«كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠٢

الحديث رقم ٤٦٠٢ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٠٢ في صحيح البخاري

«كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ، قَالَ الْأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللهِ، وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَرَمَانِي بِالْحَصَا، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ».

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٦٠٢ من صحيح البخاري

٤٦٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: النُّشُوزُ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَهُوَ هُنَا مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أَيْ: فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ.

قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ) أَيْ: وَتَتْرُكُنِي مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَمْلِي: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ، وَعَنْ عَلِيٍّ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ تَكْرَهُ مُفَارَقَتَهُ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى أَنْ يَجِيئَهَا كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا شَابَّةً، فَآثَرَ الْبِكْرَ عَلَيْهَا، فَنَازَعَتْهُ فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إِنْ شِئْتِ رَاجَعْتُكِ وَصَبَرْتِ، فَقَالَتْ: رَاجِعْنِي، فَرَاجَعَهَا، ثُمَّ لَمْ تَصْبِرْ فَطَلَّقَهَا قَالَ: فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِدُونِ ذِكْرِ نُزُولِ الْآيَةِ.

٢٥ - بَاب ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْفَلَ النَّارِ. ﴿نَفَقًا﴾ سَرَبًا

٤٦٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ، قَالَ الْأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ، وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَرَمَانِي بِالْحَصَا، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ: بَابُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْفَلُ النَّارِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ: أَسْفَلَ النَّارِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: عَذَابُ الْمُنَافِقِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الْكَافِرِ؛ لِاسْتِهْزَائِهِ بِالدِّينِ.

قَوْلُهُ: ﴿نَفَقًا﴾ سَرَبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَعَلَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِهَا هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى اشْتِقَاقِ النِّفَاقِ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ إِظْهَارُ غَيْرِ مَا يُبْطِنُ، كَذَا وَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِمَّا قَالُوهُ فِي اشْتِقَاقِ النِّفَاقِ أَنَّهُ مِنَ النَّافِقَاءِ وَهُوَ جُحْرُ الْيَرْبُوعِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النَّفَقِ وَهُوَ السَّرَبِ، حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ.

قَوْلُهُ: (إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ خَالُهُ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ حُذَيْفَةُ) هُوَ ابْنُ الْيَمَانِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ) أَيِ: ابْتُلُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ طَبَقَةِ الصَّحَابَةِ، فَهُمْ خَيْرٌ مِنْ طَبَقَةِ التَّابِعِينَ، لَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُمْ فَارْتَدُّوا وَنَافَقُوا فَذَهَبَتِ الْخَيْرِيَّةُ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَابَ فَعَادَتْ لَهُ الْخَيْرِيَّةُ، فَكَأَنَّ حُذَيْفَةَ حَذَّرَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ وَأَشَارَ لَهُمْ أَنْ لَا يَغْتَرُّوا؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَتَقَلَّبُ، فَحَذَّرَهُمْ مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الصَّحيح: «ثلاثٌ من كنَّ فيه؛ كان منافقًا خالصًا» [خ¦٣٤] فللتَّغليظ.

(﴿نَفَقًا﴾) يريد قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا أي: (سَرَبًا).

٤٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ، وهو خال إبراهيم أنَّه (قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ، و «حَلْقة»: بسكون اللَّام (فَجَاءَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ) أي: ابتُلُوا به، والخيريَّة باعتبار أنَّهم كانوا من طبقة الصَّحابة، فهم خيرٌ من طبقة التَّابعين، لكنَّ الله تعالى ابتلاهم فارتَدُّوا أو نافقوا، فذهبت الخيريَّة منهم (قَالَ الأَسْوَدُ) بن يزيد متعجِّبًا من كلام حذيفة: (سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ متعجِّبًا من كلام حذيفة، وبما قام به من قول الحقِّ وما حذر منه (وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ) قال الأسود: (فَرَمَانِي) أي: حذيفة بن اليمان (بِالحَصَا) (١) أي: ليستدعيني (فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ) أي: ضحك عبد الله بن مسعودٍ مقتصرًا عليه، أي: على الضَّحك (٢) (وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا) أي: رجعوا عن النِّفاق (فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) واستُدِلَّ به كقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] على صحَّة توبة الزِّنديق وقبولها، كما عليه الجمهور.

وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٢٦) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) ﷿: (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]) وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، وقوله: «﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٢)» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، والكاف في ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ نصبٌ بمصدرٍ محذوفٍ، أي: إيحاءً مثل إيحائنا، أو على أنَّه حالٌ من ذلك المصدر المحذوف، و «ما»: تحتمل المصدريَّة؛ فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصَّحيح، والموصوليَّة؛ فيكون العائد محذوفًا.

وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما فيما رواه ابن إسحاق: «أنَّ سُكَيْنًا وعديَّ بن زيدٍ (٣) قالا: يا محمَّد ما نعلم أنَّ الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ من بعد موسى، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا … ﴾» إلى آخره (٤).

وعن محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ: «أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء … ﴾ إلى قوله: ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٦] فلمَّا تلاها عليهم -يعني: اليهود- وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة؛ جحدوا كلَّ ما أنزل الله تعالى، وقالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللّهُ (٥) عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فقال: ولا على أحدٍ! فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]» قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الذي قاله محمَّد بن كعبٍ نظرٌ؛ فإنَّ هذه الآية مكِّيَّةٌ في سورة الأنعام، وهذه الآية

التي في النِّساء مدنيَّةٌ، وهي ردٌّ عليهم لمَّا سألوه أن يُنزِل عليهم كتابًا من السَّماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] ثمَّ ذكر فضائحهم ومعايبهم، ثمَّ ذكر أنَّه أوحى إلى عبده كما أوحى إلى غيره من النَّبيِّين، فقال مخاطبًا حبيبه، وآثر صيغة التَّعظيم؛ تعظيمًا للمُوحِي والموحَى إليه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] أي: لك أسوةٌ بالأنبياء السَّالفة، فتأسَّ بهم ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] لأنَّ شأن وحيك كشأن وحيهم، وبدأ بنوحٍ؛ لأنَّه أوَّل نبيٍّ قاسى الشِّدَّة من الأمَّة، وعطف عليه النَّبيِّين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم إلى داود ؛ تشريفًا لهم (١)، وترك ذكر موسى ليبرزه مع ذكرهم بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] على نمطٍ أعمَّ من الأوَّل؛ لأنَّ قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٤] من التَّقسيم الخاصِّ (٢)؛ مزيدًا لشرفه واختصاصه بوصف التَّكليم دونهم، أي: رسلًا فضَّلهم واختارهم وآتاهم الآيات البيِّنات، والمعجزات القاهرات (٣) الباهرات إلى ما لا يحصى، وخصَّ موسى بالتَّكليم، وثلَّث ذكرهم على أسلوبٍ يجمعهم في وصفٍ عامٍّ على جهة المدح، والتَّعظيمُ (٤) سارٍ في غيرهم؛ وهو كونهم مبشِّرين ومنذرين، وجعلهم حجَّة الله (٥) على الخلق طرًّا لقطع معاذيرهم، فيدخل في هذا القسم كلُّ من دعا (٦) إلى هدًى وبشَّر وأنذر كالعلماء، وظهر من هذا التَّقدير طبقات الدَّاعين إلى الله بأسرهم، قاله في «فتوح الغيب».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: النُّشُوزُ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَهُوَ هُنَا مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أَيْ: فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ.

قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ) أَيْ: وَتَتْرُكُنِي مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَمْلِي: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ، وَعَنْ عَلِيٍّ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ تَكْرَهُ مُفَارَقَتَهُ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى أَنْ يَجِيئَهَا كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا شَابَّةً، فَآثَرَ الْبِكْرَ عَلَيْهَا، فَنَازَعَتْهُ فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إِنْ شِئْتِ رَاجَعْتُكِ وَصَبَرْتِ، فَقَالَتْ: رَاجِعْنِي، فَرَاجَعَهَا، ثُمَّ لَمْ تَصْبِرْ فَطَلَّقَهَا قَالَ: فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِدُونِ ذِكْرِ نُزُولِ الْآيَةِ.

٢٥ - بَاب ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْفَلَ النَّارِ. ﴿نَفَقًا﴾ سَرَبًا

٤٦٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ، قَالَ الْأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ، وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَرَمَانِي بِالْحَصَا، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ: بَابُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْفَلُ النَّارِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ: أَسْفَلَ النَّارِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: عَذَابُ الْمُنَافِقِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الْكَافِرِ؛ لِاسْتِهْزَائِهِ بِالدِّينِ.

قَوْلُهُ: ﴿نَفَقًا﴾ سَرَبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَعَلَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِهَا هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى اشْتِقَاقِ النِّفَاقِ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ إِظْهَارُ غَيْرِ مَا يُبْطِنُ، كَذَا وَجَّهَهُ الْكَرْمَانِيُّ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِمَّا قَالُوهُ فِي اشْتِقَاقِ النِّفَاقِ أَنَّهُ مِنَ النَّافِقَاءِ وَهُوَ جُحْرُ الْيَرْبُوعِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النَّفَقِ وَهُوَ السَّرَبِ، حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ.

قَوْلُهُ: (إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ خَالُهُ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ حُذَيْفَةُ) هُوَ ابْنُ الْيَمَانِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ) أَيِ: ابْتُلُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ طَبَقَةِ الصَّحَابَةِ، فَهُمْ خَيْرٌ مِنْ طَبَقَةِ التَّابِعِينَ، لَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُمْ فَارْتَدُّوا وَنَافَقُوا فَذَهَبَتِ الْخَيْرِيَّةُ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَابَ فَعَادَتْ لَهُ الْخَيْرِيَّةُ، فَكَأَنَّ حُذَيْفَةَ حَذَّرَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ وَأَشَارَ لَهُمْ أَنْ لَا يَغْتَرُّوا؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَتَقَلَّبُ، فَحَذَّرَهُمْ مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الصَّحيح: «ثلاثٌ من كنَّ فيه؛ كان منافقًا خالصًا» [خ¦٣٤] فللتَّغليظ.

(﴿نَفَقًا﴾) يريد قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا أي: (سَرَبًا).

٤٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ، وهو خال إبراهيم أنَّه (قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ، و «حَلْقة»: بسكون اللَّام (فَجَاءَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ) أي: ابتُلُوا به، والخيريَّة باعتبار أنَّهم كانوا من طبقة الصَّحابة، فهم خيرٌ من طبقة التَّابعين، لكنَّ الله تعالى ابتلاهم فارتَدُّوا أو نافقوا، فذهبت الخيريَّة منهم (قَالَ الأَسْوَدُ) بن يزيد متعجِّبًا من كلام حذيفة: (سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ متعجِّبًا من كلام حذيفة، وبما قام به من قول الحقِّ وما حذر منه (وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ) قال الأسود: (فَرَمَانِي) أي: حذيفة بن اليمان (بِالحَصَا) (١) أي: ليستدعيني (فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ) أي: ضحك عبد الله بن مسعودٍ مقتصرًا عليه، أي: على الضَّحك (٢) (وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، ثُمَّ تَابُوا) أي: رجعوا عن النِّفاق (فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) واستُدِلَّ به كقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] على صحَّة توبة الزِّنديق وقبولها، كما عليه الجمهور.

وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٢٦) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) ﷿: (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]) وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، وقوله: «﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٢)» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، والكاف في ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ نصبٌ بمصدرٍ محذوفٍ، أي: إيحاءً مثل إيحائنا، أو على أنَّه حالٌ من ذلك المصدر المحذوف، و «ما»: تحتمل المصدريَّة؛ فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصَّحيح، والموصوليَّة؛ فيكون العائد محذوفًا.

وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما فيما رواه ابن إسحاق: «أنَّ سُكَيْنًا وعديَّ بن زيدٍ (٣) قالا: يا محمَّد ما نعلم أنَّ الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ من بعد موسى، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا … ﴾» إلى آخره (٤).

وعن محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ: «أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء … ﴾ إلى قوله: ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٦] فلمَّا تلاها عليهم -يعني: اليهود- وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة؛ جحدوا كلَّ ما أنزل الله تعالى، وقالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللّهُ (٥) عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فقال: ولا على أحدٍ! فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]» قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الذي قاله محمَّد بن كعبٍ نظرٌ؛ فإنَّ هذه الآية مكِّيَّةٌ في سورة الأنعام، وهذه الآية

التي في النِّساء مدنيَّةٌ، وهي ردٌّ عليهم لمَّا سألوه أن يُنزِل عليهم كتابًا من السَّماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] ثمَّ ذكر فضائحهم ومعايبهم، ثمَّ ذكر أنَّه أوحى إلى عبده كما أوحى إلى غيره من النَّبيِّين، فقال مخاطبًا حبيبه، وآثر صيغة التَّعظيم؛ تعظيمًا للمُوحِي والموحَى إليه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] أي: لك أسوةٌ بالأنبياء السَّالفة، فتأسَّ بهم ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] لأنَّ شأن وحيك كشأن وحيهم، وبدأ بنوحٍ؛ لأنَّه أوَّل نبيٍّ قاسى الشِّدَّة من الأمَّة، وعطف عليه النَّبيِّين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم إلى داود ؛ تشريفًا لهم (١)، وترك ذكر موسى ليبرزه مع ذكرهم بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] على نمطٍ أعمَّ من الأوَّل؛ لأنَّ قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٤] من التَّقسيم الخاصِّ (٢)؛ مزيدًا لشرفه واختصاصه بوصف التَّكليم دونهم، أي: رسلًا فضَّلهم واختارهم وآتاهم الآيات البيِّنات، والمعجزات القاهرات (٣) الباهرات إلى ما لا يحصى، وخصَّ موسى بالتَّكليم، وثلَّث ذكرهم على أسلوبٍ يجمعهم في وصفٍ عامٍّ على جهة المدح، والتَّعظيمُ (٤) سارٍ في غيرهم؛ وهو كونهم مبشِّرين ومنذرين، وجعلهم حجَّة الله (٥) على الخلق طرًّا لقطع معاذيرهم، فيدخل في هذا القسم كلُّ من دعا (٦) إلى هدًى وبشَّر وأنذر كالعلماء، وظهر من هذا التَّقدير طبقات الدَّاعين إلى الله بأسرهم، قاله في «فتوح الغيب».

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
الحمد لله