«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧٩

الحديث رقم ٤٥٧٩ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٧٩ في صحيح البخاري

«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ».

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ.

﴿مَوَالِيَ﴾: أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً، ﴿عَاقَدَتْ﴾ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ، وَهْوَ الْحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ.

إسناد حديث رقم ٤٥٧٩ من صحيح البخاري

٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٧٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ سَقَطَ قَوْلُهُ: بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ قَوْلُهُ: قَوْلُهُ لِلْمُسْتَمْلِيِّ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ) يُشِيرُ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُعْطِي الْجَارِيَةَ الصَّغِيرَةَ نِصْفَ الْمِيرَاثِ وَهِيَ لَا تَرْكَبُ الْفَرَسَ وَلَا تُدَافِعُ الْعَدُوِّ؟ قَالَ: وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلَّا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ.

قَوْلُهُ: (فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ اسْتَمَرَّ إِلَى نُزُولِ الْآيَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ النَّسْخَ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ النَّسْخَ مُطْلَقًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّرَائِعَ الْمَاضِيَةَ مُسْتَقِرَّةُ الْحُكْمِ إِلَى ظُهُورِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ: فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ لَا يَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُسِخَتْ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ مُكَابِرٌ، وَإِنْ قَالَ: لَا أُسَمِّيهِ نَسْخًا كَانَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: قَوْلُهُ: وَالثُّلُثَ زِيَادَةٌ هُنَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، قُلْتُ: اخْتَصَرَهَا هُنَاكَ، وَلَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ شَيْخِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ فِي حَالٍ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثَ فِي حَالٍ، وَوِزَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَالٍ.

٦ - بَاب ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ. وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لَا تَقْهَرُونَ، ﴿حُوبًا﴾ إِثْمًا، ﴿تَعُولُوا﴾ تَمِيلُوا، ﴿نِحْلَةً﴾ النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ

٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أخبرنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

[الحديث ٤٥٧٩ - طرفه في: ٦٩٤٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ) سَقَطَ بَابُ وَمَا بَعْدَ كَرْهًا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَوْلُهُ: كَرْهًا مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، قَرَأَهَا حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَعْضُلُوهُنَّ: لَا تَقْهَرُوهُنَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: تَنْتَهِرُوهُنَّ بِنُونٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مِنَ الِانْتِهَارِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ أَيْضًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لَا تَعْضُلُوهُنَّ (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، يَعْنِي الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَيَضُرُّهَا لِتَفْتَدِيَ، وَأَسْنَدَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوَهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ، كَالْعَضْلِ الْمَذْكُورِ

فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ ضَعَّفَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (حُوبًا: إِثْمًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا﴾ قَالَ: إِثْمًا عَظِيمًا. وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْحَاءِ، وَعَنِ الْحَسَنِ بِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: (تَعُولُوا: تَمِيلُوا) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قَالَ: أَنْ لَا تَمِيلُوا. وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِثْلَهُ، وَأَنْشَدَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ أَبْيَاتٍ:

بِمِيزَانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ

وَجَاءَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنْ لَا تَعُولُوا: أَنْ لَا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّدُ، وَابْنُ دَاوُدَ، وَالثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْهَرَ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَدَّهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ أَحَلَّ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ مَا شَاءَ الرَّجُلُ بِلَا عَدَدٍ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الْعِيَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النِّسَاءَ وَمَا يَحِلُّ مِنْهُنَّ، فَالْجَوْرُ وَالْعَدْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ كَثْرَةَ الْعِيَالِ لَكَانَ أَعَالَ يُعِيلُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَأَمَّا تَعُولُوا فَمِنَ الثُّلَاثِيِّ، لَكِنْ نَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الدُّورِيِّ - قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ - قَالَ: هِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ. وَنُقِلَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أَنَّهُ قَرَأَ: أَنْ لَا تُعِيلُوا.

قَوْلُهُ: (نِحْلَةً فَالنِّحْلَةُ الْمَهْرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ الْوُجُوِهِ أَنَّ النِّحْلَةَ مَا يُعْطُونَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نِحْلَةٌ يَنْتَحِلُونَهَا، أَيْ: يَتَدَيَّنُونَ بِهَا وَيَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) قَالَ: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نِحْلَةً أَيْ: فَرِيضَةً. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَاجِبُ، قَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَ إِلَّا بِصَدَاقٍ. كَذَا قَالَ. وَالنِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْعَطِيَّةُ، لَا كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ النِّسَاءِ، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ امْرَأَةً أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ إِلَى سَيَّارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ.

(تَنْبِيهٌ): مَحَلُّ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: (حُوبًا) إِلَى آخِرِهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهَذَا الْمَوْضِعِ، فَفِي التَّفْسِيرِ فِي غَالِبِ السُّوَرِ أَشْبَاهُ هَذَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ الدُّورِيُّ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: كَانَ يُخْطِئُ عَنْ سُفْيَانَ، فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ، لَكِنْ قَالَ: كَانَ ثَبْتًا فِيمَا يَرْوِي عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَمُطَرِّفٍ. وَذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ: رُبَّمَا وَهِمَ فِي الشَّيْءِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سَمَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ سُلَيْمَانَ بْنَ فَيْرُوزٍ.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) حَاصِلُهُ أَنَّ لِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا: مَوْصُولَةٌ، وَهِيَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأُخْرَى: مَشْكُوكٌ فِي وَصْلِهَا، وَهِيَ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالسُّوَائِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى ذِكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ) فِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ تَقْيِيدُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة وبالموحَّدة، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق سليمان بن (١) فيروز (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما. (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (وَذَكَرَهُ) أي: الحديث (أَبُو الحَسَنِ) اسمه: عطاءٌ (السُّوَائِيُّ) بضمِّ السِّين وتخفيف الواو ممدودًا، وليس هو مهاجرًا المذكور في «باب الإبراد بالظُّهر» [خ¦٥٣٩] لأنَّ ذاك (٢) تيميٌّ لا سُوائيٌّ (وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، فيه: أنَّ الشَّيبانيَّ له فيه طريقان؛ إحداهما: موصولةٌ؛ وهي عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، والثَّانية: مشكوكٌ في وصلها؛ وهي أبو الحسن السُّوائيُّ عن ابن عبَّاسٍ، في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة، كما قاله السُّدِّيُّ، أو أهل المدينة كما قاله الضَّحَّاك، وقال الواحديُّ: في الجاهليَّة وأوَّل (٣) الإسلام (إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ؛ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا) إن كانت جميلةً بصداقها الأوَّل (وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا) لمن أرادوا، وأخذوا صداقها (وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا) بل يحبسونها حتَّى تموت فيرثونها، أو تفتدي نفسها (فَهُمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وهم» (أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ) وفي رواية أبي معاوية عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة وحده عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها، وعند الطَّبريِّ (٤) من طريق (٥) ابن

جريجٍ عن عكرمة: أنَّها نزلت في قضيَّةٍ خاصَّةٍ، قال: نزلت في كُبَيْشَة بنت مَعْن بن عاصم بن الأوس، وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفِّي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت النَّبيَّ فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثتُ زوجي، ولا أنا تُرِكت فأنكح، فنزلت الآية، وبإسنادٍ حسنٍ عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيفٍ عن أبيه قال: لمَّا توفِّي أبو قيس بن الأسلت؛ أراد ابنه أن يتزوَّج امرأته، وكان ذلك لهم (١) في الجاهليَّة، فنزلت هذه الآية، وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرَّجل منهم في الجاهليَّة؛ وَرِثَ امرأته من يَرِث مالَه، وكان يَعضِلُها حتَّى يرثها أو يُزوِّجها من أراد، وكان أهل تهامة يُسِيء الرَّجل صحبة المرأة حتَّى يطلِّقها، ويشترط عليها ألَّا تَنكِح إلَّا من أراد حتَّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتمٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهليَّة إذا مات زوجها فجاء رجلٌ، فألقى عليها ثوبًا (٢)؛ كان أحقَّ بها، وعنه من طريق السُّدِّيِّ: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه؛ كان أحقَّ بها، وإن سبقت هي إلى أهلها؛ فهي أحقُّ بنفسها.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإكراه» [خ¦٦٩٤٨] وأبو داود في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا بإثبات «الباب» لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بالإضافة: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الاية [النساء: ٣٣]) زاد أبو ذرٍّ والوقت: «﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكَّدة أنتم وهم «﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾» من الميراث «﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾» أي: ولكلِّ شيءٍ تركه الوالدان

والأقربون عيَّنا وُرَّاثًا (١) يأخذونه، و ﴿مِمَّا (٢) تَرَكَ﴾ بيانٌ لـ «كلٍّ»، وفيه: أنَّه فصل بينهما بعامل الموصوف، وإن جعلنا ﴿مَوَالِيَ﴾ صفةً لـ «كلٍّ» فالتَّقدير: لكلِّ طائفةٍ جعلناهم موالي نصيبٌ ممَّا ترك هؤلاء، أو (٣) لكلِّ ميِّتٍ جعلنا ورثةً من هذا المتروك، وفيه أيضًا ضعفٌ؛ لخروج الأولاد عنه، وإن جُعِل التَّقدير: لكلِّ أحدٍ جعلنا موالي؛ فتكون «من» صلة ﴿مَوَالِيَ﴾ لأنَّهم في معنى الوُرَّاث (٤)، وفاعل ﴿تَرَكَ﴾: ضميرٌ يعود على «كلٍّ» و ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾: بيانُ الموالي، كأنَّه جواب من سأل عنهم، وسقط لأبي ذرِّ لفظ «الآية» (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الصَّنعانيُّ، كما قاله (٥) الكِرمانيُّ، أو هو (٦) معمر بن المثنَّى، كما قاله ابن حجرٍ: (﴿مَوَالِيَ﴾) أي: (أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً) بنصب الكلمتين تفسيرًا للموالي، وثبت لأبي ذرٍّ: «وقال معمرٌ» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقال معمرٌ: أولياءُ موالي» بالإضافة؛ نحو: شجرُ الأراك، والإضافة للبيان، «وأولياءُ ورثةٍ»؛ بالإضافة أيضًا (﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ وَهْوَ الحَلِيفُ) يعني: أولياء الميِّت الذين يلون ميراثه ويحوزونه على نوعين: وليٌّ بالإرث وهو (٧) ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ووليُّ الموالاة (٨) وعقد الولاة وهم ﴿الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وثبت: «أيمانكم» لأبي ذرٍّ (وَالمَوْلَى (٩) أَيْضًا: ابْنُ العَمِّ) قاله ابن جريرٍ (١٠) نقلًا عن العرب، وأنشد عليه قول الفضل (١١) بن العبَّاس:

مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينَا … لا تُظْهِرُنَّ لنَا ما كَانَ مَدْفُونَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ سَقَطَ قَوْلُهُ: بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ قَوْلُهُ: قَوْلُهُ لِلْمُسْتَمْلِيِّ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ) يُشِيرُ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُعْطِي الْجَارِيَةَ الصَّغِيرَةَ نِصْفَ الْمِيرَاثِ وَهِيَ لَا تَرْكَبُ الْفَرَسَ وَلَا تُدَافِعُ الْعَدُوِّ؟ قَالَ: وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلَّا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ.

قَوْلُهُ: (فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ اسْتَمَرَّ إِلَى نُزُولِ الْآيَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ النَّسْخَ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ النَّسْخَ مُطْلَقًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّرَائِعَ الْمَاضِيَةَ مُسْتَقِرَّةُ الْحُكْمِ إِلَى ظُهُورِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ: فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ لَا يَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُسِخَتْ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ مُكَابِرٌ، وَإِنْ قَالَ: لَا أُسَمِّيهِ نَسْخًا كَانَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: قَوْلُهُ: وَالثُّلُثَ زِيَادَةٌ هُنَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، قُلْتُ: اخْتَصَرَهَا هُنَاكَ، وَلَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ شَيْخِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ فِي حَالٍ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثَ فِي حَالٍ، وَوِزَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَالٍ.

٦ - بَاب ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ. وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لَا تَقْهَرُونَ، ﴿حُوبًا﴾ إِثْمًا، ﴿تَعُولُوا﴾ تَمِيلُوا، ﴿نِحْلَةً﴾ النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ

٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أخبرنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

[الحديث ٤٥٧٩ - طرفه في: ٦٩٤٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ) سَقَطَ بَابُ وَمَا بَعْدَ كَرْهًا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَوْلُهُ: كَرْهًا مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، قَرَأَهَا حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَعْضُلُوهُنَّ: لَا تَقْهَرُوهُنَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: تَنْتَهِرُوهُنَّ بِنُونٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مِنَ الِانْتِهَارِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ أَيْضًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لَا تَعْضُلُوهُنَّ (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، يَعْنِي الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَيَضُرُّهَا لِتَفْتَدِيَ، وَأَسْنَدَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوَهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ، كَالْعَضْلِ الْمَذْكُورِ

فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ ضَعَّفَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (حُوبًا: إِثْمًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا﴾ قَالَ: إِثْمًا عَظِيمًا. وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْحَاءِ، وَعَنِ الْحَسَنِ بِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: (تَعُولُوا: تَمِيلُوا) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قَالَ: أَنْ لَا تَمِيلُوا. وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِثْلَهُ، وَأَنْشَدَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ أَبْيَاتٍ:

بِمِيزَانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ

وَجَاءَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنْ لَا تَعُولُوا: أَنْ لَا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّدُ، وَابْنُ دَاوُدَ، وَالثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْهَرَ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَدَّهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ أَحَلَّ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ مَا شَاءَ الرَّجُلُ بِلَا عَدَدٍ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الْعِيَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النِّسَاءَ وَمَا يَحِلُّ مِنْهُنَّ، فَالْجَوْرُ وَالْعَدْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ كَثْرَةَ الْعِيَالِ لَكَانَ أَعَالَ يُعِيلُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَأَمَّا تَعُولُوا فَمِنَ الثُّلَاثِيِّ، لَكِنْ نَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الدُّورِيِّ - قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ - قَالَ: هِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ. وَنُقِلَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أَنَّهُ قَرَأَ: أَنْ لَا تُعِيلُوا.

قَوْلُهُ: (نِحْلَةً فَالنِّحْلَةُ الْمَهْرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ الْوُجُوِهِ أَنَّ النِّحْلَةَ مَا يُعْطُونَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نِحْلَةٌ يَنْتَحِلُونَهَا، أَيْ: يَتَدَيَّنُونَ بِهَا وَيَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) قَالَ: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نِحْلَةً أَيْ: فَرِيضَةً. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَاجِبُ، قَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَ إِلَّا بِصَدَاقٍ. كَذَا قَالَ. وَالنِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْعَطِيَّةُ، لَا كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ النِّسَاءِ، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ امْرَأَةً أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ إِلَى سَيَّارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ.

(تَنْبِيهٌ): مَحَلُّ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: (حُوبًا) إِلَى آخِرِهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهَذَا الْمَوْضِعِ، فَفِي التَّفْسِيرِ فِي غَالِبِ السُّوَرِ أَشْبَاهُ هَذَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ الدُّورِيُّ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: كَانَ يُخْطِئُ عَنْ سُفْيَانَ، فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ، لَكِنْ قَالَ: كَانَ ثَبْتًا فِيمَا يَرْوِي عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَمُطَرِّفٍ. وَذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ: رُبَّمَا وَهِمَ فِي الشَّيْءِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سَمَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ سُلَيْمَانَ بْنَ فَيْرُوزٍ.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) حَاصِلُهُ أَنَّ لِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا: مَوْصُولَةٌ، وَهِيَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأُخْرَى: مَشْكُوكٌ فِي وَصْلِهَا، وَهِيَ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالسُّوَائِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى ذِكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ) فِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ تَقْيِيدُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة وبالموحَّدة، القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق سليمان بن (١) فيروز (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما. (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (وَذَكَرَهُ) أي: الحديث (أَبُو الحَسَنِ) اسمه: عطاءٌ (السُّوَائِيُّ) بضمِّ السِّين وتخفيف الواو ممدودًا، وليس هو مهاجرًا المذكور في «باب الإبراد بالظُّهر» [خ¦٥٣٩] لأنَّ ذاك (٢) تيميٌّ لا سُوائيٌّ (وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، فيه: أنَّ الشَّيبانيَّ له فيه طريقان؛ إحداهما: موصولةٌ؛ وهي عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، والثَّانية: مشكوكٌ في وصلها؛ وهي أبو الحسن السُّوائيُّ عن ابن عبَّاسٍ، في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة، كما قاله السُّدِّيُّ، أو أهل المدينة كما قاله الضَّحَّاك، وقال الواحديُّ: في الجاهليَّة وأوَّل (٣) الإسلام (إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ؛ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا) إن كانت جميلةً بصداقها الأوَّل (وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا) لمن أرادوا، وأخذوا صداقها (وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا) بل يحبسونها حتَّى تموت فيرثونها، أو تفتدي نفسها (فَهُمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وهم» (أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ) وفي رواية أبي معاوية عن الشَّيبانيِّ، عن عكرمة وحده عن ابن عبَّاسٍ في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها، وعند الطَّبريِّ (٤) من طريق (٥) ابن

جريجٍ عن عكرمة: أنَّها نزلت في قضيَّةٍ خاصَّةٍ، قال: نزلت في كُبَيْشَة بنت مَعْن بن عاصم بن الأوس، وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفِّي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت النَّبيَّ فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثتُ زوجي، ولا أنا تُرِكت فأنكح، فنزلت الآية، وبإسنادٍ حسنٍ عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيفٍ عن أبيه قال: لمَّا توفِّي أبو قيس بن الأسلت؛ أراد ابنه أن يتزوَّج امرأته، وكان ذلك لهم (١) في الجاهليَّة، فنزلت هذه الآية، وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرَّجل منهم في الجاهليَّة؛ وَرِثَ امرأته من يَرِث مالَه، وكان يَعضِلُها حتَّى يرثها أو يُزوِّجها من أراد، وكان أهل تهامة يُسِيء الرَّجل صحبة المرأة حتَّى يطلِّقها، ويشترط عليها ألَّا تَنكِح إلَّا من أراد حتَّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتمٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهليَّة إذا مات زوجها فجاء رجلٌ، فألقى عليها ثوبًا (٢)؛ كان أحقَّ بها، وعنه من طريق السُّدِّيِّ: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه؛ كان أحقَّ بها، وإن سبقت هي إلى أهلها؛ فهي أحقُّ بنفسها.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإكراه» [خ¦٦٩٤٨] وأبو داود في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا بإثبات «الباب» لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بالإضافة: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الاية [النساء: ٣٣]) زاد أبو ذرٍّ والوقت: «﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكَّدة أنتم وهم «﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾» من الميراث «﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾» أي: ولكلِّ شيءٍ تركه الوالدان

والأقربون عيَّنا وُرَّاثًا (١) يأخذونه، و ﴿مِمَّا (٢) تَرَكَ﴾ بيانٌ لـ «كلٍّ»، وفيه: أنَّه فصل بينهما بعامل الموصوف، وإن جعلنا ﴿مَوَالِيَ﴾ صفةً لـ «كلٍّ» فالتَّقدير: لكلِّ طائفةٍ جعلناهم موالي نصيبٌ ممَّا ترك هؤلاء، أو (٣) لكلِّ ميِّتٍ جعلنا ورثةً من هذا المتروك، وفيه أيضًا ضعفٌ؛ لخروج الأولاد عنه، وإن جُعِل التَّقدير: لكلِّ أحدٍ جعلنا موالي؛ فتكون «من» صلة ﴿مَوَالِيَ﴾ لأنَّهم في معنى الوُرَّاث (٤)، وفاعل ﴿تَرَكَ﴾: ضميرٌ يعود على «كلٍّ» و ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾: بيانُ الموالي، كأنَّه جواب من سأل عنهم، وسقط لأبي ذرِّ لفظ «الآية» (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الصَّنعانيُّ، كما قاله (٥) الكِرمانيُّ، أو هو (٦) معمر بن المثنَّى، كما قاله ابن حجرٍ: (﴿مَوَالِيَ﴾) أي: (أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً) بنصب الكلمتين تفسيرًا للموالي، وثبت لأبي ذرٍّ: «وقال معمرٌ» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «وقال معمرٌ: أولياءُ موالي» بالإضافة؛ نحو: شجرُ الأراك، والإضافة للبيان، «وأولياءُ ورثةٍ»؛ بالإضافة أيضًا (﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ وَهْوَ الحَلِيفُ) يعني: أولياء الميِّت الذين يلون ميراثه ويحوزونه على نوعين: وليٌّ بالإرث وهو (٧) ﴿الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ووليُّ الموالاة (٨) وعقد الولاة وهم ﴿الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وثبت: «أيمانكم» لأبي ذرٍّ (وَالمَوْلَى (٩) أَيْضًا: ابْنُ العَمِّ) قاله ابن جريرٍ (١٠) نقلًا عن العرب، وأنشد عليه قول الفضل (١١) بن العبَّاس:

مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينَا … لا تُظْهِرُنَّ لنَا ما كَانَ مَدْفُونَا

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
أستغفر الله