«أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٩٦

الحديث رقم ٤٥٩٦ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٩٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾» الْآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ.

﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾

إسناد حديث رقم ٤٥٩٦ من صحيح البخاري

٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٩٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فَهُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ وَلَهُ هُوَ رُؤْيَةٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثَيْ سَهْلِ وَالْبَرَاءِ فَقَالَ: الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي الشَّيْءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا مِثْلَهُ، وَزَادَ: لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَيَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: دَرَجَةً إِلَخْ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: دَرَجَةً وَوَقَعَ عِنْدَهُ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ابْنِ جَحْشٍ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَاسْمُهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.

ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قَالَ: عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَحَاصِلُ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وَأَمَّا أُولُو الضَّرَرِ فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْلِ بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً؛ أَيْ: مِنْ أُولِي الضَّرَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنِ اسْتِوَاءِ أُولِي الضَّرَرِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهَا اسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالَهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْجِهَادِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ، وَتَقْرِيبُهُ، وَتَقْيِيدُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابَةِ.

١٩ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ

٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، يَأْتِي السَّهْمُ يرمى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ.

[الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في: ٧٠٨٥]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾) ملك الموت وأعوانه، وهم ستَّةٌ؛ ثلاثةٌ: لقبض (١) أرواح المؤمنين، وثلاثةٌ: للكفار، أو المراد: ملك الموت وحده، وذُكِر بلفظ الجمع للتَّعظيم، أي: توفَّاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) ويصلح ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون للماضي، وذُكِر الفعل لأنَّه فعل جمعٍ، وللاستقبال، أي: الذين تتوفَّاهم، حُذِفت التَّاء الثَّانية؛ لاجتماع المثلين، قال في «فتوح الغيب»: إذا حُمِل على الاستقبال؛ يكون من باب حكاية الحال الماضية (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة لهم: (﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾) من أمر الدِّين (٢) في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسُّؤال للتَّوبيخ؛ يعني: لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنُّصرة؟ (﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾) أي: عاجزين (﴿فِي الأَرْضِ﴾) لا نقدر على الخروج من مكَّة (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة: (﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: إلى المدينة، وتخرجوا من بين أظهر المشركين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قَالْوَاْ (٣) كُنَّا﴾ … » إلى آخره، وسقط الباب من أكثر النُّسخ، وثبت في بعضها.

٤٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ) بالهمزة، أبو عبد الرَّحمن المكِّيُّ -أصله من البصرة أو الأهواز، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنةً، وهو من كبار شيوخ البخاريِّ- قال: (حَدَّثَنَا

حَيْوَةُ) بفتح (١) المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الواو، ابن شُرَيحٍ؛ بالشِّين المعجمة المضمومة والرَّاء المفتوحة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ، أبو زرعة التُّجِيبيُّ -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم- المصريُّ (٢) (وَغَيْرُهُ) هو ابن لهيعة المصريُّ، كما أخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن نوفلٍ الأسديُّ (أَبُو الأَسْوَدِ) يتيم عروة بن الزُّبير (قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: أُلزِموا بإخراج جيشٍ لقتال أهل الشَّام، في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية وسكون الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ) بأنِّي اكتُتِبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ) سمَّى ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» من طريق ابن جُريجٍ عن عكرمة، ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق: عمرَو بنَ أمية بن خلفٍ، والعاص بن منبِّه (٣) بن الحجَّاج، والحارث بن زمعة، وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جُريجٍ: أبا (٤) قيس بن الوليد بن المغيرة، وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوَّارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: الوليدَ بنَ عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلفٍ (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «على عهد رسول الله» () وفي رواية أشعث المذكورة: أنَّهم خرجوا إلى بدرٍ، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين؛ دخلهم شكٌّ وقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فقُتِلوا ببدرٍ (يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «يُرمَى» بإسقاط الفاء، ولأبي ذرٍّ: «يُدْمَى» «بالدَّال» بدل: «الرَّاء»، (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ) نصبٌ على المفعولية (فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ) بضمِّ حرف المضارعة من الفعلين وفتح ثالثهما، قال في «الكواكب الدَّراريِّ»: وغرض عكرمة أنَّ الله ذمَّ من كثَّر (٥) سواد المشركين مع أنَّهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، فكذلك أنت لا تكثِّر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنَّهم لا يقاتلون

في سبيل الله (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم.

(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من طريق أبي صالحٍ كاتب اللَّيث عن اللَّيث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) عن عكرمة، لكن بدون قصَّة أبي الأسود، وعند الطَّبريِّ (١) وابن أبي حاتمٍ من طريق عمرو بن دينارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، وكانوا يُخفُون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدرٍ، فأُصِيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت، فكَتَبوا بها إلى من بقي من المسلمين، وأنَّه (٢) لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ﴾ الاية [البقرة: ٨] فكُتِب إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا وقُتِل من قُتِل» وعن سَمُرة: قال رسول الله : «من جامع المشرك أو (٣) سكن معه فإنه مثله» رواه أبو داود.

(٢٠) (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في قوله تعالى: «﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾» استثناءٌ من قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] فيكون الاستثناء متَّصلًا، كأنَّه قيل: فأولئك في جهنَّم إلَّا المستضعفين، والصَّحيح أنَّه منقطعٌ؛ لأنَّ الضَّمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائدٌ على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ وهؤلاء المتوفُّون إمَّا كفَّارًا أو عصاةً بالتَّخلُّف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون، فكان منقطعًا (﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾) الذين (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾) في الخروج من مكَّة؛ لعجزهم وفقرهم (﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨]) ولا معرفة لهم بالمسالك من مكَّة إلى المدينة، واستشكل إدخال ﴿الْوِلْدَانِ﴾ في جملة المستثنين من أهل الوعيد؛ لأنَّه يُوهِم دخول الولدان

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فَهُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ وَلَهُ هُوَ رُؤْيَةٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثَيْ سَهْلِ وَالْبَرَاءِ فَقَالَ: الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي الشَّيْءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا مِثْلَهُ، وَزَادَ: لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَيَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ سِيَاقًا وَاحِدًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: دَرَجَةً إِلَخْ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: دَرَجَةً وَوَقَعَ عِنْدَهُ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ابْنِ جَحْشٍ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَاسْمُهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.

ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قَالَ: عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَحَاصِلُ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وَأَمَّا أُولُو الضَّرَرِ فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْلِ بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً؛ أَيْ: مِنْ أُولِي الضَّرَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنِ اسْتِوَاءِ أُولِي الضَّرَرِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهَا اسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالَهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْجِهَادِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْكَاتِبِ، وَتَقْرِيبُهُ، وَتَقْيِيدُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابَةِ.

١٩ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ

٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، يَأْتِي السَّهْمُ يرمى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ.

[الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في: ٧٠٨٥]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾) ملك الموت وأعوانه، وهم ستَّةٌ؛ ثلاثةٌ: لقبض (١) أرواح المؤمنين، وثلاثةٌ: للكفار، أو المراد: ملك الموت وحده، وذُكِر بلفظ الجمع للتَّعظيم، أي: توفَّاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾) ويصلح ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون للماضي، وذُكِر الفعل لأنَّه فعل جمعٍ، وللاستقبال، أي: الذين تتوفَّاهم، حُذِفت التَّاء الثَّانية؛ لاجتماع المثلين، قال في «فتوح الغيب»: إذا حُمِل على الاستقبال؛ يكون من باب حكاية الحال الماضية (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة لهم: (﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾) من أمر الدِّين (٢) في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسُّؤال للتَّوبيخ؛ يعني: لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنُّصرة؟ (﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾) أي: عاجزين (﴿فِي الأَرْضِ﴾) لا نقدر على الخروج من مكَّة (﴿قَالُواْ﴾) أي: الملائكة: (﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: إلى المدينة، وتخرجوا من بين أظهر المشركين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قَالْوَاْ (٣) كُنَّا﴾ … » إلى آخره، وسقط الباب من أكثر النُّسخ، وثبت في بعضها.

٤٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ) بالهمزة، أبو عبد الرَّحمن المكِّيُّ -أصله من البصرة أو الأهواز، أقرأ القرآن نيِّفًا وسبعين سنةً، وهو من كبار شيوخ البخاريِّ- قال: (حَدَّثَنَا

حَيْوَةُ) بفتح (١) المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الواو، ابن شُرَيحٍ؛ بالشِّين المعجمة المضمومة والرَّاء المفتوحة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ، أبو زرعة التُّجِيبيُّ -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الجيم- المصريُّ (٢) (وَغَيْرُهُ) هو ابن لهيعة المصريُّ، كما أخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» (قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن نوفلٍ الأسديُّ (أَبُو الأَسْوَدِ) يتيم عروة بن الزُّبير (قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أي: أُلزِموا بإخراج جيشٍ لقتال أهل الشَّام، في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية وسكون الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ) بأنِّي اكتُتِبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ) سمَّى ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» من طريق ابن جُريجٍ عن عكرمة، ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق: عمرَو بنَ أمية بن خلفٍ، والعاص بن منبِّه (٣) بن الحجَّاج، والحارث بن زمعة، وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جُريجٍ: أبا (٤) قيس بن الوليد بن المغيرة، وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوَّارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: الوليدَ بنَ عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلفٍ (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «على عهد رسول الله» () وفي رواية أشعث المذكورة: أنَّهم خرجوا إلى بدرٍ، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين؛ دخلهم شكٌّ وقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فقُتِلوا ببدرٍ (يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «يُرمَى» بإسقاط الفاء، ولأبي ذرٍّ: «يُدْمَى» «بالدَّال» بدل: «الرَّاء»، (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ) نصبٌ على المفعولية (فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ) بضمِّ حرف المضارعة من الفعلين وفتح ثالثهما، قال في «الكواكب الدَّراريِّ»: وغرض عكرمة أنَّ الله ذمَّ من كثَّر (٥) سواد المشركين مع أنَّهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، فكذلك أنت لا تكثِّر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنَّهم لا يقاتلون

في سبيل الله (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية [النساء: ٩٧]) أي: بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم.

(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من طريق أبي صالحٍ كاتب اللَّيث عن اللَّيث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) عن عكرمة، لكن بدون قصَّة أبي الأسود، وعند الطَّبريِّ (١) وابن أبي حاتمٍ من طريق عمرو بن دينارٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، وكانوا يُخفُون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدرٍ، فأُصِيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت، فكَتَبوا بها إلى من بقي من المسلمين، وأنَّه (٢) لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ﴾ الاية [البقرة: ٨] فكُتِب إليهم بذلك، فخرجوا، فلحقوهم، فنجا من نجا وقُتِل من قُتِل» وعن سَمُرة: قال رسول الله : «من جامع المشرك أو (٣) سكن معه فإنه مثله» رواه أبو داود.

(٢٠) (﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) وفي بعض النُّسخ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في قوله تعالى: «﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾» استثناءٌ من قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] فيكون الاستثناء متَّصلًا، كأنَّه قيل: فأولئك في جهنَّم إلَّا المستضعفين، والصَّحيح أنَّه منقطعٌ؛ لأنَّ الضَّمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائدٌ على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ وهؤلاء المتوفُّون إمَّا كفَّارًا أو عصاةً بالتَّخلُّف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون، فكان منقطعًا (﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾) الذين (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾) في الخروج من مكَّة؛ لعجزهم وفقرهم (﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨]) ولا معرفة لهم بالمسالك من مكَّة إلى المدينة، واستشكل إدخال ﴿الْوِلْدَانِ﴾ في جملة المستثنين من أهل الوعيد؛ لأنَّه يُوهِم دخول الولدان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله