الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥
الحديث رقم ٤٥ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب زيادة الإيمان ونقصانه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الْإِسْلَامِ
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمُصَنِّفِ لَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا تَصْرِيحُ قَتَادَةَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ أَنَسٍ، ثَانِيَتُهُمَا تَعْبِيرُهُ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ: مِنْ إِيمَانٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: مِنْ خَيْرٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا الْإِيمَانُ. فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْأُولَى لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِطَرِيقِ أَبَانَ السَّالِمَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَيَسُوقُهَا مَوْصُولَةً؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَبَانَ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا لَكِن هِشَام أَتْقَنُ مِنْهُ وَأَضْبَطُ. فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ.
٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
[الحديث ٤٥ - أطرافه في: ٧٢٦٨، ٤٦٠٦، ٤٤٠٧]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) مُرَادُهُ: أَنَّهُ سَمِعَ، وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِحَذْفِ أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا خَطًّا لَا نُطْقًا كَقَالَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ) هَذَا الرَّجُلُ هُوَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ كَعْبٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْيَهُودِ. وَلَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: قَالَتِ الْيَهُودُ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِينَ سُؤَالِ كَعْبٍ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةً، وَتَكَلَّمَ كَعْبٌ عَلَى لِسَانِهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَاتَّخَذْنَا. . إِلَخْ) أَيْ لَعَظَّمْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ عِيدًا لَنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ لِعِظَمِ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ. وَالْعِيدُ فِعْلٌ مِنَ الْعَوْدِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) زَادَ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَزَادَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ: وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، وَأَجَابَ عُمَرُ ﵁ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَلَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا؟ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُخْرَيَاتِ نَهَارِ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْعِيدِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَوَّلِهِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْقَابِلَةِ، قَالَهُ هَكَذَا بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ اكْتَفَى فِيهَا بِالْإِشَارَةِ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ عَنْ قَبِيصَةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَدْ نَصَّتْ عَلَى الْمُرَادِ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ لَفْظُ الطَّبَرِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ: وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ، يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ فَظَهَرَ أَنَّ الْجَوَابَ تَضَمَّنَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، وهو يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَاتَّخَذُوا يَوْمَ عَرَفَةَ عِيدًا لِأَنَّهُ لَيْلَةُ الْعِيدِ، وَهَكَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فِي الصِّيَامِ: شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ فَسُمِّيَ رَمَضَانُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ الْعِيدُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ دَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ؟ أُجِيبَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قَتَادَةُ) بن دعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ خَيْرٍ) وللأَصيليِّ: «من خيرٍ» وهذا من التَّعليقات، وقد وصله الحاكم في «كتاب الأربعين» له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أَبَانُ، ونبَّه المؤلِّف به على تصريح قتادة فيه بالتَّحديث عن أنسٍ؛ لأنَّ قتادة مُدلِّسٌ لا يُحتَجُّ بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه (١)، وعلى تفسير (٢) المتن بقوله: «من إيمانٍ» بدل قوله: «من خيرٍ».
٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بتشديد المُوحَّدة، ابن محمَّدٍ، وللأَصيليِّ: «البزَّار» بزايٍ بعدها راءٌ، الواسطيُّ، المُتوفَّى ببغدادَ سنة ستِّين ومئتين أنَّه (سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) أي: ابن (٣) جعفرٍ المخزوميَّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ ومئتين قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملَةٌ، الهُذَلِيُّ المسعودِيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ قال: (أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الكوفيُّ العابد، المُتوفَّى سنة
عشرين ومئةٍ أيضًا (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) يعني: ابنَ عبد شمسٍ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ (١)، وقال المِزِّيُّ: سنة ثلاثٍ وثمانين، وقِيلَ: سنة اثنتين، وقِيلَ: سنة أربعٍ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم، كما قاله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وغيره، كلُّهم من طريق رجاء (٢) بن أبي سلمة عن عبادة (٣) بن نُسَيٍّ -بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة- عن إسحاق بن خرشة عن (٤) قَبيصة بن ذؤيبٍ، عن كعبٍ أنَّه (قَالَ لَهُ) أي: لعمرَ: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ): مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرةً لتخصيصه بالصِّفة وهي: (فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُوْنَهَا) والخبرُ: (لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ) أي: لو نزلت علينا كقوله: ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: لو تملكون أنتم؛ لأنَّ «لو» لا تدخل إلَّا على الفعل، فحُذِف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه، و «معشرَ»: نُصِبَ على الاختصاص، أي: أعني معشرَ اليهود (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ، ونُسَرُّ فيه لعظم ما حصل فيه من كمال الدِّين (قَالَ) عمر ﵁: (أَيُّ آيَةٍ) هي؟ فالخبر محذوفٌ (قَالَ) كعبٌ: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) قال البيضاويُّ: بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوقيف على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بالهداية
والتَّوفيق، أو بإكمال الدِّين، أو بفتح مكَّة وهدم منارات الجاهليَّة (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ﴾) أي: اخترته لكم (﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) من بين الأديان، وهو الدِّين عند الله (قَالَ) وفي رواية الأربعة: «فقال» (عُمَرُ) ﵁: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ) وفي رواية الأَصيليِّ: «أُنزِلت» (فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «على رسول الله» (ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ) أي: والحال أنَّه قائمٌ (بِعَرَفَةَ) بعدم الصَّرف للعلميَّة والتَّأنيث (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت ونسخةٍ لابن عساكر (١): «يوم الجمعة» وإنَّما لم يُمنَع من الصَّرف على الأولى -كما في «عرفة» - لأنَّ الجمعة صفةٌ، أو غير صفةٍ وليس علمًا ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها، وهي بفتح الميم وضمِّها وإسكانها، فالمتحرِّك بمعنى الفاعل كضُحَكة بمعنى: ضاحكٍ، والمُسكَّن بمعنى المفعول كضُحْكةٍ، أي: مضحوكٍ عليه، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ، فالمعنى إمَّا
جامعٌ للنَّاس أو مجموعٌ له، وإنَّما لم يقل عمرُ ﵁: جعلناه عيدًا ليطابق جوابه السُّؤال؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أنَّ النُّزول كان بعد العصر، ولا يتحقَّق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار، وقد قالوا: إنَّ رؤية الهلال بعد الزَّوال للقابلة، ولا ريب أنَّ اليوم التَّالي ليوم عرفة عيدٌ للمسلمين، فكأنَّه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتَّعبُّد فيه (١)، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّ هذه الرِّواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلَّا فرواية إسحاق عن (٢) قبيصةَ قد نصَّت على المُرَاد، ولفظه: «يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما -بحمد الله سبحانه- لنا عيدٌ»، وللطَّبرانيِّ: «وهما لنا عيدٌ» فظهر أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتَّخذوا ذلك اليوم عيدًا وهو يوم الجمعة، واتَّخذوا يوم عرفة عيدًا لأنَّه ليلة العيد. انتهى. وقال النَّوويُّ: قد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكلٍّ منهما، فإذا اجتمعا؛ زاد التعظيم، فقد اتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا وعظَّمنا مكانه.
وفي رجال هذا الحديث ثلاثةٌ كوفيُّون، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٠٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٦٨]، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وكذا النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الحجِّ».
(٣٤) (بابٌ) بالتَّنوين (الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ) أي: من شُعَبِهِ، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز إضافة «الباب»
للاحقه (وَقَوْلُهُ) بالرَّفع والجرِّ على ما لا يخفى، وللأَصيليِّ: «﷿» ولابن عساكر: «سبحانه»: (﴿وَمَا أُمِرُوا﴾) أي: أهل الكتاب في التَّوراة والإنجيل، ولأبي ذَرٍّ: «باب الزَّكاة من الإسلام، وما أُمِروا» (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾) حالَ كونِهم (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾) لا يشركون به، فما أُرِيدَ به وجه الله فقط إخلاصٌ، ما لم يَشُبْهُ رُكونٌ أو حظٌّ كطُهْرِه لله تعالى مع نيَّة تَبَرُّدٍ، وصومه لله تعالى بنيَّة الحِمْيةِ ونحوها، أو يعتكف لله بمسجدٍ ويدفع مؤنة مسكنه، وهذه النِّيَّة لا تحبطه (١) لصحَّة حجِّه لله تعالى مع نيَّة تجارةٍ إجماعًا، فإلاخلاص ما صفا عن الكدر، وخَلُصَ من الشَّوائب، والرِّياء آفةٌ عظيمةٌ تقلب الطَّاعة معصيةً، فالإخلاص رأس جميع العبادات (﴿حُنَفَاء﴾) مائلين عن العقائد الزَّائغة (﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾) التي هي عماد الدِّين، وهو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾) ولكنَّهم حرَّفوا وبدَّلوا (﴿وَذَلِكَ﴾) المذكور من هذه الأشياء هو: (﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]) أي: دين الملَّة القيِّمة، أي: المُستقيمة، وسقط عند الأَصيليِّ «﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾»، وفي رواية أبي الوقت من قوله: «﴿حُنَفَاء﴾ … إلى آخر الآية»، فقال: «﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمُصَنِّفِ لَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا تَصْرِيحُ قَتَادَةَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ أَنَسٍ، ثَانِيَتُهُمَا تَعْبِيرُهُ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ: مِنْ إِيمَانٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: مِنْ خَيْرٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا الْإِيمَانُ. فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْأُولَى لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِطَرِيقِ أَبَانَ السَّالِمَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَيَسُوقُهَا مَوْصُولَةً؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَبَانَ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا لَكِن هِشَام أَتْقَنُ مِنْهُ وَأَضْبَطُ. فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ.
٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وهو قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
[الحديث ٤٥ - أطرافه في: ٧٢٦٨، ٤٦٠٦، ٤٤٠٧]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) مُرَادُهُ: أَنَّهُ سَمِعَ، وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِحَذْفِ أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا خَطًّا لَا نُطْقًا كَقَالَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ) هَذَا الرَّجُلُ هُوَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ كَعْبٍ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْيَهُودِ. وَلَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: قَالَتِ الْيَهُودُ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِينَ سُؤَالِ كَعْبٍ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةً، وَتَكَلَّمَ كَعْبٌ عَلَى لِسَانِهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَاتَّخَذْنَا. . إِلَخْ) أَيْ لَعَظَّمْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ عِيدًا لَنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ لِعِظَمِ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ. وَالْعِيدُ فِعْلٌ مِنَ الْعَوْدِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) زَادَ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَزَادَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ: وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، وَأَجَابَ عُمَرُ ﵁ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَلَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا؟ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُخْرَيَاتِ نَهَارِ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْعِيدِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَوَّلِهِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْقَابِلَةِ، قَالَهُ هَكَذَا بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ اكْتَفَى فِيهَا بِالْإِشَارَةِ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ عَنْ قَبِيصَةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَدْ نَصَّتْ عَلَى الْمُرَادِ وَلَفْظُهُ: نَزَلَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ لَفْظُ الطَّبَرِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ: وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ، يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ فَظَهَرَ أَنَّ الْجَوَابَ تَضَمَّنَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، وهو يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَاتَّخَذُوا يَوْمَ عَرَفَةَ عِيدًا لِأَنَّهُ لَيْلَةُ الْعِيدِ، وَهَكَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فِي الصِّيَامِ: شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ فَسُمِّيَ رَمَضَانُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ الْعِيدُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ دَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ؟ أُجِيبَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قَتَادَةُ) بن دعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ إِيمَانٍ مَكَانَ خَيْرٍ) وللأَصيليِّ: «من خيرٍ» وهذا من التَّعليقات، وقد وصله الحاكم في «كتاب الأربعين» له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل قال: حدَّثنا أَبَانُ، ونبَّه المؤلِّف به على تصريح قتادة فيه بالتَّحديث عن أنسٍ؛ لأنَّ قتادة مُدلِّسٌ لا يُحتَجُّ بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه (١)، وعلى تفسير (٢) المتن بقوله: «من إيمانٍ» بدل قوله: «من خيرٍ».
٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بتشديد المُوحَّدة، ابن محمَّدٍ، وللأَصيليِّ: «البزَّار» بزايٍ بعدها راءٌ، الواسطيُّ، المُتوفَّى ببغدادَ سنة ستِّين ومئتين أنَّه (سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) أي: ابن (٣) جعفرٍ المخزوميَّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة سبعٍ ومئتين قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملَةٌ، الهُذَلِيُّ المسعودِيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ قال: (أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الكوفيُّ العابد، المُتوفَّى سنة
عشرين ومئةٍ أيضًا (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) يعني: ابنَ عبد شمسٍ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ (١)، وقال المِزِّيُّ: سنة ثلاثٍ وثمانين، وقِيلَ: سنة اثنتين، وقِيلَ: سنة أربعٍ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم، كما قاله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وغيره، كلُّهم من طريق رجاء (٢) بن أبي سلمة عن عبادة (٣) بن نُسَيٍّ -بضمِّ النُّون وفتح المُهمَلَة- عن إسحاق بن خرشة عن (٤) قَبيصة بن ذؤيبٍ، عن كعبٍ أنَّه (قَالَ لَهُ) أي: لعمرَ: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ): مبتدأٌ، وساغ مع كونه نكرةً لتخصيصه بالصِّفة وهي: (فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُوْنَهَا) والخبرُ: (لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ) أي: لو نزلت علينا كقوله: ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: لو تملكون أنتم؛ لأنَّ «لو» لا تدخل إلَّا على الفعل، فحُذِف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه، و «معشرَ»: نُصِبَ على الاختصاص، أي: أعني معشرَ اليهود (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ، ونُسَرُّ فيه لعظم ما حصل فيه من كمال الدِّين (قَالَ) عمر ﵁: (أَيُّ آيَةٍ) هي؟ فالخبر محذوفٌ (قَالَ) كعبٌ: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) قال البيضاويُّ: بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوقيف على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بالهداية
والتَّوفيق، أو بإكمال الدِّين، أو بفتح مكَّة وهدم منارات الجاهليَّة (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ﴾) أي: اخترته لكم (﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) من بين الأديان، وهو الدِّين عند الله (قَالَ) وفي رواية الأربعة: «فقال» (عُمَرُ) ﵁: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ) وفي رواية الأَصيليِّ: «أُنزِلت» (فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «على رسول الله» (ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ) أي: والحال أنَّه قائمٌ (بِعَرَفَةَ) بعدم الصَّرف للعلميَّة والتَّأنيث (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت ونسخةٍ لابن عساكر (١): «يوم الجمعة» وإنَّما لم يُمنَع من الصَّرف على الأولى -كما في «عرفة» - لأنَّ الجمعة صفةٌ، أو غير صفةٍ وليس علمًا ولو كانت علمًا؛ لامتنع صرفها، وهي بفتح الميم وضمِّها وإسكانها، فالمتحرِّك بمعنى الفاعل كضُحَكة بمعنى: ضاحكٍ، والمُسكَّن بمعنى المفعول كضُحْكةٍ، أي: مضحوكٍ عليه، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ، فالمعنى إمَّا
جامعٌ للنَّاس أو مجموعٌ له، وإنَّما لم يقل عمرُ ﵁: جعلناه عيدًا ليطابق جوابه السُّؤال؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أنَّ النُّزول كان بعد العصر، ولا يتحقَّق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار، وقد قالوا: إنَّ رؤية الهلال بعد الزَّوال للقابلة، ولا ريب أنَّ اليوم التَّالي ليوم عرفة عيدٌ للمسلمين، فكأنَّه قال: جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتَّعبُّد فيه (١)، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وعندي أنَّ هذه الرِّواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلَّا فرواية إسحاق عن (٢) قبيصةَ قد نصَّت على المُرَاد، ولفظه: «يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما -بحمد الله سبحانه- لنا عيدٌ»، وللطَّبرانيِّ: «وهما لنا عيدٌ» فظهر أنَّ الجواب تضمَّن أنَّهم اتَّخذوا ذلك اليوم عيدًا وهو يوم الجمعة، واتَّخذوا يوم عرفة عيدًا لأنَّه ليلة العيد. انتهى. وقال النَّوويُّ: قد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكلٍّ منهما، فإذا اجتمعا؛ زاد التعظيم، فقد اتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا وعظَّمنا مكانه.
وفي رجال هذا الحديث ثلاثةٌ كوفيُّون، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٠٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٦٨]، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وكذا النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الحجِّ».
(٣٤) (بابٌ) بالتَّنوين (الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ) أي: من شُعَبِهِ، مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوز إضافة «الباب»
للاحقه (وَقَوْلُهُ) بالرَّفع والجرِّ على ما لا يخفى، وللأَصيليِّ: «﷿» ولابن عساكر: «سبحانه»: (﴿وَمَا أُمِرُوا﴾) أي: أهل الكتاب في التَّوراة والإنجيل، ولأبي ذَرٍّ: «باب الزَّكاة من الإسلام، وما أُمِروا» (﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾) حالَ كونِهم (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾) لا يشركون به، فما أُرِيدَ به وجه الله فقط إخلاصٌ، ما لم يَشُبْهُ رُكونٌ أو حظٌّ كطُهْرِه لله تعالى مع نيَّة تَبَرُّدٍ، وصومه لله تعالى بنيَّة الحِمْيةِ ونحوها، أو يعتكف لله بمسجدٍ ويدفع مؤنة مسكنه، وهذه النِّيَّة لا تحبطه (١) لصحَّة حجِّه لله تعالى مع نيَّة تجارةٍ إجماعًا، فإلاخلاص ما صفا عن الكدر، وخَلُصَ من الشَّوائب، والرِّياء آفةٌ عظيمةٌ تقلب الطَّاعة معصيةً، فالإخلاص رأس جميع العبادات (﴿حُنَفَاء﴾) مائلين عن العقائد الزَّائغة (﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾) التي هي عماد الدِّين، وهو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾) ولكنَّهم حرَّفوا وبدَّلوا (﴿وَذَلِكَ﴾) المذكور من هذه الأشياء هو: (﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]) أي: دين الملَّة القيِّمة، أي: المُستقيمة، وسقط عند الأَصيليِّ «﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾»، وفي رواية أبي الوقت من قوله: «﴿حُنَفَاء﴾ … إلى آخر الآية»، فقال: «﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية».