الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨٠
الحديث رقم ٤٥٨٠ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ، وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي زِنَةَ ذَرَّةٍ.
٤٥٨٠ - حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ذَلِكَ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتَمَرَّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَدْ جَزَمَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّعْبِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي اسْمِ ابْنِ أَبِي قَيْسٍ، فَالْأَوَّلُ قَالَ: قَيْسٌ، وَمُقَاتِلٌ قَالَ: حُصَيْنٌ، رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةٍ خَاصَّةٍ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي كَبْشَةَ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عَاصِمٍ مِنَ الْأَوْسِ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا، فَجَنَحَ عَلَيْهَا ابْنُهُ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي وَلَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَحْدَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمِنْ مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ: حَبَسَهَا عَصَبَتُهُ أَنْ تَنْكِحَ أَحَدًا حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثُوهَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أَسْبَاطٍ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ تَنْكِحَ إِلَّا مِنْهُمْ أَوْ بِإِذْنِهِمْ، نَعَمْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي التَّخْصِيصِ السَّابِقِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَةً أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمُهُ ثَوْبًا، فَمَنَعَهَا مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوتَ وَيَرِثَهَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا: كَانَ الرَّجُلُ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ الصَّدَاقَ وَزَادَ السُّدِّيُّ: إِنْ سَبَقَ الْوَارِثُ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ سَبَقَتْ هِيَ إِلَى أَهْلِهَا فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا.
٧ - بَاب وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا الآية
وَقَالَ مَعْمَرٌ: مَوَالِي: أَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ، عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهْوَ الْحَلِيفُ
وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ
٤٥٨٠ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً، وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ. سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ، إِدْرِيسَ، سَمِعَ إِدْرِيسُ، طَلْحَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ شَهِيدًا وَسَقَطَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي
ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَوْلِيَاءُ. ﴿مَوَالِيَ﴾ أَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ) أَيْ: بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ. (وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ) أَيْ: بِفَتْحِهَا (وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ) انْتَهَى. وَمَعْمَرٌ هَذَا بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَكُنْتُ أَظُنُّهُ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ إِلَى أَنْ رَأَيْتُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْمُهُ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَلَمْ أَرَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ: الْمَوَالِي الْأَوْلِيَاءُ؛ الْأَبُ وَالْأَخُ وَالِابْنُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَصَبَةِ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ: أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) فَالْمَوْلَى: ابْنُ الْعَمِّ. وَسَاقَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَنْشَدَ فِي الْمَوْلَى ابْنِ الْعَمِّ:
مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا
وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْمَوْلَى: الْمُحِبُّ، وَالْمَوْلَى: الْجَارُ، وَالْمَوْلَى: النَّاصِرُ، وَالْمَوْلَى: الصِّهْرُ، وَالْمَوْلَى: التَّابِعُ، وَالْمَوْلَى: الْقَرَارُ، وَالْمَوْلَى: الْوَلِيُّ، وَالْمَوْلَى: الْمُوَازِي. وَذَكَرُوا أَيْضًا الْعَمَّ وَالْعَبْدَ وَابْنَ الْأَخِ وَالشَّرِيكَ وَالنَّدِيمَ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ مُعَلِّمُ الْقُرْآنِ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ: مَنْ عَلَّمَ عَبْدًا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ مَوْلَاهُ الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ شُعْبَةَ: مَنْ كَتَبْتَ عَنْهُ حَدِيثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَنْ يَلِيكَ أَوْ وَالَاكَ فَهُوَ مَوْلًى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْكَفَالَةِ، وَأُحِيلَ بِشَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِدْرِيسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْفَقِيهِ الْكُوفِيِّ، وَإِدْرِيسُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) وَقَعَ فِي الْفَرَائِضِ: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ)، قَالَ: وَرَثَةً) هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنَ السَّلَفِ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلِكُلِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْآيَةَ تَقْدِيرًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ جَعَلْنَا لِكُلِّ مَيِّتٍ وَرَثَةً، تَرِثُ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلِكُلِّ مَالٍ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ جَعَلْنَا وَرَثَةً يَحُوزُونَهُ. فَعَلَى هَذَا كُلٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وَ: مِمَّا تَرَكَ صِفَةٌ لِكُلٍّ وَ: الْوَالِدَانِ فَاعِلُ تَرَكَ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْ سُمِعَ كَثِيرًا، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فَإِنَّ فَاطِرَ صِفَةُ اللَّهِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْنَاهُمْ مَوْلًى - أَيْ: وَرَثَةً - نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُمْ وَأَقْرَبُوهُمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلٍّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَ: نَصِيبٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَ: (جَعَلْنَاهُمْ) صِفَةٌ لِقَوْمِ وَ: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي حُذِفَ وَ: (نَصِيبٌ) صِفَتُهُ، وَكَذَا حُذِفَ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كُلٌّ وَبَقِيَتْ صِفَتُهُ، وَكَذَا حُذِفَ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُوفِ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْرِبُونَ، وَذَكَرُوا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّكَلُّفُ.
وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ كُلٌّ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ثُمَّ قَالَ (وَلِكُلٍّ) أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (جَعَلْنَا) أَيْ: قَدَّرْنَا (نَصِيبًا) أَيْ: مِيرَاثًا ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أَيْ: بِالْحَلِفِ أَوِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُؤَاخَاةِ، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ خِطَابٌ لِمَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، أَيْ: مَنْ وَلِيَ عَلَى مِيرَاثِ أَحَدٍ فَلْيُعْطِ لِكُلِّ مَنْ يَرِثُهُ نَصِيبَهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَّضِحِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْإِعْرَابُ وَيُتْرَكَ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّعَسُّفِ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَالمَوْلَى: المُنْعِمُ المُعْتِقُ) بكسر التَّاء: الذي أنعم على مرقوقه بالعتق (وَالمَوْلَى: المُعْتَقُ) بفتح التَّاء: الذي كان رقيقًا فمُنَّ عليه بالعتق (١) (وَالمَوْلَى: المَلِيكُ) لأنَّه يلي أمور النَّاس (وَالمَوْلَى: مَوْلًى فِي الدِّينِ) وقيل غير ذلك ممَّا يطول استقصاؤه.
٤٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصَّاد المهملة (٢) وسكون اللَّام آخره مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، الخاركيُّ -بخاءٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديِّ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بفتح الصَّاد المهملة وكسر الرَّاء، الياميِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) في قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً) وبه قال قتادة ومجاهدٌ وغيرهما (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]) أي: عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، قال ابن عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «المهاجريُّ» بزيادة مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مشدَّدةٍ (الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أي: أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ) بين المهاجرين والأنصار، وهذا كان في ابتداء الإسلام (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: وراثة الحليف بآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وروى الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان الرَّجل يعاقد الرَّجل، فإذا مات أحدهما (٣) ورثه الآخر، فأنزل الله ﷿: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (٤) [الأحزاب: ٦]» ومن طريق قتادة:
«كان الرَّجل يعاقد الرَّجل في الجاهليَّة فيقول: دمي دمُك، وتَرِثني وأَرِثُك، فلمَّا جاء الإسلام؛ أُمِرُوا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السُّدس، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾» وهذا هو المعتمد، ويُحتَمل أن يكون النَّسخ وقع مرَّتين: الأولى: حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة، فنزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) فصاروا جميعًا يرثون، وعلى هذا يَتَنَّزل (٢) حديث ابن عبَّاسٍ، ثمَّ نُسِخ ذلك بآية (٣) الأحزاب، وخُصَّ الميراث بالعصبة، قاله في «الفتح» (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ، وَالرِّفَادَةِ) بكسر الرَّاء، أي: المعاونة (وَالنَّصِيحَةِ) والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ، أي: والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم، كما صرَّح به الطَّبريُّ في روايته عن كُرَيبٍ عن أبي أسامة بهذا الإسناد (وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ) بين المتعاقدين (وَيُوصِي لَهُ) بكسر الصَّاد، أي: للحليف.
وهذا الحديث قد (٤) سبق في «باب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٢].
(سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديَّ (وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ) بن مُصرِّف، وفيه التَّصريح بالتَّحديث، ولم يثبت هذا إلَّا في رواية أبي ذرٍّ عن (٥) المُستملي والكُشْميهَنيِّ، كما في الفرع كأصله (٦)، وقال ابن حجرٍ: في رواية المُستملي وحده، وتبعه العينيُّ.
(٨) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين كذا لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بزيادة «قوله» مع الإضافة: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]) أي: لا يُنقِص من ثواب أعمالهم ذرَّةً (يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) والذَّرة في الأصل: أصغر النَّمل التي لا وزن لها، وقيل: ما يرفعه الرِّيح من التُّراب،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ذَلِكَ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتَمَرَّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَدْ جَزَمَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّعْبِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي اسْمِ ابْنِ أَبِي قَيْسٍ، فَالْأَوَّلُ قَالَ: قَيْسٌ، وَمُقَاتِلٌ قَالَ: حُصَيْنٌ، رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةٍ خَاصَّةٍ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي كَبْشَةَ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عَاصِمٍ مِنَ الْأَوْسِ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا، فَجَنَحَ عَلَيْهَا ابْنُهُ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي وَلَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَحْدَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمِنْ مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ: حَبَسَهَا عَصَبَتُهُ أَنْ تَنْكِحَ أَحَدًا حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثُوهَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أَسْبَاطٍ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ تَنْكِحَ إِلَّا مِنْهُمْ أَوْ بِإِذْنِهِمْ، نَعَمْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي التَّخْصِيصِ السَّابِقِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَةً أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمُهُ ثَوْبًا، فَمَنَعَهَا مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوتَ وَيَرِثَهَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا: كَانَ الرَّجُلُ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ الصَّدَاقَ وَزَادَ السُّدِّيُّ: إِنْ سَبَقَ الْوَارِثُ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ سَبَقَتْ هِيَ إِلَى أَهْلِهَا فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا.
٧ - بَاب وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا الآية
وَقَالَ مَعْمَرٌ: مَوَالِي: أَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ، عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهْوَ الْحَلِيفُ
وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ
٤٥٨٠ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً، وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ. سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ، إِدْرِيسَ، سَمِعَ إِدْرِيسُ، طَلْحَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ شَهِيدًا وَسَقَطَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي
ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَوْلِيَاءُ. ﴿مَوَالِيَ﴾ أَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ) أَيْ: بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ. (وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ) أَيْ: بِفَتْحِهَا (وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ) انْتَهَى. وَمَعْمَرٌ هَذَا بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَكُنْتُ أَظُنُّهُ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ إِلَى أَنْ رَأَيْتُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْمُهُ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَلَمْ أَرَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ: الْمَوَالِي الْأَوْلِيَاءُ؛ الْأَبُ وَالْأَخُ وَالِابْنُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَصَبَةِ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ: أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) فَالْمَوْلَى: ابْنُ الْعَمِّ. وَسَاقَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَنْشَدَ فِي الْمَوْلَى ابْنِ الْعَمِّ:
مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا
وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْمَوْلَى: الْمُحِبُّ، وَالْمَوْلَى: الْجَارُ، وَالْمَوْلَى: النَّاصِرُ، وَالْمَوْلَى: الصِّهْرُ، وَالْمَوْلَى: التَّابِعُ، وَالْمَوْلَى: الْقَرَارُ، وَالْمَوْلَى: الْوَلِيُّ، وَالْمَوْلَى: الْمُوَازِي. وَذَكَرُوا أَيْضًا الْعَمَّ وَالْعَبْدَ وَابْنَ الْأَخِ وَالشَّرِيكَ وَالنَّدِيمَ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ مُعَلِّمُ الْقُرْآنِ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ: مَنْ عَلَّمَ عَبْدًا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ مَوْلَاهُ الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ شُعْبَةَ: مَنْ كَتَبْتَ عَنْهُ حَدِيثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَنْ يَلِيكَ أَوْ وَالَاكَ فَهُوَ مَوْلًى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْكَفَالَةِ، وَأُحِيلَ بِشَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِدْرِيسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْفَقِيهِ الْكُوفِيِّ، وَإِدْرِيسُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) وَقَعَ فِي الْفَرَائِضِ: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ)، قَالَ: وَرَثَةً) هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنَ السَّلَفِ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلِكُلِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْآيَةَ تَقْدِيرًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ جَعَلْنَا لِكُلِّ مَيِّتٍ وَرَثَةً، تَرِثُ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلِكُلِّ مَالٍ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ جَعَلْنَا وَرَثَةً يَحُوزُونَهُ. فَعَلَى هَذَا كُلٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وَ: مِمَّا تَرَكَ صِفَةٌ لِكُلٍّ وَ: الْوَالِدَانِ فَاعِلُ تَرَكَ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْ سُمِعَ كَثِيرًا، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فَإِنَّ فَاطِرَ صِفَةُ اللَّهِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْنَاهُمْ مَوْلًى - أَيْ: وَرَثَةً - نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُمْ وَأَقْرَبُوهُمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلٍّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَ: نَصِيبٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَ: (جَعَلْنَاهُمْ) صِفَةٌ لِقَوْمِ وَ: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي حُذِفَ وَ: (نَصِيبٌ) صِفَتُهُ، وَكَذَا حُذِفَ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كُلٌّ وَبَقِيَتْ صِفَتُهُ، وَكَذَا حُذِفَ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُوفِ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْرِبُونَ، وَذَكَرُوا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّكَلُّفُ.
وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ كُلٌّ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ثُمَّ قَالَ (وَلِكُلٍّ) أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (جَعَلْنَا) أَيْ: قَدَّرْنَا (نَصِيبًا) أَيْ: مِيرَاثًا ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أَيْ: بِالْحَلِفِ أَوِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُؤَاخَاةِ، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ خِطَابٌ لِمَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، أَيْ: مَنْ وَلِيَ عَلَى مِيرَاثِ أَحَدٍ فَلْيُعْطِ لِكُلِّ مَنْ يَرِثُهُ نَصِيبَهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَّضِحِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْإِعْرَابُ وَيُتْرَكَ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّعَسُّفِ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَالمَوْلَى: المُنْعِمُ المُعْتِقُ) بكسر التَّاء: الذي أنعم على مرقوقه بالعتق (وَالمَوْلَى: المُعْتَقُ) بفتح التَّاء: الذي كان رقيقًا فمُنَّ عليه بالعتق (١) (وَالمَوْلَى: المَلِيكُ) لأنَّه يلي أمور النَّاس (وَالمَوْلَى: مَوْلًى فِي الدِّينِ) وقيل غير ذلك ممَّا يطول استقصاؤه.
٤٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصَّاد المهملة (٢) وسكون اللَّام آخره مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، الخاركيُّ -بخاءٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديِّ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بفتح الصَّاد المهملة وكسر الرَّاء، الياميِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) في قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً) وبه قال قتادة ومجاهدٌ وغيرهما (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]) أي: عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، قال ابن عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «المهاجريُّ» بزيادة مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مشدَّدةٍ (الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أي: أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ) بين المهاجرين والأنصار، وهذا كان في ابتداء الإسلام (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: وراثة الحليف بآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وروى الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان الرَّجل يعاقد الرَّجل، فإذا مات أحدهما (٣) ورثه الآخر، فأنزل الله ﷿: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (٤) [الأحزاب: ٦]» ومن طريق قتادة:
«كان الرَّجل يعاقد الرَّجل في الجاهليَّة فيقول: دمي دمُك، وتَرِثني وأَرِثُك، فلمَّا جاء الإسلام؛ أُمِرُوا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السُّدس، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالميراث، فقال: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾» وهذا هو المعتمد، ويُحتَمل أن يكون النَّسخ وقع مرَّتين: الأولى: حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة، فنزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) فصاروا جميعًا يرثون، وعلى هذا يَتَنَّزل (٢) حديث ابن عبَّاسٍ، ثمَّ نُسِخ ذلك بآية (٣) الأحزاب، وخُصَّ الميراث بالعصبة، قاله في «الفتح» (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ، وَالرِّفَادَةِ) بكسر الرَّاء، أي: المعاونة (وَالنَّصِيحَةِ) والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ، أي: والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم، كما صرَّح به الطَّبريُّ في روايته عن كُرَيبٍ عن أبي أسامة بهذا الإسناد (وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ) بين المتعاقدين (وَيُوصِي لَهُ) بكسر الصَّاد، أي: للحليف.
وهذا الحديث قد (٤) سبق في «باب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٢].
(سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بن أسامة (إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديَّ (وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ) بن مُصرِّف، وفيه التَّصريح بالتَّحديث، ولم يثبت هذا إلَّا في رواية أبي ذرٍّ عن (٥) المُستملي والكُشْميهَنيِّ، كما في الفرع كأصله (٦)، وقال ابن حجرٍ: في رواية المُستملي وحده، وتبعه العينيُّ.
(٨) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين كذا لأبي ذرٍّ، وله عن المُستملي: «بابُ قولِهِ» بزيادة «قوله» مع الإضافة: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]) أي: لا يُنقِص من ثواب أعمالهم ذرَّةً (يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) والذَّرة في الأصل: أصغر النَّمل التي لا وزن لها، وقيل: ما يرفعه الرِّيح من التُّراب،