«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٣٦

الحديث رقم ٤٦٣٦ من كتاب «سورة الأنعام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا ينفع نفسا إيمانها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٣٦ في صحيح البخاري

«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ».

سُورَةُ الْأَعْرَافِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيَاشًا الْمَالُ، الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾: كَثُرُوا، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، الْفَتَّاحُ: الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾: اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا﴾: رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾: أَحْزَنُ، تَأْسَ: تَحْزَنْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾: أَخَذَا الْخِصَافَ، مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ: يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾: كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: هَا هُنَا إِلَى الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ، ﴿قَبِيلُهُ﴾: جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾: اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُومًا، وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهْيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾: مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نُشُرًا﴾: مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾: قَلِيلًا، ﴿يَغْنَوْا﴾: يَعِيشُوا، ﴿حَقِيقٌ﴾: حَقٌّ، ﴿اسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: مِنَ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، ﴿طَائِرُهُمْ﴾: حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ: الطُّوفَانُ، ﴿القُمَّلُ﴾: الْحُمْنَانُ، يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، ﴿سُقِطَ﴾ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ

⦗٥٩⦘

فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾: يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ: تَعْدُ تُجَاوِزْ ﴿شُرَّعًا﴾: شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾: شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾: مِنْ جُنُونٍ، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ: بِهِ لَمَمٌ، وَيُقَالُ: ﴿طَائِفٌ﴾، وَهْوَ وَاحِدٌ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾: خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنَ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ، مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾.

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٦٣٦ من صحيح البخاري

٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٣٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ: وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ: هَلُمَّ، وَلِلْمَرْأَةِ: هَلُمِّي، وَلِلِاثْنَيْنِ: هَلُمَّا، وَلِلْقَوْمِ هَلُمُّوا، وَلِلنِّسَاءِ: هَلْمُمْنَ، يَجْعَلُونَهَا مِنْ هَلْمَمَتْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْإِحْضَارِ، وَشُهَدَاءَكُمْ مَفْعُولٌ بِهِ، الْمِيمُ فِي هَلُمَّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ فِي اللُّغَةِ الْأُولَى، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، وَلِبَسْطِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.

١٠ - بَاب: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾

٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِسْحَاقُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جَزَمَ خَلَفٌ بِأَنَّهُ ابْنُ نَصْرٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَوْلُ خَلَفٍ أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - سُورَةُ الْأَعْرَافِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيشًا: الْمَالُ، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، ﴿الْفَتَّاحُ﴾ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هُوَ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ: وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ، ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا: يَغْنَوْ يَعِيشُوا، حَقِيقٌ حَقٌّ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنْ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ، الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ، تعْدَ تَجَاوُزٍ ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾ قَعَدَ

وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مِنْ جُنُونٍ، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى

خُرُوجُهَا، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، يُقَالُ ﴿طَائِفٌ﴾ وَهُوَ وَاحِدٌ، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾ خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنْ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَعْرَافِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ فَقَالَ. . . (١) وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هُمْ مَلَائِكَةٌ وُكِّلُوا بِالصُّورِ لِيُمَيِّزُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ رِجَالٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ: ﴿الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِأَنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَرِيشًا﴾ الْمَالُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (وَرِيَاشًا) قَالَ: مَالًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ فَرَّقَهُمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرِيشًا﴾ قَالَ الْمَالُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيَاشُ اللِّبَاسُ وَالْعَيْشُ وَالنَّعِيمُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيَاشُ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ وَالسِّتَارَةِ، وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْخِصْبُ فِي الْمَعَاشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

(تَنْبِيهٌ)

قَرَأَ (وَرِيَاشًا) عَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ ﴿وَرِيشًا﴾.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ جَاءَ نَحْوَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو فَقَالَ: إِنَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَقَرَأَ الْآيَةَ. وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَقَعُ بِزِيَادَةِ الرَّفْعِ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ بِطَلَبِ مَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ شَرْعًا أَوْ بِطَلَبِ مَعْصِيَةٍ أَوْ يَدْعُو بِمَا لَمْ يُؤْثَرْ، خُصُوصًا مَا وَرَدَتْ كَرَاهَتُهُ كَالسَّجْعِ الْمُتَكَلَّفِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتِ: انْفَجَرَتْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ، يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا مَنَعَكَ إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ لَكَ أَلا تَسْجُدَ. قَالَ: وَأُدْخِلَتْ أَنْ قَبْلَ لَا كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) كَذَا لِأَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَفِقَا

يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: جَعَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَيَجْعَلَانِ عَلَى سَوْآتِهِمَا، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَخْصِفَانِ﴾ قَالَ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ظُفْرًا كُلَّهُ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كُشِطَ عَنْهُ وَبَدَتْ سَوْأَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ النُّورَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَرَى عَوْرَةَ الْآخَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ، وَيُقَالُ تَدَارَكَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيِ اجْتَمَعَ، وَالتَّاءُ مُدْغَمَةٌ فِي الدَّالِ، انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَصْلُ تَدَارَكُوا، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (الْفَتَّاحُ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَالْفَتَّاحُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولَا … فَإِنِّي عَنْ فِتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ

الْفَتَّاحُ الْقَاضِي. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يَنْقُلُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: انْطَلِقْ أُفَاتِحْكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (افْتَحْ بَيْنَنَا) أَيِ اقْضِ بَيْنَنَا، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْكِسَائِيِّ، أَيْ قَالَ: الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ اللِّبَاسُ.

قَوْلُهُ: (قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (قَبِيلُهُ) قَالَ: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا تُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أَيْ ثُقْبِ الْإِبْرَةِ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ سَمٌّ وَالْجَمْعُ سُمُومٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَامُّ الْإِنْسَانِ بَدَلَ مَشَاقِّ وَهِيَ بِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وَاحِدَتُهَا غَاشِيَةٌ وَهِيَ مَا غَشَّاهُمْ فَغَطَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمِهَادُ لَهُمْ كَهَيْئَةِ الْفِرَاشِ. وَالْغَوَاشِ يَتَغَشَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَمَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الْمِهَادُ الْفُرُشُ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ: اللُّحُفُ.

قَوْلُهُ: (نَكِدًا قَلِيلًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ أَيْ قَلِيلًا عَسِرًا فِي شِدَّةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تُنْجِزِ الْوَعْدَ إِنْ وَعَدْتَ … وَإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: النَّكِدُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ.

قَوْلُهُ: ﴿طَائِرُهُمْ﴾ حَظُّهُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ: حَظُّهُمْ وَنَصِيبُهُمْ.

قَوْلُهُ: (طُوفَانُ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ

لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّوفَانُ مِنَ السَّيْلِ وَمِنَ الْمَوْتِ الْبَالِغِ الذَّرِيعِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَطَافَ بِهِ إِذَا عَمَّهُ بِالْهَلَاكِ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ: الطُّوفَانُ وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا وَاحِدَ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَأَتَوْا مُوسَى فَدَعَا اللَّهَ فَرَفَعَ ثُمَّ عَادُوا. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الْحُمْنَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (شْبه صِغَارَ الْحَلَمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقُمَّلُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْحُمْنَانُ وَالْحُمْنَانُ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا حَمْنَانَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقُمَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: قِيلَ: السُّوسُ، وَقِيلَ: الدَّبَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفٌ وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَقِيلَ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ، وَقِيلَ صِغَارُ الذَّرِّ، وَقِيلَ هُوَ الْقَمْلُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ دَابَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ الطَّيْرِ لَهَا جَنَاحٌ أَحْمَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمُصَّ الْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلَةِ فَتَكْبَرُ السُّنْبُلَةُ وَلَا حَبَّ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أَيْ يَبْنُونَ، وَعُرُشُ مَكَّةَ خِيَامُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ تَفْسِيرُ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾.

قَوْلُهُ: ﴿سُقِطَ﴾ كُلُ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَدِمَ وَعَجَزَ عَنْ شَيْءٍ سُقِطَ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، تَأْسَ تَحْزَنْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْأُولَى فِي الْأَعْرَافِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا.

قَوْلُهُ: ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ كَثُرُوا، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبَاتٍ وَقَوْمٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَثُرُوا فَقَدْ عَفَوْا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَكِنَّا نَعَضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقٍ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ حَتَّى سُرُّوا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ يَنْزِلُوهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَغَانِي الدِّيَارِ وَاحِدَتُهَا مَغْنًى، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَتَعْرِفُ مَغْنَى دِمْنَةٍ وَرُسُومِ

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا، أَوْ كَأَنْ لَمْ يَتَنَعَّمُوا.

قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (اسْتَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ هُوَ مِنَ الرَّهْبَةِ أَيْ خَوَّفُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (تَلَقَّفُ تَلْقَمُ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَاحِدُهَا سِبْطٌ، تَقُولُ مِنْ أَيِّ سِبْطٍ أَنْتَ؟ أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجِنْسٍ؟ انْتَهَى. وَالْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ يَعْقُوبَ كَالْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ، وَقِيلَ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ لِانْتِشَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ سِبْطٍ.

قَوْلُهُ: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَجَاوُزًا بَعْدَ تَجَاوُزٍ وَهُوَ بِالْمَعْنَى.

قَوْلُهُ: ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ شَوَارِعَ انْتَهَى. وَشُرَّعٌ وَشَوَارِعُ جَمْعُ شَارِعٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم مَن آمن أو عمل عند الغَرْغَرَةِ، وذلك لا يفيد شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الملاحم»، والنَّسائيُّ في «الوصايا»، وابن ماجه في «الفتن».

٤٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ كما جزم به خلفٌ، أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزيُّ الكوسَج كما جزم به أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأوَّل أقوى، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) «وآية ذلك: أن تطول اللَّيلة حتَّى تكون قدر ليلتين» رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فَإِذَا طَلَعَتْ) من مغربها (وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ) ولمسلمٍ (١) عن ابن عَمرو (٢) مرفوعًا: «إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشَّمس من مغربها … » الحديث، واستشكِل بأنَّ طلوع الشَّمس ليس بأوَّل الآيات؛ لأنَّ الدُّخان والدَّجَّال قبله، وأُجيب بأنَّ الآيات إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قرب قيام السَّاعة، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وجود قيام السَّاعة وحصولها، ومن الأوَّل: الدُّخان وخروج الدَّجَّال ونحوهما، ومن الثَّاني: طلوع الشَّمس من مغربها، وسُمِّي أوَّلًا لأنَّه مبدأ القسم الثَّاني، ويأتي إن شاء الله تعالى نبذةٌ من فرائد الفوائد المتعلِّقة بهذه المباحث في محالِّها من هذا الكتاب، وبالله المستعان وعليه التُّكلان.

(((٧))) (سورة الأَعْرَافِ) مكِّيَّةٌ إلَّا ثمان آياتٍ، من قوله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ﴾ … إلى قوله (١): ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذرٍّ هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم».

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((وَرِيَاشًا) [الأعراف: ٢٦]) بالجمع، وهي (٢) قراءة الحسن، جمع ريشٍ؛ كشِعْب وشِعَاب، وقراءة الباقين: ﴿وَرِيشًا﴾ بالإفراد: (المَالُ) يقال: تريَّش، أي: تموَّل، وعند ابن جريرٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: الرِّياش:

اللِّباس والعيش والنَّعيم، وقيل: الرِّيش: لباس الزِّينة، استُعير من ريش الطَّير بعلاقة الزِّينة.

وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا من طريق ابن جُرَيجٍ (١) عن عطاءٍ عنه، ممَّا وصله ابن جريرٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ (﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: (فِي الدُّعَاءِ) كالذي يسأل درجة الأنبياء، أو على (٢) من لا يستحقُّه، أو الذي يرفع صوته عند الدُّعاء، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أبي داود: أنَّ رسول الله قال: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء» وقرأ هذه الآية، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفَّلٍ أنَّه سمع ابنه يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتُها، فقال: يا بنيَّ سل الله الجنَّة وَعُذْ بِهِ من النَّار، فإنِّي سمعتُ رسول الله يقول: «يكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء والطُّهور»، وهكذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان (٣) به (وَفِي غَيْرِهِ) أي: غير الدُّعاء، وسقط «﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، وقوله «وفي غيره» للمستملي.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى﴾ (﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]) أي: (كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ) يقال: عفا الشَّعر، إذا كثُر.

وقوله تعالى في سورة سبأ [الآية: ٢٦]: (﴿الْفَتَّاحُ﴾) أي: (القَاضِي) قيل: وذَكَره هنا توطئةً لقوله في هذه السُّورة: (﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]) أي: (اقْضِ بَيْنَنَا) وسقط قوله: «بيننا» لأبي ذرٍّ.

وقوله: (﴿نَتَقْنَا﴾) ﴿الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١] أي: (رَفَعْنَا) الجبل، وسقط قوله: «الجبل» لغير أبوي ذرٍّ والوقت.

وقوله: (﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) أي: (انْفَجَرَتْ).

وقوله: (﴿مُتَبَّرٌ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) أي: (خُسْرَانٌ).

وقوله: (﴿آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]) أي: فكيف (أَحْزَنُ) ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾؟ وقوله في سورة المائدة [الآية: ٢٦]: (﴿تَأْسَ﴾) أي: (تَحْزَنْ) ذكره استطرادًا.

هذا كلُّه تفسير ابن عبَّاسٍ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَقُولُ (١): مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) فـ ﴿لَّا﴾ صلةٌ، مثلها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مؤكِّدةٌ معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبِّهةٌ على أنَّ الموبَّخ عليه تركُ السُّجود.

وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ (﴿يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: أَخَذَا) أي: آدم وحوَّاء (الخِصَافَ) بكسر الخاء (﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] يُؤَلِّفَانِ الوَرَق: يَخْصِفَانِ الوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) لمَّا ذاقا طعم الشَّجرة آخذين (٢) في الأكل نالهما شُؤم المخالفة، وسقطت عنهما ثيابهما، وظهرت لهما سوءاتهما، وقيل: كانت من نورٍ، وكان أحدهما لا يرى سوءة الآخر، فأخذا يجعلان ورقةً على ورقةٍ لستر السوءة؛ كما تُخصَف النَّعل بأن تُجعَل طرقةٌ على طرقةٍ (٣)، وتوثق بالسُّيور، حتَّى صارت الأوراق كالثَّوب، وهو ورق التِّين، وقيل: اللَّوز. والخَصَفة -بالتَّحريك- الجلَّة، أي: القفَّة الكبيرة (٤) التي تُعمَل (٥) من الخوص للتَّمر، وجمعها (٦): خُصُفٌ وخِصاف، قال أبو البقاء: ﴿يَخْصِفَانِ﴾: ماضيه «خَصَفَ»، وهو متعدٍّ (٧) إلى مفعولٍ واحدٍ، والمفعول: شيئًا من ورق الجنَّة.

وقال أبو عبيدة في قوله: (﴿سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

(﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] هُوَ هَهُنَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وثبت للأبوين (٨) «هو» وسقط لأبي ذرٍّ (٩) «يوم» (وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عدده، وأقلُّه ساعةٌ».

(الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ) وذكره قريبًا مفسَّرًا بالمال وغيره.

وقوله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ﴾ (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧]) أي: (جِيلُهُ) بالجيم المكسورة؛ وهم الجنُّ والشَّياطين (الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) وثبت للأبوين «هو» (١) وهو من كلام أبي عبيدة (٢)، وعند المعتزلة: أنَّ سبب عدم رؤيتنا إيَّاهم لَطَافَتُهم، ورؤيتُهم إيَّانا لكثافتنا، واستدلُّوا بالآية على امتناع رؤيتهم، ولا يخفى أنَّ ما قالوه مجرَّد دعوى من غير دليلٍ، وأنَّ الخبر عن عدم الرُّؤية: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] لا يدلُّ على استحالته، ويمكن أن يُستَدلَّ على فساد مذهبهم بقوله : «تفلَّت عليَّ (٣) البارحة عفريتٌ، فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد لتنظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان، فرددته (٤) خاسئًا».

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ (﴿إِذَا ادَّارَكُواْ﴾) أي: (اجْتَمَعُوا) ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨].

(وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ) بتشديد القاف، وفي نسخةٍ: «ومسامُّ الإنسان» بالسين المهملة والميم المشدَّدة بدل المعجَمة والقاف، وهما بمعنًى واحدٍ (وَ) مسامُّ (الدَّابَّةِ: كُلُّهُمْ) وللأبوين (٥): «كلُّها» (يُسَمَّى سُمُومًا) بضمِّ السِّين المهملة (وَاحِدُهَا: سَمٌّ، وَهْيَ) تسعةٌ: (عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ، وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ، وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قاله أبو عبيدة، وقال الراغب: السُّمُّ والسَّمُّ: كلُّ ثقبٍ ضيِّقٍ كخرم الإبرة وثقب الأنف، وجمعه: سُموم، وقد سمَّه: أدخله فيه، وفي السُّم ثلاث لغاتٍ: فتح سينه وضمُّها وكسرها، ومراد المؤلِّف بذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ودخل (٦) تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: ٤٠] الدُّهريَّة منكرو دلائل الذَّات والصِّفات، ومنكرو دلائل التَّوحيد، وهم المشركون، والبراهمة منكرو صحَّة النبوَّات، ومنكرو صحَّة المعاد الذين استكبروا عن الإيمان بها، لا تُفتَّح (٧) أبواب

السَّماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم، كما تُفتَّح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج: الدُّخول، و ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: ثقب (١) الإبرة، فإذا عُلِّق على مُحالٍ كان مُحالًا؛ لأنَّ الجمل أعظم الحيوانات عند العرب، وثقب الإبرة أضيق الثُّقَب.

وقوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ﴾ (﴿غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]) أي: (مَا غُشُّوا) أي: غُطُّوا (بِهِ) قال محمَّد بن كعبٍ القرظيُّ: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: الفُرُش، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: اللُّحُف.

وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ (﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]) بالنُّون المضمومة، أي: (مُتَفَرِّقَةً) قيل: لا تقع قطرةٌ من الغيث إلا بعد عمل أربع رياحٍ: الصَّبا تهيِّج السَّحاب، والشَّمال تجمعه، والجنوب تذرُّه، والدَّبور تفرِّقه.

وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ﴾ (﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]) أي: (قَلِيلًا) عديم النَّفع، ونَصْبُه على الحال، وتقدير الكلام: والبلد الذي خَبُثَ لا يخرج نباتُه إلا نَكِدًا، فحُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مُقامَه، فصار مرفوعًا مستترًا، وهذا مَثَلُ مَن يسمع الآيات وينتفع بها، ومن لا يرفع إليها (٢) رأسه ولم يتأثَّر بالمواعظ.

وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ﴾ (﴿يَغْنَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٢]) أي: (يَعِيشُوا) فيها، والغَناء -بالفتح-: النَّفع.

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]) أي: (حَقٌّ) واجب عليَّ.

وقوله: (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]: مِنَ الرَّهْبَةِ) وهي الخوف.

وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (﴿تَلْقَفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) أي: (تَلْقَمُ) تأكل ما يُلقونه ويوهمون أنَّه حقٌّ.

وقوله: ﴿أَلا إِنَّمَا﴾ (﴿طَائِرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣١]) أي: (حَظُّهُمْ) ونصيبُهم ﴿عِندَ اللّهُ﴾.

(طُوفَانٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: (مِنَ السَّيْلِ) المُتْلِف للزَّرع والثِّمار (وَيُقَالُ) أيضًا (لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: الطُّوفَانُ) وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورواه ابن مردويه بإسنادين ضعيفينِ عن عائشة مرفوعًا.

﴿وَ﴾ (١) (﴿وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]): هو (الحَُمْنَانُ) بفتح الحاء المهملة ضبطه البرماويُّ والدَّمامينيُّ كالكِرمانيِّ، وضبطه ابن حجر بضمِّها -كالفرع وأصله (٢) - وسكون الميم (يُشْبِهُ) ولأبي ذر: «شِبْهَ» (صِغَارَ الحَلَمِ) بفتح الحاء واللام، قال الأصمعيُّ فيما -ذكره الجوهريُّ-: أوَّله قمقامةٌ، ثمَّ حَُمْنانةٌ، ثمَّ قُرادةٌ (٣)، ثمَّ حَلَمةٌ وهي القُراد العظيم.

(عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي: (بِنَاءٌ) قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه الطبريُّ-: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ أي (٤): يبنون، ولا مطابقة بين قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ وقول البخاريِّ: «عُروش وعَريش» لأنَّ العُروش جمع عَرْش، وهو سرير الملِك، ولو قال: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون؛ لكان أنسبَ.

وقوله: ﴿وَلَمَّا﴾ (﴿سُقِطَ﴾) ﴿فَي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: قال أبو عبيدة: (كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) لأنَّ النَّادم المتحسِّر يَعَضُّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها.

(الأَسْبَاطُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال أبو عبيدة: هم (قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) والسِّبط: من السَّبَط -بالتحريك- وهو شجرٌ تعتلفه (٥) الإبل، وكذلك القبيلة، جعل الأب كالشَّجرة، والأولاد كالأغصان.

وقوله تعالى: (﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) قال أبو عبيدة أي: (يَتَعَدَّوْنَ لَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «له» وفي نسخةٍ: «به» بالموحَّدة بدل اللام (يُجَاوِزُونَ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ (٦) يتجاوزون» أي: حدود الله بالصَّيد فيه وقد نُهوا عنه (﴿تَعْدُ﴾ [الكهف: ٢٨]) بفتح الفوقيَّة (٧) وسكون العين المهملة (تُجَاوِزْ) بضمِّ أوَّله وكسر الواو، وفي نسخةٍ: «تَعَدَّ: تَجاوَزَ» بتشديد

الدَّال «وتَجاوَزَ» بفتح الواو والزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «تَجاوُزٌ» بفتح الفوقيَّة وضمِّ الواو «بَعْدَ تَجاوُزٍ» بموحَّدةٍ وسكون العين (١).

وقوله: (﴿شُرَّعاً﴾ [الأعراف: ١٦٣]) أي: (شَوَارِعَ) ظاهرةً على وجه الماء، من: شرع علينا إذا دنا وأشرف.

وقوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ (﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]) أي: (شَدِيدٍ) فعيلٍ من بَؤُسَ يبؤُس بؤسًا؛ إذا اشتدَّ.

وقوله: (﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ) أي: تأخَّر وأبطأ، وهو عبارةٌ عن شدَّة ميله إلى زهرة الدُّنيا وزينتها، وإقباله على لذَّاتها ونعيمها، وقوله: «﴿إِلَى الأَرْضِ﴾» ثابتٌ لأبوي ذرٍّ والوقت.

وقوله: (﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] أي: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ) أي: من موضع أمنهم، وثبت قوله: «أي» للأبوين (٢) (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) وجه التَّشبيه: أخذ الله إيَّاهم بغتةً، وأصل الاستدراج: الاستصعاد أو (٣) الاستنزال درجةً بعد درجةٍ، أي: نأخذهم قليلًا قليلًا إلى أن تُدرِكَهم العقوبة، وذلك أنَّهم (٤) كلَّما جدَّدوا خطيئةً جُدِّدت لهم نعمةٌ، فظنُّوا ذلك تقريبًا (٥) من الله تعالى، وأنساهم الاستغفار.

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم﴾ (﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]) أي: (مِنْ جُنُونٍ) والاستفهام بمعنى التَّقريع أو التَّحريض، أي: أو لم ينظروا بعقولهم؟ لأنَّ الفكر طَلَبُ المعنى بالقلب، وذلك أنَّه كما يتقدَّم رؤية البصر تقلُّبُ (٦) الحدقة نحو المرئيِّ؛ يتقدم رؤية البصيرة تقلُّبُ حدقة العقل إلى الجوانب، أي: أنَّه كيف يتصوَّر منه الجنون وهو يدعوهم إلى الله تعالى،

ويقيم على ذلك الدَّلائل القاطعة بألفاظٍ بلغت في الفصاحة إلى حقيقة يعجز عنها الأوَّلون والآخِرون؟!

وقوله: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]) أي: (مَتَىَ خُرُوْجُها؟) واشتقاق ﴿أَيَّانَ﴾ من «أيٍّ» لأنَّ معناه: أيُّ وقتٍ؟ وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ … » إلى آخره.

وقوله: ﴿حَمْلاً خَفِيفًا﴾ (﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]) أي: (اسْتَمَرَّ بِهَا) أي: بحوَّاء (الحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ) وعن ابن عبَّاسٍ: استمرَّت به فشكَّت؛ أحبلت أم لا؟ وسقط قوله: «﴿فَمَرَّتْ (١)﴾ … » إلى آخره من رواية أبي ذرٍّ.

قوله: ﴿وَإِمَّا﴾ (﴿يَنزَغَنَّكَ﴾) قال أبو عبيدة: أي: (يَسْتَخِفَّنَّكَ) وقال غيره: وإمَّا ينخسنَّك من الشَّيطان نخسٌ، أي: وسوسةٌ تحملك على خلاف ما أُمِرت به ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] من نزغه.

وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (﴿طَائِفٌ﴾) ﴿مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قال أبو عبيدة: (مُلِمٌّ) يقال: (بِهِ لَمَمٌ) صرعٌ منه، أو إصابة ذنبٍ، أو همٌّ به (وَيُقَالُ: (٢) ﴿طَائِفٌ﴾) بالألف، اسم فاعلٍ من طاف يطوف، كأنَّها طافت بهم ودارت حولهم، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة (وَهْوَ) كالسَّابق (وَاحِدٌ) في المعنى.

وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ (﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]) قال أبو عبيدة أي: وإخوان الشَّياطين الذين لم يتَّقوا (يُزَيِّنُونَ) لهم الغيَّ والكفر.

وقوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾ (﴿وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) أي: (خوفًا) قاله أبو عبيدة، وقال ابن جريجٍ في قوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ (﴿وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: سرًّا (مِنَ الإِخْفَاءِ) المشهورُ أنَّ المزيد فيه مأخوذٌ من الثُّلاثيِّ -وهو الخفاء- دون العكس، وإنَّما قال: من الإخفاء؛ نظرًا إلى أنَّ الاشتقاق أن تنتظم الصِّيغتان معنًى واحدًا.

وقوله: (﴿وَالآصَالِ﴾) في قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: أَصِيلٌ؛ وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ؛ كَقَوْلِكَ) وفي نسخةٍ وهي التي في «اليونينيَّة» (١): «كقوله»: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]) والتقييد بالوقتين؛ لأنَّ بالغداة ينقلب من الموت إلى الحياة، ومن الظُّلمة التي تُشاكِلُ العدم إلى النُّور المناسِب للوجود، وفي الآخر بالعكس، وثبت قوله: «وهو» للأبوين (٢).

(١) (﴿إِنَّمَا﴾) وفي نسخةٍ: «﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» ولأبي ذرٍّ: «باب قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» (﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾) ما تَزَايَدَ قُبحه، وقيل: ما يتعلَّق بالفُروج، وقيل: الكبائر، وقيل: الطَّواف بالبيت عُراةً؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، ويؤيِّده السِّياق؛ فإنَّ قوله: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] يدلُّ على وجه التشبيه في قوله: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتَّصفوا بصفةٍ يوقعِكم الشَّيطان بسببها في الفتنة؛ وهي العري في الطَّواف، فتُحْرَموا دخول الجنَّة كما حرَّمَها على أبويكم حين أخرجهما من الجنَّة، وقد يقال: الحَمْلُ على الأعمِّ من جميعها أَولى؛ محافظةً على الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ لكن إن فُسِّر الإثم بكلِّ الذُّنوب -كما قيل- لم يُحتَج إليه، وقيل: الخمر، وعورض بأنَّ تحريمها بالمدينة، وهذه مكِّيَّةٌ (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]) جهرها وسرَّها، وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ قال: كانوا في الجاهليَّة لا يَرَونَ بالزِّنى بأسًا في السِّرِّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزِّنى في السِّرِّ والعلانية.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ: وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ: هَلُمَّ، وَلِلْمَرْأَةِ: هَلُمِّي، وَلِلِاثْنَيْنِ: هَلُمَّا، وَلِلْقَوْمِ هَلُمُّوا، وَلِلنِّسَاءِ: هَلْمُمْنَ، يَجْعَلُونَهَا مِنْ هَلْمَمَتْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْإِحْضَارِ، وَشُهَدَاءَكُمْ مَفْعُولٌ بِهِ، الْمِيمُ فِي هَلُمَّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ فِي اللُّغَةِ الْأُولَى، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، وَلِبَسْطِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.

١٠ - بَاب: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾

٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِسْحَاقُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جَزَمَ خَلَفٌ بِأَنَّهُ ابْنُ نَصْرٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَوْلُ خَلَفٍ أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - سُورَةُ الْأَعْرَافِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيشًا: الْمَالُ، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، ﴿الْفَتَّاحُ﴾ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هُوَ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ: وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ، ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا: يَغْنَوْ يَعِيشُوا، حَقِيقٌ حَقٌّ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنْ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ، الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ، تعْدَ تَجَاوُزٍ ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾ قَعَدَ

وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مِنْ جُنُونٍ، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى

خُرُوجُهَا، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، يُقَالُ ﴿طَائِفٌ﴾ وَهُوَ وَاحِدٌ، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾ خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنْ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَعْرَافِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ فَقَالَ. . . (١) وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هُمْ مَلَائِكَةٌ وُكِّلُوا بِالصُّورِ لِيُمَيِّزُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ رِجَالٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ: ﴿الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِأَنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَرِيشًا﴾ الْمَالُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (وَرِيَاشًا) قَالَ: مَالًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ فَرَّقَهُمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرِيشًا﴾ قَالَ الْمَالُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيَاشُ اللِّبَاسُ وَالْعَيْشُ وَالنَّعِيمُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيَاشُ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ وَالسِّتَارَةِ، وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْخِصْبُ فِي الْمَعَاشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

(تَنْبِيهٌ)

قَرَأَ (وَرِيَاشًا) عَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ ﴿وَرِيشًا﴾.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ جَاءَ نَحْوَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو فَقَالَ: إِنَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَقَرَأَ الْآيَةَ. وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَقَعُ بِزِيَادَةِ الرَّفْعِ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ بِطَلَبِ مَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ شَرْعًا أَوْ بِطَلَبِ مَعْصِيَةٍ أَوْ يَدْعُو بِمَا لَمْ يُؤْثَرْ، خُصُوصًا مَا وَرَدَتْ كَرَاهَتُهُ كَالسَّجْعِ الْمُتَكَلَّفِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتِ: انْفَجَرَتْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ، يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا مَنَعَكَ إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ لَكَ أَلا تَسْجُدَ. قَالَ: وَأُدْخِلَتْ أَنْ قَبْلَ لَا كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) كَذَا لِأَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَفِقَا

يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: جَعَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَيَجْعَلَانِ عَلَى سَوْآتِهِمَا، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَخْصِفَانِ﴾ قَالَ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ظُفْرًا كُلَّهُ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كُشِطَ عَنْهُ وَبَدَتْ سَوْأَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ النُّورَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَرَى عَوْرَةَ الْآخَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ، وَيُقَالُ تَدَارَكَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيِ اجْتَمَعَ، وَالتَّاءُ مُدْغَمَةٌ فِي الدَّالِ، انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَصْلُ تَدَارَكُوا، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (الْفَتَّاحُ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَالْفَتَّاحُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولَا … فَإِنِّي عَنْ فِتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ

الْفَتَّاحُ الْقَاضِي. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يَنْقُلُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: انْطَلِقْ أُفَاتِحْكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (افْتَحْ بَيْنَنَا) أَيِ اقْضِ بَيْنَنَا، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْكِسَائِيِّ، أَيْ قَالَ: الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ اللِّبَاسُ.

قَوْلُهُ: (قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (قَبِيلُهُ) قَالَ: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا تُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أَيْ ثُقْبِ الْإِبْرَةِ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ سَمٌّ وَالْجَمْعُ سُمُومٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَامُّ الْإِنْسَانِ بَدَلَ مَشَاقِّ وَهِيَ بِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وَاحِدَتُهَا غَاشِيَةٌ وَهِيَ مَا غَشَّاهُمْ فَغَطَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمِهَادُ لَهُمْ كَهَيْئَةِ الْفِرَاشِ. وَالْغَوَاشِ يَتَغَشَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَمَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الْمِهَادُ الْفُرُشُ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ: اللُّحُفُ.

قَوْلُهُ: (نَكِدًا قَلِيلًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ أَيْ قَلِيلًا عَسِرًا فِي شِدَّةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تُنْجِزِ الْوَعْدَ إِنْ وَعَدْتَ … وَإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: النَّكِدُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ.

قَوْلُهُ: ﴿طَائِرُهُمْ﴾ حَظُّهُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ: حَظُّهُمْ وَنَصِيبُهُمْ.

قَوْلُهُ: (طُوفَانُ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ

لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّوفَانُ مِنَ السَّيْلِ وَمِنَ الْمَوْتِ الْبَالِغِ الذَّرِيعِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَطَافَ بِهِ إِذَا عَمَّهُ بِالْهَلَاكِ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ: الطُّوفَانُ وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا وَاحِدَ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَأَتَوْا مُوسَى فَدَعَا اللَّهَ فَرَفَعَ ثُمَّ عَادُوا. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الْحُمْنَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (شْبه صِغَارَ الْحَلَمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقُمَّلُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْحُمْنَانُ وَالْحُمْنَانُ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا حَمْنَانَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقُمَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: قِيلَ: السُّوسُ، وَقِيلَ: الدَّبَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفٌ وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَقِيلَ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ، وَقِيلَ صِغَارُ الذَّرِّ، وَقِيلَ هُوَ الْقَمْلُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ دَابَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ الطَّيْرِ لَهَا جَنَاحٌ أَحْمَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمُصَّ الْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلَةِ فَتَكْبَرُ السُّنْبُلَةُ وَلَا حَبَّ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أَيْ يَبْنُونَ، وَعُرُشُ مَكَّةَ خِيَامُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ تَفْسِيرُ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾.

قَوْلُهُ: ﴿سُقِطَ﴾ كُلُ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَدِمَ وَعَجَزَ عَنْ شَيْءٍ سُقِطَ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، تَأْسَ تَحْزَنْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْأُولَى فِي الْأَعْرَافِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا.

قَوْلُهُ: ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ كَثُرُوا، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبَاتٍ وَقَوْمٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَثُرُوا فَقَدْ عَفَوْا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَكِنَّا نَعَضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقٍ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ حَتَّى سُرُّوا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ يَنْزِلُوهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَغَانِي الدِّيَارِ وَاحِدَتُهَا مَغْنًى، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَتَعْرِفُ مَغْنَى دِمْنَةٍ وَرُسُومِ

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا، أَوْ كَأَنْ لَمْ يَتَنَعَّمُوا.

قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (اسْتَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ هُوَ مِنَ الرَّهْبَةِ أَيْ خَوَّفُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (تَلَقَّفُ تَلْقَمُ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَاحِدُهَا سِبْطٌ، تَقُولُ مِنْ أَيِّ سِبْطٍ أَنْتَ؟ أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجِنْسٍ؟ انْتَهَى. وَالْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ يَعْقُوبَ كَالْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ، وَقِيلَ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ لِانْتِشَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ سِبْطٍ.

قَوْلُهُ: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَجَاوُزًا بَعْدَ تَجَاوُزٍ وَهُوَ بِالْمَعْنَى.

قَوْلُهُ: ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ شَوَارِعَ انْتَهَى. وَشُرَّعٌ وَشَوَارِعُ جَمْعُ شَارِعٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم مَن آمن أو عمل عند الغَرْغَرَةِ، وذلك لا يفيد شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الملاحم»، والنَّسائيُّ في «الوصايا»، وابن ماجه في «الفتن».

٤٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ كما جزم به خلفٌ، أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزيُّ الكوسَج كما جزم به أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأوَّل أقوى، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) «وآية ذلك: أن تطول اللَّيلة حتَّى تكون قدر ليلتين» رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فَإِذَا طَلَعَتْ) من مغربها (وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ) ولمسلمٍ (١) عن ابن عَمرو (٢) مرفوعًا: «إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشَّمس من مغربها … » الحديث، واستشكِل بأنَّ طلوع الشَّمس ليس بأوَّل الآيات؛ لأنَّ الدُّخان والدَّجَّال قبله، وأُجيب بأنَّ الآيات إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قرب قيام السَّاعة، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وجود قيام السَّاعة وحصولها، ومن الأوَّل: الدُّخان وخروج الدَّجَّال ونحوهما، ومن الثَّاني: طلوع الشَّمس من مغربها، وسُمِّي أوَّلًا لأنَّه مبدأ القسم الثَّاني، ويأتي إن شاء الله تعالى نبذةٌ من فرائد الفوائد المتعلِّقة بهذه المباحث في محالِّها من هذا الكتاب، وبالله المستعان وعليه التُّكلان.

(((٧))) (سورة الأَعْرَافِ) مكِّيَّةٌ إلَّا ثمان آياتٍ، من قوله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ﴾ … إلى قوله (١): ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذرٍّ هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم».

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((وَرِيَاشًا) [الأعراف: ٢٦]) بالجمع، وهي (٢) قراءة الحسن، جمع ريشٍ؛ كشِعْب وشِعَاب، وقراءة الباقين: ﴿وَرِيشًا﴾ بالإفراد: (المَالُ) يقال: تريَّش، أي: تموَّل، وعند ابن جريرٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: الرِّياش:

اللِّباس والعيش والنَّعيم، وقيل: الرِّيش: لباس الزِّينة، استُعير من ريش الطَّير بعلاقة الزِّينة.

وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا من طريق ابن جُرَيجٍ (١) عن عطاءٍ عنه، ممَّا وصله ابن جريرٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ (﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: (فِي الدُّعَاءِ) كالذي يسأل درجة الأنبياء، أو على (٢) من لا يستحقُّه، أو الذي يرفع صوته عند الدُّعاء، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أبي داود: أنَّ رسول الله قال: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء» وقرأ هذه الآية، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفَّلٍ أنَّه سمع ابنه يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتُها، فقال: يا بنيَّ سل الله الجنَّة وَعُذْ بِهِ من النَّار، فإنِّي سمعتُ رسول الله يقول: «يكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء والطُّهور»، وهكذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان (٣) به (وَفِي غَيْرِهِ) أي: غير الدُّعاء، وسقط «﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، وقوله «وفي غيره» للمستملي.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى﴾ (﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]) أي: (كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ) يقال: عفا الشَّعر، إذا كثُر.

وقوله تعالى في سورة سبأ [الآية: ٢٦]: (﴿الْفَتَّاحُ﴾) أي: (القَاضِي) قيل: وذَكَره هنا توطئةً لقوله في هذه السُّورة: (﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]) أي: (اقْضِ بَيْنَنَا) وسقط قوله: «بيننا» لأبي ذرٍّ.

وقوله: (﴿نَتَقْنَا﴾) ﴿الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١] أي: (رَفَعْنَا) الجبل، وسقط قوله: «الجبل» لغير أبوي ذرٍّ والوقت.

وقوله: (﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) أي: (انْفَجَرَتْ).

وقوله: (﴿مُتَبَّرٌ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) أي: (خُسْرَانٌ).

وقوله: (﴿آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]) أي: فكيف (أَحْزَنُ) ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾؟ وقوله في سورة المائدة [الآية: ٢٦]: (﴿تَأْسَ﴾) أي: (تَحْزَنْ) ذكره استطرادًا.

هذا كلُّه تفسير ابن عبَّاسٍ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَقُولُ (١): مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) فـ ﴿لَّا﴾ صلةٌ، مثلها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مؤكِّدةٌ معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبِّهةٌ على أنَّ الموبَّخ عليه تركُ السُّجود.

وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ (﴿يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: أَخَذَا) أي: آدم وحوَّاء (الخِصَافَ) بكسر الخاء (﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] يُؤَلِّفَانِ الوَرَق: يَخْصِفَانِ الوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) لمَّا ذاقا طعم الشَّجرة آخذين (٢) في الأكل نالهما شُؤم المخالفة، وسقطت عنهما ثيابهما، وظهرت لهما سوءاتهما، وقيل: كانت من نورٍ، وكان أحدهما لا يرى سوءة الآخر، فأخذا يجعلان ورقةً على ورقةٍ لستر السوءة؛ كما تُخصَف النَّعل بأن تُجعَل طرقةٌ على طرقةٍ (٣)، وتوثق بالسُّيور، حتَّى صارت الأوراق كالثَّوب، وهو ورق التِّين، وقيل: اللَّوز. والخَصَفة -بالتَّحريك- الجلَّة، أي: القفَّة الكبيرة (٤) التي تُعمَل (٥) من الخوص للتَّمر، وجمعها (٦): خُصُفٌ وخِصاف، قال أبو البقاء: ﴿يَخْصِفَانِ﴾: ماضيه «خَصَفَ»، وهو متعدٍّ (٧) إلى مفعولٍ واحدٍ، والمفعول: شيئًا من ورق الجنَّة.

وقال أبو عبيدة في قوله: (﴿سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

(﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] هُوَ هَهُنَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وثبت للأبوين (٨) «هو» وسقط لأبي ذرٍّ (٩) «يوم» (وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عدده، وأقلُّه ساعةٌ».

(الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ) وذكره قريبًا مفسَّرًا بالمال وغيره.

وقوله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ﴾ (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧]) أي: (جِيلُهُ) بالجيم المكسورة؛ وهم الجنُّ والشَّياطين (الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) وثبت للأبوين «هو» (١) وهو من كلام أبي عبيدة (٢)، وعند المعتزلة: أنَّ سبب عدم رؤيتنا إيَّاهم لَطَافَتُهم، ورؤيتُهم إيَّانا لكثافتنا، واستدلُّوا بالآية على امتناع رؤيتهم، ولا يخفى أنَّ ما قالوه مجرَّد دعوى من غير دليلٍ، وأنَّ الخبر عن عدم الرُّؤية: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] لا يدلُّ على استحالته، ويمكن أن يُستَدلَّ على فساد مذهبهم بقوله : «تفلَّت عليَّ (٣) البارحة عفريتٌ، فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد لتنظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان، فرددته (٤) خاسئًا».

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ (﴿إِذَا ادَّارَكُواْ﴾) أي: (اجْتَمَعُوا) ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨].

(وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ) بتشديد القاف، وفي نسخةٍ: «ومسامُّ الإنسان» بالسين المهملة والميم المشدَّدة بدل المعجَمة والقاف، وهما بمعنًى واحدٍ (وَ) مسامُّ (الدَّابَّةِ: كُلُّهُمْ) وللأبوين (٥): «كلُّها» (يُسَمَّى سُمُومًا) بضمِّ السِّين المهملة (وَاحِدُهَا: سَمٌّ، وَهْيَ) تسعةٌ: (عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ، وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ، وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قاله أبو عبيدة، وقال الراغب: السُّمُّ والسَّمُّ: كلُّ ثقبٍ ضيِّقٍ كخرم الإبرة وثقب الأنف، وجمعه: سُموم، وقد سمَّه: أدخله فيه، وفي السُّم ثلاث لغاتٍ: فتح سينه وضمُّها وكسرها، ومراد المؤلِّف بذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ودخل (٦) تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: ٤٠] الدُّهريَّة منكرو دلائل الذَّات والصِّفات، ومنكرو دلائل التَّوحيد، وهم المشركون، والبراهمة منكرو صحَّة النبوَّات، ومنكرو صحَّة المعاد الذين استكبروا عن الإيمان بها، لا تُفتَّح (٧) أبواب

السَّماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم، كما تُفتَّح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج: الدُّخول، و ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: ثقب (١) الإبرة، فإذا عُلِّق على مُحالٍ كان مُحالًا؛ لأنَّ الجمل أعظم الحيوانات عند العرب، وثقب الإبرة أضيق الثُّقَب.

وقوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ﴾ (﴿غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]) أي: (مَا غُشُّوا) أي: غُطُّوا (بِهِ) قال محمَّد بن كعبٍ القرظيُّ: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: الفُرُش، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: اللُّحُف.

وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ (﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]) بالنُّون المضمومة، أي: (مُتَفَرِّقَةً) قيل: لا تقع قطرةٌ من الغيث إلا بعد عمل أربع رياحٍ: الصَّبا تهيِّج السَّحاب، والشَّمال تجمعه، والجنوب تذرُّه، والدَّبور تفرِّقه.

وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ﴾ (﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]) أي: (قَلِيلًا) عديم النَّفع، ونَصْبُه على الحال، وتقدير الكلام: والبلد الذي خَبُثَ لا يخرج نباتُه إلا نَكِدًا، فحُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مُقامَه، فصار مرفوعًا مستترًا، وهذا مَثَلُ مَن يسمع الآيات وينتفع بها، ومن لا يرفع إليها (٢) رأسه ولم يتأثَّر بالمواعظ.

وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ﴾ (﴿يَغْنَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٢]) أي: (يَعِيشُوا) فيها، والغَناء -بالفتح-: النَّفع.

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]) أي: (حَقٌّ) واجب عليَّ.

وقوله: (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]: مِنَ الرَّهْبَةِ) وهي الخوف.

وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (﴿تَلْقَفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) أي: (تَلْقَمُ) تأكل ما يُلقونه ويوهمون أنَّه حقٌّ.

وقوله: ﴿أَلا إِنَّمَا﴾ (﴿طَائِرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣١]) أي: (حَظُّهُمْ) ونصيبُهم ﴿عِندَ اللّهُ﴾.

(طُوفَانٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: (مِنَ السَّيْلِ) المُتْلِف للزَّرع والثِّمار (وَيُقَالُ) أيضًا (لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: الطُّوفَانُ) وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورواه ابن مردويه بإسنادين ضعيفينِ عن عائشة مرفوعًا.

﴿وَ﴾ (١) (﴿وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]): هو (الحَُمْنَانُ) بفتح الحاء المهملة ضبطه البرماويُّ والدَّمامينيُّ كالكِرمانيِّ، وضبطه ابن حجر بضمِّها -كالفرع وأصله (٢) - وسكون الميم (يُشْبِهُ) ولأبي ذر: «شِبْهَ» (صِغَارَ الحَلَمِ) بفتح الحاء واللام، قال الأصمعيُّ فيما -ذكره الجوهريُّ-: أوَّله قمقامةٌ، ثمَّ حَُمْنانةٌ، ثمَّ قُرادةٌ (٣)، ثمَّ حَلَمةٌ وهي القُراد العظيم.

(عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي: (بِنَاءٌ) قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه الطبريُّ-: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ أي (٤): يبنون، ولا مطابقة بين قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ وقول البخاريِّ: «عُروش وعَريش» لأنَّ العُروش جمع عَرْش، وهو سرير الملِك، ولو قال: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون؛ لكان أنسبَ.

وقوله: ﴿وَلَمَّا﴾ (﴿سُقِطَ﴾) ﴿فَي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: قال أبو عبيدة: (كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) لأنَّ النَّادم المتحسِّر يَعَضُّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها.

(الأَسْبَاطُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال أبو عبيدة: هم (قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) والسِّبط: من السَّبَط -بالتحريك- وهو شجرٌ تعتلفه (٥) الإبل، وكذلك القبيلة، جعل الأب كالشَّجرة، والأولاد كالأغصان.

وقوله تعالى: (﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) قال أبو عبيدة أي: (يَتَعَدَّوْنَ لَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «له» وفي نسخةٍ: «به» بالموحَّدة بدل اللام (يُجَاوِزُونَ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ (٦) يتجاوزون» أي: حدود الله بالصَّيد فيه وقد نُهوا عنه (﴿تَعْدُ﴾ [الكهف: ٢٨]) بفتح الفوقيَّة (٧) وسكون العين المهملة (تُجَاوِزْ) بضمِّ أوَّله وكسر الواو، وفي نسخةٍ: «تَعَدَّ: تَجاوَزَ» بتشديد

الدَّال «وتَجاوَزَ» بفتح الواو والزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «تَجاوُزٌ» بفتح الفوقيَّة وضمِّ الواو «بَعْدَ تَجاوُزٍ» بموحَّدةٍ وسكون العين (١).

وقوله: (﴿شُرَّعاً﴾ [الأعراف: ١٦٣]) أي: (شَوَارِعَ) ظاهرةً على وجه الماء، من: شرع علينا إذا دنا وأشرف.

وقوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ (﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]) أي: (شَدِيدٍ) فعيلٍ من بَؤُسَ يبؤُس بؤسًا؛ إذا اشتدَّ.

وقوله: (﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ) أي: تأخَّر وأبطأ، وهو عبارةٌ عن شدَّة ميله إلى زهرة الدُّنيا وزينتها، وإقباله على لذَّاتها ونعيمها، وقوله: «﴿إِلَى الأَرْضِ﴾» ثابتٌ لأبوي ذرٍّ والوقت.

وقوله: (﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] أي: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ) أي: من موضع أمنهم، وثبت قوله: «أي» للأبوين (٢) (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) وجه التَّشبيه: أخذ الله إيَّاهم بغتةً، وأصل الاستدراج: الاستصعاد أو (٣) الاستنزال درجةً بعد درجةٍ، أي: نأخذهم قليلًا قليلًا إلى أن تُدرِكَهم العقوبة، وذلك أنَّهم (٤) كلَّما جدَّدوا خطيئةً جُدِّدت لهم نعمةٌ، فظنُّوا ذلك تقريبًا (٥) من الله تعالى، وأنساهم الاستغفار.

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم﴾ (﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]) أي: (مِنْ جُنُونٍ) والاستفهام بمعنى التَّقريع أو التَّحريض، أي: أو لم ينظروا بعقولهم؟ لأنَّ الفكر طَلَبُ المعنى بالقلب، وذلك أنَّه كما يتقدَّم رؤية البصر تقلُّبُ (٦) الحدقة نحو المرئيِّ؛ يتقدم رؤية البصيرة تقلُّبُ حدقة العقل إلى الجوانب، أي: أنَّه كيف يتصوَّر منه الجنون وهو يدعوهم إلى الله تعالى،

ويقيم على ذلك الدَّلائل القاطعة بألفاظٍ بلغت في الفصاحة إلى حقيقة يعجز عنها الأوَّلون والآخِرون؟!

وقوله: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]) أي: (مَتَىَ خُرُوْجُها؟) واشتقاق ﴿أَيَّانَ﴾ من «أيٍّ» لأنَّ معناه: أيُّ وقتٍ؟ وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ … » إلى آخره.

وقوله: ﴿حَمْلاً خَفِيفًا﴾ (﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]) أي: (اسْتَمَرَّ بِهَا) أي: بحوَّاء (الحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ) وعن ابن عبَّاسٍ: استمرَّت به فشكَّت؛ أحبلت أم لا؟ وسقط قوله: «﴿فَمَرَّتْ (١)﴾ … » إلى آخره من رواية أبي ذرٍّ.

قوله: ﴿وَإِمَّا﴾ (﴿يَنزَغَنَّكَ﴾) قال أبو عبيدة: أي: (يَسْتَخِفَّنَّكَ) وقال غيره: وإمَّا ينخسنَّك من الشَّيطان نخسٌ، أي: وسوسةٌ تحملك على خلاف ما أُمِرت به ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] من نزغه.

وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (﴿طَائِفٌ﴾) ﴿مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قال أبو عبيدة: (مُلِمٌّ) يقال: (بِهِ لَمَمٌ) صرعٌ منه، أو إصابة ذنبٍ، أو همٌّ به (وَيُقَالُ: (٢) ﴿طَائِفٌ﴾) بالألف، اسم فاعلٍ من طاف يطوف، كأنَّها طافت بهم ودارت حولهم، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة (وَهْوَ) كالسَّابق (وَاحِدٌ) في المعنى.

وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ (﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]) قال أبو عبيدة أي: وإخوان الشَّياطين الذين لم يتَّقوا (يُزَيِّنُونَ) لهم الغيَّ والكفر.

وقوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾ (﴿وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) أي: (خوفًا) قاله أبو عبيدة، وقال ابن جريجٍ في قوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ (﴿وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: سرًّا (مِنَ الإِخْفَاءِ) المشهورُ أنَّ المزيد فيه مأخوذٌ من الثُّلاثيِّ -وهو الخفاء- دون العكس، وإنَّما قال: من الإخفاء؛ نظرًا إلى أنَّ الاشتقاق أن تنتظم الصِّيغتان معنًى واحدًا.

وقوله: (﴿وَالآصَالِ﴾) في قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: أَصِيلٌ؛ وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ؛ كَقَوْلِكَ) وفي نسخةٍ وهي التي في «اليونينيَّة» (١): «كقوله»: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]) والتقييد بالوقتين؛ لأنَّ بالغداة ينقلب من الموت إلى الحياة، ومن الظُّلمة التي تُشاكِلُ العدم إلى النُّور المناسِب للوجود، وفي الآخر بالعكس، وثبت قوله: «وهو» للأبوين (٢).

(١) (﴿إِنَّمَا﴾) وفي نسخةٍ: «﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» ولأبي ذرٍّ: «باب قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» (﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾) ما تَزَايَدَ قُبحه، وقيل: ما يتعلَّق بالفُروج، وقيل: الكبائر، وقيل: الطَّواف بالبيت عُراةً؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، ويؤيِّده السِّياق؛ فإنَّ قوله: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] يدلُّ على وجه التشبيه في قوله: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتَّصفوا بصفةٍ يوقعِكم الشَّيطان بسببها في الفتنة؛ وهي العري في الطَّواف، فتُحْرَموا دخول الجنَّة كما حرَّمَها على أبويكم حين أخرجهما من الجنَّة، وقد يقال: الحَمْلُ على الأعمِّ من جميعها أَولى؛ محافظةً على الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ لكن إن فُسِّر الإثم بكلِّ الذُّنوب -كما قيل- لم يُحتَج إليه، وقيل: الخمر، وعورض بأنَّ تحريمها بالمدينة، وهذه مكِّيَّةٌ (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]) جهرها وسرَّها، وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ قال: كانوا في الجاهليَّة لا يَرَونَ بالزِّنى بأسًا في السِّرِّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزِّنى في السِّرِّ والعلانية.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله