الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٩٦
الحديث رقم ٤٥٩٦ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾
٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ :
روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من المسلمين كانوا يقفون مع المشركين في القتال، يُكثِّرون عدد المشركين وجماعتهم، وهم ممن لم يهاجر، فيصيبهم السهم فيقتلهم، أو يُضربون فيُقتلون، فأنزل الله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية، ومع أنهم لا يوافقونهم في قلوبهم إلا أنهم كانوا ظالمين لأنفسهم؛ لأنهم زادوا المشركين قوة بوجودهم معهم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فَهُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ وَلَهُ هُوَ رُؤْيَةٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثَيْ سَهْلِ وَالْبَرَاءِ فَقَالَ: الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي الشَّيْءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا مِثْلَهُ، وَزَادَ: لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَيَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: دَرَجَةً إِلَخْ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: دَرَجَةً وَوَقَعَ عِنْدَهُ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ابْنِ جَحْشٍ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَاسْمُهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قَالَ: عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَحَاصِلُ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وَأَمَّا أُولُو الضَّرَرِ فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْلِ بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً؛ أَيْ: مِنْ أُولِي الضَّرَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنِ اسْتِوَاءِ أُولِي الضَّرَرِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهَا اسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالَهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْجِهَادِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ، وَتَقْرِيبُهُ، وَتَقْيِيدُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابَةِ.
١٩ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ
٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يرمى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ.
[الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في: ٧٠٨٥]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾) ملك الموت وأعوانه، وهم ستَّةٌ؛ ثلاثةٌ: لقبض (١) أرواح المؤمنين، وثلاثةٌ: للكفار، أو المراد: ملك الموت وحده، وذُكِر بلفظ الجمع للتَّعظيم، أي: توفَّاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) ويصلح ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون للماضي، وذُكِر الفعل لأنَّه فعل جمعٍ، وللاستقبال، أي: الذين تتوفَّاهم، حُذِفت التَّاء الثَّانية؛ لاجتماع المثلين، قال في «فتوح الغيب»: إذا حُمِل على الاستقبال؛ يكون من باب حكاية الحال الماضية (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة لهم: (﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾) من أمر الدِّين (٢) في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسُّؤال للتَّوبيخ؛ يعني: لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنُّصرة؟ (﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾) أي: عاجزين (﴿فِي الأَرْضِ﴾) لا نقدر على الخروج من مكَّة (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة: (﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: إلى المدينة، وتخرجوا من بين أظهر المشركين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قَالْوَاْ (٣) كُنَّا﴾ … » إلى آخره، وسقط الباب من أكثر النُّسخ، وثبت في بعضها.
٤٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ) بالهمزة، أبو عبد الرَّحمن المكِّيُّ -أصله من البصرة أو الأهواز، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنةً، وهو من كبار شيوخ البخاريِّ- قال: (حَدَّثَنَا
حَيْوَةُ) بفتح (١) المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الواو، ابن شُرَيحٍ؛ بالشِّين المعجمة المضمومة والرَّاء المفتوحة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ، أبو زرعة التُّجِيبيُّ -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم- المصريُّ (٢) (وَغَيْرُهُ) هو ابن لهيعة المصريُّ، كما أخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن نوفلٍ الأسديُّ (أَبُو الأَسْوَدِ) يتيم عروة بن الزُّبير (قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: أُلزِموا بإخراج جيشٍ لقتال أهل الشَّام، في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية وسكون الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ) بأنِّي اكتُتِبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ) سمَّى ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» من طريق ابن جُريجٍ عن عكرمة، ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق: عمرَو بنَ أمية بن خلفٍ، والعاص بن منبِّه (٣) بن الحجَّاج، والحارث بن زمعة، وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جُريجٍ: أبا (٤) قيس بن الوليد بن المغيرة، وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوَّارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: الوليدَ بنَ عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلفٍ (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «على عهد رسول الله» (ﷺ) وفي رواية أشعث المذكورة: أنَّهم خرجوا إلى بدرٍ، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين؛ دخلهم شكٌّ وقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فقُتِلوا ببدرٍ (يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «يُرمَى» بإسقاط الفاء، ولأبي ذرٍّ: «يُدْمَى» «بالدَّال» بدل: «الرَّاء»، (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ) نصبٌ على المفعولية (فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ) بضمِّ حرف المضارعة من الفعلين وفتح ثالثهما، قال في «الكواكب الدَّراريِّ»: وغرض عكرمة أنَّ الله ذمَّ من كثَّر (٥) سواد المشركين مع أنَّهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، فكذلك أنت لا تكثِّر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنَّهم لا يقاتلون
في سبيل الله (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم.
(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من طريق أبي صالحٍ كاتب اللَّيث عن اللَّيث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) عن عكرمة، لكن بدون قصَّة أبي الأسود، وعند الطَّبريِّ (١) وابن أبي حاتمٍ من طريق عمرو بن دينارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، وكانوا يُخفُون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدرٍ، فأُصِيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت، فكَتَبوا بها إلى من بقي من المسلمين، وأنَّه (٢) لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ﴾ الاية [البقرة: ٨] فكُتِب إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا وقُتِل من قُتِل» وعن سَمُرة: قال رسول الله ﷺ: «من جامع المشرك أو (٣) سكن معه فإنه مثله» رواه أبو داود.
(٢٠) (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في قوله تعالى: «﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾» استثناءٌ من قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] فيكون الاستثناء متَّصلًا، كأنَّه قيل: فأولئك في جهنَّم إلَّا المستضعفين، والصَّحيح أنَّه منقطعٌ؛ لأنَّ الضَّمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائدٌ على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ وهؤلاء المتوفُّون إمَّا كفَّارًا أو عصاةً بالتَّخلُّف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون، فكان منقطعًا (﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾) الذين (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾) في الخروج من مكَّة؛ لعجزهم وفقرهم (﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨]) ولا معرفة لهم بالمسالك من مكَّة إلى المدينة، واستشكل إدخال ﴿الْوِلْدَانِ﴾ في جملة المستثنين من أهل الوعيد؛ لأنَّه يُوهِم دخول الولدان
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو بِالْعَكْسِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الحَدِيث الأول: مشْعر بِأَن ابْن أم مَكْتُوم جَاءَ حَالَة الإملال، وَالثَّانِي: بِأَنَّهُ جَاءَ بعد الْكِتَابَة. وَالثَّالِث: بِأَنَّهُ كَانَ جَالِسا خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ أجَاب بقوله: لَا مُنَافَاة إِذْ معنى كتبهَا، كتب بعض الْآيَة، وَهُوَ نَحْو: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} مثلا. وَأما جَاءَ يَعْنِي قَوْله: وَأما حَقِيقَة، وَالْمرَاد جَاءَ وَجلسَ خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو بِالْعَكْسِ، وَإِمَّا مجَاز عَن تكلم وَدخل فِي الْبَحْث. قَوْله: (فَنزلت مَكَانهَا) أَي: فِي مَكَان الْكِتَابَة، وَالْمَقْصُود نزلت فِي تِلْكَ الْحَالة (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر) وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، هَبَط وَرجع قبل أَن يجِف الْقَلَم.
٤٥٩٥ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرَنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ ح وحَدثني إسْحَاقُ أخبرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرَني عَبْدُ الكَرِيمِ أنَّ مَقْسَما مَوْلى عَبْدِ الله بن الحارِثِ أخبرَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أخْبَرَهُ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} عَنْ بَدْرٍ والخَارِجُونَ إلَى بَدْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. غير أَن سَبَب النُّزُول هُنَا خلاف سَبَب النُّزُول فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين السببين؟ قلت: الْقُرْآن إِذا نزل فِي الشَّيْء يسْتَعْمل فِي معنى ذَلِك الشَّيْء وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء عَن هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّانِي: عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن ابْن جريج عَن عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، عَن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح السِّين الْمُهْملَة مولى عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن عبد الْمطلب، لِأَبِيهِ ولجده صُحْبَة، وَله رُؤْيَة، وَكَانَ يلقب بببه بياءين موحدتين مفتوحتين الثَّانِيَة مُشَدّدَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي قَالَ: حَدثنَا الْحجَّاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم سمع مقسمًا مولى عبد الله بن الْحَارِث يحدث عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر} عَن بدر والخارجون إِلَى بدر. وَقَالَ عبد الله بن جحش وَابْن أم مَكْتُوم: إِنَّا أعميان يَا رَسُول الله! فَهَل لنا رخصَة؟ فَنزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أُولي الضَّرَر} {وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين ... دَرَجه} فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غير أُولي الضَّرَر {فضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما} دَرَجَات مِنْهُ على القاعدين من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا من الْوَجْه حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَوْله: (عبد الله بن جحش) ، قيل: أَبُو أَحْمد بن جحش، كَمَا ذكره الطَّبَرِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق الْحجَّاج نَحْو مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَذَلِكَ لِأَن عبد الله بن جحش هُوَ أَخُو أبي أَحْمد بن جحش وَاسم أبي أَحْمد عبد بِدُونِ إِضَافَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَأَيْضًا إِن عبد الله بن جحش لم ينْقل أَن لَهُ عذرا إِنَّمَا الْمَعْذُور أَخُوهُ أَبُو أَحْمد بن جحش، وَذكره الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه ابْن جحش وَلَيْسَ بالأسدي، وَكَانَ أعمى، وَأَنه جَاءَ هُوَ وَابْن أم مَكْتُوم فذكرا رغبتهما فِي الْجِهَاد مَعَ ضررهما، فَنزلت: {غير أُولي الضَّرَر} فَجعل لَهما من الْأجر مَا للمجاهدين.
١٩ - (بابٌ: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفْاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها} (النِّسَاء: ٩٧) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة} الْآيَة، وَلَيْسَ عِنْد جَمِيع الروَاة لفظ: بَاب إلَاّ أَنه وَقع فِي بعض النّسخ وَعند الْأَكْثَرين: {وَأَن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة} إِلَى قَوْله: {فتهاجروا فِيهَا} كَمَا هُوَ هُنَا كَذَلِك، وَعند أبي ذَر إِلَى {فيمَ كُنْتُم} الْآيَة. وَقَالَ الواحدي: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نَاس من أهل مَكَّة تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ وَلم يهاجروا، وأظهروا الْإِيمَان وأسرُّوا النِّفَاق، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر خَرجُوا مَعَ الْمُشْركين إِلَى حَرْب الْمُسلمين فَقتلُوا فَضربت الْمَلَائِكَة وُجُوههم وأدبارهم. وَقَالَ مقَاتل: كَانُوا نَفرا
أَسْلمُوا بِمَكَّة مِنْهُم: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَقيس بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَأَبُو قيس بن الْفَاكِه بن الْمُغيرَة والوليد بن عتبَة بن ربيعَة وَعَمْرو بن أُميَّة بن سُفْيَان بن أُميَّة بن عبد شمس والْعَلَاء بن أُميَّة بن خلف ثمَّ إِنَّهُم أَقَامُوا عَن الْهِجْرَة وَخَرجُوا مَعَ الْمُشْركين إِلَى بدر، قَلما رَأَوْا قلَّة الْمُؤمنِينَ شكوا إِلَى سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا غر هَؤُلَاءِ دينهم وَكَانَ بَعضهم نَافق بِمَكَّة، فَلَمَّا قتلوا ببدر قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة وَهُوَ ملك الْمَوْت وَحده فيمَ كُنْتُم؟ يَقُول: فِي أَي شَيْء كُنْتُم؟ قَالُوا: كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض يَعْنِي: كُنَّا مقهورين بِأَرْض مَكَّة لَا نطيق أَن نظهر الْإِيمَان، فَقَالَ ملك الْمَوْت: ألم تكون أَرض وَاسِعَة؟ يَعْنِي الْمَدِينَة، فتهاجروا فِيهَا؟ يَعْنِي: إِلَيْهَا قَوْله: (إِن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة) ذكر فِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) التوفي هُنَا بِمَعْنى قبض الرّوح، وَقَالَ الْحسن: هُوَ الْحَشْر إِلَى النَّار، وَالْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وأعوانه وهم سِتَّة: ثَلَاثَة لأرواح الْمُؤمنِينَ، وَثَلَاثَة لأرواح الْكَافرين، وظلم النَّفس هُنَا ترك الْهِجْرَة وخروجهم مَعَ قَومهمْ إِلَى بدر، وَقيل: ظلمُوا أنفسهم برجوعهم إِلَى الْكفْر، وَقيل: ظلمُوا أنفسهم بِالشَّكِّ الَّذِي حصل فِي قُلُوبهم حِين رَأَوْا قلَّة الْمُسلمين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وَحده لِأَنَّهُ مُجمل يحْتَمل أَن يُرَاد هُوَ وَيحْتَمل غَيره فِي قُلُوبهم حِين رَأَوْا قلَّة الْمُسلمين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وَحده، لِأَنَّهُ مُجمل يحْتَمل أَن يُرَاد هُوَ وَيحْتَمل غَيره فَحمل الْمُجْمل على الْمُفَسّر، وَهُوَ قَول تَعَالَى: {قل يتوفاكم ملك الْمَوْت} (النِّسَاء: ٩٧) وَجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا نَحن نحيي ونميت} (ق: ٤٣) وَالله تَعَالَى وَاحِد. قَوْله: (ظالمي أنفسهم) نصب على الْحَال. قَوْله: (قَالُوا: فيمَ كُنْتُم) ؟ سُؤال توبيخ وتفريع أَي: أَكُنْتُم فِي أَصْحَاب مُحَمَّد أم كُنْتُم مُشْرِكين؟ قَوْله: (كُنَّا مستضعفين) ، أَي: كُنَّا لَا نقدر على الْخُرُوج من الْبَلَد وَلَا الذّهاب فِي الأَرْض. قَوْله: (فِي الأَرْض) أَرَادوا بهَا مَكَّة، وَالْأَرْض اسْم لبلد الرجل وموضعه. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الْمَلَائِكَة (ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة) ؟ محاججة الْمَلَائِكَة. قَوْله: (فتهاجروا فِيهَا) أَي: إِلَيْهَا. أَي: الْمَدِينَة مَعَ الْمُسلمين؟ .
٤٥٩٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِىءُ حدَّثنا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالا حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أبُو الأسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ فأخْبَرْتُهُ فَنَهانِي عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ أخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أنَّ نَاسا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأتِي السَّهمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيقْتُلُهُ أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأنْزَلَ الله {إنَّ الَّذِينَ تَوَفاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ} .
الْآيَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المقرىء من الإفراء، وحيوة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبحاء مُهْملَة يكنى بِأبي زرْعَة التجِيبِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالياء الْمُوَحدَة.
قَوْله: (وَغَيره) أَي: حَدثنِي غير حَيْوَة وَهُوَ عبد الله بن لَهِيعَة الْمصْرِيّ وَأَبُو الْأسود ضد الْأَبْيَض، الْأَسدي الْمدنِي.
والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن يزِيد الْمَذْكُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن المقرىء عَن حَيْوَة بِهِ، وَرِوَايَة ابْن لَهِيعَة أخرجهَا الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم رَوَاهُ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، أَن عبد الله بن وهب أَخْبرنِي ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود فَذكره.
قَوْله: (قطع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بعث) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْجَيْش، وَالْمعْنَى أَنهم ألزموا بِإِخْرَاج جَيش لقِتَال أهل الشَّام، وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة عبد الله بن الزبير على مَكَّة. قَوْله: (فاكتتبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الاكتتاب، وَهُوَ من بَاب الافتعال. قَوْله: (أَن نَاسا من الْمُسلمين) ، وهم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ عَن مقَاتل عَن قريب. قَوْله: (يكثرون) من التكثير. قَوْله: (فَيُصِيب) عطف على قَوْله: (يَأْتِي السهْم) وَكَانَ غَرَض عِكْرِمَة من نَهْيه أَبَا الْأسود أَن الله تَعَالَى ذمهم بتكثير سوادهم مَعَ أَنهم كَانُوا لَا يُرِيدُونَ بقلوبهم موافقتهم، فَكَذَلِك أَنْت لِأَنَّك تكْثر سَواد هَذَا الْجَيْش الْمَأْمُور بذهابهم لقِتَال أهل الشَّام وَلَا تُرِيدُ موافقتهم لأَنهم لَا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) هَكَذَا جَاءَ هُنَا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، وَقد ذكرنَا عَن قريب وُجُوهًا أُخْرَى فِي ذَلِك مَعَ تَفْسِير الْآيَة.
رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور اللَّيْث بن سعد عَن أبي الْأسود الْمَذْكُور، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أَحْمد بن مَنْصُور الرَّمَادِي. قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح. قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث عَن أبي الْأسود، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَقَالَ: وَلم يروه عَن أبي الْأسود إلَاّ اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة انْتهى، وَرِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق حَيْوَة بن شُرَيْح ترد عَلَيْهِ.
٢٠ - (بابُ: {إلَاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (النِّسَاء: ٩٨)
فِي بعض النّسخ: بَاب {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} الْآيَة. فَإِن صَحَّ هَذَا عَن أحد من رُوَاة البُخَارِيّ فالتقدير: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} الْآيَة وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء من أهل الْوَعيد، الْمَذْكُور قبله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا} (النِّسَاء: ٩٧) وَهَذَا عذر من الله تَعَالَى لهَؤُلَاء فِي ترك الْهِجْرَة، وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على التَّخَلُّص من أَيدي الْمُشْركين، وَلَو قدرُوا مَا عرفُوا يسلكون الطَّرِيق وَهُوَ معنى قَوْله: {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} وَقَالَ عِكْرِمَة: فِي قَوْله: {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} يَعْنِي: نهوضا إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ السّديّ: يَعْنِي مَالا. وَقَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي طَرِيقا.
٢١ - (بابُ قَوْلِهِ: {فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّا غَفُورا} (النِّسَاء: ٩٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِك} الْآيَة. كَذَا وَقع فِي كثير من النّسخ على لفظ الْقُرْآن، وَوَقع بِلَفْظ: فَعَسَى الله أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَالصَّوَاب مَا وَقع بِلَفْظ الْقُرْآن، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم، الْآيَة وَوَقع فِي جمع بعض من عاصرناه مِمَّن تصدى لشرح البُخَارِيّ، وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما، وَهُوَ أَيْضا غير صَوَاب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (فَأُولَئِك) ، إِشَارَة إِلَى قوم أَسْلمُوا وَلَكِن تباطؤا فِي الْهِجْرَة، وَهَذَا بِخِلَاف قَوْله: (فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم) قَوْله: (عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم) ، يَعْنِي: لَا يستقصي عَلَيْهِم فِي المحاسبة، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) أَي: يتَجَاوَز عَنْهُم ترك الْهِجْرَة، وَعَسَى من الله مُوجبَة، وَفِي (تَفْسِير ابْن الْجَوْزِيّ) قَالَ مُجَاهِد: هم قوم أَسْلمُوا وثبتوا على الْإِسْلَام وَلم يكن لَهُم عجلة فِي الْهِجْرَة، فعذرهم الله تَعَالَى بقوله: {عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم} .
٤٥٩٨ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ بَيْنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي العِشاءَ إذْ قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمْدِهِ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هِشامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الَّذين عذرهمْ الله فِي الْآيَة المترجم بهَا هم المستضعفون، وَقد دَعَا لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الحَدِيث، ودعا على من عوقهم عَن الْهِجْرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى بن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي: با دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَكِن أخرجه من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وطأتك) الْوَطْأَة الدوسة والضغطة. يَعْنِي: الأخذة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فَهُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ وَلَهُ هُوَ رُؤْيَةٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثَيْ سَهْلِ وَالْبَرَاءِ فَقَالَ: الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي الشَّيْءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا مِثْلَهُ، وَزَادَ: لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَيَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: دَرَجَةً إِلَخْ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: دَرَجَةً وَوَقَعَ عِنْدَهُ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ابْنِ جَحْشٍ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَاسْمُهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قَالَ: عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَحَاصِلُ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وَأَمَّا أُولُو الضَّرَرِ فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْلِ بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً؛ أَيْ: مِنْ أُولِي الضَّرَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنِ اسْتِوَاءِ أُولِي الضَّرَرِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهَا اسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالَهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْجِهَادِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ، وَتَقْرِيبُهُ، وَتَقْيِيدُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابَةِ.
١٩ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ
٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَأْتِي السَّهْمُ يرمى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ.
[الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في: ٧٠٨٥]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾) ملك الموت وأعوانه، وهم ستَّةٌ؛ ثلاثةٌ: لقبض (١) أرواح المؤمنين، وثلاثةٌ: للكفار، أو المراد: ملك الموت وحده، وذُكِر بلفظ الجمع للتَّعظيم، أي: توفَّاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) ويصلح ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون للماضي، وذُكِر الفعل لأنَّه فعل جمعٍ، وللاستقبال، أي: الذين تتوفَّاهم، حُذِفت التَّاء الثَّانية؛ لاجتماع المثلين، قال في «فتوح الغيب»: إذا حُمِل على الاستقبال؛ يكون من باب حكاية الحال الماضية (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة لهم: (﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾) من أمر الدِّين (٢) في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسُّؤال للتَّوبيخ؛ يعني: لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنُّصرة؟ (﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾) أي: عاجزين (﴿فِي الأَرْضِ﴾) لا نقدر على الخروج من مكَّة (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة: (﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: إلى المدينة، وتخرجوا من بين أظهر المشركين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قَالْوَاْ (٣) كُنَّا﴾ … » إلى آخره، وسقط الباب من أكثر النُّسخ، وثبت في بعضها.
٤٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ) بالهمزة، أبو عبد الرَّحمن المكِّيُّ -أصله من البصرة أو الأهواز، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنةً، وهو من كبار شيوخ البخاريِّ- قال: (حَدَّثَنَا
حَيْوَةُ) بفتح (١) المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الواو، ابن شُرَيحٍ؛ بالشِّين المعجمة المضمومة والرَّاء المفتوحة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ، أبو زرعة التُّجِيبيُّ -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم- المصريُّ (٢) (وَغَيْرُهُ) هو ابن لهيعة المصريُّ، كما أخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن نوفلٍ الأسديُّ (أَبُو الأَسْوَدِ) يتيم عروة بن الزُّبير (قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: أُلزِموا بإخراج جيشٍ لقتال أهل الشَّام، في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية وسكون الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ) بأنِّي اكتُتِبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ) سمَّى ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» من طريق ابن جُريجٍ عن عكرمة، ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق: عمرَو بنَ أمية بن خلفٍ، والعاص بن منبِّه (٣) بن الحجَّاج، والحارث بن زمعة، وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جُريجٍ: أبا (٤) قيس بن الوليد بن المغيرة، وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوَّارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: الوليدَ بنَ عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلفٍ (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «على عهد رسول الله» (ﷺ) وفي رواية أشعث المذكورة: أنَّهم خرجوا إلى بدرٍ، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين؛ دخلهم شكٌّ وقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فقُتِلوا ببدرٍ (يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «يُرمَى» بإسقاط الفاء، ولأبي ذرٍّ: «يُدْمَى» «بالدَّال» بدل: «الرَّاء»، (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ) نصبٌ على المفعولية (فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ) بضمِّ حرف المضارعة من الفعلين وفتح ثالثهما، قال في «الكواكب الدَّراريِّ»: وغرض عكرمة أنَّ الله ذمَّ من كثَّر (٥) سواد المشركين مع أنَّهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، فكذلك أنت لا تكثِّر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنَّهم لا يقاتلون
في سبيل الله (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم.
(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من طريق أبي صالحٍ كاتب اللَّيث عن اللَّيث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) عن عكرمة، لكن بدون قصَّة أبي الأسود، وعند الطَّبريِّ (١) وابن أبي حاتمٍ من طريق عمرو بن دينارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، وكانوا يُخفُون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدرٍ، فأُصِيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت، فكَتَبوا بها إلى من بقي من المسلمين، وأنَّه (٢) لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ﴾ الاية [البقرة: ٨] فكُتِب إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا وقُتِل من قُتِل» وعن سَمُرة: قال رسول الله ﷺ: «من جامع المشرك أو (٣) سكن معه فإنه مثله» رواه أبو داود.
(٢٠) (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في قوله تعالى: «﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾» استثناءٌ من قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] فيكون الاستثناء متَّصلًا، كأنَّه قيل: فأولئك في جهنَّم إلَّا المستضعفين، والصَّحيح أنَّه منقطعٌ؛ لأنَّ الضَّمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائدٌ على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ وهؤلاء المتوفُّون إمَّا كفَّارًا أو عصاةً بالتَّخلُّف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون، فكان منقطعًا (﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾) الذين (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾) في الخروج من مكَّة؛ لعجزهم وفقرهم (﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨]) ولا معرفة لهم بالمسالك من مكَّة إلى المدينة، واستشكل إدخال ﴿الْوِلْدَانِ﴾ في جملة المستثنين من أهل الوعيد؛ لأنَّه يُوهِم دخول الولدان
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو بِالْعَكْسِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الحَدِيث الأول: مشْعر بِأَن ابْن أم مَكْتُوم جَاءَ حَالَة الإملال، وَالثَّانِي: بِأَنَّهُ جَاءَ بعد الْكِتَابَة. وَالثَّالِث: بِأَنَّهُ كَانَ جَالِسا خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ أجَاب بقوله: لَا مُنَافَاة إِذْ معنى كتبهَا، كتب بعض الْآيَة، وَهُوَ نَحْو: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} مثلا. وَأما جَاءَ يَعْنِي قَوْله: وَأما حَقِيقَة، وَالْمرَاد جَاءَ وَجلسَ خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو بِالْعَكْسِ، وَإِمَّا مجَاز عَن تكلم وَدخل فِي الْبَحْث. قَوْله: (فَنزلت مَكَانهَا) أَي: فِي مَكَان الْكِتَابَة، وَالْمَقْصُود نزلت فِي تِلْكَ الْحَالة (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر) وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، هَبَط وَرجع قبل أَن يجِف الْقَلَم.
٤٥٩٥ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرَنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ ح وحَدثني إسْحَاقُ أخبرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرَني عَبْدُ الكَرِيمِ أنَّ مَقْسَما مَوْلى عَبْدِ الله بن الحارِثِ أخبرَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أخْبَرَهُ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} عَنْ بَدْرٍ والخَارِجُونَ إلَى بَدْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. غير أَن سَبَب النُّزُول هُنَا خلاف سَبَب النُّزُول فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين السببين؟ قلت: الْقُرْآن إِذا نزل فِي الشَّيْء يسْتَعْمل فِي معنى ذَلِك الشَّيْء وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء عَن هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّانِي: عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن ابْن جريج عَن عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، عَن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح السِّين الْمُهْملَة مولى عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن عبد الْمطلب، لِأَبِيهِ ولجده صُحْبَة، وَله رُؤْيَة، وَكَانَ يلقب بببه بياءين موحدتين مفتوحتين الثَّانِيَة مُشَدّدَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي قَالَ: حَدثنَا الْحجَّاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم سمع مقسمًا مولى عبد الله بن الْحَارِث يحدث عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر} عَن بدر والخارجون إِلَى بدر. وَقَالَ عبد الله بن جحش وَابْن أم مَكْتُوم: إِنَّا أعميان يَا رَسُول الله! فَهَل لنا رخصَة؟ فَنزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أُولي الضَّرَر} {وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين ... دَرَجه} فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غير أُولي الضَّرَر {فضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما} دَرَجَات مِنْهُ على القاعدين من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا من الْوَجْه حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَوْله: (عبد الله بن جحش) ، قيل: أَبُو أَحْمد بن جحش، كَمَا ذكره الطَّبَرِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق الْحجَّاج نَحْو مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَذَلِكَ لِأَن عبد الله بن جحش هُوَ أَخُو أبي أَحْمد بن جحش وَاسم أبي أَحْمد عبد بِدُونِ إِضَافَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَأَيْضًا إِن عبد الله بن جحش لم ينْقل أَن لَهُ عذرا إِنَّمَا الْمَعْذُور أَخُوهُ أَبُو أَحْمد بن جحش، وَذكره الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه ابْن جحش وَلَيْسَ بالأسدي، وَكَانَ أعمى، وَأَنه جَاءَ هُوَ وَابْن أم مَكْتُوم فذكرا رغبتهما فِي الْجِهَاد مَعَ ضررهما، فَنزلت: {غير أُولي الضَّرَر} فَجعل لَهما من الْأجر مَا للمجاهدين.
١٩ - (بابٌ: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفْاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها} (النِّسَاء: ٩٧) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة} الْآيَة، وَلَيْسَ عِنْد جَمِيع الروَاة لفظ: بَاب إلَاّ أَنه وَقع فِي بعض النّسخ وَعند الْأَكْثَرين: {وَأَن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة} إِلَى قَوْله: {فتهاجروا فِيهَا} كَمَا هُوَ هُنَا كَذَلِك، وَعند أبي ذَر إِلَى {فيمَ كُنْتُم} الْآيَة. وَقَالَ الواحدي: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نَاس من أهل مَكَّة تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ وَلم يهاجروا، وأظهروا الْإِيمَان وأسرُّوا النِّفَاق، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر خَرجُوا مَعَ الْمُشْركين إِلَى حَرْب الْمُسلمين فَقتلُوا فَضربت الْمَلَائِكَة وُجُوههم وأدبارهم. وَقَالَ مقَاتل: كَانُوا نَفرا
أَسْلمُوا بِمَكَّة مِنْهُم: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَقيس بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَأَبُو قيس بن الْفَاكِه بن الْمُغيرَة والوليد بن عتبَة بن ربيعَة وَعَمْرو بن أُميَّة بن سُفْيَان بن أُميَّة بن عبد شمس والْعَلَاء بن أُميَّة بن خلف ثمَّ إِنَّهُم أَقَامُوا عَن الْهِجْرَة وَخَرجُوا مَعَ الْمُشْركين إِلَى بدر، قَلما رَأَوْا قلَّة الْمُؤمنِينَ شكوا إِلَى سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا غر هَؤُلَاءِ دينهم وَكَانَ بَعضهم نَافق بِمَكَّة، فَلَمَّا قتلوا ببدر قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة وَهُوَ ملك الْمَوْت وَحده فيمَ كُنْتُم؟ يَقُول: فِي أَي شَيْء كُنْتُم؟ قَالُوا: كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض يَعْنِي: كُنَّا مقهورين بِأَرْض مَكَّة لَا نطيق أَن نظهر الْإِيمَان، فَقَالَ ملك الْمَوْت: ألم تكون أَرض وَاسِعَة؟ يَعْنِي الْمَدِينَة، فتهاجروا فِيهَا؟ يَعْنِي: إِلَيْهَا قَوْله: (إِن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة) ذكر فِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) التوفي هُنَا بِمَعْنى قبض الرّوح، وَقَالَ الْحسن: هُوَ الْحَشْر إِلَى النَّار، وَالْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وأعوانه وهم سِتَّة: ثَلَاثَة لأرواح الْمُؤمنِينَ، وَثَلَاثَة لأرواح الْكَافرين، وظلم النَّفس هُنَا ترك الْهِجْرَة وخروجهم مَعَ قَومهمْ إِلَى بدر، وَقيل: ظلمُوا أنفسهم برجوعهم إِلَى الْكفْر، وَقيل: ظلمُوا أنفسهم بِالشَّكِّ الَّذِي حصل فِي قُلُوبهم حِين رَأَوْا قلَّة الْمُسلمين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وَحده لِأَنَّهُ مُجمل يحْتَمل أَن يُرَاد هُوَ وَيحْتَمل غَيره فِي قُلُوبهم حِين رَأَوْا قلَّة الْمُسلمين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وَحده، لِأَنَّهُ مُجمل يحْتَمل أَن يُرَاد هُوَ وَيحْتَمل غَيره فَحمل الْمُجْمل على الْمُفَسّر، وَهُوَ قَول تَعَالَى: {قل يتوفاكم ملك الْمَوْت} (النِّسَاء: ٩٧) وَجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِنَّا نَحن نحيي ونميت} (ق: ٤٣) وَالله تَعَالَى وَاحِد. قَوْله: (ظالمي أنفسهم) نصب على الْحَال. قَوْله: (قَالُوا: فيمَ كُنْتُم) ؟ سُؤال توبيخ وتفريع أَي: أَكُنْتُم فِي أَصْحَاب مُحَمَّد أم كُنْتُم مُشْرِكين؟ قَوْله: (كُنَّا مستضعفين) ، أَي: كُنَّا لَا نقدر على الْخُرُوج من الْبَلَد وَلَا الذّهاب فِي الأَرْض. قَوْله: (فِي الأَرْض) أَرَادوا بهَا مَكَّة، وَالْأَرْض اسْم لبلد الرجل وموضعه. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الْمَلَائِكَة (ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة) ؟ محاججة الْمَلَائِكَة. قَوْله: (فتهاجروا فِيهَا) أَي: إِلَيْهَا. أَي: الْمَدِينَة مَعَ الْمُسلمين؟ .
٤٥٩٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِىءُ حدَّثنا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالا حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أبُو الأسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ فأخْبَرْتُهُ فَنَهانِي عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ أخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أنَّ نَاسا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأتِي السَّهمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيقْتُلُهُ أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأنْزَلَ الله {إنَّ الَّذِينَ تَوَفاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ} .
الْآيَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المقرىء من الإفراء، وحيوة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبحاء مُهْملَة يكنى بِأبي زرْعَة التجِيبِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالياء الْمُوَحدَة.
قَوْله: (وَغَيره) أَي: حَدثنِي غير حَيْوَة وَهُوَ عبد الله بن لَهِيعَة الْمصْرِيّ وَأَبُو الْأسود ضد الْأَبْيَض، الْأَسدي الْمدنِي.
والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن يزِيد الْمَذْكُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن المقرىء عَن حَيْوَة بِهِ، وَرِوَايَة ابْن لَهِيعَة أخرجهَا الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم رَوَاهُ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، أَن عبد الله بن وهب أَخْبرنِي ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود فَذكره.
قَوْله: (قطع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بعث) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْجَيْش، وَالْمعْنَى أَنهم ألزموا بِإِخْرَاج جَيش لقِتَال أهل الشَّام، وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة عبد الله بن الزبير على مَكَّة. قَوْله: (فاكتتبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الاكتتاب، وَهُوَ من بَاب الافتعال. قَوْله: (أَن نَاسا من الْمُسلمين) ، وهم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ عَن مقَاتل عَن قريب. قَوْله: (يكثرون) من التكثير. قَوْله: (فَيُصِيب) عطف على قَوْله: (يَأْتِي السهْم) وَكَانَ غَرَض عِكْرِمَة من نَهْيه أَبَا الْأسود أَن الله تَعَالَى ذمهم بتكثير سوادهم مَعَ أَنهم كَانُوا لَا يُرِيدُونَ بقلوبهم موافقتهم، فَكَذَلِك أَنْت لِأَنَّك تكْثر سَواد هَذَا الْجَيْش الْمَأْمُور بذهابهم لقِتَال أهل الشَّام وَلَا تُرِيدُ موافقتهم لأَنهم لَا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) هَكَذَا جَاءَ هُنَا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، وَقد ذكرنَا عَن قريب وُجُوهًا أُخْرَى فِي ذَلِك مَعَ تَفْسِير الْآيَة.
رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور اللَّيْث بن سعد عَن أبي الْأسود الْمَذْكُور، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أَحْمد بن مَنْصُور الرَّمَادِي. قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح. قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث عَن أبي الْأسود، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَقَالَ: وَلم يروه عَن أبي الْأسود إلَاّ اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة انْتهى، وَرِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق حَيْوَة بن شُرَيْح ترد عَلَيْهِ.
٢٠ - (بابُ: {إلَاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (النِّسَاء: ٩٨)
فِي بعض النّسخ: بَاب {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} الْآيَة. فَإِن صَحَّ هَذَا عَن أحد من رُوَاة البُخَارِيّ فالتقدير: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} الْآيَة وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء من أهل الْوَعيد، الْمَذْكُور قبله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا} (النِّسَاء: ٩٧) وَهَذَا عذر من الله تَعَالَى لهَؤُلَاء فِي ترك الْهِجْرَة، وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على التَّخَلُّص من أَيدي الْمُشْركين، وَلَو قدرُوا مَا عرفُوا يسلكون الطَّرِيق وَهُوَ معنى قَوْله: {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} وَقَالَ عِكْرِمَة: فِي قَوْله: {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} يَعْنِي: نهوضا إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ السّديّ: يَعْنِي مَالا. وَقَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي طَرِيقا.
٢١ - (بابُ قَوْلِهِ: {فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّا غَفُورا} (النِّسَاء: ٩٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِك} الْآيَة. كَذَا وَقع فِي كثير من النّسخ على لفظ الْقُرْآن، وَوَقع بِلَفْظ: فَعَسَى الله أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَالصَّوَاب مَا وَقع بِلَفْظ الْقُرْآن، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم، الْآيَة وَوَقع فِي جمع بعض من عاصرناه مِمَّن تصدى لشرح البُخَارِيّ، وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما، وَهُوَ أَيْضا غير صَوَاب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (فَأُولَئِك) ، إِشَارَة إِلَى قوم أَسْلمُوا وَلَكِن تباطؤا فِي الْهِجْرَة، وَهَذَا بِخِلَاف قَوْله: (فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم) قَوْله: (عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم) ، يَعْنِي: لَا يستقصي عَلَيْهِم فِي المحاسبة، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) أَي: يتَجَاوَز عَنْهُم ترك الْهِجْرَة، وَعَسَى من الله مُوجبَة، وَفِي (تَفْسِير ابْن الْجَوْزِيّ) قَالَ مُجَاهِد: هم قوم أَسْلمُوا وثبتوا على الْإِسْلَام وَلم يكن لَهُم عجلة فِي الْهِجْرَة، فعذرهم الله تَعَالَى بقوله: {عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم} .
٤٥٩٨ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ بَيْنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي العِشاءَ إذْ قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمْدِهِ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هِشامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الَّذين عذرهمْ الله فِي الْآيَة المترجم بهَا هم المستضعفون، وَقد دَعَا لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الحَدِيث، ودعا على من عوقهم عَن الْهِجْرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى بن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي: با دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَكِن أخرجه من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وطأتك) الْوَطْأَة الدوسة والضغطة. يَعْنِي: الأخذة