الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧٤
الحديث رقم ٤٥٧٤ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة النساء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ؛ ﴿وَبِدَارًا﴾: مُبَادَرَةً، ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أَعْدَدْنَا، أَفْعَلْنَا مِنَ الْعَتَادِ.
٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ:
📖 هذا الحديث في تفسير سورة النساء - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِي مَالِهِ.
٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ "أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَال"
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَمَعْنَى (خِفْتُمْ): ظَنَنْتُمْ، وَمَعْنَى (تُقْسِطُوا): تَعْدِلُوا، وَهُوَ مِنْ أَقْسَطَ، يُقَالُ: قَسَطَ إِذَا جَارَ، وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ أَيْ: أَزَالَ الْقِسْطَ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ التِّينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ فِي أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ لَا تَكُونُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا مِنَ الثُّلَاثِيِّ، نَعَمْ حَكَى السِّيرَافِيُّ فِي جَوَازِ التَّعَجُّبِ بِالرُّبَاعِيِّ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ أَقْسَطَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ لَطَائِفِ أَنْوَاعِ الْإِسْنَادِ، وَهِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَهِشَامٌ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَالْأَدْنَى ابْنُ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا) هَكَذَا قَالَ هِشَامُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَأَوْهَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ التَّعْمِيمُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ إِلَخْ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَكَانَ لَهَا عَذْقٌ فَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الَّتِي يَرْغَبُ عَنْ نِكَاحِهَا، وَأَمَّا الَّتِي يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا فَهِيَ الَّتِي يُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَلَا يُزَوِّجُهَا لِغَيْرِهِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْقِصَّتَيْنِ، وَرِوَايَةُ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ سَالِمَةٌ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ وَهِيَ ذَاتُ مَالٍ إِلَخْ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَفِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ.
قَوْلُهُ: (عَذْقٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: النَّخْلَةُ، وَبِالْكَسْرِ الْكُبَاسَةُ وَالْقِنْوُ، وَهُوَ مِنَ النَّخْلَةِ كَالْعُنْقُودِ مِنَ الْكَرْمَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَفَسَّرَ الْعَذْقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا بِالْحَائِطِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ) أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَيُمْسِكُ بِسَبَبِهِ
قَوْلُهُ: (أَحْسَبُهُ قَالَ: كَانَتْ شَرِيكَتُهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ) هُوَ شَكٌّ مِنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، وَوَقَعَ مُبَيَّنًا مَجْزُومًا بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ وَلَفْظُهُ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ
عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَشَرِيكَتُهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَعْضُلُهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَرِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ شَامِلَةٌ لِلْقِصَّتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْوَصَايَا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (الْيَتِيمَةُ) أَيِ: الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا.
قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا) أَيِ: الَّذِي يَلِي مَالَهَا.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا) فِي النِّكَاحِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا.
قَوْلُهُ: (فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْمُولِ بِغَيْرِ، أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهَا، مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، أَيْ: مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا سِوَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِلَفْظِ: بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) أَيْ بِأَيِّ مَهْرٍ تَوَافَقُوا عَلَيْهِ، وَتَأْوِيلُ عَائِشَةَ هَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ في مُنَاسَبَةِ تَرَتُّبِ قَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شَيْءٌ آخَرُ، قَالَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ تَخَافُونَ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى، فَتَحَرَّجْتُمْ أَنْ لَا تَلُوهَا، فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا، وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَعَلَى تَأْوِيلِ عَائِشَةَ يَكُونُ الْمَعْنَى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي نِكَاحِ الْيَتَامَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَدَاةِ عَطْفٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَشُعَيْبٍ الْمَذْكُورَيْنِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاسْتَفْتَى النَّاسُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ: بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَعُقَيْلٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ اقْتَضَى هَذَا الْخَطَأَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَذَكَرَ اللَّهُ أَنْ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ، إِلَخْ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الشَّرِكَةِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَقْرُونًا بِطَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، فَوَضَحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ أَنَّ فِي الْبَابِ اخْتِصَارًا، وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي آيَةٍ أُخْرَى أَيْ: بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ وَمَا أَوْرَدْنَاهُ أَوْضَحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَزْوَ هَذِهِ الطَّرِيقِ، أَيْ طَرِيقِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَى كِتَابِ التَّفْسِيرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى عَزْوِهَا إِلَى كِتَابِ الشَّرِكَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ) فِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ: (وَتَرْغَبُونَ) لِأَنَّ رَغِبَ يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ بِمُتَعَلَّقِهِ؛ يُقَالُ: رَغِبَ فِيهِ إِذَا أَرَادَهُ، وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُحْذَفَ فِي، وَأَنْ تُحْذَفَ عَنْ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّةِ وَالْمُعْدَمَةِ، وَالْمَرْوِيُّ هُنَا عَنْ عَائِشَةَ أَوْضَحُ فِي أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُعْدِمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَنُهُوا) أَيْ: نُهُوا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والمعروف عن هشام بن عروة التَّعميم، ووقع عند الإسماعيليِّ كذلك، ولفظه: «أُنزِلَت في الرَّجل تكون عنده اليتيمة» وكذا في الرِّواية اللَّاحقة من طريق ابن شهابٍ (١) عن عروة [خ¦٤٥٧٤] وقضيَّة العذق في التي يرغب عن نكاحها، وأمَّا التي يرغب في نكاحها؛ فهي التي يعجبه مالها وجمالها، فلا يزوِّجها لغيره، ويريد أن يتزوَّجها بدون صداق مثلها.
٤٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (عَنْ) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] فَقَالَتْ) عائشة له: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء، ولأبي الوقت: «يا بن أخي» (هَذِهِ اليَتِيمَةُ) التي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائم بأمورها (تَشْرَكُهُ) بفتح التَّاء والرَّاء، وفي نسخةٍ: «تُشرِكه» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ (فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ) أن يعدل (فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) هو معطوفٌ على معمول «بغير» يعني (٢): يريد أن يتزوَّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره؛ أي (٣):
ممَّن يرغب في نكاحها، ويدلُّ على ذلك قوله: (فَنُهُوا) بضمِّ النُّون والهاء (عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن ذلك» أي: عن ترك الإقساط (إِلَّا أَنْ (١) يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ) باللَّام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بهنَّ» (أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ) أي: طريقتهن (فِي الصَّدَاقِ) وعادتهنَّ في ذلك (فَأُمِرُوا) بالفاء (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ) ما حلَّ (لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) أي: سوى اليتامى من النِّساء، وقد تقررَّ أنَّ «ما» لا تُستعَمل في ذوي العقول، واستعملها هنا لهنَّ (٢)؛ ذهابًا إلى الصِّفة، كأنَّه قيل: النَّوع الطَّيِّب من النِّساء، أي: الحلال أو المشتَهَى، والثَّاني أرجح لاقتضاء المقام، ولأنَّ الأمر بالنِّكاح لا يكون إلَّا في الحلال، فوجب الحمل على شيءٍ آخر، أو إجراءً (٣) لهنَّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنَّ، كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ) طلبوا منه الفتيا في أمر النِّساء (بَعْدَ) نزول (هَذِهِ الآيَةِ) وهي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ … ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾) الآية [النساء: ١٢٧] (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) كذا في رواية صالح، وليس ذلك في آيةٍ (٤) أخرى بل هو في نفس الآية، وعند مسلمٍ والنَّسائيِّ -واللَّفظ له- من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ (٥) عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع: فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ فذكر الله أنَّه (٦) يُتلَى عليكم في الكتاب الآية الأولى؛ وهي قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قال في «الفتح»: فظهر أنَّه سقط من رواية البخاريِّ شيءٌ (رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ) بأن لم (٧) يردها (حِينَ تَكُونُ) أي: اليتيمة (قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، قَالَتْ) عائشة:
(فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ) بفتح التَّحتيَّة، وللأصيليِّ بضمِّها وإسقاط «عن» (فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ) بالعدل (مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ المَالِ وَالجَمَالِ) فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل.
وسبق في هذا الحديث في «الشَّركة» في «باب شركة اليتيم» [خ¦٢٤٩٤].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ﴾) من مال اليتامى (﴿بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾) بعد بلوغهم وإيناس رشدهم (﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾) ندبًا بأنَّهم (١) قبضوها؛ لئلَّا يُقدِموا على الدَّعوى الكاذبة، ولأنَّه أنفى للتُّهمة (﴿وَكَفَى بِاللّهِ﴾) حال كونه (﴿حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]) أي: محاسبًا، فلا تُخالِفوا ما أُمِرتُم، ولا تَتَجاوزوا ما حُدَّ لكم، وسقط لفظ «باب (٢)» لأبي ذرٍّ، ولغيره: «﴿وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا﴾ (٣)» وقالوا (٤) بَعْدَ: ﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾: «الآيَةَ».
(﴿وَبِدَارًا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَبِدَارًا﴾» يريد: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أ﴾ [النساء: ٦] أي: (مُبَادَرَةً) قبل بلوغهم من غير حاجةٍ (﴿أَعْتَدْنَا﴾) يريد: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٥)﴾ [النساء: ١٨] قال أبو عبيدة أي: (أَعْدَدْنَا: أَفْعَلْنَا) في الفرع كأصله (٦) (مِنَ العَتَادِ) بفتح العين (٧)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «اعتددنا افتعلنا» ونُظِّر فوقها (٨).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِي مَالِهِ.
٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ "أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَال"
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَمَعْنَى (خِفْتُمْ): ظَنَنْتُمْ، وَمَعْنَى (تُقْسِطُوا): تَعْدِلُوا، وَهُوَ مِنْ أَقْسَطَ، يُقَالُ: قَسَطَ إِذَا جَارَ، وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ أَيْ: أَزَالَ الْقِسْطَ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ التِّينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ فِي أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ لَا تَكُونُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا مِنَ الثُّلَاثِيِّ، نَعَمْ حَكَى السِّيرَافِيُّ فِي جَوَازِ التَّعَجُّبِ بِالرُّبَاعِيِّ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ أَقْسَطَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ لَطَائِفِ أَنْوَاعِ الْإِسْنَادِ، وَهِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَهِشَامٌ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَالْأَدْنَى ابْنُ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا) هَكَذَا قَالَ هِشَامُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَأَوْهَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ التَّعْمِيمُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ إِلَخْ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَكَانَ لَهَا عَذْقٌ فَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الَّتِي يَرْغَبُ عَنْ نِكَاحِهَا، وَأَمَّا الَّتِي يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا فَهِيَ الَّتِي يُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَلَا يُزَوِّجُهَا لِغَيْرِهِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْقِصَّتَيْنِ، وَرِوَايَةُ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ سَالِمَةٌ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ وَهِيَ ذَاتُ مَالٍ إِلَخْ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَفِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ.
قَوْلُهُ: (عَذْقٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: النَّخْلَةُ، وَبِالْكَسْرِ الْكُبَاسَةُ وَالْقِنْوُ، وَهُوَ مِنَ النَّخْلَةِ كَالْعُنْقُودِ مِنَ الْكَرْمَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَفَسَّرَ الْعَذْقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا بِالْحَائِطِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ) أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَيُمْسِكُ بِسَبَبِهِ
قَوْلُهُ: (أَحْسَبُهُ قَالَ: كَانَتْ شَرِيكَتُهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ) هُوَ شَكٌّ مِنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، وَوَقَعَ مُبَيَّنًا مَجْزُومًا بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ وَلَفْظُهُ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ
عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَشَرِيكَتُهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَعْضُلُهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَرِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ شَامِلَةٌ لِلْقِصَّتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْوَصَايَا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (الْيَتِيمَةُ) أَيِ: الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا.
قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا) أَيِ: الَّذِي يَلِي مَالَهَا.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا) فِي النِّكَاحِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا.
قَوْلُهُ: (فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْمُولِ بِغَيْرِ، أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهَا، مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، أَيْ: مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا سِوَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِلَفْظِ: بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) أَيْ بِأَيِّ مَهْرٍ تَوَافَقُوا عَلَيْهِ، وَتَأْوِيلُ عَائِشَةَ هَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ في مُنَاسَبَةِ تَرَتُّبِ قَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شَيْءٌ آخَرُ، قَالَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ تَخَافُونَ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى، فَتَحَرَّجْتُمْ أَنْ لَا تَلُوهَا، فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا، وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَعَلَى تَأْوِيلِ عَائِشَةَ يَكُونُ الْمَعْنَى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي نِكَاحِ الْيَتَامَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَدَاةِ عَطْفٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَشُعَيْبٍ الْمَذْكُورَيْنِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاسْتَفْتَى النَّاسُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ: بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَعُقَيْلٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ اقْتَضَى هَذَا الْخَطَأَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَذَكَرَ اللَّهُ أَنْ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ، إِلَخْ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الشَّرِكَةِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَقْرُونًا بِطَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، فَوَضَحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ أَنَّ فِي الْبَابِ اخْتِصَارًا، وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي آيَةٍ أُخْرَى أَيْ: بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ وَمَا أَوْرَدْنَاهُ أَوْضَحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَزْوَ هَذِهِ الطَّرِيقِ، أَيْ طَرِيقِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَى كِتَابِ التَّفْسِيرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى عَزْوِهَا إِلَى كِتَابِ الشَّرِكَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ) فِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ: (وَتَرْغَبُونَ) لِأَنَّ رَغِبَ يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ بِمُتَعَلَّقِهِ؛ يُقَالُ: رَغِبَ فِيهِ إِذَا أَرَادَهُ، وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُحْذَفَ فِي، وَأَنْ تُحْذَفَ عَنْ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّةِ وَالْمُعْدَمَةِ، وَالْمَرْوِيُّ هُنَا عَنْ عَائِشَةَ أَوْضَحُ فِي أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُعْدِمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَنُهُوا) أَيْ: نُهُوا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والمعروف عن هشام بن عروة التَّعميم، ووقع عند الإسماعيليِّ كذلك، ولفظه: «أُنزِلَت في الرَّجل تكون عنده اليتيمة» وكذا في الرِّواية اللَّاحقة من طريق ابن شهابٍ (١) عن عروة [خ¦٤٥٧٤] وقضيَّة العذق في التي يرغب عن نكاحها، وأمَّا التي يرغب في نكاحها؛ فهي التي يعجبه مالها وجمالها، فلا يزوِّجها لغيره، ويريد أن يتزوَّجها بدون صداق مثلها.
٤٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (عَنْ) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] فَقَالَتْ) عائشة له: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء، ولأبي الوقت: «يا بن أخي» (هَذِهِ اليَتِيمَةُ) التي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) القائم بأمورها (تَشْرَكُهُ) بفتح التَّاء والرَّاء، وفي نسخةٍ: «تُشرِكه» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ (فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ) أن يعدل (فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) هو معطوفٌ على معمول «بغير» يعني (٢): يريد أن يتزوَّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره؛ أي (٣):
ممَّن يرغب في نكاحها، ويدلُّ على ذلك قوله: (فَنُهُوا) بضمِّ النُّون والهاء (عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن ذلك» أي: عن ترك الإقساط (إِلَّا أَنْ (١) يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ) باللَّام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بهنَّ» (أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ) أي: طريقتهن (فِي الصَّدَاقِ) وعادتهنَّ في ذلك (فَأُمِرُوا) بالفاء (أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ) ما حلَّ (لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) أي: سوى اليتامى من النِّساء، وقد تقررَّ أنَّ «ما» لا تُستعَمل في ذوي العقول، واستعملها هنا لهنَّ (٢)؛ ذهابًا إلى الصِّفة، كأنَّه قيل: النَّوع الطَّيِّب من النِّساء، أي: الحلال أو المشتَهَى، والثَّاني أرجح لاقتضاء المقام، ولأنَّ الأمر بالنِّكاح لا يكون إلَّا في الحلال، فوجب الحمل على شيءٍ آخر، أو إجراءً (٣) لهنَّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنَّ، كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق: (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ) طلبوا منه الفتيا في أمر النِّساء (بَعْدَ) نزول (هَذِهِ الآيَةِ) وهي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ … ﴾ إلى ﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾) الآية [النساء: ١٢٧] (قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) كذا في رواية صالح، وليس ذلك في آيةٍ (٤) أخرى بل هو في نفس الآية، وعند مسلمٍ والنَّسائيِّ -واللَّفظ له- من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ (٥) عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع: فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ فذكر الله أنَّه (٦) يُتلَى عليكم في الكتاب الآية الأولى؛ وهي قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قال في «الفتح»: فظهر أنَّه سقط من رواية البخاريِّ شيءٌ (رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ) بأن لم (٧) يردها (حِينَ تَكُونُ) أي: اليتيمة (قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، قَالَتْ) عائشة:
(فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ) بفتح التَّحتيَّة، وللأصيليِّ بضمِّها وإسقاط «عن» (فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ) بالعدل (مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ المَالِ وَالجَمَالِ) فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل.
وسبق في هذا الحديث في «الشَّركة» في «باب شركة اليتيم» [خ¦٢٤٩٤].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ﴾) من مال اليتامى (﴿بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾) بعد بلوغهم وإيناس رشدهم (﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾) ندبًا بأنَّهم (١) قبضوها؛ لئلَّا يُقدِموا على الدَّعوى الكاذبة، ولأنَّه أنفى للتُّهمة (﴿وَكَفَى بِاللّهِ﴾) حال كونه (﴿حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]) أي: محاسبًا، فلا تُخالِفوا ما أُمِرتُم، ولا تَتَجاوزوا ما حُدَّ لكم، وسقط لفظ «باب (٢)» لأبي ذرٍّ، ولغيره: «﴿وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا﴾ (٣)» وقالوا (٤) بَعْدَ: ﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾: «الآيَةَ».
(﴿وَبِدَارًا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَبِدَارًا﴾» يريد: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أ﴾ [النساء: ٦] أي: (مُبَادَرَةً) قبل بلوغهم من غير حاجةٍ (﴿أَعْتَدْنَا﴾) يريد: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٥)﴾ [النساء: ١٨] قال أبو عبيدة أي: (أَعْدَدْنَا: أَفْعَلْنَا) في الفرع كأصله (٦) (مِنَ العَتَادِ) بفتح العين (٧)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «اعتددنا افتعلنا» ونُظِّر فوقها (٨).