«أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨١

الحديث رقم ٤٥٨١ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله إن الله لا يظلم مثقال ذرة يعني زنة ذرة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٨١ في صحيح البخاري

«أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ

⦗٤٥⦘

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ : مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمَُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ، وَغُبَّرَاتُِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ، كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ، تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا».

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، ﴿سَعِيرًا﴾: وُقُودًا.

إسناد حديث رقم ٤٥٨١ من صحيح البخاري

٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٨١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ) هَكَذَا حَمَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَنْ آخَى النَّبِيُّ بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَهَا غَيْرُهُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ نَسَبٌ فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَرِثُهُ، وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نَاسِخَ مِيرَاثِ الْحَلِيفِ هَذِهِ الْآيَةُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا، يَقُولُ: إِلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِكُمُ الَّذِينَ عَاقَدْتُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ السُّدُسُ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْمِيرَاثِ فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وَمِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى: حَيْثُ كَانَ الْمُعَاقِدُ يَرِثُ وَحْدَهُ دُونَ الْعَصَبَةِ، فَنَزَلَتْ (وَلِكُلٍّ) وَهِيَ آيَةُ الْبَابِ، فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ الْأَحْزَابِ، وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْعَصَبَةِ، وَبَقِيَ لِلْمُعَاقِدِ النَّصْرُ وَالْإِرْفَادُ وَنَحْوُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ بَقِيَّةُ الْآثَارِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ أَيْضًا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ النَّاسِخَ الثَّانِيَ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصَى لَهُ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) مِنَ النَّصْرِ إِلَخْ، فَقَوْلُهُ: مِنَ النَّصْرِ يَتَعَلَّقُ بِآتُوهُمْ لَا بِعَاقَدَتْ وَلَا بِأَيْمَانِكُمْ، وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ، وَالرِّفَادَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ: الْإِعَانَةُ بِالْعَطِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ، إِدْرِيسَ. وَسَمِعَ إِدْرِيسُ، طَلْحَةَ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَنْ وَقَعَ عِنْدَهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ لِأَبِي أُسَامَةَ مِنْ إِدْرِيسَ، وَلِإِدْرِيسَ مِنْ طَلْحَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٨ - بَاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ

٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ : نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهِ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهِ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ : مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقيل: كلُّ جزءٍ من أجزاء الهباء في الكوَّة ذرَّةٌ، ويقال: زنتها ربع ورقة نخالةٍ، وورقة النِّخالة: وزن ربع خردلةٍ، ووزن الخردلة: ربع سمسمةٍ، ويقال: لا وزن لها.

٤٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الرَّمليُّ يعرف بابن الواسطيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَبُو عُمَرَ) بضمِّ العين (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ المَيْمَنة، العقيليُّ -بالضمِّ- الصَّنعانيُّ نزيل عسقلان (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ، مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ أُنَاسًا) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر: «ناسًا» بحذفها (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ : نَعَمْ) ترونه، وهذه رؤية الامتحان المميِّزة بين من عَبَدَ الله وبين

من عبد غيره، لا رؤية الكرامة التي هي ثواب أوليائه في الجنة (هَلْ تُضَارُّونَ) بضمِّ أوَّله ورائه مشَّددةٍ بصيغة المفاعلة، أي: لا تضرُّون أحدًا ولا يضرُّكم لمنازعةٍ ولا مجادلةٍ ولا مضايقةٍ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) ثم أكَّده بقوله: (بِالظَّهِيرَةِ) وهي اشتداد حرِّ الشَّمس بالنَّهار في الصَّيف (ضَوْءٌ) بالرَّفع، وأعربه في «الكواكب» بالجرِّ بدلًا ممَّا قبله، ولمسلمٍ: «صحوًا»، ثمَّ زاده تأكيدًا بقوله: (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) هي كالظَّهيرة في الشَّمس (ضَوْءٌ) بالرَّفع (١) أو (٢) بالجرِّ كما مرَّ (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا) كَذَا فِي حَاشية الفرع بالتَّكرار مصحَّحًا عليه، وليس في «اليونينيَّة» وهو تكرارٌ لا فائدة فيه، ولعلَّه سهوٌ فيما يظهر (قَالَ النَّبِيُّ : مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) التَّشبيه الواقع هنا إنَّما هو في الوضوح وزوال الشَّكِّ، لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المُحْدَثات، فالرؤية له تعالى حقيقةٌ، لكنَّا لا نكيِّفها بل نَكِل كُنْهَ معرفتها إلى علمه تعالى (إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ؛ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي: نادى منادٍ (تَتْبَعُْ (٣)) بسكون المثنَّاة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «تتَّبِعُْ» بتشديدها، وله عن المُستملي: «فَتَتْبَعُْ» بزيادة فاءٍ مع سكون الفوقيَّة والرَّفع في كلِّها، ويجوز الجزم بتقدير اللَّام (كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ) جمع صَنَمٍ: ما عُبِد من دون الله

(وَالأَنْصَابِ) جمع نُصْبٍ: حجارةٌ كانت تُعبَد من دون الله (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ بَرٌّ) هو مطيعٌ لربِّه (أَوْ فَاجِرٌ) منهمكٌ في المعاصي والفجور (وَغُبَّرَاتُِ أَهْلِ الكِتَابِ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الموحَّدة المفتوحة بعدها راءٌ، بالرَّفع والجرِّ مع الإضافة فيهما لأبي ذرٍّ، وبالجرِّ منوَّنًا للأصيليِّ (١)، أي: بقايا أهل الكتاب (فَيُدْعَى اليَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما» (كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ) في كونه ابن الله، ويلزم منه (٢) نفي عبادة (٣) ابن الله (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي: تطلبون (فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا) بإسقاط أداة النِّداء (فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ) أي: إليهم (أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ) بالسِّين المهملة، هو الذي تراه نصف النَّهار في الأرض القفر (٤) والقاع المستوي في (٥) الحرِّ الشَّديد لَامِعًا مثل الماء ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] (يَحْطِمُ) بكسر الطَّاء المهملة، أي: يكسر (بَعْضَهَا بَعْضًا) لشدة اتِّقادها (٦) وتلاطم أمواج لهبها (فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ (٧) كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ) أي: فقالوا (٨): عطشنا ربَّنا … إلى آخره، (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ؛ أَتَاهُمْ

رَبُّ العَالَمِينَ) أي: ظهر لهم وأشهَدَهُم (١) رؤيته من غير تكييفٍ ولا حركةٍ ولا (٢) انتقالٍ (فِي أَدْنَى صُورَةٍ) أي: أقرب صفةٍ (مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ) أي: عرفوه (فِيهَا) بأنَّه لا يُشْبِه شيئًا من المُحْدَثات، زاد في نسخة: «أوَّل مرةٍ» (فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟! تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ) الذين زاغوا (٣) عن الطَّاعة (فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ) أي: أحوج (مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ) في معايشنا ومصالح (٤) دنيانا (وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) بل قاطعناهم (٥) (وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ) في الدُّنيا (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ) -زاد مسلمٌ في روايته-: نعوذ بالله منك (لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا؛ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) وإنَّما قالوا ذلك؛ لأنَّه تجلَّى لهم بصفةٍ لم يعرفوها، وقال الخطَّابيُّ: قيل: إنَّما حجبهم عن تحقيق الرُّؤية في هذه الكرَّة من أجل مَنْ معهم من المنافقين الذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهم عن ربِّهم محجوبون، فإذا تميَّزوا عنهم؛ رُفِعَت الحُجُب، فيقولون عندما يرونه: أنت ربُّنا.

وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محلِّها [خ¦٧٤٣٧].

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؟) استفهام توبيخٍ، أي: فكيف حال هؤلاء الكفَّار أو صنيعهم إذا جئنا من كلٍّ أمَّةٍ بنبيِّهم يشهد على كفرهم، كقوله (٦) تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فـ ﴿كَيْفَ﴾ في موضع رفعٍ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والعامل في ﴿إِذَا﴾ هو هذا المقدَّر، أو في محلِّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ، أي: فكيف يكونون أو يصنعون؟! ويجري فيها الوجهان؛ النَّصب على التَّشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو

على التَّشبيه بالظَّرفيَّة، كما هو مذهب الأخفش؛ وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ أيضًا، و ﴿مِن كُلِّ أمَّةٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿جِئْنَا﴾ والمعنى: أنَّه يُؤتَى بنبيِّ كلِّ أمَّةٍ يشهد عليها ولها (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمَّد (﴿عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾؟ [النساء: ٤١]) أي: تشهد على صدق هؤلاء الشُّهداء لحصولِ علمك بعقائدهم؛ لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم، وقال أبو حيَّان: الأظهر أنَّ هذه الجملة في موضع جرٍّ عطفًا على ﴿جِئْنَا﴾ الأوَّل، أي: فكيف يصنعون في وقت المجيئَين؟!

(المُخْتَالُ وَالخَتَّالُ) بفتح الخاء المعجمة والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة؛ معناهما (وَاحِدٌ) كذا في رواية الأكثر، ولا ينتظم هذا مع المختال؛ لأنَّ المختال: هو صاحب الخيلاء والكبر، فهو «مفتعلٌ (١)» من الخيلاء، وأمَّا «ختَّال» فهو «فعَّال»، من الختل وهو الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى: المختال المراد به: المتكبِّر، وللأصيليِّ: «والخال» بدون الفوقيَّة بدل «الختَّال» وصوَّبه غير واحدٍ؛ لأنَّه يُطلَق على معانٍ، فيكون بمعنى: الخائل وهو المتكبِّر، وقال اليونينيُّ (٢): وعند أبي ذرٍّ: «والختَّال» بالخاء والتَّاء ثالث (٣) الحروف في الأصل الذي قابلت به، وأنكر ذلك شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالكٍ، قال: والصَّواب: «والخال» بغير تاءٍ. انتهى. ومراده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].

(﴿نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]) أي: (نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ) حقيقةً، أو هو تمثيلٌ وليس المراد حقيقته حسًّا، وأسند الطَّبريُّ عن قتادة المراد: أن (٤) تعود الأوجه في الأقفية، يقال: (طَمَسَ الكِتَابَ): إذا (مَحَاهُ) ومُراده: قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فنطمس هنا: نُصِبَ على الحكاية كما لا يخفى.

وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ﴾ (﴿سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥]) أي: (وُقُودًا) ولأبي ذرٍّ: «جهنَّم سعيرًا وقودًا» (٥) ولا محلَّ لسياق هذه الآيات هنا، فيُحتَمل أن يكون من النُّساخ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ) هَكَذَا حَمَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَنْ آخَى النَّبِيُّ بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَهَا غَيْرُهُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ نَسَبٌ فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَرِثُهُ، وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نَاسِخَ مِيرَاثِ الْحَلِيفِ هَذِهِ الْآيَةُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا، يَقُولُ: إِلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِكُمُ الَّذِينَ عَاقَدْتُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ السُّدُسُ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْمِيرَاثِ فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وَمِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى: حَيْثُ كَانَ الْمُعَاقِدُ يَرِثُ وَحْدَهُ دُونَ الْعَصَبَةِ، فَنَزَلَتْ (وَلِكُلٍّ) وَهِيَ آيَةُ الْبَابِ، فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ الْأَحْزَابِ، وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْعَصَبَةِ، وَبَقِيَ لِلْمُعَاقِدِ النَّصْرُ وَالْإِرْفَادُ وَنَحْوُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ بَقِيَّةُ الْآثَارِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ أَيْضًا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ النَّاسِخَ الثَّانِيَ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصَى لَهُ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) مِنَ النَّصْرِ إِلَخْ، فَقَوْلُهُ: مِنَ النَّصْرِ يَتَعَلَّقُ بِآتُوهُمْ لَا بِعَاقَدَتْ وَلَا بِأَيْمَانِكُمْ، وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ، وَالرِّفَادَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ: الْإِعَانَةُ بِالْعَطِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ، إِدْرِيسَ. وَسَمِعَ إِدْرِيسُ، طَلْحَةَ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَنْ وَقَعَ عِنْدَهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ لِأَبِي أُسَامَةَ مِنْ إِدْرِيسَ، وَلِإِدْرِيسَ مِنْ طَلْحَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٨ - بَاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ

٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ : نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهِ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهِ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ : مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقيل: كلُّ جزءٍ من أجزاء الهباء في الكوَّة ذرَّةٌ، ويقال: زنتها ربع ورقة نخالةٍ، وورقة النِّخالة: وزن ربع خردلةٍ، ووزن الخردلة: ربع سمسمةٍ، ويقال: لا وزن لها.

٤٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الرَّمليُّ يعرف بابن الواسطيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَبُو عُمَرَ) بضمِّ العين (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ المَيْمَنة، العقيليُّ -بالضمِّ- الصَّنعانيُّ نزيل عسقلان (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ، مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ أُنَاسًا) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر: «ناسًا» بحذفها (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ : نَعَمْ) ترونه، وهذه رؤية الامتحان المميِّزة بين من عَبَدَ الله وبين

من عبد غيره، لا رؤية الكرامة التي هي ثواب أوليائه في الجنة (هَلْ تُضَارُّونَ) بضمِّ أوَّله ورائه مشَّددةٍ بصيغة المفاعلة، أي: لا تضرُّون أحدًا ولا يضرُّكم لمنازعةٍ ولا مجادلةٍ ولا مضايقةٍ (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ) ثم أكَّده بقوله: (بِالظَّهِيرَةِ) وهي اشتداد حرِّ الشَّمس بالنَّهار في الصَّيف (ضَوْءٌ) بالرَّفع، وأعربه في «الكواكب» بالجرِّ بدلًا ممَّا قبله، ولمسلمٍ: «صحوًا»، ثمَّ زاده تأكيدًا بقوله: (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) هي كالظَّهيرة في الشَّمس (ضَوْءٌ) بالرَّفع (١) أو (٢) بالجرِّ كما مرَّ (لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا) كَذَا فِي حَاشية الفرع بالتَّكرار مصحَّحًا عليه، وليس في «اليونينيَّة» وهو تكرارٌ لا فائدة فيه، ولعلَّه سهوٌ فيما يظهر (قَالَ النَّبِيُّ : مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) التَّشبيه الواقع هنا إنَّما هو في الوضوح وزوال الشَّكِّ، لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المُحْدَثات، فالرؤية له تعالى حقيقةٌ، لكنَّا لا نكيِّفها بل نَكِل كُنْهَ معرفتها إلى علمه تعالى (إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ؛ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي: نادى منادٍ (تَتْبَعُْ (٣)) بسكون المثنَّاة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «تتَّبِعُْ» بتشديدها، وله عن المُستملي: «فَتَتْبَعُْ» بزيادة فاءٍ مع سكون الفوقيَّة والرَّفع في كلِّها، ويجوز الجزم بتقدير اللَّام (كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ) جمع صَنَمٍ: ما عُبِد من دون الله

(وَالأَنْصَابِ) جمع نُصْبٍ: حجارةٌ كانت تُعبَد من دون الله (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ بَرٌّ) هو مطيعٌ لربِّه (أَوْ فَاجِرٌ) منهمكٌ في المعاصي والفجور (وَغُبَّرَاتُِ أَهْلِ الكِتَابِ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الموحَّدة المفتوحة بعدها راءٌ، بالرَّفع والجرِّ مع الإضافة فيهما لأبي ذرٍّ، وبالجرِّ منوَّنًا للأصيليِّ (١)، أي: بقايا أهل الكتاب (فَيُدْعَى اليَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما» (كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ) في كونه ابن الله، ويلزم منه (٢) نفي عبادة (٣) ابن الله (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي: تطلبون (فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا) بإسقاط أداة النِّداء (فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ) أي: إليهم (أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ) بالسِّين المهملة، هو الذي تراه نصف النَّهار في الأرض القفر (٤) والقاع المستوي في (٥) الحرِّ الشَّديد لَامِعًا مثل الماء ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] (يَحْطِمُ) بكسر الطَّاء المهملة، أي: يكسر (بَعْضَهَا بَعْضًا) لشدة اتِّقادها (٦) وتلاطم أمواج لهبها (فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ (٧) كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ) أي: فقالوا (٨): عطشنا ربَّنا … إلى آخره، (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ؛ أَتَاهُمْ

رَبُّ العَالَمِينَ) أي: ظهر لهم وأشهَدَهُم (١) رؤيته من غير تكييفٍ ولا حركةٍ ولا (٢) انتقالٍ (فِي أَدْنَى صُورَةٍ) أي: أقرب صفةٍ (مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ) أي: عرفوه (فِيهَا) بأنَّه لا يُشْبِه شيئًا من المُحْدَثات، زاد في نسخة: «أوَّل مرةٍ» (فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟! تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ) الذين زاغوا (٣) عن الطَّاعة (فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ) أي: أحوج (مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ) في معايشنا ومصالح (٤) دنيانا (وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) بل قاطعناهم (٥) (وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ) في الدُّنيا (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ) -زاد مسلمٌ في روايته-: نعوذ بالله منك (لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا؛ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) وإنَّما قالوا ذلك؛ لأنَّه تجلَّى لهم بصفةٍ لم يعرفوها، وقال الخطَّابيُّ: قيل: إنَّما حجبهم عن تحقيق الرُّؤية في هذه الكرَّة من أجل مَنْ معهم من المنافقين الذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهم عن ربِّهم محجوبون، فإذا تميَّزوا عنهم؛ رُفِعَت الحُجُب، فيقولون عندما يرونه: أنت ربُّنا.

وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محلِّها [خ¦٧٤٣٧].

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؟) استفهام توبيخٍ، أي: فكيف حال هؤلاء الكفَّار أو صنيعهم إذا جئنا من كلٍّ أمَّةٍ بنبيِّهم يشهد على كفرهم، كقوله (٦) تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فـ ﴿كَيْفَ﴾ في موضع رفعٍ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والعامل في ﴿إِذَا﴾ هو هذا المقدَّر، أو في محلِّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ، أي: فكيف يكونون أو يصنعون؟! ويجري فيها الوجهان؛ النَّصب على التَّشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو

على التَّشبيه بالظَّرفيَّة، كما هو مذهب الأخفش؛ وهو العامل في ﴿إِذَا﴾ أيضًا، و ﴿مِن كُلِّ أمَّةٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿جِئْنَا﴾ والمعنى: أنَّه يُؤتَى بنبيِّ كلِّ أمَّةٍ يشهد عليها ولها (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمَّد (﴿عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾؟ [النساء: ٤١]) أي: تشهد على صدق هؤلاء الشُّهداء لحصولِ علمك بعقائدهم؛ لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم، وقال أبو حيَّان: الأظهر أنَّ هذه الجملة في موضع جرٍّ عطفًا على ﴿جِئْنَا﴾ الأوَّل، أي: فكيف يصنعون في وقت المجيئَين؟!

(المُخْتَالُ وَالخَتَّالُ) بفتح الخاء المعجمة والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة؛ معناهما (وَاحِدٌ) كذا في رواية الأكثر، ولا ينتظم هذا مع المختال؛ لأنَّ المختال: هو صاحب الخيلاء والكبر، فهو «مفتعلٌ (١)» من الخيلاء، وأمَّا «ختَّال» فهو «فعَّال»، من الختل وهو الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى: المختال المراد به: المتكبِّر، وللأصيليِّ: «والخال» بدون الفوقيَّة بدل «الختَّال» وصوَّبه غير واحدٍ؛ لأنَّه يُطلَق على معانٍ، فيكون بمعنى: الخائل وهو المتكبِّر، وقال اليونينيُّ (٢): وعند أبي ذرٍّ: «والختَّال» بالخاء والتَّاء ثالث (٣) الحروف في الأصل الذي قابلت به، وأنكر ذلك شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالكٍ، قال: والصَّواب: «والخال» بغير تاءٍ. انتهى. ومراده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].

(﴿نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]) أي: (نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ) حقيقةً، أو هو تمثيلٌ وليس المراد حقيقته حسًّا، وأسند الطَّبريُّ عن قتادة المراد: أن (٤) تعود الأوجه في الأقفية، يقال: (طَمَسَ الكِتَابَ): إذا (مَحَاهُ) ومُراده: قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فنطمس هنا: نُصِبَ على الحكاية كما لا يخفى.

وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ﴾ (﴿سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥]) أي: (وُقُودًا) ولأبي ذرٍّ: «جهنَّم سعيرًا وقودًا» (٥) ولا محلَّ لسياق هذه الآيات هنا، فيُحتَمل أن يكون من النُّساخ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله