَنِّفُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ.

٣٣ - بَاب زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.

٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ إِيمَانٍ، مَكَانَ، مِنْ خَيْرٍ.

[الحديث ٤٤ - أطرافه في: ٧٥١٦، ٧٥١٠، ٧٥٠٩، ٧٤٤٠، ٧٤١٠، ٦٥٦٥، ٤٤٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلُ بِسِتَّةَ عَشَرَ بَابًا بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ هُنَا، فَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَكْرَارٌ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَتِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ، تَرْجَمَ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَخَصَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّ سِيَاقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ بَيْنَ الْمَوْزُونَاتِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَنَسٍ فَفِيهِ التَّفَاوُتُ فِي الْإِيمَانِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ مِنْ وَزْنِ الشَّعِيرَةِ وَالْبُرَّةِ وَالذَّرَّةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: التَّفَاوُتُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى قَدْرِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، فَمَنْ قَلَّ عِلْمُهُ كَانَ تَصْدِيقُهُ مَثَلًا بِمِقْدَارِ ذَرَّةٍ، وَالَّذِي فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ تَصْدِيقُهُ بِمِقْدَارِ بُرَّةٍ، أَوْ شَعِيرَةٍ. إِلَّا أَنَّ أَصْلَ التَّصْدِيقِ الْحَاصِلِ فِي قَلْبِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْمُعَايَنَةِ، انْتَهَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَوَقَعَ الِاسْتِدْلَالُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِنَظِيرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الرَّقِّيِّ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ كَلَامٌ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْأَحْكَامُ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَهُمْ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ فَفَعَلُوا، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ. فَذَكَرَ الْأَرْكَانَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ وَقَبُولَهُمْ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْآيَةَ. فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَسَلًا أَوْ مُجُونًا أَدَّبْنَاهُ عَلَيْهِ وَكَانَ نَاقِصَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا كَانَ كَافِرًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَتَبِعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ: إِنَّ بَعْضَ الْمُخَالِفِينَ لَمَّا أُلْزِمَ بِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ مَجْمُوعَ الدِّينِ، إِنَّمَا الدِّينُ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ: الْإِيمَانُ جُزْءٌ، وَالْأَعْمَالُ جُزْءَانِ لِأَنَّهَا فَرَائِضُ وَنَوَافِلُ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ

بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وَالْإِسْلَامُ حَيْثُ أُطْلِقَ مُفْرَدًا دَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَعَادَ فِي هَذَا الْبَابِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَعَادَهُمَا لِيُوَطِّئَ بِهِمَا مَعْنَى الْكَمَالِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا نَصٌّ فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ. وَأَمَّا الْكَمَالُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الزِّيَادَةِ، بَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّقْصِ فَقَطْ، وَاسْتِلْزَامُهُ لِلنَّقْصِ يَسْتَدْعِي قَبُولَهُ الزِّيَادَةَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَدَلَ فِي التَّعْبِيرِ لِلْآيَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ أُسْلُوبِ الْآيَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا وَقَوْلُ اللَّهِ وَقَالَ ثَانِيًا وَقَالَ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ آيَةَ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى مُرَادِهِ ; لِأَنَّ الْإِكْمَالَ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى إِظْهَارِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ أَوْ بِمَعْنَى إِظْهَارِ أَهْلِ الدِّينِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَا حُجَّةَ لِلْمُصَنِّفِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى إِكْمَالِ الْفَرَائِضِ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ نَاقِصًا، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ إِيمَانُهُ نَاقِصًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَزَلْ تَامًّا.

وَيُوَضِّحُ دَفْعَ هَذَا الِاعْتِرَاضِ جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّقْصَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، لَكِنَّ مِنْهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الذَّمُّ وَمِنْهُ مَا لَا يَتَرَتَّبُ، فَالْأَوَّلُ مَا نَقْصُهُ بِالِاخْتِيَارِ كَمَنْ عَلِمَ وَظَائِفَ الدِّينِ ثُمَّ تَرَكَهَا عَمْدًا، وَالثَّانِي مَا نَقْصُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ لَمْ يُكَلَّفْ، فَهَذَا لَا يُذَمُّ بَلْ يُحْمَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ قَلْبُهُ مُطَمْئِنًا بِأَنَّهُ لَوْ زِيدَ لَقَبِلَ وَلَوْ كُلِّفَ لَعَمِلَ، وَهَذَا شَأْنُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ. وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ النَّقْصَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ صُورِيٌّ نِسْبِيٌّ، وَلَهُمْ فِيهِ رُتْبَةُ الْكَمَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ أَكْمَلُ مِنْ شَرْعِ مُوسَى وَعِيسَى لِاشْتِمَالِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَمَعَ هَذَا فَشَرْعُ مُوسَى فِي زَمَانِهِ كَانَ كَامِلًا، وَتَجَدَّدَ فِي شَرْعِ عِيسَى بَعْدَهُ مَا تَجَدَّدَ، فَالْأَكْمَلِيَّةُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ كَمَا تَقَرَّرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، وَفِي طَبَقَتِهِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (يَخْرُجُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَخْرِجُوا.

قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِالتَّوْحِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ هُنَا الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ، فَالْمَعْنَى مَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَصَدَقَ، فَالْإِقْرَارُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلِهَذَا أَعَادَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَالتَّفَاوُتُ يَحْصُلُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرِ الرِّسَالَةَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ، وَصَارَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عَلَمًا عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَيِ: السُّورَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (بُرَّةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَهِيَ الْقَمْحَةُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ وَزْنَ الْبُرَّةِ دُونَ وَزْنِ الشَّعِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الشَّعِيرَةَ وَتَلَاهَا بِالْبُرَّةِ ثُمَّ الذَّرَّةِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ السِّيَاقَ بِالْوَاوِ وَهِيَ لَا تُرَتِّبُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ثُمَّ وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ.

قَوْلُهُ: (ذَرَّةٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَصَحَّفَهَا شُعْبَةُ - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْهُ - فَقَالَ ذُرَةٌ بِالضَّمِّ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا مِنَ الْحُبُوبِ، فَنَاسَبَتِ الشَّعِيرَةَ وَالْبُرَّةَ. قَالَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامٍ، يَعْنِي شُعْبَةَ. وَمَعْنَى الذَّرَّةِ قِيلَ: هِيَ أَقَلُّ الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ، وَقِيلَ: هِيَ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وَضَعْتَ كَفَّكَ فِي التُّرَابِ ثُمَّ نَفَضْتَهَا فَالسَّاقِطُ هُوَ الذَّرُّ. وَيُقال: إن أَرْبَعَ ذَرَّاتٍ وَزْنُ خَرْدَلَةٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: أُدْخِلَ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ وَهَذَا مَعْنَى الذَّرَّةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبَانُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفَائِدَةُ إِيرَادِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بضمِّ ميم «مُسلِم» وكسر لامه مُخفَّفًا، أبو عمرٍو البصريُّ الأزديُّ، الفَرَاهِيدِيُّ؛ بفتح الفاء وبالرَّاء وبالهاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة والدَّال المُهمَلَة، وعند ابن الأثير: بالمُعجَمَة؛ بطنٌ من الأزد مولاهم، القصَّاب أو الشَّحَّام، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بكسر الهاء، ابن أبي عبد الله سنْدر الرَّبَعيُّ؛ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة؛ نسبةً إلى ربيعة بن نزار (١) بن معد بن عدنان البصريُّ الدَّسْتَُوَائيُّ؛ بفتح الدَّال وإسكان السِّين المُهمَلَتين بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ، مهموزٌ من غير نونٍ؛ نسبةً إلى كورة من كور الأهواز لبيعه الثِّياب المجلوبة منها، المُتوفَّى سنة أربعٍ وخمسين ومئةٍ، وكان يُرمَى بالقَدَر لكنَّه لم يكن داعيةً (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) -بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة- مِنْ الخروج، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «يُخرَج» -بضمِّها - مِنَ الإخراج في جميع الحديث، فالتَّالي وهو: (مَنْ قَالَ) في محلِّ رفعٍ على الوجهين، فالرَّفع على الأوَّل: على الفاعليَّة، وعلى الثَّاني: على النِّيابة عن الفاعل، و «مَنْ» موصولةٌ، ولاحقها: جملةُ صلتِها، ومقول القول: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) أي: مع قول: محمَّدٌ رسول الله، فالجزء الأوَّل علَمٌ على المجموع؛ كـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ على السُّورة كلِّها، أو أنَّ هذا كان قبل مشروعيَّة ضمِّها إليه، كما قاله العينيُّ كالكِرمانيِّ، وفي ذلك نظرٌ على ما لا يخفى (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ) أي: من إيمانٍ، كما في الرِّواية الأخرى، والمُرَاد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرَّسول ، والجملة في موضع الحال، والتَّنوين في «خيرٍ» للتَّقليل المُرغَّب في

تحصيله إذ إنَّه إذا حصل الخروج بأقلَّ ممَّا (١) ينطلق عليه اسم الإيمان فبالكثير منه أحرى، فإن قلت: الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، أُجِيب: بأنَّ الإيمان شُبِّه بالجسم فأُضِيف إليه ما هو من لوازمه وهو الوزن، والمُرَاد بـ «القول» هنا النَّفسيُّ. نعم؛ الإقرار لا بدَّ منه ولذا أعاده في كلِّ مرَّةٍ (وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ) بضمِّ المُوحَّدة وتشديد الرَّاء المفتوحة؛ وهي القمحة (مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة وتشديد الرَّاء المفتوحة، واحدة الذَّرِّ، وهو كما قال (٢) في «القاموس»: صغار النَّمل، ومئةٌ منها زِنَةُ حبَّة شعيرٍ. انتهى. ولغيره: أنَّ أربع ذَرَّاتٍ وزن خردلةٍ، أو هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشَّمس مثل رؤوس الإبر؛ وهو (٣) السَّاقط من التُّراب بعد وضع كفِّك فيه ونفضها، ونُسِبَ هذا الأخير لابن عبَّاسٍ، فوزن الذَّرَّة هو التَّصديق الذي لا يجوز أن يدخله النَّقص، وما في البُرَّة والشَّعيرة من الزِّيادة على الذَّرَّة فإنَّما هو من زيادة الأعمال التي يكمل التَّصديق بها، وليست زيادة في نفس التَّصديق، قاله المُهلَّب، وقال في «الكواكب»: وإنَّما أضاف هذه الأجزاء التي في الشَّعيرة والبُرَّة الزَّائدة على الذَّرَّة إلى القلب لأنَّه لمَّا كان الإيمان التَّامُّ إنَّما هو قولٌ وعملٌ، والعمل لا يكون إلَّا بنيَّةٍ وإخلاصٍ من القلب فلذا جاز أن يُنسَب العمل إلى القلب إذ تمامه بتصديق القلب، فإن قلت: التَّصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج إذ المؤمن لا يُخلَّد في النَّار، وأمَّا قوله: «لا إله إلَّا الله» فلإجراء

أحكام الدُّنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟ أُجِيب: بأنَّ المسألة مُختلَفٌ فيها؛ فقال جماعةٌ: لا يكفي مجرَّد التَّصديق، بل لا بدَّ من القول والعمل أيضًا، وعليه البخاريُّ، أو المُرَاد بالخروج هو بحسب حكمنا به، أي: الحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانٌ ضامًّا إليه عنوانه الذي يدلُّ عليه إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدُّنيا، وعليه مدار الأحكام، فلا بدَّ منهما حتَّى يصحَّ الحكم بالخروج. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: التَّفاوت في التَّصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذَرَّةٍ، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرَّةٍ أو شعيرةٍ، إلَّا أنَّ التَّصديق الحاصلَ في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم لا يجوز عليه النُّقصان، وتجوز عليه الزِّيادة بزيادة العلم والمُعايَنة، وبالجملة؛ فحقيقة التَّصديق واحدةٌ لا تقبل الزِّيادة والنُّقصان، وقدَّم «الشَّعيرة» على «البُرَّة» لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأَخَّرَ «الذَّرَّة» لصغرها، فهو من باب التَّرقِّي في الحكم وإن كان من باب التَّنزُّل.

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفةٍ من عصاة (١) الموحِّدين النَّارَ، وأنَّ الكبيرة لا يُكفَّر مَنْ عملها ولا يُخلَّد في النار، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٠]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية ابن عساكرَ بحذف: «قال أبو عبد الله» كما في الفرع وأصله (قَالَ أَبَانُ) -بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة، بالصَّرف على أنَّه «فَعَال» كغزالٍ، والهمزة أصلٌ وهي فاء الكلمة، والمنع على أنَّها زائدةٌ، ووزنه «أَفْعَل»، فمُنِعَ لوزن الفعل والعلميَّة، واختاره ابن مالكٍ- ابنُ يزيدَ العطَّار البصريُّ، وللأربعة: «وقال أبان» بواو العطف: (حَدَّثَنَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَخَالُفٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: بِدَوَامِ الْقَلِيلِ تَسْتَمِرُّ الطَّاعَةُ بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الشَّاقِّ حَتَّى يَنْمُوَ الْقَلِيلُ الدَّائِمُ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا أَحَبَّ الدَّائِمَ لِمَعْنَيَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّارِكَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ الْوَصْلِ، فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ، وَلِهَذَا وَرَدَ الْوَعِيدُ فِي حَقِّ مَنْ حَفِظَ آيَةً ثُمَّ نَسِيَهَا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حِفْظِهَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ.

ثَانِيهُمَا: أَنَّ مُدَاوِمَ الْخَيْرِ مُلَازِمٌ لِلْخِدْمَةِ، وَلَيْسَ مَنْ لَازَمَ الْبَابَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتًا مَا كَمَنْ لَازَمَ يَوْمًا كَامِلًا ثُمَّ انْقَطَعَ. وَزَادَ الْمُصَنِّفُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ.

٣٣ - بَاب زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.

٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ إِيمَانٍ، مَكَانَ، مِنْ خَيْرٍ.

[الحديث ٤٤ - أطرافه في: ٧٥١٦، ٧٥١٠، ٧٥٠٩، ٧٤٤٠، ٧٤١٠، ٦٥٦٥، ٤٤٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلُ بِسِتَّةَ عَشَرَ بَابًا بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ هُنَا، فَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَكْرَارٌ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَتِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ، تَرْجَمَ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَخَصَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّ سِيَاقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ بَيْنَ الْمَوْزُونَاتِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَنَسٍ فَفِيهِ التَّفَاوُتُ فِي الْإِيمَانِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ مِنْ وَزْنِ الشَّعِيرَةِ وَالْبُرَّةِ وَالذَّرَّةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: التَّفَاوُتُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى قَدْرِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، فَمَنْ قَلَّ عِلْمُهُ كَانَ تَصْدِيقُهُ مَثَلًا بِمِقْدَارِ ذَرَّةٍ، وَالَّذِي فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ تَصْدِيقُهُ بِمِقْدَارِ بُرَّةٍ، أَوْ شَعِيرَةٍ. إِلَّا أَنَّ أَصْلَ التَّصْدِيقِ الْحَاصِلِ فِي قَلْبِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْمُعَايَنَةِ، انْتَهَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَوَقَعَ الِاسْتِدْلَالُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِنَظِيرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الرَّقِّيِّ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ كَلَامٌ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْأَحْكَامُ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَهُمْ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ فَفَعَلُوا، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ. فَذَكَرَ الْأَرْكَانَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ وَقَبُولَهُمْ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْآيَةَ. فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَسَلًا أَوْ مُجُونًا أَدَّبْنَاهُ عَلَيْهِ وَكَانَ نَاقِصَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا كَانَ كَافِرًا. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَتَبِعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ: إِنَّ بَعْضَ الْمُخَالِفِينَ لَمَّا أُلْزِمَ بِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ مَجْمُوعَ الدِّينِ، إِنَّمَا الدِّينُ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ: الْإِيمَانُ جُزْءٌ، وَالْأَعْمَالُ جُزْءَانِ لِأَنَّهَا فَرَائِضُ وَنَوَافِلُ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ

بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وَالْإِسْلَامُ حَيْثُ أُطْلِقَ مُفْرَدًا دَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَعَادَ فِي هَذَا الْبَابِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَعَادَهُمَا لِيُوَطِّئَ بِهِمَا مَعْنَى الْكَمَالِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا نَصٌّ فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ. وَأَمَّا الْكَمَالُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الزِّيَادَةِ، بَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّقْصِ فَقَطْ، وَاسْتِلْزَامُهُ لِلنَّقْصِ يَسْتَدْعِي قَبُولَهُ الزِّيَادَةَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَدَلَ فِي التَّعْبِيرِ لِلْآيَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ أُسْلُوبِ الْآيَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا وَقَوْلُ اللَّهِ وَقَالَ ثَانِيًا وَقَالَ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ آيَةَ: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى مُرَادِهِ ; لِأَنَّ الْإِكْمَالَ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى إِظْهَارِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ أَوْ بِمَعْنَى إِظْهَارِ أَهْلِ الدِّينِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَا حُجَّةَ لِلْمُصَنِّفِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى إِكْمَالِ الْفَرَائِضِ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ نَاقِصًا، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ إِيمَانُهُ نَاقِصًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَزَلْ تَامًّا.

وَيُوَضِّحُ دَفْعَ هَذَا الِاعْتِرَاضِ جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّقْصَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، لَكِنَّ مِنْهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الذَّمُّ وَمِنْهُ مَا لَا يَتَرَتَّبُ، فَالْأَوَّلُ مَا نَقْصُهُ بِالِاخْتِيَارِ كَمَنْ عَلِمَ وَظَائِفَ الدِّينِ ثُمَّ تَرَكَهَا عَمْدًا، وَالثَّانِي مَا نَقْصُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ لَمْ يُكَلَّفْ، فَهَذَا لَا يُذَمُّ بَلْ يُحْمَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ قَلْبُهُ مُطَمْئِنًا بِأَنَّهُ لَوْ زِيدَ لَقَبِلَ وَلَوْ كُلِّفَ لَعَمِلَ، وَهَذَا شَأْنُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ. وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ النَّقْصَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ صُورِيٌّ نِسْبِيٌّ، وَلَهُمْ فِيهِ رُتْبَةُ الْكَمَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ أَكْمَلُ مِنْ شَرْعِ مُوسَى وَعِيسَى لِاشْتِمَالِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَمَعَ هَذَا فَشَرْعُ مُوسَى فِي زَمَانِهِ كَانَ كَامِلًا، وَتَجَدَّدَ فِي شَرْعِ عِيسَى بَعْدَهُ مَا تَجَدَّدَ، فَالْأَكْمَلِيَّةُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ كَمَا تَقَرَّرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، وَفِي طَبَقَتِهِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (يَخْرُجُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَخْرِجُوا.

قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِالتَّوْحِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ هُنَا الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ، فَالْمَعْنَى مَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَصَدَقَ، فَالْإِقْرَارُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلِهَذَا أَعَادَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَالتَّفَاوُتُ يَحْصُلُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرِ الرِّسَالَةَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ، وَصَارَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عَلَمًا عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَيِ: السُّورَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (بُرَّةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَهِيَ الْقَمْحَةُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ وَزْنَ الْبُرَّةِ دُونَ وَزْنِ الشَّعِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الشَّعِيرَةَ وَتَلَاهَا بِالْبُرَّةِ ثُمَّ الذَّرَّةِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ السِّيَاقَ بِالْوَاوِ وَهِيَ لَا تُرَتِّبُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ثُمَّ وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ.

قَوْلُهُ: (ذَرَّةٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَصَحَّفَهَا شُعْبَةُ - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْهُ - فَقَالَ ذُرَةٌ بِالضَّمِّ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا مِنَ الْحُبُوبِ، فَنَاسَبَتِ الشَّعِيرَةَ وَالْبُرَّةَ. قَالَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامٍ، يَعْنِي شُعْبَةَ. وَمَعْنَى الذَّرَّةِ قِيلَ: هِيَ أَقَلُّ الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ، وَقِيلَ: هِيَ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وَضَعْتَ كَفَّكَ فِي التُّرَابِ ثُمَّ نَفَضْتَهَا فَالسَّاقِطُ هُوَ الذَّرُّ. وَيُقال: إن أَرْبَعَ ذَرَّاتٍ وَزْنُ خَرْدَلَةٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: أُدْخِلَ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ وَهَذَا مَعْنَى الذَّرَّةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبَانُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفَائِدَةُ إِيرَادِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بضمِّ ميم «مُسلِم» وكسر لامه مُخفَّفًا، أبو عمرٍو البصريُّ الأزديُّ، الفَرَاهِيدِيُّ؛ بفتح الفاء وبالرَّاء وبالهاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة والدَّال المُهمَلَة، وعند ابن الأثير: بالمُعجَمَة؛ بطنٌ من الأزد مولاهم، القصَّاب أو الشَّحَّام، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بكسر الهاء، ابن أبي عبد الله سنْدر الرَّبَعيُّ؛ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة؛ نسبةً إلى ربيعة بن نزار (١) بن معد بن عدنان البصريُّ الدَّسْتَُوَائيُّ؛ بفتح الدَّال وإسكان السِّين المُهمَلَتين بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ، مهموزٌ من غير نونٍ؛ نسبةً إلى كورة من كور الأهواز لبيعه الثِّياب المجلوبة منها، المُتوفَّى سنة أربعٍ وخمسين ومئةٍ، وكان يُرمَى بالقَدَر لكنَّه لم يكن داعيةً (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ) -بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة- مِنْ الخروج، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «يُخرَج» -بضمِّها - مِنَ الإخراج في جميع الحديث، فالتَّالي وهو: (مَنْ قَالَ) في محلِّ رفعٍ على الوجهين، فالرَّفع على الأوَّل: على الفاعليَّة، وعلى الثَّاني: على النِّيابة عن الفاعل، و «مَنْ» موصولةٌ، ولاحقها: جملةُ صلتِها، ومقول القول: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) أي: مع قول: محمَّدٌ رسول الله، فالجزء الأوَّل علَمٌ على المجموع؛ كـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ على السُّورة كلِّها، أو أنَّ هذا كان قبل مشروعيَّة ضمِّها إليه، كما قاله العينيُّ كالكِرمانيِّ، وفي ذلك نظرٌ على ما لا يخفى (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ) أي: من إيمانٍ، كما في الرِّواية الأخرى، والمُرَاد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرَّسول ، والجملة في موضع الحال، والتَّنوين في «خيرٍ» للتَّقليل المُرغَّب في

تحصيله إذ إنَّه إذا حصل الخروج بأقلَّ ممَّا (١) ينطلق عليه اسم الإيمان فبالكثير منه أحرى، فإن قلت: الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، أُجِيب: بأنَّ الإيمان شُبِّه بالجسم فأُضِيف إليه ما هو من لوازمه وهو الوزن، والمُرَاد بـ «القول» هنا النَّفسيُّ. نعم؛ الإقرار لا بدَّ منه ولذا أعاده في كلِّ مرَّةٍ (وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ) بضمِّ المُوحَّدة وتشديد الرَّاء المفتوحة؛ وهي القمحة (مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله) محمَّدٌ رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة وتشديد الرَّاء المفتوحة، واحدة الذَّرِّ، وهو كما قال (٢) في «القاموس»: صغار النَّمل، ومئةٌ منها زِنَةُ حبَّة شعيرٍ. انتهى. ولغيره: أنَّ أربع ذَرَّاتٍ وزن خردلةٍ، أو هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشَّمس مثل رؤوس الإبر؛ وهو (٣) السَّاقط من التُّراب بعد وضع كفِّك فيه ونفضها، ونُسِبَ هذا الأخير لابن عبَّاسٍ، فوزن الذَّرَّة هو التَّصديق الذي لا يجوز أن يدخله النَّقص، وما في البُرَّة والشَّعيرة من الزِّيادة على الذَّرَّة فإنَّما هو من زيادة الأعمال التي يكمل التَّصديق بها، وليست زيادة في نفس التَّصديق، قاله المُهلَّب، وقال في «الكواكب»: وإنَّما أضاف هذه الأجزاء التي في الشَّعيرة والبُرَّة الزَّائدة على الذَّرَّة إلى القلب لأنَّه لمَّا كان الإيمان التَّامُّ إنَّما هو قولٌ وعملٌ، والعمل لا يكون إلَّا بنيَّةٍ وإخلاصٍ من القلب فلذا جاز أن يُنسَب العمل إلى القلب إذ تمامه بتصديق القلب، فإن قلت: التَّصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج إذ المؤمن لا يُخلَّد في النَّار، وأمَّا قوله: «لا إله إلَّا الله» فلإجراء

أحكام الدُّنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟ أُجِيب: بأنَّ المسألة مُختلَفٌ فيها؛ فقال جماعةٌ: لا يكفي مجرَّد التَّصديق، بل لا بدَّ من القول والعمل أيضًا، وعليه البخاريُّ، أو المُرَاد بالخروج هو بحسب حكمنا به، أي: الحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانٌ ضامًّا إليه عنوانه الذي يدلُّ عليه إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدُّنيا، وعليه مدار الأحكام، فلا بدَّ منهما حتَّى يصحَّ الحكم بالخروج. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: التَّفاوت في التَّصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذَرَّةٍ، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرَّةٍ أو شعيرةٍ، إلَّا أنَّ التَّصديق الحاصلَ في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم لا يجوز عليه النُّقصان، وتجوز عليه الزِّيادة بزيادة العلم والمُعايَنة، وبالجملة؛ فحقيقة التَّصديق واحدةٌ لا تقبل الزِّيادة والنُّقصان، وقدَّم «الشَّعيرة» على «البُرَّة» لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأَخَّرَ «الذَّرَّة» لصغرها، فهو من باب التَّرقِّي في الحكم وإن كان من باب التَّنزُّل.

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفةٍ من عصاة (١) الموحِّدين النَّارَ، وأنَّ الكبيرة لا يُكفَّر مَنْ عملها ولا يُخلَّد في النار، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٠]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية ابن عساكرَ بحذف: «قال أبو عبد الله» كما في الفرع وأصله (قَالَ أَبَانُ) -بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة، بالصَّرف على أنَّه «فَعَال» كغزالٍ، والهمزة أصلٌ وهي فاء الكلمة، والمنع على أنَّها زائدةٌ، ووزنه «أَفْعَل»، فمُنِعَ لوزن الفعل والعلميَّة، واختاره ابن مالكٍ- ابنُ يزيدَ العطَّار البصريُّ، وللأربعة: «وقال أبان» بواو العطف: (حَدَّثَنَا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله