«كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٣٤

الحديث رقم ٤٥٣٤ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وقوموا لله قانتين أي مطيعين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٣٤ في صحيح البخاري

«كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ».

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

⦗٣١⦘

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: عِلْمُهُ، يُقَالُ ﴿بَسْطَةً﴾: زِيَادَةً وَفَضْلًا، ﴿أَفْرِغْ﴾: أَنْزِلْ، ﴿وَلا يَؤُودُهُ﴾ لَا يُثْقِلُهُ، آدَنِي: أَثْقَلَنِي، وَالْآدُ وَالْأَيْدُ الْقُوَّةُ. السِّنَةُ: نُعَاسٌ، ﴿يَتَسَنَّهْ﴾: يَتَغَيَّرْ، ﴿فَبُهِتَ﴾ ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ، ﴿خَاوِيَةٌ﴾: لَا أَنِيسَ فِيهَا، ﴿عُرُوشُهَا﴾: أَبْنِيَتُهَا، السِّنَةُ: نُعَاسٌ، ﴿نُنْشِرُهَا﴾: نُخْرِجُهَا، ﴿إِعْصَارٌ﴾: رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿صَلْدًا﴾ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَابِلٌ﴾: مَطَرٌ شَدِيدٌ، الطَّلُّ: النَّدَى، وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ، ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ يَتَغَيَّرْ.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٥٣٤

٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٣٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاحْتِمَالِ لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ بِأَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: حَاصِلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا غَيْرُ الْعَصْرِ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا تَنْصِيصُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا الْعَصْرُ، وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْعَصْرِ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ الْمَرْفُوعِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ فَتَبْقَى حُجَّةُ الْمَرْفُوعِ قَائِمَةً. ثَانِيهَا مُعَارَضَةُ الْمَرْفُوعِ بِوُرُودِ التَّأْكِيدِ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا كَالْحَثِّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ الْوَارِدُ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.

ثَالِثُهَا مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ مِنْ قِرَاءَةِ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَهَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَكَوْنُهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمَنْصُوصِ صَرِيحًا، وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْعَطْفُ صَرِيحًا فِي اقْتِضَاءِ الْمُغَايَرَةِ لِوُرُودِهِ فِي نَسَقِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أَحْوَالِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ فِي الْمَغَازِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نَارًا شَكَّ يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَأَشْعَرَ هَذَا بِأَنَّهُ سَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، وَلَمْ يَشُكَّ، وَهُوَ لَفْظُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ كَمَا مَضَى فِي الْجِهَادِ، وَلِمُسْلِمٍ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، وَكَذَا لَهُ من رِوَايَةِ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْ طَرِيقِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ: قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ قَالَ - قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ - أَوْ قُبُورَهُمْ - نَارًا، أَوْ حَشَى اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ قُلُوبَهُمْ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الشَّكُّ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَرَدُّدُ الرَّاوِي فِي قَوْلِهِ: مَلَأَ اللَّهُ أَوْ حَشَى يُشْعِرُ بِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ، وَمَلَأَ لَيْسَ مُرَادِفًا لِحَشَى، فَإِنَّ حَشَى يَقْتَضِي التَّرَاكُمَ وَكَثْرَةَ أَجْزَاءِ الْمَحْشُوِّ بِخِلَافِ مَلَأَ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ تَضَمَّنَ دُعَاءً صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا، وَلَمْ يَقَعْ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ وَهُوَ الْبُيُوتُ أَمَّا الْقُبُورُ فَوَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا لَا مَحَالَةَ. وَيُجَابُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى سُكَّانِهَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ رُجْحَانُ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ قُلُوبِهِمْ أَوْ أَجْوَافِهِمْ.

٤٣ - بَاب ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَيْ مُطِيعِينَ

٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَيْ مُطِيعِينَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَذَكَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿قَانِتِينَ﴾ أَيْ مُصَلِّينَ. وَعَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنَّها العصر؛ لقوله: إذا صحَّ الحديث وقلتُ قولًا؛ فأنا راجعٌ عن قولي وقائلٌ بذلك، لكن قد صمَّم جماعةٌ من الشَّافعيَّة أنَّها الصُّبح قولًا واحدًا.

(٤٣) (بابُ) قوله تعالى: (﴿وَقُومُواْ لِلّهِ﴾) في الصَّلاة حال كونكم (﴿قَانِتِينَ﴾ أَيْ: مُطِيعِينَ) كذا فسَّره (١) ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجماعةٌ من التَّابعين فيما ذكره ابن أبي حاتمٍ، وقيل: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه ساكتين (٢)، وقال ابن المسيَّب: المراد به: القنوت في الصُّبح، وسقط لفظ «أي» لغير أبي ذرٍّ.

٤٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيِّ مولاهم البَجَليِّ (٣) (عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ) بضمِّ المعجمة وفتح الموحَّدة آخره لامٌ مصغَّرًا (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، سعد (٤) بن (٥) إياسٍ (الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، المخضرم (٦)؛ عاش مئةً وعشرين سنةً (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) زاد في: «باب ما يُنهَى من الكلام في الصَّلاة» في أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٤٢] من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: «على عهد النَّبيِّ » (يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ) وفي طريق عيسى بن يونس: «صاحبه» بدل: «أخاه»، (فِي حَاجَتِهِ حَتَّى) أي: إلى أن (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ)

عن الكلام الذي لا يتعلَّق بالصَّلاة، وليس في الصَّلاة حالة سكوتٍ، وقد أشكل (١) هذا الحديث من جهة أنَّه ثبت أنَّ تحريم الكلام في الصَّلاة كان بمكَّة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض (٢) الحبشة؛ لحديث ابن مسعودٍ: «كنَّا نُسلِّم على النَّبيِّ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصَّلاة فيردُّ علينا، فلمَّا قدمنا سلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ (٣) … » الحديث، وهذه الآية مدنيَّةٌ باتِّفاقٍ؛ فقيل: إنَّما أراد زيد بن أرقم الإخبار عن جنس كلام (٤) النَّاس (٥)، واستدلَّ على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، وقيل: أراد أنَّ ذلك وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أُبيحَ مرَّتين وحُرِّم مرَّتين، قال ابن كثيرٍ: والأوَّل أظهر.

(٤٤) (﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله ﷿: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾» أي: من عدوٍّ أو غيره؛ (﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾) نصب على الحال، والعامل محذوفٌ؛ تقديره: فصلُّوا رجالًا، و «رجالًا» جمع راجلٍ، كقائمٍ وقيامٍ، و ﴿أَوْ﴾: للتَّقسيم أو الإباحة أو التَّخيير (﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾) من العدوِّ وزال خوفكم (﴿فَاذْكُرُواْ اللّهَ﴾) أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتُكم؛ تامَّة الرُّكوع والسُّجود والقيام

والقعود (﴿كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]) الكاف في ﴿كَمَا﴾ في موضع نصبٍ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالًا من ضمير المصدر المحذوف، و «ما»: مصدريَّةٌ أو بمعنى: الذي، و ﴿مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾: مفعول ﴿عَلَّمَكُم﴾ والمعنى: فصلُّوا الصَّلاة كالصَّلاة التي علَّمكم، وعبَّر بالذِّكر عن الصَّلاة، والتَّشبيه بين هيئتي الصَّلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾: «الآية» وحذف ما بعد ذلك.

(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ -ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ﴾ (﴿كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]) أي: (عِلْمُهُ) تسميةً للصِّفة باسم مكان صاحبها، ومنه قيل للعلماء: الكراسيُّ، وقيل: يُعبَّر به عن السِّرِّ، قال:

مَا لِي بأمرِكَ كُرسِيٌّ أُكاتمُه … وَلا بِكُرْسِيِّ عِلْمِ اللهِ مَحْلُوتُ (١)

وقد يعبَّر به عن المُلْكِ لجلوسه عليه، تسميةً للحالِّ باسم المحلِّ، وهو في الأصل: لما يُقعَد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وتفسير ابن جبيرٍ هذا فيه إشارةٌ إلى أنَّه لا كرسيَّ في الحقيقة ولا قاعد، وإنَّما هو مجازٌ عن علمه؛ كما في غيره ممَّا سبق، وقال قومٌ (٢): هو جسمٌ بين يدي العرش؛ ولذلك سُمِّي (٣) كرسيًّا، محيطٌ بالسَّموات السَّبع لحديث أبي ذرٍّ الغفاريِّ عند ابن مردويه: أنَّ النَّبيَّ قال: «والذي نفسي بيده ما السَّموات السَّبع والأرضون السَّبع عند الكرسيِّ إلَّا كحلقةٍ (٤) ملقاةٍ بأرض فلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ العرشِ على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة»، وزعم بعض أهل الهيئة من الإسلاميِّين: أنَّ الكرسيَّ هو الفَلك الثَّامن، وهو فَلك الثَّوابت الذي فوقه الفَلك التَّاسع؛ وهو الأطلس (٥)، وسُمِّي الأطلس لكونه غير مكوكبٍ (٦)، وردَّ ذلك عليهم آخرون.

(يُقَالُ) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ﴾ أي: طالوت (﴿بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]) أي: (زِيَادَةً وَفَضْلًا) في العلم والجسم تَأهَّل بهما أن يُؤتَى المُلْك، وكان رجلًا جسيمًا؛ إذا مدَّ الرَّجل القائم يده؛ ينال رأسه، وافر العلم قويًّا على مقاومة العدوِّ ومكابدة الحرب (١).

(﴿أَفْرِغْ﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: (أَنْزِلْ) ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] على القتال، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله (٢): «يقال … » إلى (٣) هنا.

(﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾) أي: (لَا يُثْقِلُهُ) ﴿حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقال: (آدَنِي) هذا الأمر، أي: (أَثْقَلَنِي، وَالآدُ) بالمدِّ مخفَّفًا؛ كالآل (وَالأَيْدُ) كأنَّه يشير إلى قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: (القُوَّةُ) وشُطِب (٤) في «اليونينيَّة» على (٥) الألف واللَّام من قوله: «القوَّة».

(السِّنَةُ) من قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: (نُعَاسٌ) ولأبي ذرٍّ: «النُّعاس» كذا فسَّره ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ، وقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ﴾ (﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]) أي: (يَتَغَيَّرْ) بمرور الزَّمان، وعبَّر بالإفراد؛ لأنَّ الطَّعام والشَّراب كالجنس الواحد، أو أعاد الضَّمير إلى الشَّراب؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفت؛ لدلالة هذه عليها، أي: انظر إلى طعامك لم يتسنَّه، أو سكت عن تغيرُّ الطَّعام تنبيهًا بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّه إذا لم يتغيَّر الشَّراب مع سرعة التَّغيُّر إليه؛ فعدم تغيُّر الطَّعام أولى.

وقوله تعالى: (﴿فَبُهِتَ﴾) ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو نمروذ، أي: (ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ) وقُرِئ: (فَبَهَتَ) مبنيًّا للفاعل، أي: فغلب إبراهيمُ الكافرَ.

وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ﴾ (﴿خَاوِيَةٌ﴾) أي: (لَا أَنِيسَ فِيهَا) والمارُّ عزيرٌ كما عند ابن أبي حاتمٍ، والقرية: القدس، وقوله: (﴿عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]) أي: (أَبْنِيَتُهَا) ساقطةٌ (السَّنَةُ): هي (١) (نُعَاسٌ) وقد مرَّ، وسقطت هذه لأبي ذرٍّ.

وقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ﴾ (﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]) بالرَّاء، أي: (نُخْرِجُهَا) قال السُّدِّيُّ وغيره: تفرَّقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كلِّ موضعٍ من تلك المحلَّة، ثمَّ ركَّبت كلَّ عظمٍ في موضعه، حتَّى صار حمارًا قائمًا من عظامٍ لا لحم عليها، ثمَّ كساه الله تعالى لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا وبعث ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق بإذن الله تعالى، وذلك كلُّه بمرأًى من العزير، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿عُرُوشِهَا﴾ … » إلى آخره.

وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا﴾ (﴿إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]) أي: (رِيحٌ عَاصِفٌ (٢) تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) أي: فتحرق ما في جنَّته من نخيلٍ وأعنابٍ، والمعنى: تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضمُّ إليها ما يحبطها مثل الرِّياء والإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدَّت حاجته إليها وجدها محبطةً بحال من هذا شأنه.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما -ممَّا وصله ابن جريرٍ- في قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ﴾ (﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]) أي: (لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) من ترابٍ، فكذلك نفقة المرائي والمشرك لا يبقى له ثوابٌ.

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) ممَّا وصله عبد بن حميدٍ في قوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا﴾ (﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]) أي: (مَطَرٌ شَدِيدٌ) قطره، و (الطَّلُّ) في قوله تعالى: ﴿فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي: (النَّدَى) وهذا تجوُّز منه، والمعروف أنَّ الطَّلَّ هو المطر الصَّغير القطر، والفاء في: ﴿فَطَلٌّ﴾ جواب الشَّرط، ولا بدَّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب، أي: فطلٌّ يصيبها، فالمحذوف الخبر، وجاز الابتداء بالنَّكرة؛ لأنَّها في جواب الشَّرط (وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ المُؤْمِنِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاحْتِمَالِ لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ بِأَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: حَاصِلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا غَيْرُ الْعَصْرِ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا تَنْصِيصُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا الْعَصْرُ، وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْعَصْرِ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ الْمَرْفُوعِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ فَتَبْقَى حُجَّةُ الْمَرْفُوعِ قَائِمَةً. ثَانِيهَا مُعَارَضَةُ الْمَرْفُوعِ بِوُرُودِ التَّأْكِيدِ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا كَالْحَثِّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ الْوَارِدُ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.

ثَالِثُهَا مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ مِنْ قِرَاءَةِ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَهَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَكَوْنُهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمَنْصُوصِ صَرِيحًا، وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْعَطْفُ صَرِيحًا فِي اقْتِضَاءِ الْمُغَايَرَةِ لِوُرُودِهِ فِي نَسَقِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أَحْوَالِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ فِي الْمَغَازِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نَارًا شَكَّ يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَأَشْعَرَ هَذَا بِأَنَّهُ سَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، وَلَمْ يَشُكَّ، وَهُوَ لَفْظُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ كَمَا مَضَى فِي الْجِهَادِ، وَلِمُسْلِمٍ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، وَكَذَا لَهُ من رِوَايَةِ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْ طَرِيقِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ: قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ قَالَ - قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ - أَوْ قُبُورَهُمْ - نَارًا، أَوْ حَشَى اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ قُلُوبَهُمْ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الشَّكُّ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَرَدُّدُ الرَّاوِي فِي قَوْلِهِ: مَلَأَ اللَّهُ أَوْ حَشَى يُشْعِرُ بِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ، وَمَلَأَ لَيْسَ مُرَادِفًا لِحَشَى، فَإِنَّ حَشَى يَقْتَضِي التَّرَاكُمَ وَكَثْرَةَ أَجْزَاءِ الْمَحْشُوِّ بِخِلَافِ مَلَأَ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ تَضَمَّنَ دُعَاءً صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا، وَلَمْ يَقَعْ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ وَهُوَ الْبُيُوتُ أَمَّا الْقُبُورُ فَوَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا لَا مَحَالَةَ. وَيُجَابُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى سُكَّانِهَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ رُجْحَانُ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ قُلُوبِهِمْ أَوْ أَجْوَافِهِمْ.

٤٣ - بَاب ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَيْ مُطِيعِينَ

٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَيْ مُطِيعِينَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَذَكَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿قَانِتِينَ﴾ أَيْ مُصَلِّينَ. وَعَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنَّها العصر؛ لقوله: إذا صحَّ الحديث وقلتُ قولًا؛ فأنا راجعٌ عن قولي وقائلٌ بذلك، لكن قد صمَّم جماعةٌ من الشَّافعيَّة أنَّها الصُّبح قولًا واحدًا.

(٤٣) (بابُ) قوله تعالى: (﴿وَقُومُواْ لِلّهِ﴾) في الصَّلاة حال كونكم (﴿قَانِتِينَ﴾ أَيْ: مُطِيعِينَ) كذا فسَّره (١) ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجماعةٌ من التَّابعين فيما ذكره ابن أبي حاتمٍ، وقيل: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه ساكتين (٢)، وقال ابن المسيَّب: المراد به: القنوت في الصُّبح، وسقط لفظ «أي» لغير أبي ذرٍّ.

٤٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيِّ مولاهم البَجَليِّ (٣) (عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ) بضمِّ المعجمة وفتح الموحَّدة آخره لامٌ مصغَّرًا (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، سعد (٤) بن (٥) إياسٍ (الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، المخضرم (٦)؛ عاش مئةً وعشرين سنةً (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) زاد في: «باب ما يُنهَى من الكلام في الصَّلاة» في أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٤٢] من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالدٍ: «على عهد النَّبيِّ » (يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ) وفي طريق عيسى بن يونس: «صاحبه» بدل: «أخاه»، (فِي حَاجَتِهِ حَتَّى) أي: إلى أن (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ)

عن الكلام الذي لا يتعلَّق بالصَّلاة، وليس في الصَّلاة حالة سكوتٍ، وقد أشكل (١) هذا الحديث من جهة أنَّه ثبت أنَّ تحريم الكلام في الصَّلاة كان بمكَّة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض (٢) الحبشة؛ لحديث ابن مسعودٍ: «كنَّا نُسلِّم على النَّبيِّ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصَّلاة فيردُّ علينا، فلمَّا قدمنا سلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ (٣) … » الحديث، وهذه الآية مدنيَّةٌ باتِّفاقٍ؛ فقيل: إنَّما أراد زيد بن أرقم الإخبار عن جنس كلام (٤) النَّاس (٥)، واستدلَّ على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، وقيل: أراد أنَّ ذلك وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أُبيحَ مرَّتين وحُرِّم مرَّتين، قال ابن كثيرٍ: والأوَّل أظهر.

(٤٤) (﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «باب قوله ﷿: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾» أي: من عدوٍّ أو غيره؛ (﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾) نصب على الحال، والعامل محذوفٌ؛ تقديره: فصلُّوا رجالًا، و «رجالًا» جمع راجلٍ، كقائمٍ وقيامٍ، و ﴿أَوْ﴾: للتَّقسيم أو الإباحة أو التَّخيير (﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾) من العدوِّ وزال خوفكم (﴿فَاذْكُرُواْ اللّهَ﴾) أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتُكم؛ تامَّة الرُّكوع والسُّجود والقيام

والقعود (﴿كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]) الكاف في ﴿كَمَا﴾ في موضع نصبٍ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالًا من ضمير المصدر المحذوف، و «ما»: مصدريَّةٌ أو بمعنى: الذي، و ﴿مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾: مفعول ﴿عَلَّمَكُم﴾ والمعنى: فصلُّوا الصَّلاة كالصَّلاة التي علَّمكم، وعبَّر بالذِّكر عن الصَّلاة، والتَّشبيه بين هيئتي الصَّلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾: «الآية» وحذف ما بعد ذلك.

(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ -ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ﴾ (﴿كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]) أي: (عِلْمُهُ) تسميةً للصِّفة باسم مكان صاحبها، ومنه قيل للعلماء: الكراسيُّ، وقيل: يُعبَّر به عن السِّرِّ، قال:

مَا لِي بأمرِكَ كُرسِيٌّ أُكاتمُه … وَلا بِكُرْسِيِّ عِلْمِ اللهِ مَحْلُوتُ (١)

وقد يعبَّر به عن المُلْكِ لجلوسه عليه، تسميةً للحالِّ باسم المحلِّ، وهو في الأصل: لما يُقعَد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وتفسير ابن جبيرٍ هذا فيه إشارةٌ إلى أنَّه لا كرسيَّ في الحقيقة ولا قاعد، وإنَّما هو مجازٌ عن علمه؛ كما في غيره ممَّا سبق، وقال قومٌ (٢): هو جسمٌ بين يدي العرش؛ ولذلك سُمِّي (٣) كرسيًّا، محيطٌ بالسَّموات السَّبع لحديث أبي ذرٍّ الغفاريِّ عند ابن مردويه: أنَّ النَّبيَّ قال: «والذي نفسي بيده ما السَّموات السَّبع والأرضون السَّبع عند الكرسيِّ إلَّا كحلقةٍ (٤) ملقاةٍ بأرض فلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ العرشِ على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة»، وزعم بعض أهل الهيئة من الإسلاميِّين: أنَّ الكرسيَّ هو الفَلك الثَّامن، وهو فَلك الثَّوابت الذي فوقه الفَلك التَّاسع؛ وهو الأطلس (٥)، وسُمِّي الأطلس لكونه غير مكوكبٍ (٦)، وردَّ ذلك عليهم آخرون.

(يُقَالُ) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ﴾ أي: طالوت (﴿بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]) أي: (زِيَادَةً وَفَضْلًا) في العلم والجسم تَأهَّل بهما أن يُؤتَى المُلْك، وكان رجلًا جسيمًا؛ إذا مدَّ الرَّجل القائم يده؛ ينال رأسه، وافر العلم قويًّا على مقاومة العدوِّ ومكابدة الحرب (١).

(﴿أَفْرِغْ﴾) يريد: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: (أَنْزِلْ) ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] على القتال، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله (٢): «يقال … » إلى (٣) هنا.

(﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾) أي: (لَا يُثْقِلُهُ) ﴿حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقال: (آدَنِي) هذا الأمر، أي: (أَثْقَلَنِي، وَالآدُ) بالمدِّ مخفَّفًا؛ كالآل (وَالأَيْدُ) كأنَّه يشير إلى قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: (القُوَّةُ) وشُطِب (٤) في «اليونينيَّة» على (٥) الألف واللَّام من قوله: «القوَّة».

(السِّنَةُ) من قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: (نُعَاسٌ) ولأبي ذرٍّ: «النُّعاس» كذا فسَّره ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ، وقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ﴾ (﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]) أي: (يَتَغَيَّرْ) بمرور الزَّمان، وعبَّر بالإفراد؛ لأنَّ الطَّعام والشَّراب كالجنس الواحد، أو أعاد الضَّمير إلى الشَّراب؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفت؛ لدلالة هذه عليها، أي: انظر إلى طعامك لم يتسنَّه، أو سكت عن تغيرُّ الطَّعام تنبيهًا بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّه إذا لم يتغيَّر الشَّراب مع سرعة التَّغيُّر إليه؛ فعدم تغيُّر الطَّعام أولى.

وقوله تعالى: (﴿فَبُهِتَ﴾) ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو نمروذ، أي: (ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ) وقُرِئ: (فَبَهَتَ) مبنيًّا للفاعل، أي: فغلب إبراهيمُ الكافرَ.

وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ﴾ (﴿خَاوِيَةٌ﴾) أي: (لَا أَنِيسَ فِيهَا) والمارُّ عزيرٌ كما عند ابن أبي حاتمٍ، والقرية: القدس، وقوله: (﴿عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]) أي: (أَبْنِيَتُهَا) ساقطةٌ (السَّنَةُ): هي (١) (نُعَاسٌ) وقد مرَّ، وسقطت هذه لأبي ذرٍّ.

وقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ﴾ (﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]) بالرَّاء، أي: (نُخْرِجُهَا) قال السُّدِّيُّ وغيره: تفرَّقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كلِّ موضعٍ من تلك المحلَّة، ثمَّ ركَّبت كلَّ عظمٍ في موضعه، حتَّى صار حمارًا قائمًا من عظامٍ لا لحم عليها، ثمَّ كساه الله تعالى لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا وبعث ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق بإذن الله تعالى، وذلك كلُّه بمرأًى من العزير، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿عُرُوشِهَا﴾ … » إلى آخره.

وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا﴾ (﴿إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]) أي: (رِيحٌ عَاصِفٌ (٢) تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) أي: فتحرق ما في جنَّته من نخيلٍ وأعنابٍ، والمعنى: تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضمُّ إليها ما يحبطها مثل الرِّياء والإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدَّت حاجته إليها وجدها محبطةً بحال من هذا شأنه.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما -ممَّا وصله ابن جريرٍ- في قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ﴾ (﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]) أي: (لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) من ترابٍ، فكذلك نفقة المرائي والمشرك لا يبقى له ثوابٌ.

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) ممَّا وصله عبد بن حميدٍ في قوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا﴾ (﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]) أي: (مَطَرٌ شَدِيدٌ) قطره، و (الطَّلُّ) في قوله تعالى: ﴿فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي: (النَّدَى) وهذا تجوُّز منه، والمعروف أنَّ الطَّلَّ هو المطر الصَّغير القطر، والفاء في: ﴿فَطَلٌّ﴾ جواب الشَّرط، ولا بدَّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب، أي: فطلٌّ يصيبها، فالمحذوف الخبر، وجاز الابتداء بالنَّكرة؛ لأنَّها في جواب الشَّرط (وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ المُؤْمِنِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله