«مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥١

الحديث رقم ٤٥١ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «مر رجل في المسجد ومعه سهام، فقال له رسول…

«مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا».

بَابُ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ

سند حديث: ٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «مر رجل في المسجد ومعه سهام، فقال له رسول…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَكِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي دُخُولَ الْآمِرِ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ عَلَى اسْتِدْلَالِ عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (بَنَى اللَّهُ) إِسْنَادُ الْبِنَاءِ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ، وَإِبْرَازُ الْفَاعِلِ فِيهِ لِتَعْظِيمِ ذِكْرِهِ جَلَّ اسْمُهُ، أَوْ لِئَلَّا تَتَنَافَرَ الضَّمَائِرُ، أَوْ يُتَوَهَّمَ عَوْدُهُ عَلَى بَانِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (مِثْلَهُ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: بَنَى بِنَاءً مِثْلَهُ، وَلَفْظُ الْمِثْلِ لَهُ اسْتِعْمَالَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِفْرَادُ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ وَالْآخَرُ الْمُطَابَقَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ أَبْنِيَةً مُتَعَدِّدَةً، فَيَحْصُلُ جَوَابُ مَنِ اسْتَشْكَلَ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ: مِثْلَهُ مَعَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: بَنَى اللَّهُ لَهُ عَشَرَةَ أَبْنِيَةٍ مَثْلَهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ ثَوَابَ الْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ بِحُكْمِ الْعَدْلِ، وَالزِّيَادَةَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْفَضْلِ. وَأَمَّا مَنْ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فَفِيهِ بُعْدٌ، وَكَذَا مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَاحِدِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ.

وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ الْمَرْضِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ هُنَا بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةَ حَاصِلَةٌ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ خَيْرٍ مِنْ عَشَرَةٍ بَلْ مِنْ مِائَةٍ. أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمِثْلِيَّةِ أَنَّ جَزَاءَ هَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنْ جِنْسِ الْبِنَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ حَاصِلٌ قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضِيقِ الدُّنْيَا وَسِعَةِ الْجَنَّةِ، إِذْ مَوْضِعُ شِبْرٍ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بِلَفْظِ: بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلِلطَّبَرانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ: أَوْسَعَ مِنْهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فَضْلَهُ عَلَى بُيُوتِ الْجَنَّةِ كَفَضْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى بُيُوتِ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: (فِي الْجَنَّةِ) يَتَعَلَّقُ بِبَنَى، أَوْ هُوَ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: مِثْلَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى دُخُولِ فَاعِلِ ذَلِكَ الْجَنَّةَ، إِذِ الْمَقْصُودُ بِالْبِنَاءِ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهُ، وَهُوَ لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٦ - بَاب يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ

٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا

[الحديث ٤٥١ - طرفاه في: ٧٠٧٤، ٧٠٧٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ يَأْخُذُ) أَيِ: الشَّخْصُ، (بِنُصُولٍ) جَمْعُ نَصْلٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى نِصَالٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

(وَالنَّبْلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا لَامٌ: السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا. وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: (إِذَا مَرَّ) مَحْذُوفٌ، وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: (يَأْخُذُ)، أَوِ التَّقْدِيرُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَعَهُ نَبْلٌ أَنَّهُ يَأْخُذُ، إِلَخْ.

وسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ فِي هَذَا السِّيَاقِ جَوَابَ عَمْرٍو عَنِ اسْتِفْهَامِ سُفْيَانَ، كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَحُكِيَ عَنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَمْ أَرَهُ فِيهَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ قُتَيْبَةَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفِتَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا جَوَابٍ، لَكِنَّ سِيَاقَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ تَحَقُّقَ الِاتِّصَالِ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ أَيْضًا، أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بَأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأَمَرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا كَيْ لَا تَخْدِشَ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بحكم العدل، والزِّيادة عليه بحكم الفضل.

ورواة هذا الحديث السَّبعة ثلاثةٌ مصريُّون، بالميم، وثلاثةٌ مدنيُّون، والرَّابع بينهما مدنيٌّ سكن مصر، وهو بُكَيْرٌ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار به والسَّماع، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ.

(٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ عند الأَصيليِّ (يَأْخُذُ) الشَّخص (بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ) والنَّبْل: بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة، السِّهام العربيَّة، لا واحد لها من لفظها (١)، ولابن عساكر: «يأخذ بنصال النَّبل» ولأبي ذَرٍّ: «يأخذ نصول النَّبل».

٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بضمِّ القاف، وللأربعة: «ابْنُ سَعِيدٍ» أي: ابن جَميلٍ بفتح الجيم، ابن طريفٍ، الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجَمة (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ الكوفيُّ ثمَّ المكِّيُّ، تغيَّر حفظه بأخرةٍ، وربَّما دلَّس لكن عن الثِّقات (قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَامٍ بحاءٍ مُهمَلةٍ وراءٍ، الأنصاريَّ ثمَّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مُمْتَنع (قلت) لَا امْتنَاع فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فبعموم الْمجَاز وَهُوَ أَن يحمل الْكَلَام على معنى مجازي يتَنَاوَل الْحَقِيقَة وَهَذَا يُسمى عُمُوم الْمجَاز وَلَا نزاع فِي جَوَاز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنى مجازي يكون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ من أَفْرَاده كاستعمال الدَّابَّة عرفا فِيمَا يدب على الأَرْض وَمِثَال ذَلِك فِيمَن أوصى لأبناء زيد مثلا وَله أَبنَاء وَأَبْنَاء أَبنَاء يسْتَحق الْجَمِيع عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد عملا بِعُمُوم الْمجَاز حَيْثُ يُطلق الْأَبْنَاء على الْفَرِيقَيْنِ قَوْله " بنى الله لَهُ " إِسْنَاد الْبناء إِلَى الله مجَازًا اتِّفَاقًا قطعا (فَإِن قلت) إِظْهَار الْفَاعِل فِيهِ لماذا (قلت) لِأَن فِي تكْرَار اسْمه تَعْظِيمًا وتلذذا للذاكر قَالَ الشَّاعِر

(أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع)

وَقَالَ بَعضهم لِئَلَّا تتنافر الضمائر أَو يتَوَهَّم عوده على باني الْمَسْجِد (قلت) كلا الْوَجْهَيْنِ غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن التنافر إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت الضمائر كَثِيرَة وَأما الثَّانِي فَمَمْنُوع قطعا للقرينة الحالية والمقالية قَوْله " مثله " مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي بِنَاء مثله والمثل فِي اللُّغَة الشّبَه يُقَال هَذَا الشَّيْء مثل هَذَا أَي شبهه قَالَ الْجَوْهَرِي مثل كلمة تَسْوِيَة يُقَال هَذَا مثله وَمثله كَمَا تَقول شبهه وَشبهه وَعند أهل الْمَعْقُول الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ هُوَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع كاتحاد زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية وَإِذا كَانَ فِي الْجِنْس يُسمى مجانسة كاتحاد الْإِنْسَان مَعَ الْفرس فِي الحيوانية وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد بالمثلية هَهُنَا فَقَالَ قوم مِنْهُم ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي مثله فِي الْمِقْدَار والمساحة (قلت) يرد هَذَا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " بَيْتا أوسع مِنْهُ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أَسمَاء وَأبي أُمَامَة على مَا ذَكرنَاهَا وَقَالَ قوم مثله فِي الْجَوْدَة والحصانة وَطول الْبَقَاء (قلت) هَذَا لَيْسَ بِشَيْء على مَا لَا يخفى مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ " وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم هَذِه المثلية لَيست على ظَاهرهَا وَإِنَّمَا يعْنى أَنه يَبْنِي لَهُ بثوابه بَيْتا أشرف وَأعظم وَأَرْفَع وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل قَوْله " مثله " أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ بنى الله لَهُ مثله فِي مُسَمّى الْبَيْت وَأما صفته فِي السعَة وَغَيرهَا فمعلوم فَضلهَا فَإِنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ أَن فَضله على بيُوت الْجنَّة كفضل الْمَسْجِد على بيُوت الدُّنْيَا (قلت) الْوَجْه الثَّانِي لَا يَخْلُو عَن بعد وَقَالَ بعض شرَّاح التِّرْمِذِيّ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَن يُنَبه بقوله " مثله " على الحض على الْمُبَالغَة فِي إِرَادَة الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي كَونه ينفع الْمُصَلِّين ويكنهم عَن الْحر وَالْبرد وَيكون فِي مَكَان يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكثر الِانْتِفَاع بِهِ ليقابل الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا انتفاعه هُوَ بِمَا يبْنى لَهُ فِي الْجنَّة. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم وَهَذَا الْبَيْت وَالله أعلم مثل بَيت خَدِيجَة الَّذِي بشرت بِهِ بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب يُرِيد من قصب الزمرد والياقوت (قلت) قد ذكرنَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة من (١) عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من در (٢) وَيَاقُوت " (فَإِن قلت) قَالَ الله تَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} فَمَا معنى التَّقْيِيد بِمثلِهِ (قلت) أجابوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول مَا قَالَه بَعضهم أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَه قبل نزُول هَذِه الْآيَة (قلت) هَذَا بعيد وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بالتاريخ. الثَّانِي أَن المثلية إِنَّمَا هِيَ بِحَسب الكمية وَالزِّيَادَة بِحَسب الْكَيْفِيَّة (قلت) المثلية بِحَسب الكمية تسمى مُسَاوَاة كاتحاد مِقْدَار مَعَ آخر فِي الْقدر وَفِي الْكَيْفِيَّة تسمى مشابهة. الثَّالِث أَن التَّقْيِيد بِهِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَة واستبعده بَعضهم وَلَيْسَ بِبَعِيد. الرَّابِع أَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان الْمُمَاثلَة فِي أَن أَجزَاء هَذِه الْحَسَنَة من جنس الْعَمَل لَا من غَيره وَعِنْدِي جَوَاب فتح لي بِهِ من الْأَنْوَار الالهية وَهُوَ أَن المجازاة بِالْمثلِ عدل مِنْهُ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِحَسب الْكَيْفِيَّة والكمية فضل مِنْهُ قَوْله " فِي الْجنَّة " قَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق ببنى أَو هُوَ حَال من قَوْله مثله (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَقع صفة لمثله وَالتَّقْدِير بنى الله لَهُ مثله كَائِنا فِي الْجنَّة وَكَيف يكون حَالا من مثله وَشرط الْحَال أَن يكون من معرفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلَفظ مثل لَا يتعرف وَإِن أضيف

٦٦ - (بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الشَّخْص يَأْخُذ بنصول السِّهَام إِذا مر فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِئَلَّا يَقع لفظ: بَاب ضائعاً، وَأَيْضًا فِيهِ بَيَان أَن الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: يَأْخُذ، يرجع إِلَى هَذَا الْمُقدر، لِئَلَّا يكون إضماراً قبل الذّكر، وليلتئم التَّرْكِيب، وَلم: أر أحدا من الشُّرَّاح يذكر شَيْئا فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع، مَعَ أَن فيهم من يَدعِي دعاوي عريضة فِي هَذَا الْبَاب

وَلَيْسَ لَهُ حَظّ من هَذِه الدقائق. والنصول: جمع نصل. قَالَ الْجَوْهَرِي: النصل نصل السهْم وَالسيف وَالرمْح، وَالْجمع نصول ونصال. والنبل، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره لَام: السِّهَام الْعَرَبيَّة، وَهِي مُؤَنّثَة لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَجَوَاب: إِذا، هُوَ قَوْله: يَأْخُذ مقدما.

١٥٤١١١ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ قلْتُ لِعَمْرٍ وأسَمِعْتَ جابرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهامٌ فَقَالَ لهُ رَسولُ اللَّهِ أمْسِكْ بنصَالِها. (الحَدِيث ١٥٤ طرفاه فِي: ٣٧٠٧، ٤٧٠٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، أَمر بإمساك النصال عِنْد الْمُرُور فِي الْمَسْجِد.

ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن عبد االأنصاري.

ذمر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: السُّؤَال عَن السماع بطرِيق الِاسْتِفْهَام، وَلم يذكر لَهُ جَوَاب، قَالَ ابْن بطال. فَإِن قيل: حَدِيث جَابر لَا يظْهر فِيهِ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن عمرا قَالَ لَهُ: نعم. قُلْنَا: قد ذكر البُخَارِيّ فِي غير كتاب الصَّلَاة أَنه قَالَ: نعم، فَبَان بقوله: نعم، إِسْنَاد الحَدِيث. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذِه مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا المحدثون، فَمنهمْ من شَرط النُّطْق إِذا قَالَ لَهُ التلميذ: أخْبرك فلَان بِكَذَا وَكَذَا، وَمِنْهُم من لم يتشرط، وَذكر البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان، فَقَالَ: نعم. انْتهى. قلت: الْمَذْهَب الرَّاجِح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْمُحَقِّقين مِنْهُم البُخَارِيّ أَن قَول الشَّيْخ: نعم، لَا يشْتَرط، بل يَكْتَفِي بسكوت الشَّيْخ إِذا كَانَ متيقظاً، فعلى هَذَا فالإسناد فِي حَدِيث جَابر ظَاهر، وَمَعَ ذَلِك فقد جَاءَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه قَالَ لَهُ: نعم، فَانْقَطع النزاع. وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ عَن رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه ذكره فِي حَدِيثه، فَقَالَ: نعم، وَلم أره فِيهَا، قلت: عدم رُؤْيَته لَا يسْتَلْزم عدم الرِّوَايَة عَنهُ. فَإِن لم يره هُوَ فقد حكى من هُوَ أكبر مِنْهُ أَنه رُوِيَ عَنهُ لفظ. نعم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد ا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عبد ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن هِشَام بن عمار سبعتهم، عَنهُ بِهِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن جَابر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي الرّبيع عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر: (أَن النَّبِي أَمر رجلا كَانَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ فِي الْمَسْجِد أَن لَا يمر بهَا إلَاّ وَهُوَ آخذ بنصولها) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي الْبِلَاد عَن مُحَمَّد بن عبد ا، قَالَ: (كُنَّا عِنْد أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَقلب رجل نبْلًا فَقَالَ أَبُو سعيد: أما كَانَ هَذَا يعلم أَن رَسُول الله نهى عَن تقليب السِّلَاح وسله) يَعْنِي فِي الْمَسْجِد.

وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن جُبَير، وَهُوَ ضَعِيف، عَن دَاوُد بن الْحصين عَن نَافِع عَن ابْن عمر يرفعهُ: (خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد: لَا يتَّخذ طَرِيقا، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح، وَلَا ينبض فِيهِ بقوس، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء، وَلَا يضْرب فِيهِ حد، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد، وَلَا يتَّخذ سوقاً) . وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الْحَارِث بن نَبهَان، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، عَن عتبَة بن يقظان، وَهُوَ غير ثِقَة، عَن أبي سعيد، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال وَالْعين، عَن مَكْحُول عَن وَاثِلَة، وَأنكر سَمَاعه عَنهُ ابْن مسْهر وَالْحَاكِم. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) سمع مِنْهُ أَن النَّبِي قَالَ: (جَنبُوا مَسَاجِدنَا صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع) . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (نزهوا الْمَسَاجِد وَلَا تتخذوها طرقاً، وَلَا تمر فِيهِ حَائِض، وَلَا يقْعد فِيهِ جنب إلَاّ عابري سَبِيل، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يسل فِيهِ سيف، وَلَا يضْرب بِهِ حد، وَلَا ينشد فِيهِ شعر. فَإِن أنْشد قيل: فض افاك) .

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسلمين، لِأَن الْمَسَاجِد مورودة بالخلق لَا سِيمَا فِي أَوْقَات الصَّلَاة، وَهَذَا التَّأْكِيد من النَّبِي لِأَنَّهُ خشِي أَن يُؤْذى بهَا أحد. وَفِيه: كريم خلقه ورأفته بِالْمُؤْمِنِينَ. وَفِيه: التَّعْظِيم لقَلِيل الدَّم وَكَثِيره. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد يجوز فِيهِ إِدْخَال السِّلَاح.

٧٦ -

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَكِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي دُخُولَ الْآمِرِ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ عَلَى اسْتِدْلَالِ عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (بَنَى اللَّهُ) إِسْنَادُ الْبِنَاءِ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ، وَإِبْرَازُ الْفَاعِلِ فِيهِ لِتَعْظِيمِ ذِكْرِهِ جَلَّ اسْمُهُ، أَوْ لِئَلَّا تَتَنَافَرَ الضَّمَائِرُ، أَوْ يُتَوَهَّمَ عَوْدُهُ عَلَى بَانِي الْمَسْجِدِ.

قَوْلُهُ: (مِثْلَهُ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: بَنَى بِنَاءً مِثْلَهُ، وَلَفْظُ الْمِثْلِ لَهُ اسْتِعْمَالَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِفْرَادُ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ وَالْآخَرُ الْمُطَابَقَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ أَبْنِيَةً مُتَعَدِّدَةً، فَيَحْصُلُ جَوَابُ مَنِ اسْتَشْكَلَ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ: مِثْلَهُ مَعَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: بَنَى اللَّهُ لَهُ عَشَرَةَ أَبْنِيَةٍ مَثْلَهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ ثَوَابَ الْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ بِحُكْمِ الْعَدْلِ، وَالزِّيَادَةَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْفَضْلِ. وَأَمَّا مَنْ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فَفِيهِ بُعْدٌ، وَكَذَا مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَاحِدِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ.

وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ الْمَرْضِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ هُنَا بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةَ حَاصِلَةٌ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ خَيْرٍ مِنْ عَشَرَةٍ بَلْ مِنْ مِائَةٍ. أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمِثْلِيَّةِ أَنَّ جَزَاءَ هَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنْ جِنْسِ الْبِنَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ حَاصِلٌ قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضِيقِ الدُّنْيَا وَسِعَةِ الْجَنَّةِ، إِذْ مَوْضِعُ شِبْرٍ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بِلَفْظِ: بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلِلطَّبَرانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ: أَوْسَعَ مِنْهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فَضْلَهُ عَلَى بُيُوتِ الْجَنَّةِ كَفَضْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى بُيُوتِ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: (فِي الْجَنَّةِ) يَتَعَلَّقُ بِبَنَى، أَوْ هُوَ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: مِثْلَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى دُخُولِ فَاعِلِ ذَلِكَ الْجَنَّةَ، إِذِ الْمَقْصُودُ بِالْبِنَاءِ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهُ، وَهُوَ لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٦ - بَاب يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ

٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا

[الحديث ٤٥١ - طرفاه في: ٧٠٧٤، ٧٠٧٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ يَأْخُذُ) أَيِ: الشَّخْصُ، (بِنُصُولٍ) جَمْعُ نَصْلٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى نِصَالٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

(وَالنَّبْلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا لَامٌ: السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا. وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: (إِذَا مَرَّ) مَحْذُوفٌ، وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: (يَأْخُذُ)، أَوِ التَّقْدِيرُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَعَهُ نَبْلٌ أَنَّهُ يَأْخُذُ، إِلَخْ.

وسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَةُ فِي هَذَا السِّيَاقِ جَوَابَ عَمْرٍو عَنِ اسْتِفْهَامِ سُفْيَانَ، كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَحُكِيَ عَنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَمْ أَرَهُ فِيهَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ قُتَيْبَةَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفِتَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا جَوَابٍ، لَكِنَّ سِيَاقَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ تَحَقُّقَ الِاتِّصَالِ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سُفْيَانَ أَيْضًا، أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بَأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأَمَرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا كَيْ لَا تَخْدِشَ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بحكم العدل، والزِّيادة عليه بحكم الفضل.

ورواة هذا الحديث السَّبعة ثلاثةٌ مصريُّون، بالميم، وثلاثةٌ مدنيُّون، والرَّابع بينهما مدنيٌّ سكن مصر، وهو بُكَيْرٌ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار به والسَّماع، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ.

(٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ عند الأَصيليِّ (يَأْخُذُ) الشَّخص (بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ) والنَّبْل: بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة، السِّهام العربيَّة، لا واحد لها من لفظها (١)، ولابن عساكر: «يأخذ بنصال النَّبل» ولأبي ذَرٍّ: «يأخذ نصول النَّبل».

٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بضمِّ القاف، وللأربعة: «ابْنُ سَعِيدٍ» أي: ابن جَميلٍ بفتح الجيم، ابن طريفٍ، الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجَمة (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ الكوفيُّ ثمَّ المكِّيُّ، تغيَّر حفظه بأخرةٍ، وربَّما دلَّس لكن عن الثِّقات (قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَامٍ بحاءٍ مُهمَلةٍ وراءٍ، الأنصاريَّ ثمَّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مُمْتَنع (قلت) لَا امْتنَاع فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فبعموم الْمجَاز وَهُوَ أَن يحمل الْكَلَام على معنى مجازي يتَنَاوَل الْحَقِيقَة وَهَذَا يُسمى عُمُوم الْمجَاز وَلَا نزاع فِي جَوَاز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنى مجازي يكون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ من أَفْرَاده كاستعمال الدَّابَّة عرفا فِيمَا يدب على الأَرْض وَمِثَال ذَلِك فِيمَن أوصى لأبناء زيد مثلا وَله أَبنَاء وَأَبْنَاء أَبنَاء يسْتَحق الْجَمِيع عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد عملا بِعُمُوم الْمجَاز حَيْثُ يُطلق الْأَبْنَاء على الْفَرِيقَيْنِ قَوْله " بنى الله لَهُ " إِسْنَاد الْبناء إِلَى الله مجَازًا اتِّفَاقًا قطعا (فَإِن قلت) إِظْهَار الْفَاعِل فِيهِ لماذا (قلت) لِأَن فِي تكْرَار اسْمه تَعْظِيمًا وتلذذا للذاكر قَالَ الشَّاعِر

(أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع)

وَقَالَ بَعضهم لِئَلَّا تتنافر الضمائر أَو يتَوَهَّم عوده على باني الْمَسْجِد (قلت) كلا الْوَجْهَيْنِ غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن التنافر إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت الضمائر كَثِيرَة وَأما الثَّانِي فَمَمْنُوع قطعا للقرينة الحالية والمقالية قَوْله " مثله " مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي بِنَاء مثله والمثل فِي اللُّغَة الشّبَه يُقَال هَذَا الشَّيْء مثل هَذَا أَي شبهه قَالَ الْجَوْهَرِي مثل كلمة تَسْوِيَة يُقَال هَذَا مثله وَمثله كَمَا تَقول شبهه وَشبهه وَعند أهل الْمَعْقُول الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ هُوَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع كاتحاد زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية وَإِذا كَانَ فِي الْجِنْس يُسمى مجانسة كاتحاد الْإِنْسَان مَعَ الْفرس فِي الحيوانية وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد بالمثلية هَهُنَا فَقَالَ قوم مِنْهُم ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي مثله فِي الْمِقْدَار والمساحة (قلت) يرد هَذَا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " بَيْتا أوسع مِنْهُ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أَسمَاء وَأبي أُمَامَة على مَا ذَكرنَاهَا وَقَالَ قوم مثله فِي الْجَوْدَة والحصانة وَطول الْبَقَاء (قلت) هَذَا لَيْسَ بِشَيْء على مَا لَا يخفى مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ " وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم هَذِه المثلية لَيست على ظَاهرهَا وَإِنَّمَا يعْنى أَنه يَبْنِي لَهُ بثوابه بَيْتا أشرف وَأعظم وَأَرْفَع وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل قَوْله " مثله " أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ بنى الله لَهُ مثله فِي مُسَمّى الْبَيْت وَأما صفته فِي السعَة وَغَيرهَا فمعلوم فَضلهَا فَإِنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ أَن فَضله على بيُوت الْجنَّة كفضل الْمَسْجِد على بيُوت الدُّنْيَا (قلت) الْوَجْه الثَّانِي لَا يَخْلُو عَن بعد وَقَالَ بعض شرَّاح التِّرْمِذِيّ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَن يُنَبه بقوله " مثله " على الحض على الْمُبَالغَة فِي إِرَادَة الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي كَونه ينفع الْمُصَلِّين ويكنهم عَن الْحر وَالْبرد وَيكون فِي مَكَان يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكثر الِانْتِفَاع بِهِ ليقابل الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا انتفاعه هُوَ بِمَا يبْنى لَهُ فِي الْجنَّة. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم وَهَذَا الْبَيْت وَالله أعلم مثل بَيت خَدِيجَة الَّذِي بشرت بِهِ بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب يُرِيد من قصب الزمرد والياقوت (قلت) قد ذكرنَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة من (١) عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من در (٢) وَيَاقُوت " (فَإِن قلت) قَالَ الله تَعَالَى {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} فَمَا معنى التَّقْيِيد بِمثلِهِ (قلت) أجابوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول مَا قَالَه بَعضهم أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَه قبل نزُول هَذِه الْآيَة (قلت) هَذَا بعيد وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بالتاريخ. الثَّانِي أَن المثلية إِنَّمَا هِيَ بِحَسب الكمية وَالزِّيَادَة بِحَسب الْكَيْفِيَّة (قلت) المثلية بِحَسب الكمية تسمى مُسَاوَاة كاتحاد مِقْدَار مَعَ آخر فِي الْقدر وَفِي الْكَيْفِيَّة تسمى مشابهة. الثَّالِث أَن التَّقْيِيد بِهِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَة واستبعده بَعضهم وَلَيْسَ بِبَعِيد. الرَّابِع أَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان الْمُمَاثلَة فِي أَن أَجزَاء هَذِه الْحَسَنَة من جنس الْعَمَل لَا من غَيره وَعِنْدِي جَوَاب فتح لي بِهِ من الْأَنْوَار الالهية وَهُوَ أَن المجازاة بِالْمثلِ عدل مِنْهُ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِحَسب الْكَيْفِيَّة والكمية فضل مِنْهُ قَوْله " فِي الْجنَّة " قَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق ببنى أَو هُوَ حَال من قَوْله مثله (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَقع صفة لمثله وَالتَّقْدِير بنى الله لَهُ مثله كَائِنا فِي الْجنَّة وَكَيف يكون حَالا من مثله وَشرط الْحَال أَن يكون من معرفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلَفظ مثل لَا يتعرف وَإِن أضيف

٦٦ - (بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الشَّخْص يَأْخُذ بنصول السِّهَام إِذا مر فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِئَلَّا يَقع لفظ: بَاب ضائعاً، وَأَيْضًا فِيهِ بَيَان أَن الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: يَأْخُذ، يرجع إِلَى هَذَا الْمُقدر، لِئَلَّا يكون إضماراً قبل الذّكر، وليلتئم التَّرْكِيب، وَلم: أر أحدا من الشُّرَّاح يذكر شَيْئا فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع، مَعَ أَن فيهم من يَدعِي دعاوي عريضة فِي هَذَا الْبَاب

وَلَيْسَ لَهُ حَظّ من هَذِه الدقائق. والنصول: جمع نصل. قَالَ الْجَوْهَرِي: النصل نصل السهْم وَالسيف وَالرمْح، وَالْجمع نصول ونصال. والنبل، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره لَام: السِّهَام الْعَرَبيَّة، وَهِي مُؤَنّثَة لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَجَوَاب: إِذا، هُوَ قَوْله: يَأْخُذ مقدما.

١٥٤١١١ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ قلْتُ لِعَمْرٍ وأسَمِعْتَ جابرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهامٌ فَقَالَ لهُ رَسولُ اللَّهِ أمْسِكْ بنصَالِها. (الحَدِيث ١٥٤ طرفاه فِي: ٣٧٠٧، ٤٧٠٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، أَمر بإمساك النصال عِنْد الْمُرُور فِي الْمَسْجِد.

ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن عبد االأنصاري.

ذمر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: السُّؤَال عَن السماع بطرِيق الِاسْتِفْهَام، وَلم يذكر لَهُ جَوَاب، قَالَ ابْن بطال. فَإِن قيل: حَدِيث جَابر لَا يظْهر فِيهِ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن عمرا قَالَ لَهُ: نعم. قُلْنَا: قد ذكر البُخَارِيّ فِي غير كتاب الصَّلَاة أَنه قَالَ: نعم، فَبَان بقوله: نعم، إِسْنَاد الحَدِيث. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذِه مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا المحدثون، فَمنهمْ من شَرط النُّطْق إِذا قَالَ لَهُ التلميذ: أخْبرك فلَان بِكَذَا وَكَذَا، وَمِنْهُم من لم يتشرط، وَذكر البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان، فَقَالَ: نعم. انْتهى. قلت: الْمَذْهَب الرَّاجِح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْمُحَقِّقين مِنْهُم البُخَارِيّ أَن قَول الشَّيْخ: نعم، لَا يشْتَرط، بل يَكْتَفِي بسكوت الشَّيْخ إِذا كَانَ متيقظاً، فعلى هَذَا فالإسناد فِي حَدِيث جَابر ظَاهر، وَمَعَ ذَلِك فقد جَاءَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه قَالَ لَهُ: نعم، فَانْقَطع النزاع. وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ عَن رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه ذكره فِي حَدِيثه، فَقَالَ: نعم، وَلم أره فِيهَا، قلت: عدم رُؤْيَته لَا يسْتَلْزم عدم الرِّوَايَة عَنهُ. فَإِن لم يره هُوَ فقد حكى من هُوَ أكبر مِنْهُ أَنه رُوِيَ عَنهُ لفظ. نعم.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد ا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عبد ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن هِشَام بن عمار سبعتهم، عَنهُ بِهِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن جَابر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي الرّبيع عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر: (أَن النَّبِي أَمر رجلا كَانَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ فِي الْمَسْجِد أَن لَا يمر بهَا إلَاّ وَهُوَ آخذ بنصولها) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي الْبِلَاد عَن مُحَمَّد بن عبد ا، قَالَ: (كُنَّا عِنْد أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَقلب رجل نبْلًا فَقَالَ أَبُو سعيد: أما كَانَ هَذَا يعلم أَن رَسُول الله نهى عَن تقليب السِّلَاح وسله) يَعْنِي فِي الْمَسْجِد.

وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن جُبَير، وَهُوَ ضَعِيف، عَن دَاوُد بن الْحصين عَن نَافِع عَن ابْن عمر يرفعهُ: (خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد: لَا يتَّخذ طَرِيقا، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح، وَلَا ينبض فِيهِ بقوس، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء، وَلَا يضْرب فِيهِ حد، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد، وَلَا يتَّخذ سوقاً) . وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الْحَارِث بن نَبهَان، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، عَن عتبَة بن يقظان، وَهُوَ غير ثِقَة، عَن أبي سعيد، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال وَالْعين، عَن مَكْحُول عَن وَاثِلَة، وَأنكر سَمَاعه عَنهُ ابْن مسْهر وَالْحَاكِم. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) سمع مِنْهُ أَن النَّبِي قَالَ: (جَنبُوا مَسَاجِدنَا صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع) . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (نزهوا الْمَسَاجِد وَلَا تتخذوها طرقاً، وَلَا تمر فِيهِ حَائِض، وَلَا يقْعد فِيهِ جنب إلَاّ عابري سَبِيل، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يسل فِيهِ سيف، وَلَا يضْرب بِهِ حد، وَلَا ينشد فِيهِ شعر. فَإِن أنْشد قيل: فض افاك) .

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسلمين، لِأَن الْمَسَاجِد مورودة بالخلق لَا سِيمَا فِي أَوْقَات الصَّلَاة، وَهَذَا التَّأْكِيد من النَّبِي لِأَنَّهُ خشِي أَن يُؤْذى بهَا أحد. وَفِيه: كريم خلقه ورأفته بِالْمُؤْمِنِينَ. وَفِيه: التَّعْظِيم لقَلِيل الدَّم وَكَثِيره. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد يجوز فِيهِ إِدْخَال السِّلَاح.

٧٦ -

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله