«خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: لَوْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٢١

الحديث رقم ٤٦٢١ من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٢١ في صحيح البخاري

«خَطَبَ رَسُولُ اللهِ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» رَوَاهُ النَّضْرُ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ.

إسناد حديث رقم ٤٦٢١ من صحيح البخاري

٤٦٢١ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَشْرَبُونَ، حَتَّى أَمَّ رَجُلٌ أَصْحَابَهُ فِي الْمَغْرِبِ فَخَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ، فَكَانُوا يَشْرَبُونَ وَلَا يَقْرَبُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُفِيقَ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ وَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الْآيَةَ.

فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمُوهُ، وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى قِيلَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: دَعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْتَفِعْ بِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: لَا، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي النَّسْخِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا أَرَاقُوهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ):

فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ فَقَالُوا: أَرِقْ يَا أَنَسُ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْمُنَادِيَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ يَا أَنَسُ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ شَافَهَهُمْ، وَالثَّانِيَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي نَقَلَ لَهُمْ ذَلِكَ غَيْرُ أَنَسٍ، فَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّ الْآتِيَ أَخْبَرَ أَنَسًا، وَأَنَسٌ أَخْبَرَ الْقَوْمَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ نَصَّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْآتِيَ أَخْبَرَ الْقَوْمَ مُشَافَهَةً بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُنَادِيَ غَيْرُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ، أَوْ أَنَّ أَنَسًا لَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَنِ الْمُنَادِي جَاءَ الْمُنَادِي أَيْضًا فِي أَثَرِهِ فَشَافَهَهُمْ.

١٢ - بَاب: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

٤٦٢١ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أبوك فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ.

٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الآيَةِ كُلِّهَا"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا النَّهْيِ مَنْ كَرِهَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنَ الْغَافِلِينَ مَنْعَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ، وَمَسَائِلُ النَّوَازِلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّهُ أَسَاءَ فِي قَوْلِهِ الْغَافِلِينَ عَلَى

عَادَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ، ولَيْسَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ عَلْيَاءَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الْجَارُودِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، وَأَبُوهُ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا رَأَيْتُ عَنْهُ رَاوِيًا إِلَّا وَلَدَهُ، وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي الْمُتَابَعَاتِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي عَلِيِّ الْغَسَّانِيِّ فِيمَا حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ عَنْ مُنْذِرٍ هَذَا وَأَنَّ مُحَمَّدًا الْمَذْكُورَ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عِنْدَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَالْقَائِلُ ذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ وَظَنُّوهُ شَيْخًا لِلْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ فِي الِاعْتِصَامِ أَخْبَرَنِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ.

قَوْلُهُ: (خَطَبَ النَّبِيُّ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ فِي أَوَّلِهِ زِيَادَةٌ يَظْهَرُ مِنْهَا سَبَبُ الْخُطْبَةِ وَلَفْظُهُ: بَلَغَ النبي عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ فَغَطَّى) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ.

قَوْلُهُ: (لَهُمْ حَنِينٌ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْأَوَّلُ الصَّوْتُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ مِنَ الصَّدْرِ، وَالثَّانِي مِنَ الْأَنْفِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَنِينُ بُكَاءٌ دُونَ الِانْتِحَابِ، وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْحَنِينَ وَالْخَنِينَ وَاحِدًا إِلَّا أَنَّ الْحَنِينَ مِنَ الصَّدْرِ أَيِ الْمُهْمَلَةَ وَالْخَنِينَ مِنَ الْأَنْفِ بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ (١).

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ) تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعَسْكَرِيِّ نَزَلَتْ فِي قَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَكُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا زِيَادَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَأَحدث بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الِاعْتِصَامِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) هَكَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَعَ أَنَّهُ أَشْبَعُ سِيَاقًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِيتِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَوَقَعَ فِي الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ مُطَوَّلًا قَالَ فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ ثَوْبَهُ بِرَأْسِهِ يَبْكِي، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَقَوْلُ عُمَرَ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ غَضْبَانَ، مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: حُذَافَةُ. فَقَامَ عُمَرُ - فَذَكَرَ كَلَامَهُ وَزَادَ فِيهِ - وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِحَدِيثِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ

الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ.

ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا﴾ فَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَلَعَلَّ مُرَاجَعَتَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ هِيَ سَبَبُ غَضَبِهِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ عَلَيٍّ هَذَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَمِنْ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ عَقِبَ هَذَا وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ سَبَبَ نُزُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشْيَاءِ الْبَحِيرَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْحَامُ. قَالَ: فَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْآيَاتِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ نَحْوُ سُؤَالِ قُرَيْشٍ أَنْ يَجْعَلَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، وَسُؤَالِ الْيَهُودِ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الَّذِينَ سَأَلُوا عَنِ الْبَحِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ مِقْسَمٍ فِيمَا سَأَلَ الْأُمَمُ أَنْبِيَاءَهَا عَنِ الْآيَاتِ.

قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ قَالَ نُهُوا أَنْ يَسْأَلُوا مِثْلَ مَا سَأَلَ النَّصَارَى مِنَ الْمَائِدَةِ فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ وَقَدْ رَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِوُقُوعِ قِصَّةِ الْمَائِدَةِ فِي السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَبْعَدَ نُزُولَهَا فِي قِصَّةِ مَنْ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنِ الْحَجِّ كُلَّ عَامٍ، وَهُوَ إِغْفَالٌ مِنْهُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْمُنِيرِ نُزُولَهَا فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ عَمَّا كَانَ وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَاسْتَنَدَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْأَسْبَابُ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَفِي الْحَدِيثِ إِيثَارُ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَرَاهَةُ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهَةُ التَّنْقِيبِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَتَكَلُّفُ الْأَجْوِبَةِ لِمَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ التَّمَرُّنَ عَلَى التَّفَقُّهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ النَّضْرُ) هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ، وَرِوَايَةُ النَّضْرِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَرِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) هُوَ الْبَغْدَادِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَشَيْءٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةِ، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ هُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ اسْمُهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ ابْنُ خُفَافٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، ثِقَةٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ لَهُ ثَالِثٌ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَأَلَهُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزَاءً) قَدْ تَقَدَّمَ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ الِامْتِحَانِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَوْ لَمْ يسْأَلْ عَنْهُ لَكَانَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَفِي أَوَّلِ رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَذَكَرَهُ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضَّالَّةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أَكَلَ الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَارُودِيُّ) بالجيم، العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) الوليد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) أبيه (أَنَسٍ) هو ابن مالك () أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ) وكان فيما رواه النَّضْر بن شُميلٍ عن شعبة عند مسلمٍ قد بلغه عن أصحابه شيءٌ، فَخَطَب بسبب ذلك (قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ) من عظمة الله وشدَّة عقابه بأهل الجرائم وأهوال القيامة (مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ) أنسٌ: (فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ) بالخاء المعجمة، للكُشْمِيهنيِّ، أي: صوتٌ مرتفعٌ من الأنف بالبكاء مع غنَّةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «حنينٌ» بالحاء المهملة، أي: صوتٌ مرتفعٌ بالبكاء من الصَّدر؛ وهو دون الانتحاب (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حذافة، أو (٢) قيس بن حذافة، أو خارجة بن حذافة، وكان يُطْعَن فيه: (مَنْ أَبِي؟ قَالَ) : أبوك (فُلَانٌ) أي: حذافة (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» (٣) [خ¦٦٤٨٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩١]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ »، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق» (٤).

(رَوَاهُ) أي: حديث الباب (النَّضْرُ) بن شُمَيلٍ فيما وصله مسلمٌ (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) مما (٥) وصله البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٥] كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج بإسناده، وعند ابن جريرٍ عن قتادة، عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ سألوه حتَّى أَحْفَوه بالمسألة، فصَعَد المنبر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَشْرَبُونَ، حَتَّى أَمَّ رَجُلٌ أَصْحَابَهُ فِي الْمَغْرِبِ فَخَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ، فَكَانُوا يَشْرَبُونَ وَلَا يَقْرَبُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُفِيقَ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ وَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الْآيَةَ.

فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمُوهُ، وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى قِيلَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: دَعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْتَفِعْ بِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: لَا، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي النَّسْخِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا أَرَاقُوهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ):

فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ فَقَالُوا: أَرِقْ يَا أَنَسُ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْمُنَادِيَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ يَا أَنَسُ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ شَافَهَهُمْ، وَالثَّانِيَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي نَقَلَ لَهُمْ ذَلِكَ غَيْرُ أَنَسٍ، فَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّ الْآتِيَ أَخْبَرَ أَنَسًا، وَأَنَسٌ أَخْبَرَ الْقَوْمَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ نَصَّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْآتِيَ أَخْبَرَ الْقَوْمَ مُشَافَهَةً بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُنَادِيَ غَيْرُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ، أَوْ أَنَّ أَنَسًا لَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَنِ الْمُنَادِي جَاءَ الْمُنَادِي أَيْضًا فِي أَثَرِهِ فَشَافَهَهُمْ.

١٢ - بَاب: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

٤٦٢١ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أبوك فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ.

٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الآيَةِ كُلِّهَا"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا النَّهْيِ مَنْ كَرِهَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنَ الْغَافِلِينَ مَنْعَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ، وَمَسَائِلُ النَّوَازِلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّهُ أَسَاءَ فِي قَوْلِهِ الْغَافِلِينَ عَلَى

عَادَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ، ولَيْسَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ عَلْيَاءَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الْجَارُودِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، وَأَبُوهُ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا رَأَيْتُ عَنْهُ رَاوِيًا إِلَّا وَلَدَهُ، وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي الْمُتَابَعَاتِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي عَلِيِّ الْغَسَّانِيِّ فِيمَا حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ عَنْ مُنْذِرٍ هَذَا وَأَنَّ مُحَمَّدًا الْمَذْكُورَ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عِنْدَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَالْقَائِلُ ذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ وَظَنُّوهُ شَيْخًا لِلْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ فِي الِاعْتِصَامِ أَخْبَرَنِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ.

قَوْلُهُ: (خَطَبَ النَّبِيُّ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ فِي أَوَّلِهِ زِيَادَةٌ يَظْهَرُ مِنْهَا سَبَبُ الْخُطْبَةِ وَلَفْظُهُ: بَلَغَ النبي عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ فَغَطَّى) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ.

قَوْلُهُ: (لَهُمْ حَنِينٌ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْأَوَّلُ الصَّوْتُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ مِنَ الصَّدْرِ، وَالثَّانِي مِنَ الْأَنْفِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَنِينُ بُكَاءٌ دُونَ الِانْتِحَابِ، وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْحَنِينَ وَالْخَنِينَ وَاحِدًا إِلَّا أَنَّ الْحَنِينَ مِنَ الصَّدْرِ أَيِ الْمُهْمَلَةَ وَالْخَنِينَ مِنَ الْأَنْفِ بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ (١).

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ) تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعَسْكَرِيِّ نَزَلَتْ فِي قَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَكُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا زِيَادَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَأَحدث بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الِاعْتِصَامِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) هَكَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَعَ أَنَّهُ أَشْبَعُ سِيَاقًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِيتِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَوَقَعَ فِي الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ مُطَوَّلًا قَالَ فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ ثَوْبَهُ بِرَأْسِهِ يَبْكِي، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَقَوْلُ عُمَرَ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ غَضْبَانَ، مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: حُذَافَةُ. فَقَامَ عُمَرُ - فَذَكَرَ كَلَامَهُ وَزَادَ فِيهِ - وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِحَدِيثِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ

الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ.

ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا﴾ فَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَلَعَلَّ مُرَاجَعَتَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ هِيَ سَبَبُ غَضَبِهِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ عَلَيٍّ هَذَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَمِنْ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ عَقِبَ هَذَا وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ سَبَبَ نُزُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشْيَاءِ الْبَحِيرَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْحَامُ. قَالَ: فَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْآيَاتِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ نَحْوُ سُؤَالِ قُرَيْشٍ أَنْ يَجْعَلَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، وَسُؤَالِ الْيَهُودِ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الَّذِينَ سَأَلُوا عَنِ الْبَحِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ مِقْسَمٍ فِيمَا سَأَلَ الْأُمَمُ أَنْبِيَاءَهَا عَنِ الْآيَاتِ.

قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ قَالَ نُهُوا أَنْ يَسْأَلُوا مِثْلَ مَا سَأَلَ النَّصَارَى مِنَ الْمَائِدَةِ فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ وَقَدْ رَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِوُقُوعِ قِصَّةِ الْمَائِدَةِ فِي السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَبْعَدَ نُزُولَهَا فِي قِصَّةِ مَنْ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنِ الْحَجِّ كُلَّ عَامٍ، وَهُوَ إِغْفَالٌ مِنْهُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْمُنِيرِ نُزُولَهَا فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ عَمَّا كَانَ وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَاسْتَنَدَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْأَسْبَابُ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَفِي الْحَدِيثِ إِيثَارُ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَرَاهَةُ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهَةُ التَّنْقِيبِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَتَكَلُّفُ الْأَجْوِبَةِ لِمَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ التَّمَرُّنَ عَلَى التَّفَقُّهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ النَّضْرُ) هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ، وَرِوَايَةُ النَّضْرِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَرِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) هُوَ الْبَغْدَادِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَشَيْءٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةِ، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ هُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ اسْمُهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ ابْنُ خُفَافٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، ثِقَةٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ لَهُ ثَالِثٌ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَأَلَهُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزَاءً) قَدْ تَقَدَّمَ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ الِامْتِحَانِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَوْ لَمْ يسْأَلْ عَنْهُ لَكَانَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَفِي أَوَّلِ رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَذَكَرَهُ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضَّالَّةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أَكَلَ الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَارُودِيُّ) بالجيم، العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) الوليد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) أبيه (أَنَسٍ) هو ابن مالك () أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ) وكان فيما رواه النَّضْر بن شُميلٍ عن شعبة عند مسلمٍ قد بلغه عن أصحابه شيءٌ، فَخَطَب بسبب ذلك (قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ) من عظمة الله وشدَّة عقابه بأهل الجرائم وأهوال القيامة (مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ) أنسٌ: (فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ) بالخاء المعجمة، للكُشْمِيهنيِّ، أي: صوتٌ مرتفعٌ من الأنف بالبكاء مع غنَّةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «حنينٌ» بالحاء المهملة، أي: صوتٌ مرتفعٌ بالبكاء من الصَّدر؛ وهو دون الانتحاب (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حذافة، أو (٢) قيس بن حذافة، أو خارجة بن حذافة، وكان يُطْعَن فيه: (مَنْ أَبِي؟ قَالَ) : أبوك (فُلَانٌ) أي: حذافة (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» (٣) [خ¦٦٤٨٥] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩١]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ »، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق» (٤).

(رَوَاهُ) أي: حديث الباب (النَّضْرُ) بن شُمَيلٍ فيما وصله مسلمٌ (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) مما (٥) وصله البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٥] كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج بإسناده، وعند ابن جريرٍ عن قتادة، عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ سألوه حتَّى أَحْفَوه بالمسألة، فصَعَد المنبر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده