«أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٠

الحديث رقم ٤٥٠ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من بنى مسجدا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه سمع عثمان بن عفان يقول، عند قول الناس…

«أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ

⦗٩٨⦘

فِي الْجَنَّةِ».

سند حديث: ٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ…

٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الْخَوْلَانِيَّ

رواة الحديث

شرح حديث: «أنه سمع عثمان بن عفان يقول، عند قول الناس…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ، فَعَمِلَتْ الْمِنْبَرَ.

[الحديث ٤٤٩ - أطرافه في: ٣٥٨٥، ٣٥٨٤، ٢٠٩٥، ٩١٨]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَلَّادٌ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَأَيْمَنُ بِوَزْنِ أَفْعَلَ، وَهُوَ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَةً) هِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلٍ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالْعَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَطْلُبُ ذَلِكَ، أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مُتَبَرِّعَةً بِذَلِكَ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا الْقَبُولُ أَمْكَنَ أَنْ يُبْطِئَ الْغُلَامُ بِعَمَلِهِ، فَأَرْسَلَ يَسْتَنْجِزُهَا إِتْمَامَهُ لِعِلْمِهِ بِطِيبِ نَفْسِهَا بِمَا بَذَلَتْهُ. قَالَ: وَيُمْكِنُ إِرْسَالُهُ إِلَيْهَا لِيُعَرِّفَهَا بِصِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ الْغُلَامُ مِنَ الْأَعْوَادِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْبَرًا.

قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: أَلَا أَجْعَلُ لَكَ منبرًا، فَلَعَلَّ التَّعْرِيفَ وَقَعَ بِصِفَةٍ لِلْمِنْبَرِ مَخْصُوصَةٍ. أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ لَهَا: إِنْ شِئْتِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبُطْءِ، لَا أَنَّ الْغُلَامَ كَانَ شَرَعَ وَأَبْطَأَ، وَلَا أَنَّهُ جَهِلَ الصِّفَةَ، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ فِي نَظَرِي.

قَوْلُهُ: (أَلَا أَجْعَلُ لَكَ) أَضَافَتِ الْجَعْلَ إِلَى نَفْسِهَا مَجَازًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَإِنِّي لِي غُلَامٌ نَجَّارٌ وَقَدِ اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْمَتْنَ أَيْضًا، وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْبَذْلِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَاسْتِنْجَازُ الْوَعْدِ مِمَّنْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْإِجَابَةُ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ بِعَمَلِ الْخَيْرِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٦٥ - بَاب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا

٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ - عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) أَيْ: مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَبُكَيْرٌ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْأَسْوَدِ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ: بُكَيْرٌ، وَعَاصِمٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَوَّلِهِ مِصْرِيُّونَ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ آخِرِهِ مَدَنِيُّونَ، وَفِي وَسَطِهِ مَدَنِيُّ سَكَنَ مِصْرَ وَهُوَ بُكَيْرٌ، فَانْقَسَمَ الْإِسْنَادُ إِلَى مِصْرِيٍّ وَمَدَنِيِّ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) وَقْعَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ - وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ - قَالَ: لَمَّا أَرَادَ عُثْمَانُ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ كَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعُوهُ عَلَى هَيْئَتِهِ أَيْ: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ . وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: حِينَ بَنَى أَيْ: حِينِ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ الصَّحَابَةُ مِنْ عُثْمَانَ بِنَاؤُهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ لَا مُجَرَّدُ تَوْسِيعِهِ. انْتَهَى.

وَلَمْ يَبْنِ عُثْمَانُ الْمَسْجِدَ إِنْشَاءً، وَإِنَّمَا وَسَّعَهُ وَشَيَّدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ إِطْلَاقُ الْبِنَاءِ فِي حَقِّ مَنْ جَدَّدَ كَمَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ هُنَا بَعْضُ الْمَسْجِدِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ.

قَوْلُهُ: (مَسْجِدُ الرَّسُولِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ

قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) حُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَالْمُرَادُ الْكَلَامُ بِالْإِنْكَارِ

وَنَحْوُهُ. (تَنْبِيهٌ): كَانَ بِنَاءُ عُثْمَانَ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ سَنَةَ ثَلَاثِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَفِي كِتَابِ السِّيَرِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ بُنْيَانِ عُثْمَانَ الْمَسْجِدَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يُنْجَزُ، فَإِنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهِ قُتِلَ عُثْمَانُ. قَالَ مَالِكٌ: فَكَانَ كَذَلِكَ.

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ تَارِيخَ ابْتِدَائِهِ وَالثَّانِي تَارِيخَ انْتِهَائِهِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَزَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُثْمَانَ: وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. وَعِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، وَحَمَلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي تَفْحَصُ الْقَطَاةُ عَنْهُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَارُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ جَابِرٍ هَذِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَزِيدَ فِي مَسْجِدٍ قَدْرًا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ يَشْتَرِكُ جَمَاعَةٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَتَقَعُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ مَوْضِعَ السُّجُودِ وَهُوَ مَا يَسَعُ الْجَبْهَةَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَنَى يُشْعِرُ بِوُجُودِ بِنَاءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا، أَخْرَجَهُ سَمُّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَكَانُ الْمُتَّخَذُ لَا مَوْضِعُ السُّجُودِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ إِرَادَةُ الْآخَرِ مَجَازًا، إِذْ بِنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا مِنَ الْمَسَاجِدِ فِي طُرُقِ الْمُسَافِرِينَ يُحَوِّطُونَهَا إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ، وَبَعْضُهَا لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدَرِ مَوْضِعِ السُّجُودِ.

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ نَحْو حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَزَادَ: قُلْتُ: وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي فِي الطُّرُقِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلِلطَّبَرانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِرْصَافَةَ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ) أَيْ: شَيْخَهُ عَاصِمًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ) أَيْ: يَطْلُبُ بِهِ رِضَا اللَّهِ وَالْمَعْنَى بِذَلِكَ: الْإِخْلَاصُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا بُكَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَهَا إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ هَكَذَا، وَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِهَا، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى حَدِيثَ عُثْمَانَ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ إِلَيْهِ لَفْظُهُمْ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، فَكَأَنَّ بُكَيْرًا نَسِيَهَا فَذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى مُتَرَدِّدًا فِي اللَّفْظِ الَّذِي ظَنَّهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ.

فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يَبْنِيهِ كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْإِخْلَاصِ. انْتَهَى. وَمَنْ بَنَاهُ بِالْأُجْرَةِ لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْوَعْدُ الْمَخْصُوصُ لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ وَإِنْ كَانَ يُؤَجَّرُ فِي الْجُمْلَةِ. وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الْمُحْتَسِبَ فِي صَنْعَتِهِ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَالْمُمِدَّ بِهِ، فَقَوْلُهُ: الْمُحْتَسِبَ فِي صَنْعَتِهِ أَيْ: مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِعَانَةَ الْمُجَاهِدِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ أَوْ بِأُجْرَةٍ، لَكِنَّ الْإِخْلَاصَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ الْمُتَطَوِّعِ، وَهَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِمَنْ جَعَلَ بُقْعَةً مِنَ الْأَرْضِ مَسْجِدًا بِأَنْ يَكْتَفِيَ بِتَحْوِيطِهَا مِنْ غَيْرِ بَنَاءٍ، وَكَذَا مَنْ عَمَدَ إِلَى بِنَاءٍ كَانَ يَمْلِكُهُ فَوَقَفَهُ مَسْجِدًا؟ إِنْ وَقَفْنَا مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْمَعْنَى فَنَعَمْ وَهُوَ الْمُتَّجِهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: بَنَى حَقِيقَةً فِي الْمُبَاشِرِ بِشَرْطِهَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: «حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المُلقَّب بدرَّة الغوَّاص (أَنَّ بُكَيْرًا) بضمِّ المُوحَّدة بالتَّصغير، وهو ابن عبد الله بن الأشجِّ، مدنيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ) وللأَصيليِّ: «أخبره» (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ قَتَادَةَ) الأنصاريَّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين ومئةٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ) بتصغير العبد، ابن الأسود (الخَوْلَانِيَّ) بفتح الخاء (١) المعجمة، ربيب أمِّ المؤمنين ميمونة (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ) حال كونه (يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي: في (٢) إنكارهم عليه (حِينَ بَنَى) أي: حين (٣) أراد أن يبني (٤) (مَسْجِدَ الرَّسُولِ ) بأن يبنيه (٥) بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، ويجعل عُمُدَه من الحجارة، ويسقفه (٦) بالسَّاج، وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور، ولم يبنِ المسجد إنشاءً، وإنَّما وسَّعه وشيَّده: (إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) أي: الكلام في الإنكار على ما فعلته (وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٧): «رسول الله» () حال كونه (يَقُولُ: مَنْ

بَنَى) حقيقةً أو مجازًا (مَسْجِدًا) كبيرًا كان أو صغيرًا، ولابن خزيمة: «كمَفْحَص (١) قطاةٍ أو أصغر» ومَفْحَصها (٢) بفتح الميم والحاء المهملة كمَقْعَدٍ، هو مجثمها (٣) لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنَّها تفحص عنه التُّراب، أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف، ولا ريب أنَّه لا يكفي مقداره للصَّلاة فيه، فهو محمولٌ على المبالغة لأنَّ الشَّارع يضرب المثل في الشَّيء بما لا يكاد يقع كقوله: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدًا حبشيًّا» وقد ثبت أنه قال: «الأئمَّة من قريشٍ»، أو هو على ظاهره بأن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه، تكون تلك الزِّيادة هذا (٤) القدر، أو يشترك جماعةٌ في بناء مسجدٍ فتقع حصَّة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القدر، أو المراد بالمسجد موضع السُّجود وهو ما يسع الجبهة، فأطلق عليه البناء مجازًا، لكنَّ الحمل على الحقيقة أَوْلى، وخصَّ القطاة بهذا لأنَّها لا تبيض في (٥) شجرةٍ ولا على رأس جبلٍ، بل (٦) إنَّما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطَّير فلذلك شبَّه به المسجد، ولأنَّها تُوصَف بالصِّدق، فكأنَّه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه (٧)، كما قال الشَّيخ أبو الحسن الشَّاذليُّ: خالص العبوديَّة الاندماج في طيِّ الأحكام من غير شُهرةٍ ولا إرادةٍ، وهذا شأن هذا الطَّائر، وقِيلَ: لأنَّ أفحوصها (٨)

يشبه (١) محراب المسجد في استدارته وتكوينه.

(قَالَ بُكَيْرٌ) المذكور: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: شيخه عاصمًا (قَالَ) بالإسناد السَّابق: (يَبْتَغِي بِهِ) أي: ببناء المسجد (وَجْهَ اللهِ) ﷿، أي: ذاته تعالى طلبًا لمرضاته تعالى (٢)، لا رياءً ولا سُمْعةً، ومن كتب اسمه على المسجد الَّذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص، قاله ابن الجوزيِّ، وجملة «يبتغي» في موضع الحال من ضمير بنى إن كان من لفظ النَّبيِّ، وإنَّما لم يجزم بُكَيْرٌ بهذه الزِّيادة لأنَّه نسيها، فذكرها بالمعنى متردِّدًا في اللَّفظ الَّذي ظنَّه، والجملة اعتراضٌ بين الشَّرط -وهو قوله: «من بنى» - وجوابه وهو قوله: (بَنَى اللهُ) ﷿ (لَهُ) -مجازًا- بناءً (مِثْلَهُ) في مُسمَّى البيت، حال كونه (فِي الجَنَّةِ) لكنَّه في السَّعة أفضل، مما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، وروى الإمام أحمد بإسنادٍ ليِّنٍ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا أوسع منه»، أو المراد بالجزاء أبنيةٌ متعدِّدةٌ، أي: بنى الله له عشرة أبنيةٍ مثله، إذ الحسنة بعشر أمثالها، والأصل: أنَّ جزاء الحسنة الواحدة واحدٌ (٣)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

البُخَارِيّ فِي الْبيُوع أَيْضا عَن خَلاد بن يحيى أَيْضا، وَأخرجه فِي عَلامَة النُّبُوَّة عَن أبي نعيم.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَن امْرَأَة) ، هِيَ الَّتِي ذكرت فِي حَدِيث سهل بن سعد الْمَذْكُور آنِفا. قَوْله: (أَلَا؟) هِيَ مُخَفّفَة مركبة من همزَة الِاسْتِفْهَام و: لَا، النافية، وَلَيْسَت حرف التَّنْبِيه وَلَا حرف التحضيض. قَوْله: (فَإِن لي غُلَاما نجاراً) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِن لي غُلَام نجار) . قَوْله: (إِن شِئْت) ، جَزَاؤُهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن شِئْت عملت، ويروى: (إِن شِئْت فعلت) ، بِلَا حذف. قَوْله: (فَعمِلت) ، أَي: الْمَرْأَة عملت الْمِنْبَر، وَهَذَا إِسْنَاد مجازي، لِأَن الْعَامِل هُوَ الْغُلَام وَهِي الآمرة، وَهُوَ من قبيل قَوْلهم: كسا الْخَلِيفَة الْكَعْبَة. قيل: هَذَا الحَدِيث لَا يدل على الِاسْتِعَانَة، لِأَن هَذِه الْمَرْأَة قَالَت ذَلِك من تِلْقَاء نَفسهَا، أُجِيب: بِأَنَّهَا استعانة بالغلام فِي نجارة الْمِنْبَر.

وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: قبُول الْبَذْل إِذا كَانَ بِغَيْر سُؤال، واستنجاز الْوَعْد مِمَّن تعلم مِنْهُ الْإِجَابَة، والتقرب إِلَى أهل الْفضل بِعَمَل الْخَيْر. وَقَالَ ابْن بطال. فَإِن قلت: الحديثان متخالفان، فَفِي حَدِيث سهل: أَن النَّبِي سَأَلَ الْمَرْأَة أَن تَأمر عَبدهَا بِعَمَل الْمِنْبَر، وَفِي حَدِيث جَابر: أَن الْمَرْأَة سَأَلت النَّبِي ذَلِك. قلت: يحْتَمل أَن تكون الْمَرْأَة بدأت بِالْمَسْأَلَة، فَلَمَّا أَبْطَأَ الْغُلَام بِعَمَلِهِ استنجزها إِتْمَامه، إِذْ علم طيب نفس الْمَرْأَة بِمَا بذلته من صَنْعَة غلامها، وَيُمكن أَن يكون إرْسَاله إِلَى الْمَرْأَة ليعرفها صَنْعَة مَا يصنع الْغُلَام من الأعواد.

٥٦ - (بابُ مَنْ بَنَى مَسْجِداً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من بنى مَسْجِدا.

١١٠ - (حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان حَدثنِي ابْن وهب أَخْبرنِي عَمْرو أَن بكيرا حَدثهُ أَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة حَدثهُ أَنه سمع عبيد الله الْخَولَانِيّ أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ يَقُول عِنْد قَول النَّاس فِيهِ حِين بنى مَسْجِد الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّكُم أَكثرْتُم وَإِنِّي سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول من بنى مَسْجِدا قَالَ بكير حسبت أَنه قَالَ يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الْبَاب فِي بَيَان فضل من بنى الْمَسْجِد (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة. الأول يحيى بن سُلَيْمَان الْجعْفِيّ مر فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. الثَّانِي عبد الله بن وهب وَقد مر أَيْضا غير مرّة. الثَّالِث عَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن الْحَارِث الملقب بدرة الغواص مر فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. الرَّابِع بكير مصغر مخفف ابْن عبد الله الْأَشَج الْمدنِي خرج قَدِيما إِلَى مصر فَنزل بهَا. الْخَامِس عَاصِم بن عمر بِضَم الْعين الأوسي الْأنْصَارِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة عشْرين وَمِائَة. السَّادِس عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن الْأسود الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون ربيب مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. السَّابِع عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْأَفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه السماع فِي موضِعين وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد وهم بكير وَعَاصِم وَعبد الله وَفِيه ثَلَاثَة من أول الْإِسْنَاد مصريون وَثَلَاثَة من آخِره مدنيون وَفِي وَسطه مدنِي سكن مصر وَهُوَ بكير (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَأحمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب إِلَى آخِره وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ وَعبد الْملك بن الصَّباح وَفِيه وَفِي آخر الْكتاب عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن الضَّحَّاك بن مخلد ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الحميد بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن مَحْمُود بن لبيد عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن بنْدَار عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ عَن عبد الحميد بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن مَحْمُود بن لبيد عَن عُثْمَان إِلَى آخِره وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَأخرجه ابْن ماجة عَن بنْدَار عَن أبي بكر

الْحَنَفِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَفِي الْبَاب عَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَعبد الله بن عَمْرو وَأنس وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأم حَبِيبَة وَأبي ذَر وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وواثلة بن الْأَسْقَع وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (قلت) حَدِيث أبي بكر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط من رِوَايَة وهب بن حَفْص عَن حبيب بن نوح عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن مرّة الطّيب عَن أبي بكر الصّديق فَذكره ووهب بن حَفْص ضَعِيف وَفِي علل أبي حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ هُوَ مُنكر عَن أبي بكر الصّديق " من بنى مَسْجِدا لله وَلَو مثل مفحص قطاة ". وَحَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخرجه ابْن حبَان " من بني لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ اسْم الله بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة ". وَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْد ابْن ماجة من حَدِيث عُرْوَة عَن عَليّ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من بنى مَسْجِدا لله بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو عِنْد أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده نَحوه وَزَاد " أوسع مِنْهُ " وروى أَحْمد أَيْضا نَحوه. وَحَدِيث أنس عِنْد التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا نوح بن قيس عَن عبد الرَّحْمَن مولى قيس عَن زِيَاد النميري عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من بنى لله مَسْجِدا صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَأخرجه أَيْضا أَبُو نعيم وَلَفظه " من بني مَسْجِدا لله فِي الدُّنْيَا يُرِيد بِهِ وَجه الله قَالُوا إِذا نكثر يَا رَسُول الله قَالَ الله أَكثر " وَفِي لفظ " كل بِنَاء وبال على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا مَسْجِدا فَإِن لَهُ بِهِ قصرا فِي الْجنَّة من لُؤْلُؤ ". وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أبي مُسلم الْكَجِّي مثله وَزَاد " وَلَو كمفحص قطاة ". وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد مُسَدّد فِي مُسْنده الْكَبِير عَن أبي دَاوُد عَن كثير بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان عَن عَطاء عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة قلت يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي فِي طَرِيق مَكَّة قَالَ وَتلك ". وَحَدِيث أم حَبِيبَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط. وَحَدِيث أبي ذَر عِنْد الْبَزَّار. وَحَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة عِنْد النَّسَائِيّ. وَحَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير " من بني مَسْجِدا يصلى فِيهِ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ ". وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَعند الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " من بني بَيْتا يعبد الله فِيهِ حَلَالا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من الدّرّ والياقوت " وَحَدِيث جَابر عِنْد ابْن خُزَيْمَة " من حفر مَاء لم يشرب مِنْهُ كبد حَيّ من جن وَلَا إنس وَلَا طَائِر إِلَّا آجره الله يَوْم الْقِيَامَة وَمن بنى مَسْجِدا كمفحص قطاة أَو أَصْغَر بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " (قلت) وَفِي الْبَاب عَن أبي قرصافة ونبيط بن شريط وَعمر بن مَالك وَأَسْمَاء بنت يزِيد ومعاذ وَأبي أُمَامَة وَعبد الله بن أبي أوفى وَأبي مُوسَى وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَحَدِيث أبي قرصافة واسْمه جندرة بن خيشنة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير أَنه سمع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول " ابْنُوا الْمَسَاجِد وأخرجوا القمامة مِنْهَا فَمن بنى " فَذكره وَزَاد " قَالَ رجل يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي تبنى فِي الطَّرِيق قَالَ نعم وَإِخْرَاج القمامة مِنْهَا مُهُور حور الْعين " وَفِي إِسْنَاده جَهَالَة. وَحَدِيث نبيط عِنْده أَيْضا فِي الصَّغِير. وَحَدِيث عمر بن مَالك عِنْد أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة وَلَفظه " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة ". وَحَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد عِنْد الطَّبَرَانِيّ نَحوه وَرَوَاهُ أَبُو نعيم وَلَفظه " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أوسع مِنْهُ " وَحَدِيث معَاذ عِنْد أبي الْفرج فِي كتاب الْعِلَل " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَمن علق فِيهِ قِنْدِيلًا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يطفى ذَلِك الْقنْدِيل وَمن بسط فِيهِ حَصِيرا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يتقطع ذَلِك الْحَصِير وَمن أخرجه مِنْهُ قذاة كَانَ لَهُ كفلان من الْأجر " وَفِيه كَلَام كثير. وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد أبي نعيم " لَا يَبْنِي أحد مَسْجِدا لله إِلَّا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أوسع مِنْهُ ". وَحَدِيث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه الْحَافِظ عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي فِي جُزْء جمعه. وَحَدِيث أبي مُوسَى كَذَلِك. وَحَدِيث عبد الله بن عمر عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الحكم بن ظهير وَهُوَ مَتْرُوك عَن ابْن أبي ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر فَذكره وَزَاد فِيهِ الطَّبَرَانِيّ " وَلَو كمفحص قطاة " فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ صحابيا (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " يَقُول " جملَة وَقعت حَالا عَن عُثْمَان قَوْله " عِنْد قَول النَّاس فِيهِ " أَي فِي عُثْمَان وَذَلِكَ أَن بَعضهم أنكر عَلَيْهِ عِنْد تَغْيِيره بِنَاء الْمَسْجِد وَجعله بِالْحِجَارَةِ المنقوشة والقصة وَوَقع بَيَان ذَلِك عِنْد مُسلم حَيْثُ أخرجه

من طَرِيق مَحْمُود بن لبيد الْأنْصَارِيّ وَهُوَ من صغَار الصَّحَابَة قَالَ " لما أَرَادَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِنَاء الْمَسْجِد كره النَّاس ذَلِك وأحبوا أَن يَدعُوهُ على هَيئته " أَي فِي عهد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " حِين بنى " أَي حِين أَرَادَ عُثْمَان أَن يَبْنِي وَلم يبن عُثْمَان إنْشَاء وَإِنَّمَا وَسعه وشيده وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب بُنيان الْمَسْجِد وَقَالَ بَعضهم فَيُؤْخَذ مِنْهُ إِطْلَاق الْبناء فِي حق من جدد كَمَا يُطلق فِي حق من أنشأ أَو المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هَهُنَا بعض الْمَسْجِد من إِطْلَاق الْكل على الْبَعْض (قلت) ذكر هَذَا الْقَائِل شَيْئَيْنِ الأول مُسْتَغْنى عَنهُ فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره وَالثَّانِي لَا يَصح لِأَنَّهُ ذكر فِي بَاب بُنيان الْمَسْجِد حَدِيث عبد الله بن عمر وَفِيه " ثمَّ غَيره عُثْمَان فَزَاد فِيهِ زِيَادَة كَثِيرَة وَبنى جِدَاره بحجارة منقوشة والقصة وَجعل عمده من حِجَارَة منقوشة وسقفه بالساج " انْتهى فَهَذَا يدل على أَنه غير الْكل وَزَاد فِيهِ يَعْنِي فِي الطول وَالْعرض وَكَانَ الْمَسْجِد مَبْنِيا بِاللَّبنِ وسقفه بِالْجَرِيدِ وعمده خشب النّخل وبناه عُثْمَان بِالْحِجَارَةِ وَجعل عمده بِالْحِجَارَةِ وسقفه بالساج فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل أَو المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا بعض الْمَسْجِد فَهَذَا كَلَام من لم يتَأَمَّل ويتصرف من غير وَجه قَوْله " مَسْجِد الرَّسُول " كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي " مَسْجِد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَوْله " إِنَّكُم أَكثرْتُم " مقولة لقَوْله يَقُول ومفعوله مَحْذُوف للْعلم بِهِ وَالتَّقْدِير أَنكُمْ أَكثرْتُم الْكَلَام فِي الْإِنْكَار على فعلى قَوْله " من بنى مَسْجِدا " التَّنْوِين فِيهِ للشيوع فَيتَنَاوَل من بنى مَسْجِدا كَبِيرا أَو صَغِيرا يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ على مَا ذَكرْنَاهُ وروى ابْن أبي شيبَة حَدِيث الْبَاب عَن عُثْمَان من وَجه آخر وَزَاد فِيهِ " وَلَو كمفحص قطاة " وَفِي حَدِيث جَابر " كمفحص قطاة أَو أَصْغَر " وللعلماء فِي تَوْجِيه هَذَا قَولَانِ فَقَالَ أَكْثَرهم هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة لِأَن الْمَكَان الَّذِي تفحص القطاة عَنهُ لتَضَع فِيهِ بيضها وترقد عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَار للصَّلَاة فِيهِ وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابر الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ على ظَاهره فَالْمَعْنى على هَذَا أَن يزِيد فِي مَسْجِد قدرا يحْتَاج إِلَيْهِ تكون تِلْكَ الزِّيَادَة على هَذَا الْقدر أَو يشْتَرك جمَاعَة فِي بِنَاء مَسْجِد فَتَقَع حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُم ذَلِك الْقدر قيل هَذَا كُله بِنَاء على أَن المُرَاد من الْمَسْجِد مَا يتَبَادَر إِلَيْهِ الذِّهْن وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يتَّخذ للصَّلَاة فِيهِ فَإِن كَانَ المُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَوضِع السُّجُود وَهُوَ مَا يسع الْجِهَة فَلَا يحْتَاج إِلَى شَيْء مِمَّا ذكر (قلت) قَوْله " من بنى " يَقْتَضِي وجود بِنَاء على الْحَقِيقَة فَيحمل على الْمَسْجِد الْمَعْهُود بَين النَّاس وَيُؤَيّد ذَلِك حَدِيث أم حَبِيبَة " من بني لله بَيْتا " وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَيْضا " من بنى لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ اسْم الله " وكل ذَلِك يدل على أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُوَ الْمَكَان الْمُتَّخذ لَا مَوضِع السُّجُود فَقَط وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْفرْقَة الأولى وَلَكِن لَا يمْنَع إِرَادَة مَوضِع السُّجُود مجَازًا فَيدْخل فِيهِ الْمَوَاضِع المحوطة إِلَى جِهَة الْقبْلَة وفيهَا هَيْئَة الْمِحْرَاب فِي طرقات الْمُسَافِرين وَالْحَال أَنَّهَا لَيست كالمساجد المبنية بالجدران والسقوف وَرُبمَا يَجْعَل مِنْهَا مَوضِع فِي غَايَة الصغر يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي قرصافة الَّذِي ذَكرْنَاهُ قَوْله " قَالَ بكير حسبت أَنه " أَي أَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَهُوَ شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث قَالَ فِي رِوَايَته " يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله " وَهَذِه الْجُمْلَة مدرجة مُعْتَرضَة وَقعت فِي الْبَين وَلم يجْزم بهَا بكير فَلذَلِك ذكرهَا بالحسبان وَلَيْسَت هَذِه الْجُمْلَة فِي رِوَايَة جَمِيع من روى هَذَا الحَدِيث فَإِن لَفظهمْ فِيهِ " من بني لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة " فَكَأَن بكير أنسى لَفْظَة الله فَذكرهَا بِالْمَعْنَى فَإِن معنى قَوْله " لله " يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود وَهُوَ الْإِخْلَاص ثمَّ إِن لَفْظَة يَبْتَغِي بِهِ على تَقْدِير ثُبُوتهَا فِي كَلَام الرَّسُول تكون حَالا من فَاعل بنى وَالْمرَاد بِوَجْه الله ذَات الله وابتغاء وَجه الله فِي الْعَمَل هُوَ الْإِخْلَاص وَهُوَ أَن تكون نِيَّته فِي ذَلِك طلب مرضاة الله تَعَالَى من دون رِيَاء وَسُمْعَة حَتَّى قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ من كتب اسْمه على الْمَسْجِد الَّذِي يبنيه كَانَ بَعيدا من الْإِخْلَاص (فَإِن قلت) فعلى هَذَا لَا يحصل الْوَعْد الْمَخْصُوص لمن يبنيه بِالْأُجْرَةِ لعدم الْإِخْلَاص (قلت) الظَّاهِر هَذَا وَلكنه يُؤجر فِي الْجُمْلَة يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم من حَدِيث عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا " أَن الله يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة الْجنَّة صانعه الْمُحْتَسب فِي صَنعته والرامي بِهِ والممد بِهِ " فَقَوله " الْمُحْتَسب فِي صَنعته " هُوَ من يقْصد بذلك إِعَانَة الْمُجَاهِد وَهُوَ أَعم من أَن يكون مُتَطَوعا بذلك أَو بِأُجْرَة لَكِن الْإِخْلَاص لَا يكون إِلَّا من المتطوع (فَإِن قلت) قَوْله " من بنى " حَقِيقَته أَن يُبَاشر الْبناء بِنَفسِهِ ليحصل لَهُ الْوَعْد الْمَخْصُوص فَلَا يدْخل فِيهِ الْأَمر بذلك (قلت) يتَنَاوَل الْأَمر أَيْضا بنيته " والأعمال بِالنِّيَّاتِ " (فَإِن قلت) يلْزم من ذَلِك الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَهُوَ

مُمْتَنع (قلت) لَا امْتنَاع فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فبعموم الْمجَاز وَهُوَ أَن يحمل الْكَلَام على معنى مجازي يتَنَاوَل الْحَقِيقَة وَهَذَا يُسمى عُمُوم الْمجَاز وَلَا نزاع فِي جَوَاز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنى مجازي يكون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ من أَفْرَاده كاستعمال الدَّابَّة عرفا فِيمَا يدب على الأَرْض وَمِثَال ذَلِك فِيمَن أوصى لأبناء زيد مثلا وَله أَبنَاء وَأَبْنَاء أَبنَاء يسْتَحق الْجَمِيع عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد عملا بِعُمُوم الْمجَاز حَيْثُ يُطلق الْأَبْنَاء على الْفَرِيقَيْنِ قَوْله " بنى الله لَهُ " إِسْنَاد الْبناء إِلَى الله مجَازًا اتِّفَاقًا قطعا (فَإِن قلت) إِظْهَار الْفَاعِل فِيهِ لماذا (قلت) لِأَن فِي تكْرَار اسْمه تَعْظِيمًا وتلذذا للذاكر قَالَ الشَّاعِر

(أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع)

وَقَالَ بَعضهم لِئَلَّا تتنافر الضمائر أَو يتَوَهَّم عوده على باني الْمَسْجِد (قلت) كلا الْوَجْهَيْنِ غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن التنافر إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت الضمائر كَثِيرَة وَأما الثَّانِي فَمَمْنُوع قطعا للقرينة الحالية والمقالية قَوْله " مثله " مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي بِنَاء مثله والمثل فِي اللُّغَة الشّبَه يُقَال هَذَا الشَّيْء مثل هَذَا أَي شبهه قَالَ الْجَوْهَرِي مثل كلمة تَسْوِيَة يُقَال هَذَا مثله وَمثله كَمَا تَقول شبهه وَشبهه وَعند أهل الْمَعْقُول الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ هُوَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع كاتحاد زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية وَإِذا كَانَ فِي الْجِنْس يُسمى مجانسة كاتحاد الْإِنْسَان مَعَ الْفرس فِي الحيوانية وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد بالمثلية هَهُنَا فَقَالَ قوم مِنْهُم ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي مثله فِي الْمِقْدَار والمساحة (قلت) يرد هَذَا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " بَيْتا أوسع مِنْهُ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أَسمَاء وَأبي أُمَامَة على مَا ذَكرنَاهَا وَقَالَ قوم مثله فِي الْجَوْدَة والحصانة وَطول الْبَقَاء (قلت) هَذَا لَيْسَ بِشَيْء على مَا لَا يخفى مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ " وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم هَذِه المثلية لَيست على ظَاهرهَا وَإِنَّمَا يعْنى أَنه يَبْنِي لَهُ بثوابه بَيْتا أشرف وَأعظم وَأَرْفَع وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل قَوْله " مثله " أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ بنى الله لَهُ مثله فِي مُسَمّى الْبَيْت وَأما صفته فِي السعَة وَغَيرهَا فمعلوم فَضلهَا فَإِنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ أَن فَضله على بيُوت الْجنَّة كفضل الْمَسْجِد على بيُوت الدُّنْيَا (قلت) الْوَجْه الثَّانِي لَا يَخْلُو عَن بعد وَقَالَ بعض شرَّاح التِّرْمِذِيّ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَن يُنَبه بقوله " مثله " على الحض على الْمُبَالغَة فِي إِرَادَة الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي كَونه ينفع الْمُصَلِّين ويكنهم عَن الْحر وَالْبرد وَيكون فِي مَكَان يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكثر الِانْتِفَاع بِهِ ليقابل الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا انتفاعه هُوَ بِمَا يبْنى لَهُ فِي الْجنَّة. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم وَهَذَا الْبَيْت وَالله أعلم مثل بَيت خَدِيجَة الَّذِي بشرت بِهِ بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب يُرِيد من قصب الزمرد والياقوت (قلت) قد ذكرنَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة من (١) عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من در (٢) وَيَاقُوت " (فَإِن قلت) قَالَ الله تَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} فَمَا معنى التَّقْيِيد بِمثلِهِ (قلت) أجابوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول مَا قَالَه بَعضهم أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَه قبل نزُول هَذِه الْآيَة (قلت) هَذَا بعيد وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بالتاريخ. الثَّانِي أَن المثلية إِنَّمَا هِيَ بِحَسب الكمية وَالزِّيَادَة بِحَسب الْكَيْفِيَّة (قلت) المثلية بِحَسب الكمية تسمى مُسَاوَاة كاتحاد مِقْدَار مَعَ آخر فِي الْقدر وَفِي الْكَيْفِيَّة تسمى مشابهة. الثَّالِث أَن التَّقْيِيد بِهِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَة واستبعده بَعضهم وَلَيْسَ بِبَعِيد. الرَّابِع أَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان الْمُمَاثلَة فِي أَن أَجزَاء هَذِه الْحَسَنَة من جنس الْعَمَل لَا من غَيره وَعِنْدِي جَوَاب فتح لي بِهِ من الْأَنْوَار الالهية وَهُوَ أَن المجازاة بِالْمثلِ عدل مِنْهُ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِحَسب الْكَيْفِيَّة والكمية فضل مِنْهُ قَوْله " فِي الْجنَّة " قَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق ببنى أَو هُوَ حَال من قَوْله مثله (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَقع صفة لمثله وَالتَّقْدِير بنى الله لَهُ مثله كَائِنا فِي الْجنَّة وَكَيف يكون حَالا من مثله وَشرط الْحَال أَن يكون من معرفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلَفظ مثل لَا يتعرف وَإِن أضيف

٦٦ - (بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الشَّخْص يَأْخُذ بنصول السِّهَام إِذا مر فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِئَلَّا يَقع لفظ: بَاب ضائعاً، وَأَيْضًا فِيهِ بَيَان أَن الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: يَأْخُذ، يرجع إِلَى هَذَا الْمُقدر، لِئَلَّا يكون إضماراً قبل الذّكر، وليلتئم التَّرْكِيب، وَلم: أر أحدا من الشُّرَّاح يذكر شَيْئا فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع، مَعَ أَن فيهم من يَدعِي دعاوي عريضة فِي هَذَا الْبَاب

وَلَيْسَ لَهُ حَظّ من هَذِه الدقائق. والنصول: جمع نصل. قَالَ الْجَوْهَرِي: النصل نصل السهْم وَالسيف وَالرمْح، وَالْجمع نصول ونصال. والنبل، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره لَام: السِّهَام الْعَرَبيَّة، وَهِي مُؤَنّثَة لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَجَوَاب: إِذا، هُوَ قَوْله: يَأْخُذ مقدما.

١٥٤١١١ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ قلْتُ لِعَمْرٍ وأسَمِعْتَ جابرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهامٌ فَقَالَ لهُ رَسولُ اللَّهِ أمْسِكْ بنصَالِها. (الحَدِيث ١٥٤ طرفاه فِي: ٣٧٠٧، ٤٧٠٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، أَمر بإمساك النصال عِنْد الْمُرُور فِي الْمَسْجِد.

ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن عبد االأنصاري.

ذمر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: السُّؤَال عَن السماع بطرِيق الِاسْتِفْهَام، وَلم يذكر لَهُ جَوَاب، قَالَ ابْن بطال. فَإِن قيل: حَدِيث جَابر لَا يظْهر فِيهِ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن عمرا قَالَ لَهُ: نعم. قُلْنَا: قد ذكر البُخَارِيّ فِي غير كتاب الصَّلَاة أَنه قَالَ: نعم، فَبَان بقوله: نعم، إِسْنَاد الحَدِيث. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذِه مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا المحدثون، فَمنهمْ من شَرط النُّطْق إِذا قَالَ لَهُ التلميذ: أخْبرك فلَان بِكَذَا وَكَذَا، وَمِنْهُم من لم يتشرط، وَذكر البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان، فَقَالَ: نعم. انْتهى. قلت: الْمَذْهَب الرَّاجِح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْمُحَقِّقين مِنْهُم البُخَارِيّ أَن قَول الشَّيْخ: نعم، لَا يشْتَرط، بل يَكْتَفِي بسكوت الشَّيْخ إِذا كَانَ متيقظاً، فعلى هَذَا فالإسناد فِي حَدِيث جَابر ظَاهر، وَمَعَ ذَلِك فقد جَاءَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه قَالَ لَهُ: نعم، فَانْقَطع النزاع. وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ عَن رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه ذكره فِي حَدِيثه، فَقَالَ: نعم، وَلم أره فِيهَا، قلت: عدم رُؤْيَته لَا يسْتَلْزم عدم الرِّوَايَة عَنهُ. فَإِن لم يره هُوَ فقد حكى من هُوَ أكبر مِنْهُ أَنه رُوِيَ عَنهُ لفظ. نعم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد ا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عبد ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن هِشَام بن عمار سبعتهم، عَنهُ بِهِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن جَابر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي الرّبيع عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر: (أَن النَّبِي أَمر رجلا كَانَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ فِي الْمَسْجِد أَن لَا يمر بهَا إلَاّ وَهُوَ آخذ بنصولها) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي الْبِلَاد عَن مُحَمَّد بن عبد ا، قَالَ: (كُنَّا عِنْد أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَقلب رجل نبْلًا فَقَالَ أَبُو سعيد: أما كَانَ هَذَا يعلم أَن رَسُول الله نهى عَن تقليب السِّلَاح وسله) يَعْنِي فِي الْمَسْجِد.

وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن جُبَير، وَهُوَ ضَعِيف، عَن دَاوُد بن الْحصين عَن نَافِع عَن ابْن عمر يرفعهُ: (خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد: لَا يتَّخذ طَرِيقا، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح، وَلَا ينبض فِيهِ بقوس، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء، وَلَا يضْرب فِيهِ حد، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد، وَلَا يتَّخذ سوقاً) . وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الْحَارِث بن نَبهَان، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، عَن عتبَة بن يقظان، وَهُوَ غير ثِقَة، عَن أبي سعيد، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال وَالْعين، عَن مَكْحُول عَن وَاثِلَة، وَأنكر سَمَاعه عَنهُ ابْن مسْهر وَالْحَاكِم. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) سمع مِنْهُ أَن النَّبِي قَالَ: (جَنبُوا مَسَاجِدنَا صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع) . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (نزهوا الْمَسَاجِد وَلَا تتخذوها طرقاً، وَلَا تمر فِيهِ حَائِض، وَلَا يقْعد فِيهِ جنب إلَاّ عابري سَبِيل، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يسل فِيهِ سيف، وَلَا يضْرب بِهِ حد، وَلَا ينشد فِيهِ شعر. فَإِن أنْشد قيل: فض افاك) .

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسلمين، لِأَن الْمَسَاجِد مورودة بالخلق لَا سِيمَا فِي أَوْقَات الصَّلَاة، وَهَذَا التَّأْكِيد من النَّبِي لِأَنَّهُ خشِي أَن يُؤْذى بهَا أحد. وَفِيه: كريم خلقه ورأفته بِالْمُؤْمِنِينَ. وَفِيه: التَّعْظِيم لقَلِيل الدَّم وَكَثِيره. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد يجوز فِيهِ إِدْخَال السِّلَاح.

٧٦ -

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ، فَعَمِلَتْ الْمِنْبَرَ.

[الحديث ٤٤٩ - أطرافه في: ٣٥٨٥، ٣٥٨٤، ٢٠٩٥، ٩١٨]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَلَّادٌ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَأَيْمَنُ بِوَزْنِ أَفْعَلَ، وَهُوَ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَةً) هِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلٍ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالْعَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَطْلُبُ ذَلِكَ، أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مُتَبَرِّعَةً بِذَلِكَ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا الْقَبُولُ أَمْكَنَ أَنْ يُبْطِئَ الْغُلَامُ بِعَمَلِهِ، فَأَرْسَلَ يَسْتَنْجِزُهَا إِتْمَامَهُ لِعِلْمِهِ بِطِيبِ نَفْسِهَا بِمَا بَذَلَتْهُ. قَالَ: وَيُمْكِنُ إِرْسَالُهُ إِلَيْهَا لِيُعَرِّفَهَا بِصِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ الْغُلَامُ مِنَ الْأَعْوَادِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْبَرًا.

قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: أَلَا أَجْعَلُ لَكَ منبرًا، فَلَعَلَّ التَّعْرِيفَ وَقَعَ بِصِفَةٍ لِلْمِنْبَرِ مَخْصُوصَةٍ. أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ لَهَا: إِنْ شِئْتِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبُطْءِ، لَا أَنَّ الْغُلَامَ كَانَ شَرَعَ وَأَبْطَأَ، وَلَا أَنَّهُ جَهِلَ الصِّفَةَ، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ فِي نَظَرِي.

قَوْلُهُ: (أَلَا أَجْعَلُ لَكَ) أَضَافَتِ الْجَعْلَ إِلَى نَفْسِهَا مَجَازًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَإِنِّي لِي غُلَامٌ نَجَّارٌ وَقَدِ اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْمَتْنَ أَيْضًا، وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْبَذْلِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَاسْتِنْجَازُ الْوَعْدِ مِمَّنْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْإِجَابَةُ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ بِعَمَلِ الْخَيْرِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٦٥ - بَاب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا

٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ - عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) أَيْ: مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَبُكَيْرٌ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْأَسْوَدِ. وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ: بُكَيْرٌ، وَعَاصِمٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَوَّلِهِ مِصْرِيُّونَ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ آخِرِهِ مَدَنِيُّونَ، وَفِي وَسَطِهِ مَدَنِيُّ سَكَنَ مِصْرَ وَهُوَ بُكَيْرٌ، فَانْقَسَمَ الْإِسْنَادُ إِلَى مِصْرِيٍّ وَمَدَنِيِّ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) وَقْعَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ - وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ - قَالَ: لَمَّا أَرَادَ عُثْمَانُ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ كَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعُوهُ عَلَى هَيْئَتِهِ أَيْ: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ . وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: حِينَ بَنَى أَيْ: حِينِ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ الصَّحَابَةُ مِنْ عُثْمَانَ بِنَاؤُهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ لَا مُجَرَّدُ تَوْسِيعِهِ. انْتَهَى.

وَلَمْ يَبْنِ عُثْمَانُ الْمَسْجِدَ إِنْشَاءً، وَإِنَّمَا وَسَّعَهُ وَشَيَّدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ إِطْلَاقُ الْبِنَاءِ فِي حَقِّ مَنْ جَدَّدَ كَمَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ هُنَا بَعْضُ الْمَسْجِدِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ.

قَوْلُهُ: (مَسْجِدُ الرَّسُولِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ

قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) حُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَالْمُرَادُ الْكَلَامُ بِالْإِنْكَارِ

وَنَحْوُهُ. (تَنْبِيهٌ): كَانَ بِنَاءُ عُثْمَانَ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ سَنَةَ ثَلَاثِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَفِي كِتَابِ السِّيَرِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ بُنْيَانِ عُثْمَانَ الْمَسْجِدَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يُنْجَزُ، فَإِنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهِ قُتِلَ عُثْمَانُ. قَالَ مَالِكٌ: فَكَانَ كَذَلِكَ.

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ تَارِيخَ ابْتِدَائِهِ وَالثَّانِي تَارِيخَ انْتِهَائِهِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَزَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُثْمَانَ: وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. وَعِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، وَحَمَلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي تَفْحَصُ الْقَطَاةُ عَنْهُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَارُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ جَابِرٍ هَذِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَزِيدَ فِي مَسْجِدٍ قَدْرًا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ يَشْتَرِكُ جَمَاعَةٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَتَقَعُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ مَوْضِعَ السُّجُودِ وَهُوَ مَا يَسَعُ الْجَبْهَةَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَنَى يُشْعِرُ بِوُجُودِ بِنَاءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا، أَخْرَجَهُ سَمُّوَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَكَانُ الْمُتَّخَذُ لَا مَوْضِعُ السُّجُودِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ إِرَادَةُ الْآخَرِ مَجَازًا، إِذْ بِنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا مِنَ الْمَسَاجِدِ فِي طُرُقِ الْمُسَافِرِينَ يُحَوِّطُونَهَا إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ، وَبَعْضُهَا لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدَرِ مَوْضِعِ السُّجُودِ.

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ نَحْو حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَزَادَ: قُلْتُ: وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي فِي الطُّرُقِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلِلطَّبَرانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِرْصَافَةَ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ) أَيْ: شَيْخَهُ عَاصِمًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ) أَيْ: يَطْلُبُ بِهِ رِضَا اللَّهِ وَالْمَعْنَى بِذَلِكَ: الْإِخْلَاصُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا بُكَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَهَا إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ هَكَذَا، وَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِهَا، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى حَدِيثَ عُثْمَانَ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ إِلَيْهِ لَفْظُهُمْ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، فَكَأَنَّ بُكَيْرًا نَسِيَهَا فَذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى مُتَرَدِّدًا فِي اللَّفْظِ الَّذِي ظَنَّهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ.

فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يَبْنِيهِ كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْإِخْلَاصِ. انْتَهَى. وَمَنْ بَنَاهُ بِالْأُجْرَةِ لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْوَعْدُ الْمَخْصُوصُ لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ وَإِنْ كَانَ يُؤَجَّرُ فِي الْجُمْلَةِ. وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الْمُحْتَسِبَ فِي صَنْعَتِهِ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَالْمُمِدَّ بِهِ، فَقَوْلُهُ: الْمُحْتَسِبَ فِي صَنْعَتِهِ أَيْ: مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِعَانَةَ الْمُجَاهِدِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ أَوْ بِأُجْرَةٍ، لَكِنَّ الْإِخْلَاصَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ الْمُتَطَوِّعِ، وَهَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِمَنْ جَعَلَ بُقْعَةً مِنَ الْأَرْضِ مَسْجِدًا بِأَنْ يَكْتَفِيَ بِتَحْوِيطِهَا مِنْ غَيْرِ بَنَاءٍ، وَكَذَا مَنْ عَمَدَ إِلَى بِنَاءٍ كَانَ يَمْلِكُهُ فَوَقَفَهُ مَسْجِدًا؟ إِنْ وَقَفْنَا مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْمَعْنَى فَنَعَمْ وَهُوَ الْمُتَّجِهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: بَنَى حَقِيقَةً فِي الْمُبَاشِرِ بِشَرْطِهَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: «حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المُلقَّب بدرَّة الغوَّاص (أَنَّ بُكَيْرًا) بضمِّ المُوحَّدة بالتَّصغير، وهو ابن عبد الله بن الأشجِّ، مدنيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ) وللأَصيليِّ: «أخبره» (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ قَتَادَةَ) الأنصاريَّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين ومئةٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ) بتصغير العبد، ابن الأسود (الخَوْلَانِيَّ) بفتح الخاء (١) المعجمة، ربيب أمِّ المؤمنين ميمونة (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ) حال كونه (يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي: في (٢) إنكارهم عليه (حِينَ بَنَى) أي: حين (٣) أراد أن يبني (٤) (مَسْجِدَ الرَّسُولِ ) بأن يبنيه (٥) بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، ويجعل عُمُدَه من الحجارة، ويسقفه (٦) بالسَّاج، وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور، ولم يبنِ المسجد إنشاءً، وإنَّما وسَّعه وشيَّده: (إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) أي: الكلام في الإنكار على ما فعلته (وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٧): «رسول الله» () حال كونه (يَقُولُ: مَنْ

بَنَى) حقيقةً أو مجازًا (مَسْجِدًا) كبيرًا كان أو صغيرًا، ولابن خزيمة: «كمَفْحَص (١) قطاةٍ أو أصغر» ومَفْحَصها (٢) بفتح الميم والحاء المهملة كمَقْعَدٍ، هو مجثمها (٣) لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنَّها تفحص عنه التُّراب، أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف، ولا ريب أنَّه لا يكفي مقداره للصَّلاة فيه، فهو محمولٌ على المبالغة لأنَّ الشَّارع يضرب المثل في الشَّيء بما لا يكاد يقع كقوله: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدًا حبشيًّا» وقد ثبت أنه قال: «الأئمَّة من قريشٍ»، أو هو على ظاهره بأن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه، تكون تلك الزِّيادة هذا (٤) القدر، أو يشترك جماعةٌ في بناء مسجدٍ فتقع حصَّة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القدر، أو المراد بالمسجد موضع السُّجود وهو ما يسع الجبهة، فأطلق عليه البناء مجازًا، لكنَّ الحمل على الحقيقة أَوْلى، وخصَّ القطاة بهذا لأنَّها لا تبيض في (٥) شجرةٍ ولا على رأس جبلٍ، بل (٦) إنَّما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطَّير فلذلك شبَّه به المسجد، ولأنَّها تُوصَف بالصِّدق، فكأنَّه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه (٧)، كما قال الشَّيخ أبو الحسن الشَّاذليُّ: خالص العبوديَّة الاندماج في طيِّ الأحكام من غير شُهرةٍ ولا إرادةٍ، وهذا شأن هذا الطَّائر، وقِيلَ: لأنَّ أفحوصها (٨)

يشبه (١) محراب المسجد في استدارته وتكوينه.

(قَالَ بُكَيْرٌ) المذكور: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: شيخه عاصمًا (قَالَ) بالإسناد السَّابق: (يَبْتَغِي بِهِ) أي: ببناء المسجد (وَجْهَ اللهِ) ﷿، أي: ذاته تعالى طلبًا لمرضاته تعالى (٢)، لا رياءً ولا سُمْعةً، ومن كتب اسمه على المسجد الَّذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص، قاله ابن الجوزيِّ، وجملة «يبتغي» في موضع الحال من ضمير بنى إن كان من لفظ النَّبيِّ، وإنَّما لم يجزم بُكَيْرٌ بهذه الزِّيادة لأنَّه نسيها، فذكرها بالمعنى متردِّدًا في اللَّفظ الَّذي ظنَّه، والجملة اعتراضٌ بين الشَّرط -وهو قوله: «من بنى» - وجوابه وهو قوله: (بَنَى اللهُ) ﷿ (لَهُ) -مجازًا- بناءً (مِثْلَهُ) في مُسمَّى البيت، حال كونه (فِي الجَنَّةِ) لكنَّه في السَّعة أفضل، مما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، وروى الإمام أحمد بإسنادٍ ليِّنٍ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا أوسع منه»، أو المراد بالجزاء أبنيةٌ متعدِّدةٌ، أي: بنى الله له عشرة أبنيةٍ مثله، إذ الحسنة بعشر أمثالها، والأصل: أنَّ جزاء الحسنة الواحدة واحدٌ (٣)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

البُخَارِيّ فِي الْبيُوع أَيْضا عَن خَلاد بن يحيى أَيْضا، وَأخرجه فِي عَلامَة النُّبُوَّة عَن أبي نعيم.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَن امْرَأَة) ، هِيَ الَّتِي ذكرت فِي حَدِيث سهل بن سعد الْمَذْكُور آنِفا. قَوْله: (أَلَا؟) هِيَ مُخَفّفَة مركبة من همزَة الِاسْتِفْهَام و: لَا، النافية، وَلَيْسَت حرف التَّنْبِيه وَلَا حرف التحضيض. قَوْله: (فَإِن لي غُلَاما نجاراً) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِن لي غُلَام نجار) . قَوْله: (إِن شِئْت) ، جَزَاؤُهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن شِئْت عملت، ويروى: (إِن شِئْت فعلت) ، بِلَا حذف. قَوْله: (فَعمِلت) ، أَي: الْمَرْأَة عملت الْمِنْبَر، وَهَذَا إِسْنَاد مجازي، لِأَن الْعَامِل هُوَ الْغُلَام وَهِي الآمرة، وَهُوَ من قبيل قَوْلهم: كسا الْخَلِيفَة الْكَعْبَة. قيل: هَذَا الحَدِيث لَا يدل على الِاسْتِعَانَة، لِأَن هَذِه الْمَرْأَة قَالَت ذَلِك من تِلْقَاء نَفسهَا، أُجِيب: بِأَنَّهَا استعانة بالغلام فِي نجارة الْمِنْبَر.

وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: قبُول الْبَذْل إِذا كَانَ بِغَيْر سُؤال، واستنجاز الْوَعْد مِمَّن تعلم مِنْهُ الْإِجَابَة، والتقرب إِلَى أهل الْفضل بِعَمَل الْخَيْر. وَقَالَ ابْن بطال. فَإِن قلت: الحديثان متخالفان، فَفِي حَدِيث سهل: أَن النَّبِي سَأَلَ الْمَرْأَة أَن تَأمر عَبدهَا بِعَمَل الْمِنْبَر، وَفِي حَدِيث جَابر: أَن الْمَرْأَة سَأَلت النَّبِي ذَلِك. قلت: يحْتَمل أَن تكون الْمَرْأَة بدأت بِالْمَسْأَلَة، فَلَمَّا أَبْطَأَ الْغُلَام بِعَمَلِهِ استنجزها إِتْمَامه، إِذْ علم طيب نفس الْمَرْأَة بِمَا بذلته من صَنْعَة غلامها، وَيُمكن أَن يكون إرْسَاله إِلَى الْمَرْأَة ليعرفها صَنْعَة مَا يصنع الْغُلَام من الأعواد.

٥٦ - (بابُ مَنْ بَنَى مَسْجِداً)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من بنى مَسْجِدا.

١١٠ - (حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان حَدثنِي ابْن وهب أَخْبرنِي عَمْرو أَن بكيرا حَدثهُ أَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة حَدثهُ أَنه سمع عبيد الله الْخَولَانِيّ أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ يَقُول عِنْد قَول النَّاس فِيهِ حِين بنى مَسْجِد الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّكُم أَكثرْتُم وَإِنِّي سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول من بنى مَسْجِدا قَالَ بكير حسبت أَنه قَالَ يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الْبَاب فِي بَيَان فضل من بنى الْمَسْجِد (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة. الأول يحيى بن سُلَيْمَان الْجعْفِيّ مر فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. الثَّانِي عبد الله بن وهب وَقد مر أَيْضا غير مرّة. الثَّالِث عَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن الْحَارِث الملقب بدرة الغواص مر فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. الرَّابِع بكير مصغر مخفف ابْن عبد الله الْأَشَج الْمدنِي خرج قَدِيما إِلَى مصر فَنزل بهَا. الْخَامِس عَاصِم بن عمر بِضَم الْعين الأوسي الْأنْصَارِيّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة عشْرين وَمِائَة. السَّادِس عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن الْأسود الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون ربيب مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. السَّابِع عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْأَفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه السماع فِي موضِعين وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد وهم بكير وَعَاصِم وَعبد الله وَفِيه ثَلَاثَة من أول الْإِسْنَاد مصريون وَثَلَاثَة من آخِره مدنيون وَفِي وَسطه مدنِي سكن مصر وَهُوَ بكير (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي وَأحمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب إِلَى آخِره وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن اسحق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ وَعبد الْملك بن الصَّباح وَفِيه وَفِي آخر الْكتاب عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن الضَّحَّاك بن مخلد ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الحميد بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن مَحْمُود بن لبيد عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن بنْدَار عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ عَن عبد الحميد بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن مَحْمُود بن لبيد عَن عُثْمَان إِلَى آخِره وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَأخرجه ابْن ماجة عَن بنْدَار عَن أبي بكر

الْحَنَفِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَفِي الْبَاب عَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَعبد الله بن عَمْرو وَأنس وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأم حَبِيبَة وَأبي ذَر وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وواثلة بن الْأَسْقَع وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر بن عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (قلت) حَدِيث أبي بكر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط من رِوَايَة وهب بن حَفْص عَن حبيب بن نوح عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن مرّة الطّيب عَن أبي بكر الصّديق فَذكره ووهب بن حَفْص ضَعِيف وَفِي علل أبي حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ هُوَ مُنكر عَن أبي بكر الصّديق " من بنى مَسْجِدا لله وَلَو مثل مفحص قطاة ". وَحَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أخرجه ابْن حبَان " من بني لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ اسْم الله بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة ". وَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْد ابْن ماجة من حَدِيث عُرْوَة عَن عَليّ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من بنى مَسْجِدا لله بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو عِنْد أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده نَحوه وَزَاد " أوسع مِنْهُ " وروى أَحْمد أَيْضا نَحوه. وَحَدِيث أنس عِنْد التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا نوح بن قيس عَن عبد الرَّحْمَن مولى قيس عَن زِيَاد النميري عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من بنى لله مَسْجِدا صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَأخرجه أَيْضا أَبُو نعيم وَلَفظه " من بني مَسْجِدا لله فِي الدُّنْيَا يُرِيد بِهِ وَجه الله قَالُوا إِذا نكثر يَا رَسُول الله قَالَ الله أَكثر " وَفِي لفظ " كل بِنَاء وبال على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا مَسْجِدا فَإِن لَهُ بِهِ قصرا فِي الْجنَّة من لُؤْلُؤ ". وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أبي مُسلم الْكَجِّي مثله وَزَاد " وَلَو كمفحص قطاة ". وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد مُسَدّد فِي مُسْنده الْكَبِير عَن أبي دَاوُد عَن كثير بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان عَن عَطاء عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة قلت يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي فِي طَرِيق مَكَّة قَالَ وَتلك ". وَحَدِيث أم حَبِيبَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط. وَحَدِيث أبي ذَر عِنْد الْبَزَّار. وَحَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة عِنْد النَّسَائِيّ. وَحَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير " من بني مَسْجِدا يصلى فِيهِ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ ". وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَعند الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " من بني بَيْتا يعبد الله فِيهِ حَلَالا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من الدّرّ والياقوت " وَحَدِيث جَابر عِنْد ابْن خُزَيْمَة " من حفر مَاء لم يشرب مِنْهُ كبد حَيّ من جن وَلَا إنس وَلَا طَائِر إِلَّا آجره الله يَوْم الْقِيَامَة وَمن بنى مَسْجِدا كمفحص قطاة أَو أَصْغَر بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " (قلت) وَفِي الْبَاب عَن أبي قرصافة ونبيط بن شريط وَعمر بن مَالك وَأَسْمَاء بنت يزِيد ومعاذ وَأبي أُمَامَة وَعبد الله بن أبي أوفى وَأبي مُوسَى وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَحَدِيث أبي قرصافة واسْمه جندرة بن خيشنة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير أَنه سمع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول " ابْنُوا الْمَسَاجِد وأخرجوا القمامة مِنْهَا فَمن بنى " فَذكره وَزَاد " قَالَ رجل يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي تبنى فِي الطَّرِيق قَالَ نعم وَإِخْرَاج القمامة مِنْهَا مُهُور حور الْعين " وَفِي إِسْنَاده جَهَالَة. وَحَدِيث نبيط عِنْده أَيْضا فِي الصَّغِير. وَحَدِيث عمر بن مَالك عِنْد أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة وَلَفظه " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة ". وَحَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد عِنْد الطَّبَرَانِيّ نَحوه وَرَوَاهُ أَبُو نعيم وَلَفظه " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أوسع مِنْهُ " وَحَدِيث معَاذ عِنْد أبي الْفرج فِي كتاب الْعِلَل " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة " وَمن علق فِيهِ قِنْدِيلًا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يطفى ذَلِك الْقنْدِيل وَمن بسط فِيهِ حَصِيرا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يتقطع ذَلِك الْحَصِير وَمن أخرجه مِنْهُ قذاة كَانَ لَهُ كفلان من الْأجر " وَفِيه كَلَام كثير. وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد أبي نعيم " لَا يَبْنِي أحد مَسْجِدا لله إِلَّا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أوسع مِنْهُ ". وَحَدِيث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه الْحَافِظ عبد الْمُؤمن بن خلف الدمياطي فِي جُزْء جمعه. وَحَدِيث أبي مُوسَى كَذَلِك. وَحَدِيث عبد الله بن عمر عِنْد الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الحكم بن ظهير وَهُوَ مَتْرُوك عَن ابْن أبي ليلى عَن نَافِع عَن ابْن عمر فَذكره وَزَاد فِيهِ الطَّبَرَانِيّ " وَلَو كمفحص قطاة " فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ صحابيا (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " يَقُول " جملَة وَقعت حَالا عَن عُثْمَان قَوْله " عِنْد قَول النَّاس فِيهِ " أَي فِي عُثْمَان وَذَلِكَ أَن بَعضهم أنكر عَلَيْهِ عِنْد تَغْيِيره بِنَاء الْمَسْجِد وَجعله بِالْحِجَارَةِ المنقوشة والقصة وَوَقع بَيَان ذَلِك عِنْد مُسلم حَيْثُ أخرجه

من طَرِيق مَحْمُود بن لبيد الْأنْصَارِيّ وَهُوَ من صغَار الصَّحَابَة قَالَ " لما أَرَادَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِنَاء الْمَسْجِد كره النَّاس ذَلِك وأحبوا أَن يَدعُوهُ على هَيئته " أَي فِي عهد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " حِين بنى " أَي حِين أَرَادَ عُثْمَان أَن يَبْنِي وَلم يبن عُثْمَان إنْشَاء وَإِنَّمَا وَسعه وشيده وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب بُنيان الْمَسْجِد وَقَالَ بَعضهم فَيُؤْخَذ مِنْهُ إِطْلَاق الْبناء فِي حق من جدد كَمَا يُطلق فِي حق من أنشأ أَو المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هَهُنَا بعض الْمَسْجِد من إِطْلَاق الْكل على الْبَعْض (قلت) ذكر هَذَا الْقَائِل شَيْئَيْنِ الأول مُسْتَغْنى عَنهُ فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره وَالثَّانِي لَا يَصح لِأَنَّهُ ذكر فِي بَاب بُنيان الْمَسْجِد حَدِيث عبد الله بن عمر وَفِيه " ثمَّ غَيره عُثْمَان فَزَاد فِيهِ زِيَادَة كَثِيرَة وَبنى جِدَاره بحجارة منقوشة والقصة وَجعل عمده من حِجَارَة منقوشة وسقفه بالساج " انْتهى فَهَذَا يدل على أَنه غير الْكل وَزَاد فِيهِ يَعْنِي فِي الطول وَالْعرض وَكَانَ الْمَسْجِد مَبْنِيا بِاللَّبنِ وسقفه بِالْجَرِيدِ وعمده خشب النّخل وبناه عُثْمَان بِالْحِجَارَةِ وَجعل عمده بِالْحِجَارَةِ وسقفه بالساج فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل أَو المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا بعض الْمَسْجِد فَهَذَا كَلَام من لم يتَأَمَّل ويتصرف من غير وَجه قَوْله " مَسْجِد الرَّسُول " كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي " مَسْجِد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَوْله " إِنَّكُم أَكثرْتُم " مقولة لقَوْله يَقُول ومفعوله مَحْذُوف للْعلم بِهِ وَالتَّقْدِير أَنكُمْ أَكثرْتُم الْكَلَام فِي الْإِنْكَار على فعلى قَوْله " من بنى مَسْجِدا " التَّنْوِين فِيهِ للشيوع فَيتَنَاوَل من بنى مَسْجِدا كَبِيرا أَو صَغِيرا يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ على مَا ذَكرْنَاهُ وروى ابْن أبي شيبَة حَدِيث الْبَاب عَن عُثْمَان من وَجه آخر وَزَاد فِيهِ " وَلَو كمفحص قطاة " وَفِي حَدِيث جَابر " كمفحص قطاة أَو أَصْغَر " وللعلماء فِي تَوْجِيه هَذَا قَولَانِ فَقَالَ أَكْثَرهم هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة لِأَن الْمَكَان الَّذِي تفحص القطاة عَنهُ لتَضَع فِيهِ بيضها وترقد عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَار للصَّلَاة فِيهِ وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابر الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ على ظَاهره فَالْمَعْنى على هَذَا أَن يزِيد فِي مَسْجِد قدرا يحْتَاج إِلَيْهِ تكون تِلْكَ الزِّيَادَة على هَذَا الْقدر أَو يشْتَرك جمَاعَة فِي بِنَاء مَسْجِد فَتَقَع حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُم ذَلِك الْقدر قيل هَذَا كُله بِنَاء على أَن المُرَاد من الْمَسْجِد مَا يتَبَادَر إِلَيْهِ الذِّهْن وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يتَّخذ للصَّلَاة فِيهِ فَإِن كَانَ المُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَوضِع السُّجُود وَهُوَ مَا يسع الْجِهَة فَلَا يحْتَاج إِلَى شَيْء مِمَّا ذكر (قلت) قَوْله " من بنى " يَقْتَضِي وجود بِنَاء على الْحَقِيقَة فَيحمل على الْمَسْجِد الْمَعْهُود بَين النَّاس وَيُؤَيّد ذَلِك حَدِيث أم حَبِيبَة " من بني لله بَيْتا " وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَيْضا " من بنى لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ اسْم الله " وكل ذَلِك يدل على أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُوَ الْمَكَان الْمُتَّخذ لَا مَوضِع السُّجُود فَقَط وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْفرْقَة الأولى وَلَكِن لَا يمْنَع إِرَادَة مَوضِع السُّجُود مجَازًا فَيدْخل فِيهِ الْمَوَاضِع المحوطة إِلَى جِهَة الْقبْلَة وفيهَا هَيْئَة الْمِحْرَاب فِي طرقات الْمُسَافِرين وَالْحَال أَنَّهَا لَيست كالمساجد المبنية بالجدران والسقوف وَرُبمَا يَجْعَل مِنْهَا مَوضِع فِي غَايَة الصغر يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي قرصافة الَّذِي ذَكرْنَاهُ قَوْله " قَالَ بكير حسبت أَنه " أَي أَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَهُوَ شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث قَالَ فِي رِوَايَته " يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله " وَهَذِه الْجُمْلَة مدرجة مُعْتَرضَة وَقعت فِي الْبَين وَلم يجْزم بهَا بكير فَلذَلِك ذكرهَا بالحسبان وَلَيْسَت هَذِه الْجُمْلَة فِي رِوَايَة جَمِيع من روى هَذَا الحَدِيث فَإِن لَفظهمْ فِيهِ " من بني لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة " فَكَأَن بكير أنسى لَفْظَة الله فَذكرهَا بِالْمَعْنَى فَإِن معنى قَوْله " لله " يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود وَهُوَ الْإِخْلَاص ثمَّ إِن لَفْظَة يَبْتَغِي بِهِ على تَقْدِير ثُبُوتهَا فِي كَلَام الرَّسُول تكون حَالا من فَاعل بنى وَالْمرَاد بِوَجْه الله ذَات الله وابتغاء وَجه الله فِي الْعَمَل هُوَ الْإِخْلَاص وَهُوَ أَن تكون نِيَّته فِي ذَلِك طلب مرضاة الله تَعَالَى من دون رِيَاء وَسُمْعَة حَتَّى قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ من كتب اسْمه على الْمَسْجِد الَّذِي يبنيه كَانَ بَعيدا من الْإِخْلَاص (فَإِن قلت) فعلى هَذَا لَا يحصل الْوَعْد الْمَخْصُوص لمن يبنيه بِالْأُجْرَةِ لعدم الْإِخْلَاص (قلت) الظَّاهِر هَذَا وَلكنه يُؤجر فِي الْجُمْلَة يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم من حَدِيث عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا " أَن الله يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة الْجنَّة صانعه الْمُحْتَسب فِي صَنعته والرامي بِهِ والممد بِهِ " فَقَوله " الْمُحْتَسب فِي صَنعته " هُوَ من يقْصد بذلك إِعَانَة الْمُجَاهِد وَهُوَ أَعم من أَن يكون مُتَطَوعا بذلك أَو بِأُجْرَة لَكِن الْإِخْلَاص لَا يكون إِلَّا من المتطوع (فَإِن قلت) قَوْله " من بنى " حَقِيقَته أَن يُبَاشر الْبناء بِنَفسِهِ ليحصل لَهُ الْوَعْد الْمَخْصُوص فَلَا يدْخل فِيهِ الْأَمر بذلك (قلت) يتَنَاوَل الْأَمر أَيْضا بنيته " والأعمال بِالنِّيَّاتِ " (فَإِن قلت) يلْزم من ذَلِك الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَهُوَ

مُمْتَنع (قلت) لَا امْتنَاع فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فبعموم الْمجَاز وَهُوَ أَن يحمل الْكَلَام على معنى مجازي يتَنَاوَل الْحَقِيقَة وَهَذَا يُسمى عُمُوم الْمجَاز وَلَا نزاع فِي جَوَاز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنى مجازي يكون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ من أَفْرَاده كاستعمال الدَّابَّة عرفا فِيمَا يدب على الأَرْض وَمِثَال ذَلِك فِيمَن أوصى لأبناء زيد مثلا وَله أَبنَاء وَأَبْنَاء أَبنَاء يسْتَحق الْجَمِيع عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد عملا بِعُمُوم الْمجَاز حَيْثُ يُطلق الْأَبْنَاء على الْفَرِيقَيْنِ قَوْله " بنى الله لَهُ " إِسْنَاد الْبناء إِلَى الله مجَازًا اتِّفَاقًا قطعا (فَإِن قلت) إِظْهَار الْفَاعِل فِيهِ لماذا (قلت) لِأَن فِي تكْرَار اسْمه تَعْظِيمًا وتلذذا للذاكر قَالَ الشَّاعِر

(أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع)

وَقَالَ بَعضهم لِئَلَّا تتنافر الضمائر أَو يتَوَهَّم عوده على باني الْمَسْجِد (قلت) كلا الْوَجْهَيْنِ غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن التنافر إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت الضمائر كَثِيرَة وَأما الثَّانِي فَمَمْنُوع قطعا للقرينة الحالية والمقالية قَوْله " مثله " مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي بِنَاء مثله والمثل فِي اللُّغَة الشّبَه يُقَال هَذَا الشَّيْء مثل هَذَا أَي شبهه قَالَ الْجَوْهَرِي مثل كلمة تَسْوِيَة يُقَال هَذَا مثله وَمثله كَمَا تَقول شبهه وَشبهه وَعند أهل الْمَعْقُول الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ هُوَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع كاتحاد زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية وَإِذا كَانَ فِي الْجِنْس يُسمى مجانسة كاتحاد الْإِنْسَان مَعَ الْفرس فِي الحيوانية وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد بالمثلية هَهُنَا فَقَالَ قوم مِنْهُم ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي مثله فِي الْمِقْدَار والمساحة (قلت) يرد هَذَا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " بَيْتا أوسع مِنْهُ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أَسمَاء وَأبي أُمَامَة على مَا ذَكرنَاهَا وَقَالَ قوم مثله فِي الْجَوْدَة والحصانة وَطول الْبَقَاء (قلت) هَذَا لَيْسَ بِشَيْء على مَا لَا يخفى مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ " وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم هَذِه المثلية لَيست على ظَاهرهَا وَإِنَّمَا يعْنى أَنه يَبْنِي لَهُ بثوابه بَيْتا أشرف وَأعظم وَأَرْفَع وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل قَوْله " مثله " أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ بنى الله لَهُ مثله فِي مُسَمّى الْبَيْت وَأما صفته فِي السعَة وَغَيرهَا فمعلوم فَضلهَا فَإِنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ أَن فَضله على بيُوت الْجنَّة كفضل الْمَسْجِد على بيُوت الدُّنْيَا (قلت) الْوَجْه الثَّانِي لَا يَخْلُو عَن بعد وَقَالَ بعض شرَّاح التِّرْمِذِيّ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَن يُنَبه بقوله " مثله " على الحض على الْمُبَالغَة فِي إِرَادَة الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي كَونه ينفع الْمُصَلِّين ويكنهم عَن الْحر وَالْبرد وَيكون فِي مَكَان يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكثر الِانْتِفَاع بِهِ ليقابل الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا انتفاعه هُوَ بِمَا يبْنى لَهُ فِي الْجنَّة. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم وَهَذَا الْبَيْت وَالله أعلم مثل بَيت خَدِيجَة الَّذِي بشرت بِهِ بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب يُرِيد من قصب الزمرد والياقوت (قلت) قد ذكرنَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة من (١) عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من در (٢) وَيَاقُوت " (فَإِن قلت) قَالَ الله تَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} فَمَا معنى التَّقْيِيد بِمثلِهِ (قلت) أجابوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول مَا قَالَه بَعضهم أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَه قبل نزُول هَذِه الْآيَة (قلت) هَذَا بعيد وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بالتاريخ. الثَّانِي أَن المثلية إِنَّمَا هِيَ بِحَسب الكمية وَالزِّيَادَة بِحَسب الْكَيْفِيَّة (قلت) المثلية بِحَسب الكمية تسمى مُسَاوَاة كاتحاد مِقْدَار مَعَ آخر فِي الْقدر وَفِي الْكَيْفِيَّة تسمى مشابهة. الثَّالِث أَن التَّقْيِيد بِهِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَة واستبعده بَعضهم وَلَيْسَ بِبَعِيد. الرَّابِع أَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان الْمُمَاثلَة فِي أَن أَجزَاء هَذِه الْحَسَنَة من جنس الْعَمَل لَا من غَيره وَعِنْدِي جَوَاب فتح لي بِهِ من الْأَنْوَار الالهية وَهُوَ أَن المجازاة بِالْمثلِ عدل مِنْهُ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِحَسب الْكَيْفِيَّة والكمية فضل مِنْهُ قَوْله " فِي الْجنَّة " قَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق ببنى أَو هُوَ حَال من قَوْله مثله (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَقع صفة لمثله وَالتَّقْدِير بنى الله لَهُ مثله كَائِنا فِي الْجنَّة وَكَيف يكون حَالا من مثله وَشرط الْحَال أَن يكون من معرفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلَفظ مثل لَا يتعرف وَإِن أضيف

٦٦ - (بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الشَّخْص يَأْخُذ بنصول السِّهَام إِذا مر فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِئَلَّا يَقع لفظ: بَاب ضائعاً، وَأَيْضًا فِيهِ بَيَان أَن الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: يَأْخُذ، يرجع إِلَى هَذَا الْمُقدر، لِئَلَّا يكون إضماراً قبل الذّكر، وليلتئم التَّرْكِيب، وَلم: أر أحدا من الشُّرَّاح يذكر شَيْئا فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع، مَعَ أَن فيهم من يَدعِي دعاوي عريضة فِي هَذَا الْبَاب

وَلَيْسَ لَهُ حَظّ من هَذِه الدقائق. والنصول: جمع نصل. قَالَ الْجَوْهَرِي: النصل نصل السهْم وَالسيف وَالرمْح، وَالْجمع نصول ونصال. والنبل، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره لَام: السِّهَام الْعَرَبيَّة، وَهِي مُؤَنّثَة لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَجَوَاب: إِذا، هُوَ قَوْله: يَأْخُذ مقدما.

١٥٤١١١ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ قلْتُ لِعَمْرٍ وأسَمِعْتَ جابرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهامٌ فَقَالَ لهُ رَسولُ اللَّهِ أمْسِكْ بنصَالِها. (الحَدِيث ١٥٤ طرفاه فِي: ٣٧٠٧، ٤٧٠٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، أَمر بإمساك النصال عِنْد الْمُرُور فِي الْمَسْجِد.

ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن عبد االأنصاري.

ذمر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: السُّؤَال عَن السماع بطرِيق الِاسْتِفْهَام، وَلم يذكر لَهُ جَوَاب، قَالَ ابْن بطال. فَإِن قيل: حَدِيث جَابر لَا يظْهر فِيهِ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن عمرا قَالَ لَهُ: نعم. قُلْنَا: قد ذكر البُخَارِيّ فِي غير كتاب الصَّلَاة أَنه قَالَ: نعم، فَبَان بقوله: نعم، إِسْنَاد الحَدِيث. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذِه مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا المحدثون، فَمنهمْ من شَرط النُّطْق إِذا قَالَ لَهُ التلميذ: أخْبرك فلَان بِكَذَا وَكَذَا، وَمِنْهُم من لم يتشرط، وَذكر البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان، فَقَالَ: نعم. انْتهى. قلت: الْمَذْهَب الرَّاجِح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْمُحَقِّقين مِنْهُم البُخَارِيّ أَن قَول الشَّيْخ: نعم، لَا يشْتَرط، بل يَكْتَفِي بسكوت الشَّيْخ إِذا كَانَ متيقظاً، فعلى هَذَا فالإسناد فِي حَدِيث جَابر ظَاهر، وَمَعَ ذَلِك فقد جَاءَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه قَالَ لَهُ: نعم، فَانْقَطع النزاع. وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ عَن رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه ذكره فِي حَدِيثه، فَقَالَ: نعم، وَلم أره فِيهَا، قلت: عدم رُؤْيَته لَا يسْتَلْزم عدم الرِّوَايَة عَنهُ. فَإِن لم يره هُوَ فقد حكى من هُوَ أكبر مِنْهُ أَنه رُوِيَ عَنهُ لفظ. نعم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد ا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عبد ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن هِشَام بن عمار سبعتهم، عَنهُ بِهِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن جَابر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي الرّبيع عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر: (أَن النَّبِي أَمر رجلا كَانَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ فِي الْمَسْجِد أَن لَا يمر بهَا إلَاّ وَهُوَ آخذ بنصولها) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي الْبِلَاد عَن مُحَمَّد بن عبد ا، قَالَ: (كُنَّا عِنْد أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَقلب رجل نبْلًا فَقَالَ أَبُو سعيد: أما كَانَ هَذَا يعلم أَن رَسُول الله نهى عَن تقليب السِّلَاح وسله) يَعْنِي فِي الْمَسْجِد.

وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن جُبَير، وَهُوَ ضَعِيف، عَن دَاوُد بن الْحصين عَن نَافِع عَن ابْن عمر يرفعهُ: (خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد: لَا يتَّخذ طَرِيقا، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح، وَلَا ينبض فِيهِ بقوس، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء، وَلَا يضْرب فِيهِ حد، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد، وَلَا يتَّخذ سوقاً) . وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الْحَارِث بن نَبهَان، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، عَن عتبَة بن يقظان، وَهُوَ غير ثِقَة، عَن أبي سعيد، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال وَالْعين، عَن مَكْحُول عَن وَاثِلَة، وَأنكر سَمَاعه عَنهُ ابْن مسْهر وَالْحَاكِم. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) سمع مِنْهُ أَن النَّبِي قَالَ: (جَنبُوا مَسَاجِدنَا صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع) . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (نزهوا الْمَسَاجِد وَلَا تتخذوها طرقاً، وَلَا تمر فِيهِ حَائِض، وَلَا يقْعد فِيهِ جنب إلَاّ عابري سَبِيل، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يسل فِيهِ سيف، وَلَا يضْرب بِهِ حد، وَلَا ينشد فِيهِ شعر. فَإِن أنْشد قيل: فض افاك) .

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسلمين، لِأَن الْمَسَاجِد مورودة بالخلق لَا سِيمَا فِي أَوْقَات الصَّلَاة، وَهَذَا التَّأْكِيد من النَّبِي لِأَنَّهُ خشِي أَن يُؤْذى بهَا أحد. وَفِيه: كريم خلقه ورأفته بِالْمُؤْمِنِينَ. وَفِيه: التَّعْظِيم لقَلِيل الدَّم وَكَثِيره. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد يجوز فِيهِ إِدْخَال السِّلَاح.

٧٦ -

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله