«آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا.» ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4544

الحديث رقم 4544 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا.» ﴿وإن…

«آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا.»

﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

سند حديث: ٤٥٤٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ…

٤٥٤٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا.» ﴿وإن…

لما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} خَلْقًا ومُلكًا، وتصرُّفًا وتدبيرًا، {وَإِنْ تُبْدُوا} وتظهروا وتعلنوا {مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} وصدوركم {أَوْ تُخْفُوهُ} فتسروه وتضمروه في قلوبكم {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} يوم القيامة.

{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} بفضله ورحمته، {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} بعدله، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه شيء.

فلما سمعها الصحابة شق عليهم ذلك؛ لأن فيها المؤاخذة حتى على ما في القلب من خطرات.

فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا جثيًا على الركب، فقالوا: يا رسول الله، كلفنا قبل ذلك من الأعمال البدنية ما نطيق الإتيان به؛ مثل الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، ولكن قد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.

فقال لهم صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قالت اليهود والنصارى: {‌سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}؟ بل قولوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ}، استجاب الصحابة لأمر الله ورسوله، فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

فلما تكلم بها المسلمون بألسنتهم، وانقادت لها نفوسهم؛ أنزل الله تزكية للنبي وأمته بقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ} وانقادت ألسنتهم وقلوبهم لأمر الله.

{كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}.

بل نؤمن بهم كلهم {وَقَالُوا سَمِعْنَا} قولك {وَأَطَعْنَا} أمرك، ونطلب {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} وعفوك، {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} والمآب يوم يقوم الحساب، فلما فعلوا ذلك، وقالوا ما أمروا بقوله من إظهار السمع والطاعة لأوامر الله؛ خفف الله عن هذه الأمة ونسخ تلك الآية بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقدرتها وطاقتها وجهدها، {لَهَا} ثواب {مَا كَسَبَتْ} وعملت من الخير، {وَعَلَيْهَا} عقاب {مَا اكْتَسَبَتْ} من وزر وإثم، ولا يؤاخذ الله أحدًا بذنب غيره، ولا بما وسوست به نفسه.

{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} وتعاقبنا {إِنْ نَسِينَا} فلم نتذكر، {أَوْ أَخْطَأْنَا} فتركنا الصواب لا عن عمد، فاستجاب الله لهم ذلك فقال: نعم، قد فعلت.

{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} ومشقة وثقلًا {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} من بني إسرائيل وغيرهم، فاستجاب الله وقال: نعم، قد فعلت.

{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من التكاليف والبلاء والأمور التي نعجز عن حملها، قال الله: نعم قد فعلت، {وَاعْفُ عَنَّا} ذنوبنا وامحها عنا، {وَاغْفِرْ لَنَا} ذنوبنا واسترها علينا، وتجاوز عنها، {وَارْحَمْنَا} برحمتك الواسعة، {أَنْتَ مَوْلَانَا} وسيدنا؛ {فَانْصُرْنَا} بإقامة الحجة والغلبة {عَلَى الْقَوْمِ الكَافِرِينَ} في قتالهم وجهادهم، فاستجاب الله، فقال: نعم، قد فعلت.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان رحمة الله تعالى لهذه الأمة بسبب نبيها صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في تعظيم شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا ‌رَحْمَةً ‌لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
  • ثبوت النسخ في القرآن الكريم، وأن من القرآن ما يُقرأ ولكن نُسِخ حُكمُه فلا يعمل به.
  • فضل الصحابة رضى الله عنهم وإذعانهم و تسليمهم لأمر الله، وامتثالهم لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
  • ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة خوفه على أمته أن تسلك مسلك الأمم السابقة في رد ما أتوا به من أوامر الله تعالى.
  • وجوب التسليم لأمر الله تعالى، والحذر من الاعتراض على أمره، وأن هذا فيه مشابهة لأهل الكتاب.
  • بيان فضل هذه الأمة على الأمم السابقة، حيث إنهم قالوا لأنبيائهم: سمعنا وعصينا، وهذه الأمة قالت: سمعنا وأطعنا.
  • فضل الأمة في رفع الحرج عنها واستجابة الدعاء في عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ، ورفع الآصار عنها التي كانت على من قبلهم، وعدم تحميلها ما لا تطيق.
  • الله سبحانه وتعالى لا يحملنا ما لا طاقة لنا به، ولا يكلفنا إلا وسعنا، وأن الوساوس التي تجول في صدورنا إذا لم نركن إليها، ولم نطمئن إليها، ولم نأخذ بها فإنها لا تضر.
  • هذا الدعاء أخبر الله تعالى به عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، وجعله في كتابه؛ ليكون دعاء من يأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، فهو من الدعاء الذي ينبغي أن يحفظ، ويُدعى به كثيرًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا.» ﴿وإن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَمْرِ، أَيْ إِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنُ الرِّبَا مُعْسِرًا فَأَنْظِرُوهُ إِلَى مَيْسَرَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

٥٣ - بَاب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾

٤٥٤٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ تُرْجَعُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِفَتْحِهَا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا قَالَ عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَخَالَفَهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَقَالَ عَنْ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِلَفْظِ كَانَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتُ الرِّبَا وَهُوَ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا) كَذَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَزَادَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدَهَا تِسْعَ لَيَالٍ وَنَحْوَهُ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ فَقِيلَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَبْعًا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ خِتَامُ الْآيَاتِ الْمُنْزَلَةِ فِي الرِّبَا إِذْ هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِنَّ، وَأَمَّا مَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ: آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا جَمِيعًا، فَيَصْدُقُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَاهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآخِرِيَّةُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَارِيثِ مَثَلًا، بِخِلَافِ آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَعْنَى الْوَفَاةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِخَاتِمَةِ النُّزُولِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَاشَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: سَبْعًا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَسَأَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي تَفْسِيرِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ)

الْمُرَادُ بِالْآخِرِيَّةِ فِي الرِّبَا تَأَخُّرُ نُزُولُ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَمَّا حُكْمُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فَنُزُولُهُ سَابِقٌ لِذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ أُحُدٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الْآيَةَ.

٥٤ - بَاب ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

٤٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى (قَدِيرٍ).

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَوَقَعَ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ فَأَسْقَطَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ الْمُهْمَلِ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ، وَلَعَلَّ ابْنَ السَّكَنِ ظَنَّ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْبُخَارِيُّ فَحَذَفَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ مَحْذُوفًا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ إِثْبَاتُهُ انْتَهَى. وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْجُرْجَانِيِّ ثَابِتٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فِيمَا أُرَاهُ، قَالَ: وَقَالَ لِي الْحَاكِمُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا أَمْلَاهُ الْبُوشَنْجِيُّ بِنَيْسَابُورَ انْتَهَى. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ هَذَا الْكَلَامَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْرَمِ، وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ النُّفَيْلِيِّ، وَالنُّفَيْلِيُّ بِنُونٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا لِشَيْخِهِ مِسْكِينِ بْنِ بُكَيْرٍ الْحَرَّانِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، وَشُعْبَةُ وَكَتَبَ بَيْنَ الْأَسْطُرِ: أُرَاهُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَمِسْكِينٌ هَذَا إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ) تَقَدَّمَ ذِكْرِهِ فِي الْحَجِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَآخَرُ فِي الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ) لَمْ يَتَّضِحْ لِي مَنْ هُوَ الْجَازِمُ بِأَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ بَعْدَ هَذِهِ وَقَعَتْ بِلَفْظٍ أَحْسَبُهُ ابْنَ عُمَرَ وَعِنْدِي فِي ثُبُوتِ كَوْنِهِ ابْنَ عُمَرَ تَوَقُّفٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخَةً، فَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقَرَأَ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فَبَكَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَمَّا شَدِيدًا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا، فَإِنَّ قُلُوبَنَا لَيْسَتْ بِأَيْدِينَا.

فَقَالَ: قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالُوا، فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ ابْنَ مَرْجَانَةَ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ وَاخَذَنَا اللَّهُ بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَا فَعَلَ حِينَ تَلَاهَا، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ نَزَلَتْ مِثْلَ مَا وَجَدَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوِّلًا وَفِيهَا: فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ ابْنِ عُمَرَ. وَيُمْكِنُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَوَّلًا لَا يَعْرِفُ الْقِصَّةَ ثُمَّ لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فَيَكُونُ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٥ - بَاب ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِصْرًا﴾ عَهْدًا، وَيُقَالُ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لَيَال، وَقيل: ثَلَاث سَاعَات، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اجْعَلُوهَا بَين آيَة الرِّبَا وَآيَة الدّين، وَقيل: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَاشَ بعْدهَا أحد وَعشْرين يَوْمًا. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين قولي ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْمَذْكُورين؟ قلت: طَرِيق الْجمع بَينهمَا أَن هَذِه الْآيَة هِيَ ختام الْآيَات الْمنزلَة فِي الرِّبَا لِأَنَّهَا معطوفة عَلَيْهَا فَتدخل فِي حكمهَا. فَإِن قلت: روى عَن البراءان آخر آيَة نزلت: {يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة} (النِّسَاء: ١٧٦) على مَا سَيَأْتِي فِي آخر سُورَة النِّسَاء، فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: قيل بِأَن الْآيَتَيْنِ نزلتا جَمِيعًا فَيصدق أَن كلاًّ مِنْهُمَا آخر بِالنِّسْبَةِ لما عداهما. وَفِيه تَأمل. قلت: إِن الآخرية أَمر نسبي كالأولية فَلَا يخفى صدق الآخرية على شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبله. وَكَذَا يُجَاب عَمَّا قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، آخر آيَة نزلت {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} (التَّوْبَة: ١٢٨) .

٥٤

- (بابٌ: {وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٨٤) ٢.

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن تبدوا مَا فِي إنفسكم} إِلَى آخِره هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة سبقت إِلَى آخرهَا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (أَو تُخْفُوهُ) فِي (تَفْسِير ابْن الْمُنْذر) عَن ابْن عَبَّاس ومولاه نزلت هَذِه الْآيَة فِي كتمان الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم وروى عَن الشّعبِيّ ومقسم مثله وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَن أبي هُرَيْرَة: لما نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة قَالَت الصحابية يَا رَسُول الله، كافنا من الْأَعْمَال مَا نطيق الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَالصَّدَََقَة. وَقد أنزلت هَذِه الْآيَة لانطيقها. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا أتريدون أَن تَقولُوا كَمَا قَالَ أهل الْكتاب من قبلكُمْ سمعنَا وعصينا؟ بل قُولُوا: {سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير} (الْبَقَرَة: ٢٨٥) فَلَمَّا أقرأها الْقَوْم زلت ألسنتهم فَأنْزل الله عز وَجل: {آمن الرَّسُول} إِلَى {وَإِلَيْك الْمصير} فَلَمَّا فعلوا ذَلِك نسخهَا الله تَعَالَى فَأنْزل {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٢٨٦) إِلَى قَوْله: {أَخْطَأنَا} وَعند الواحدي الصَّحَابَة الَّذين قَالُوا ذَلِك أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وناس من الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالُوا: مَا نزلت آيَة أَشد علينا من هَذِه الْآيَة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَكَذَا أنزلت. فَقولُوا: سمعنَا وأطعنا. فَمَكَثُوا بذلك حولا فَأنْزل الله عزل وَجل الْفرج والراحة بقوله: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} فنسخت هَذِه الْآيَة مَا قبلهَا. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يعملوا أَو يتكلموا بِهِ، وَعند النّحاس، قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ. قيل: وَمن زعم أَن من الْأَخْبَار نَاسِخا هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ قيل: وَمن زعم أَن من الأبخار نَاسِخا ومنسوخا فقد ألحد وأجهل. وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ خَبرا لكنه يتَضَمَّن حكما وَمهما كَانَ من الْأَخْبَار مَا يتَضَمَّن حكما أمكن دُخُول النّسخ فِيهِ كَسَائِر الْأَحْكَام وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يدْخلهُ النّسخ من الْأَخْبَار وَمَا كَانَ خَبرا مَحْضا لَا يتَضَمَّن حكما كالأخبار عَمَّا مضى من أَحَادِيث الْأُمَم وَنَحْو ذَلِك: وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالنسخ فِي الحَدِيث التَّخْصِيص، فَإِن الْمُتَقَدِّمين يطلقون لفظ النّسخ عَلَيْهِ كثيرا وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَلَكِن إِذا جمع الله الْخَلَائق يَقُول إِنِّي أخْبركُم مَا أخفيتم فِي أَنفسكُم مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ ملائكتي، فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فيخبرهم ثمَّ يغْفر لَهُم، وَأما أهل الريب فيخبرهم بِمَا أخفوا من التَّكْذِيب فَذَلِك قَوْله: {يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء} .

٤٥٤٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ حدَّثنا مِسْكِينٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابنُ عُمَرَ أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ {وإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ} الآيَةَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ الَّذِي ذكره مُجَردا هُوَ ابْن يحيى الذهلي قَالَ الكلاباذي وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي وَقيل كَلَام أبي نعيم يقتضى أَنه مُحَمَّد بن إِدْرِيس أبي حَاتِم الرَّازِيّ فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيقه ثمَّ قَالَ أخرجه البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد عَن النُّفَيْلِي وَقَالَهُ الجياني كَذَا هُوَ فِي أَكثر النّسخ يَعْنِي حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا النُّفَيْلِي وَسقط من كتاب ابْن السكن -.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَمْرِ، أَيْ إِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنُ الرِّبَا مُعْسِرًا فَأَنْظِرُوهُ إِلَى مَيْسَرَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

٥٣ - بَاب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾

٤٥٤٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ تُرْجَعُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِفَتْحِهَا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا قَالَ عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَخَالَفَهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَقَالَ عَنْ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِلَفْظِ كَانَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتُ الرِّبَا وَهُوَ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا) كَذَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَزَادَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدَهَا تِسْعَ لَيَالٍ وَنَحْوَهُ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ فَقِيلَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَبْعًا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ خِتَامُ الْآيَاتِ الْمُنْزَلَةِ فِي الرِّبَا إِذْ هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِنَّ، وَأَمَّا مَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ: آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا جَمِيعًا، فَيَصْدُقُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَاهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآخِرِيَّةُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَارِيثِ مَثَلًا، بِخِلَافِ آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَعْنَى الْوَفَاةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِخَاتِمَةِ النُّزُولِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَاشَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: سَبْعًا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَسَأَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي تَفْسِيرِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ)

الْمُرَادُ بِالْآخِرِيَّةِ فِي الرِّبَا تَأَخُّرُ نُزُولُ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَمَّا حُكْمُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فَنُزُولُهُ سَابِقٌ لِذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ أُحُدٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الْآيَةَ.

٥٤ - بَاب ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

٤٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى (قَدِيرٍ).

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَوَقَعَ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ فَأَسْقَطَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ الْمُهْمَلِ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ، وَلَعَلَّ ابْنَ السَّكَنِ ظَنَّ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْبُخَارِيُّ فَحَذَفَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ مَحْذُوفًا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ إِثْبَاتُهُ انْتَهَى. وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْجُرْجَانِيِّ ثَابِتٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فِيمَا أُرَاهُ، قَالَ: وَقَالَ لِي الْحَاكِمُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا أَمْلَاهُ الْبُوشَنْجِيُّ بِنَيْسَابُورَ انْتَهَى. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ هَذَا الْكَلَامَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْرَمِ، وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ النُّفَيْلِيِّ، وَالنُّفَيْلِيُّ بِنُونٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا لِشَيْخِهِ مِسْكِينِ بْنِ بُكَيْرٍ الْحَرَّانِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، وَشُعْبَةُ وَكَتَبَ بَيْنَ الْأَسْطُرِ: أُرَاهُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَمِسْكِينٌ هَذَا إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ) تَقَدَّمَ ذِكْرِهِ فِي الْحَجِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَآخَرُ فِي الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ) لَمْ يَتَّضِحْ لِي مَنْ هُوَ الْجَازِمُ بِأَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ بَعْدَ هَذِهِ وَقَعَتْ بِلَفْظٍ أَحْسَبُهُ ابْنَ عُمَرَ وَعِنْدِي فِي ثُبُوتِ كَوْنِهِ ابْنَ عُمَرَ تَوَقُّفٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخَةً، فَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقَرَأَ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فَبَكَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَمَّا شَدِيدًا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا، فَإِنَّ قُلُوبَنَا لَيْسَتْ بِأَيْدِينَا.

فَقَالَ: قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالُوا، فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ ابْنَ مَرْجَانَةَ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ وَاخَذَنَا اللَّهُ بِهَذَا لَنَهْلِكَنَّ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى سُمِعَ نَشِيجُهُ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَا فَعَلَ حِينَ تَلَاهَا، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ نَزَلَتْ مِثْلَ مَا وَجَدَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوِّلًا وَفِيهَا: فَلَمَّا فَعَلُوا نَسَخَهَا اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ ابْنِ عُمَرَ. وَيُمْكِنُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ أَوَّلًا لَا يَعْرِفُ الْقِصَّةَ ثُمَّ لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فَيَكُونُ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٥ - بَاب ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِصْرًا﴾ عَهْدًا، وَيُقَالُ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لَيَال، وَقيل: ثَلَاث سَاعَات، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اجْعَلُوهَا بَين آيَة الرِّبَا وَآيَة الدّين، وَقيل: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَاشَ بعْدهَا أحد وَعشْرين يَوْمًا. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين قولي ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْمَذْكُورين؟ قلت: طَرِيق الْجمع بَينهمَا أَن هَذِه الْآيَة هِيَ ختام الْآيَات الْمنزلَة فِي الرِّبَا لِأَنَّهَا معطوفة عَلَيْهَا فَتدخل فِي حكمهَا. فَإِن قلت: روى عَن البراءان آخر آيَة نزلت: {يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة} (النِّسَاء: ١٧٦) على مَا سَيَأْتِي فِي آخر سُورَة النِّسَاء، فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: قيل بِأَن الْآيَتَيْنِ نزلتا جَمِيعًا فَيصدق أَن كلاًّ مِنْهُمَا آخر بِالنِّسْبَةِ لما عداهما. وَفِيه تَأمل. قلت: إِن الآخرية أَمر نسبي كالأولية فَلَا يخفى صدق الآخرية على شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبله. وَكَذَا يُجَاب عَمَّا قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، آخر آيَة نزلت {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} (التَّوْبَة: ١٢٨) .

٥٤

- (بابٌ: {وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٨٤) ٢.

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن تبدوا مَا فِي إنفسكم} إِلَى آخِره هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة سبقت إِلَى آخرهَا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (أَو تُخْفُوهُ) فِي (تَفْسِير ابْن الْمُنْذر) عَن ابْن عَبَّاس ومولاه نزلت هَذِه الْآيَة فِي كتمان الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم وروى عَن الشّعبِيّ ومقسم مثله وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَن أبي هُرَيْرَة: لما نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة قَالَت الصحابية يَا رَسُول الله، كافنا من الْأَعْمَال مَا نطيق الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَالصَّدَََقَة. وَقد أنزلت هَذِه الْآيَة لانطيقها. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا أتريدون أَن تَقولُوا كَمَا قَالَ أهل الْكتاب من قبلكُمْ سمعنَا وعصينا؟ بل قُولُوا: {سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير} (الْبَقَرَة: ٢٨٥) فَلَمَّا أقرأها الْقَوْم زلت ألسنتهم فَأنْزل الله عز وَجل: {آمن الرَّسُول} إِلَى {وَإِلَيْك الْمصير} فَلَمَّا فعلوا ذَلِك نسخهَا الله تَعَالَى فَأنْزل {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٢٨٦) إِلَى قَوْله: {أَخْطَأنَا} وَعند الواحدي الصَّحَابَة الَّذين قَالُوا ذَلِك أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وناس من الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالُوا: مَا نزلت آيَة أَشد علينا من هَذِه الْآيَة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَكَذَا أنزلت. فَقولُوا: سمعنَا وأطعنا. فَمَكَثُوا بذلك حولا فَأنْزل الله عزل وَجل الْفرج والراحة بقوله: {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} فنسخت هَذِه الْآيَة مَا قبلهَا. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يعملوا أَو يتكلموا بِهِ، وَعند النّحاس، قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ. قيل: وَمن زعم أَن من الْأَخْبَار نَاسِخا هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ قيل: وَمن زعم أَن من الأبخار نَاسِخا ومنسوخا فقد ألحد وأجهل. وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ خَبرا لكنه يتَضَمَّن حكما وَمهما كَانَ من الْأَخْبَار مَا يتَضَمَّن حكما أمكن دُخُول النّسخ فِيهِ كَسَائِر الْأَحْكَام وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يدْخلهُ النّسخ من الْأَخْبَار وَمَا كَانَ خَبرا مَحْضا لَا يتَضَمَّن حكما كالأخبار عَمَّا مضى من أَحَادِيث الْأُمَم وَنَحْو ذَلِك: وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالنسخ فِي الحَدِيث التَّخْصِيص، فَإِن الْمُتَقَدِّمين يطلقون لفظ النّسخ عَلَيْهِ كثيرا وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَلَكِن إِذا جمع الله الْخَلَائق يَقُول إِنِّي أخْبركُم مَا أخفيتم فِي أَنفسكُم مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ ملائكتي، فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فيخبرهم ثمَّ يغْفر لَهُم، وَأما أهل الريب فيخبرهم بِمَا أخفوا من التَّكْذِيب فَذَلِك قَوْله: {يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء} .

٤٥٤٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ حدَّثنا مِسْكِينٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابنُ عُمَرَ أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ {وإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ} الآيَةَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ الَّذِي ذكره مُجَردا هُوَ ابْن يحيى الذهلي قَالَ الكلاباذي وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي وَقيل كَلَام أبي نعيم يقتضى أَنه مُحَمَّد بن إِدْرِيس أبي حَاتِم الرَّازِيّ فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيقه ثمَّ قَالَ أخرجه البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد عَن النُّفَيْلِي وَقَالَهُ الجياني كَذَا هُوَ فِي أَكثر النّسخ يَعْنِي حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا النُّفَيْلِي وَسقط من كتاب ابْن السكن -.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.9 / 29.5
الإضاءة 66%
البدر بعد 6 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56