الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٣٦
الحديث رقم ٤٦٣٦ من كتاب «سورة الأنعام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا ينفع نفسا إيمانها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيَاشًا الْمَالُ، الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾: كَثُرُوا، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، الْفَتَّاحُ: الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾: اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا﴾: رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾: أَحْزَنُ، تَأْسَ: تَحْزَنْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾: أَخَذَا الْخِصَافَ، مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ: يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾: كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: هَا هُنَا إِلَى الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ، ﴿قَبِيلُهُ﴾: جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾: اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُومًا، وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهْيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾: مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نُشُرًا﴾: مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾: قَلِيلًا، ﴿يَغْنَوْا﴾: يَعِيشُوا، ﴿حَقِيقٌ﴾: حَقٌّ، ﴿اسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: مِنَ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، ﴿طَائِرُهُمْ﴾: حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ: الطُّوفَانُ، ﴿القُمَّلُ﴾: الْحُمْنَانُ، يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، ﴿سُقِطَ﴾ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ
⦗٥٩⦘
فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾: يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ: تَعْدُ تُجَاوِزْ ﴿شُرَّعًا﴾: شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾: شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾: مِنْ جُنُونٍ، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ: بِهِ لَمَمٌ، وَيُقَالُ: ﴿طَائِفٌ﴾، وَهْوَ وَاحِدٌ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾: خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنَ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ، مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة الكبرى أن تطلع الشمس من المغرب بدلًا من المشرق، وعندما يراها الناس يؤمنون جميعًا،
فعند ذلك لا ينفع الكافرَ إيمانُه، ولا ينفع العمل الصالح ولا التوبة.
ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن الساعة تأتي بغتة؛ حتى إنها تقوم والناس في أحوالهم وشؤون حياتهم؛
فتقوم الساعة والبائع والمشتري قد نشرا ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه،
وتقوم الساعة والرجل قد أخذ لبن ناقته الحلوب فلا يشربه،
وتقوم الساعة والرجل يصلح حوضه ويُطيِّنُه فلا يسقي فيه،
وتقوم الساعة والرجل قد رفع لقمته إلى فمه ليأكل فلا يأكلها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ: وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ: هَلُمَّ، وَلِلْمَرْأَةِ: هَلُمِّي، وَلِلِاثْنَيْنِ: هَلُمَّا، وَلِلْقَوْمِ هَلُمُّوا، وَلِلنِّسَاءِ: هَلْمُمْنَ، يَجْعَلُونَهَا مِنْ هَلْمَمَتْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْإِحْضَارِ، وَشُهَدَاءَكُمْ مَفْعُولٌ بِهِ، الْمِيمُ فِي هَلُمَّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ فِي اللُّغَةِ الْأُولَى، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، وَلِبَسْطِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
١٠ - بَاب: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾
٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِسْحَاقُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جَزَمَ خَلَفٌ بِأَنَّهُ ابْنُ نَصْرٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَوْلُ خَلَفٍ أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - سُورَةُ الْأَعْرَافِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيشًا: الْمَالُ، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، ﴿الْفَتَّاحُ﴾ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هُوَ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ: وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ، ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا: يَغْنَوْ يَعِيشُوا، حَقِيقٌ حَقٌّ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنْ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ، الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ، تعْدَ تَجَاوُزٍ ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾ قَعَدَ
وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مِنْ جُنُونٍ، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى
خُرُوجُهَا، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، يُقَالُ ﴿طَائِفٌ﴾ وَهُوَ وَاحِدٌ، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾ خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنْ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَعْرَافِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ فَقَالَ. . . (١) وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هُمْ مَلَائِكَةٌ وُكِّلُوا بِالصُّورِ لِيُمَيِّزُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ رِجَالٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ: ﴿الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِأَنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَرِيشًا﴾ الْمَالُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (وَرِيَاشًا) قَالَ: مَالًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ فَرَّقَهُمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرِيشًا﴾ قَالَ الْمَالُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيَاشُ اللِّبَاسُ وَالْعَيْشُ وَالنَّعِيمُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيَاشُ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ وَالسِّتَارَةِ، وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْخِصْبُ فِي الْمَعَاشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَرَأَ (وَرِيَاشًا) عَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ ﴿وَرِيشًا﴾.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ جَاءَ نَحْوَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو فَقَالَ: إِنَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَقَرَأَ الْآيَةَ. وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَقَعُ بِزِيَادَةِ الرَّفْعِ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ بِطَلَبِ مَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ شَرْعًا أَوْ بِطَلَبِ مَعْصِيَةٍ أَوْ يَدْعُو بِمَا لَمْ يُؤْثَرْ، خُصُوصًا مَا وَرَدَتْ كَرَاهَتُهُ كَالسَّجْعِ الْمُتَكَلَّفِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتِ: انْفَجَرَتْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ، يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا مَنَعَكَ إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ لَكَ أَلا تَسْجُدَ. قَالَ: وَأُدْخِلَتْ أَنْ قَبْلَ لَا كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) كَذَا لِأَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: جَعَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَيَجْعَلَانِ عَلَى سَوْآتِهِمَا، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَخْصِفَانِ﴾ قَالَ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ظُفْرًا كُلَّهُ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كُشِطَ عَنْهُ وَبَدَتْ سَوْأَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ النُّورَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَرَى عَوْرَةَ الْآخَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ، وَيُقَالُ تَدَارَكَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيِ اجْتَمَعَ، وَالتَّاءُ مُدْغَمَةٌ فِي الدَّالِ، انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَصْلُ تَدَارَكُوا، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الْفَتَّاحُ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَالْفَتَّاحُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولَا … فَإِنِّي عَنْ فِتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ
الْفَتَّاحُ الْقَاضِي. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يَنْقُلُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: انْطَلِقْ أُفَاتِحْكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (افْتَحْ بَيْنَنَا) أَيِ اقْضِ بَيْنَنَا، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْكِسَائِيِّ، أَيْ قَالَ: الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ اللِّبَاسُ.
قَوْلُهُ: (قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (قَبِيلُهُ) قَالَ: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا تُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أَيْ ثُقْبِ الْإِبْرَةِ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ سَمٌّ وَالْجَمْعُ سُمُومٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَامُّ الْإِنْسَانِ بَدَلَ مَشَاقِّ وَهِيَ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وَاحِدَتُهَا غَاشِيَةٌ وَهِيَ مَا غَشَّاهُمْ فَغَطَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمِهَادُ لَهُمْ كَهَيْئَةِ الْفِرَاشِ. وَالْغَوَاشِ يَتَغَشَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَمَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الْمِهَادُ الْفُرُشُ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ: اللُّحُفُ.
قَوْلُهُ: (نَكِدًا قَلِيلًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ أَيْ قَلِيلًا عَسِرًا فِي شِدَّةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تُنْجِزِ الْوَعْدَ إِنْ وَعَدْتَ … وَإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: النَّكِدُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: ﴿طَائِرُهُمْ﴾ حَظُّهُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ: حَظُّهُمْ وَنَصِيبُهُمْ.
قَوْلُهُ: (طُوفَانُ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ
لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّوفَانُ مِنَ السَّيْلِ وَمِنَ الْمَوْتِ الْبَالِغِ الذَّرِيعِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَطَافَ بِهِ إِذَا عَمَّهُ بِالْهَلَاكِ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ: الطُّوفَانُ وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا وَاحِدَ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَأَتَوْا مُوسَى فَدَعَا اللَّهَ فَرَفَعَ ثُمَّ عَادُوا. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الْحُمْنَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (شْبه صِغَارَ الْحَلَمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقُمَّلُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْحُمْنَانُ وَالْحُمْنَانُ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا حَمْنَانَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقُمَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: قِيلَ: السُّوسُ، وَقِيلَ: الدَّبَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفٌ وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَقِيلَ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ، وَقِيلَ صِغَارُ الذَّرِّ، وَقِيلَ هُوَ الْقَمْلُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ دَابَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ الطَّيْرِ لَهَا جَنَاحٌ أَحْمَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمُصَّ الْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلَةِ فَتَكْبَرُ السُّنْبُلَةُ وَلَا حَبَّ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أَيْ يَبْنُونَ، وَعُرُشُ مَكَّةَ خِيَامُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ تَفْسِيرُ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿سُقِطَ﴾ كُلُ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَدِمَ وَعَجَزَ عَنْ شَيْءٍ سُقِطَ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، تَأْسَ تَحْزَنْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْأُولَى فِي الْأَعْرَافِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا.
قَوْلُهُ: ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ كَثُرُوا، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبَاتٍ وَقَوْمٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَثُرُوا فَقَدْ عَفَوْا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَكِنَّا نَعَضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقٍ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ حَتَّى سُرُّوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ يَنْزِلُوهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَغَانِي الدِّيَارِ وَاحِدَتُهَا مَغْنًى، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَتَعْرِفُ مَغْنَى دِمْنَةٍ وَرُسُومِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا، أَوْ كَأَنْ لَمْ يَتَنَعَّمُوا.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ هُوَ مِنَ الرَّهْبَةِ أَيْ خَوَّفُوهُمْ.
قَوْلُهُ: (تَلَقَّفُ تَلْقَمُ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَاحِدُهَا سِبْطٌ، تَقُولُ مِنْ أَيِّ سِبْطٍ أَنْتَ؟ أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجِنْسٍ؟ انْتَهَى. وَالْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ يَعْقُوبَ كَالْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ، وَقِيلَ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْتِشَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ سِبْطٍ.
قَوْلُهُ: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَجَاوُزًا بَعْدَ تَجَاوُزٍ وَهُوَ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ شَوَارِعَ انْتَهَى. وَشُرَّعٌ وَشَوَارِعُ جَمْعُ شَارِعٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم مَن آمن أو عمل عند الغَرْغَرَةِ، وذلك لا يفيد شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الملاحم»، والنَّسائيُّ في «الوصايا»، وابن ماجه في «الفتن».
٤٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ كما جزم به خلفٌ، أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزيُّ الكوسَج كما جزم به أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأوَّل أقوى، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) «وآية ذلك: أن تطول اللَّيلة حتَّى تكون قدر ليلتين» رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فَإِذَا طَلَعَتْ) من مغربها (وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ) ولمسلمٍ (١) عن ابن عَمرو (٢) مرفوعًا: «إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشَّمس من مغربها … » الحديث، واستشكِل بأنَّ طلوع الشَّمس ليس بأوَّل الآيات؛ لأنَّ الدُّخان والدَّجَّال قبله، وأُجيب بأنَّ الآيات إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قرب قيام السَّاعة، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وجود قيام السَّاعة وحصولها، ومن الأوَّل: الدُّخان وخروج الدَّجَّال ونحوهما، ومن الثَّاني: طلوع الشَّمس من مغربها، وسُمِّي أوَّلًا لأنَّه مبدأ القسم الثَّاني، ويأتي إن شاء الله تعالى نبذةٌ من فرائد الفوائد المتعلِّقة بهذه المباحث في محالِّها من هذا الكتاب، وبالله المستعان وعليه التُّكلان.
(((٧))) (سورة الأَعْرَافِ) مكِّيَّةٌ إلَّا ثمان آياتٍ، من قوله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ﴾ … إلى قوله (١): ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذرٍّ هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم».
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((وَرِيَاشًا) [الأعراف: ٢٦]) بالجمع، وهي (٢) قراءة الحسن، جمع ريشٍ؛ كشِعْب وشِعَاب، وقراءة الباقين: ﴿وَرِيشًا﴾ بالإفراد: (المَالُ) يقال: تريَّش، أي: تموَّل، وعند ابن جريرٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: الرِّياش:
اللِّباس والعيش والنَّعيم، وقيل: الرِّيش: لباس الزِّينة، استُعير من ريش الطَّير بعلاقة الزِّينة.
وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا من طريق ابن جُرَيجٍ (١) عن عطاءٍ عنه، ممَّا وصله ابن جريرٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ (﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: (فِي الدُّعَاءِ) كالذي يسأل درجة الأنبياء، أو على (٢) من لا يستحقُّه، أو الذي يرفع صوته عند الدُّعاء، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أبي داود: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء» وقرأ هذه الآية، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفَّلٍ أنَّه سمع ابنه يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتُها، فقال: يا بنيَّ سل الله الجنَّة وَعُذْ بِهِ من النَّار، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء والطُّهور»، وهكذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان (٣) به (وَفِي غَيْرِهِ) أي: غير الدُّعاء، وسقط «﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، وقوله «وفي غيره» للمستملي.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى﴾ (﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]) أي: (كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ) يقال: عفا الشَّعر، إذا كثُر.
وقوله تعالى في سورة سبأ [الآية: ٢٦]: (﴿الْفَتَّاحُ﴾) أي: (القَاضِي) قيل: وذَكَره هنا توطئةً لقوله في هذه السُّورة: (﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]) أي: (اقْضِ بَيْنَنَا) وسقط قوله: «بيننا» لأبي ذرٍّ.
وقوله: (﴿نَتَقْنَا﴾) ﴿الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١] أي: (رَفَعْنَا) الجبل، وسقط قوله: «الجبل» لغير أبوي ذرٍّ والوقت.
وقوله: (﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) أي: (انْفَجَرَتْ).
وقوله: (﴿مُتَبَّرٌ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) أي: (خُسْرَانٌ).
وقوله: (﴿آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]) أي: فكيف (أَحْزَنُ) ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾؟ وقوله في سورة المائدة [الآية: ٢٦]: (﴿تَأْسَ﴾) أي: (تَحْزَنْ) ذكره استطرادًا.
هذا كلُّه تفسير ابن عبَّاسٍ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَقُولُ (١): مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) فـ ﴿لَّا﴾ صلةٌ، مثلها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مؤكِّدةٌ معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبِّهةٌ على أنَّ الموبَّخ عليه تركُ السُّجود.
وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ (﴿يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: أَخَذَا) أي: آدم وحوَّاء (الخِصَافَ) بكسر الخاء (﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] يُؤَلِّفَانِ الوَرَق: يَخْصِفَانِ الوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) لمَّا ذاقا طعم الشَّجرة آخذين (٢) في الأكل نالهما شُؤم المخالفة، وسقطت عنهما ثيابهما، وظهرت لهما سوءاتهما، وقيل: كانت من نورٍ، وكان أحدهما لا يرى سوءة الآخر، فأخذا يجعلان ورقةً على ورقةٍ لستر السوءة؛ كما تُخصَف النَّعل بأن تُجعَل طرقةٌ على طرقةٍ (٣)، وتوثق بالسُّيور، حتَّى صارت الأوراق كالثَّوب، وهو ورق التِّين، وقيل: اللَّوز. والخَصَفة -بالتَّحريك- الجلَّة، أي: القفَّة الكبيرة (٤) التي تُعمَل (٥) من الخوص للتَّمر، وجمعها (٦): خُصُفٌ وخِصاف، قال أبو البقاء: ﴿يَخْصِفَانِ﴾: ماضيه «خَصَفَ»، وهو متعدٍّ (٧) إلى مفعولٍ واحدٍ، والمفعول: شيئًا من ورق الجنَّة.
وقال أبو عبيدة في قوله: (﴿سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ.
(﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] هُوَ هَهُنَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وثبت للأبوين (٨) «هو» وسقط لأبي ذرٍّ (٩) «يوم» (وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عدده، وأقلُّه ساعةٌ».
(الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ) وذكره قريبًا مفسَّرًا بالمال وغيره.
وقوله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ﴾ (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧]) أي: (جِيلُهُ) بالجيم المكسورة؛ وهم الجنُّ والشَّياطين (الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) وثبت للأبوين «هو» (١) وهو من كلام أبي عبيدة (٢)، وعند المعتزلة: أنَّ سبب عدم رؤيتنا إيَّاهم لَطَافَتُهم، ورؤيتُهم إيَّانا لكثافتنا، واستدلُّوا بالآية على امتناع رؤيتهم، ولا يخفى أنَّ ما قالوه مجرَّد دعوى من غير دليلٍ، وأنَّ الخبر عن عدم الرُّؤية: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] لا يدلُّ على استحالته، ويمكن أن يُستَدلَّ على فساد مذهبهم بقوله ﷺ: «تفلَّت عليَّ (٣) البارحة عفريتٌ، فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد لتنظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان، فرددته (٤) خاسئًا».
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ (﴿إِذَا ادَّارَكُواْ﴾) أي: (اجْتَمَعُوا) ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨].
(وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ) بتشديد القاف، وفي نسخةٍ: «ومسامُّ الإنسان» بالسين المهملة والميم المشدَّدة بدل المعجَمة والقاف، وهما بمعنًى واحدٍ (وَ) مسامُّ (الدَّابَّةِ: كُلُّهُمْ) وللأبوين (٥): «كلُّها» (يُسَمَّى سُمُومًا) بضمِّ السِّين المهملة (وَاحِدُهَا: سَمٌّ، وَهْيَ) تسعةٌ: (عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ، وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ، وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قاله أبو عبيدة، وقال الراغب: السُّمُّ والسَّمُّ: كلُّ ثقبٍ ضيِّقٍ كخرم الإبرة وثقب الأنف، وجمعه: سُموم، وقد سمَّه: أدخله فيه، وفي السُّم ثلاث لغاتٍ: فتح سينه وضمُّها وكسرها، ومراد المؤلِّف بذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ودخل (٦) تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: ٤٠] الدُّهريَّة منكرو دلائل الذَّات والصِّفات، ومنكرو دلائل التَّوحيد، وهم المشركون، والبراهمة منكرو صحَّة النبوَّات، ومنكرو صحَّة المعاد الذين استكبروا عن الإيمان بها، لا تُفتَّح (٧) أبواب
السَّماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم، كما تُفتَّح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج: الدُّخول، و ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: ثقب (١) الإبرة، فإذا عُلِّق على مُحالٍ كان مُحالًا؛ لأنَّ الجمل أعظم الحيوانات عند العرب، وثقب الإبرة أضيق الثُّقَب.
وقوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ﴾ (﴿غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]) أي: (مَا غُشُّوا) أي: غُطُّوا (بِهِ) قال محمَّد بن كعبٍ القرظيُّ: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: الفُرُش، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: اللُّحُف.
وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ (﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]) بالنُّون المضمومة، أي: (مُتَفَرِّقَةً) قيل: لا تقع قطرةٌ من الغيث إلا بعد عمل أربع رياحٍ: الصَّبا تهيِّج السَّحاب، والشَّمال تجمعه، والجنوب تذرُّه، والدَّبور تفرِّقه.
وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ﴾ (﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]) أي: (قَلِيلًا) عديم النَّفع، ونَصْبُه على الحال، وتقدير الكلام: والبلد الذي خَبُثَ لا يخرج نباتُه إلا نَكِدًا، فحُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مُقامَه، فصار مرفوعًا مستترًا، وهذا مَثَلُ مَن يسمع الآيات وينتفع بها، ومن لا يرفع إليها (٢) رأسه ولم يتأثَّر بالمواعظ.
وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ﴾ (﴿يَغْنَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٢]) أي: (يَعِيشُوا) فيها، والغَناء -بالفتح-: النَّفع.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]) أي: (حَقٌّ) واجب عليَّ.
وقوله: (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]: مِنَ الرَّهْبَةِ) وهي الخوف.
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (﴿تَلْقَفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) أي: (تَلْقَمُ) تأكل ما يُلقونه ويوهمون أنَّه حقٌّ.
وقوله: ﴿أَلا إِنَّمَا﴾ (﴿طَائِرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣١]) أي: (حَظُّهُمْ) ونصيبُهم ﴿عِندَ اللّهُ﴾.
(طُوفَانٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: (مِنَ السَّيْلِ) المُتْلِف للزَّرع والثِّمار (وَيُقَالُ) أيضًا (لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: الطُّوفَانُ) وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورواه ابن مردويه بإسنادين ضعيفينِ عن عائشة مرفوعًا.
﴿وَ﴾ (١) (﴿وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]): هو (الحَُمْنَانُ) بفتح الحاء المهملة ضبطه البرماويُّ والدَّمامينيُّ كالكِرمانيِّ، وضبطه ابن حجر بضمِّها -كالفرع وأصله (٢) - وسكون الميم (يُشْبِهُ) ولأبي ذر: «شِبْهَ» (صِغَارَ الحَلَمِ) بفتح الحاء واللام، قال الأصمعيُّ فيما -ذكره الجوهريُّ-: أوَّله قمقامةٌ، ثمَّ حَُمْنانةٌ، ثمَّ قُرادةٌ (٣)، ثمَّ حَلَمةٌ وهي القُراد العظيم.
(عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي: (بِنَاءٌ) قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه الطبريُّ-: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ أي (٤): يبنون، ولا مطابقة بين قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ وقول البخاريِّ: «عُروش وعَريش» لأنَّ العُروش جمع عَرْش، وهو سرير الملِك، ولو قال: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون؛ لكان أنسبَ.
وقوله: ﴿وَلَمَّا﴾ (﴿سُقِطَ﴾) ﴿فَي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: قال أبو عبيدة: (كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) لأنَّ النَّادم المتحسِّر يَعَضُّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها.
(الأَسْبَاطُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال أبو عبيدة: هم (قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) والسِّبط: من السَّبَط -بالتحريك- وهو شجرٌ تعتلفه (٥) الإبل، وكذلك القبيلة، جعل الأب كالشَّجرة، والأولاد كالأغصان.
وقوله تعالى: (﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) قال أبو عبيدة أي: (يَتَعَدَّوْنَ لَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «له» وفي نسخةٍ: «به» بالموحَّدة بدل اللام (يُجَاوِزُونَ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ (٦) يتجاوزون» أي: حدود الله بالصَّيد فيه وقد نُهوا عنه (﴿تَعْدُ﴾ [الكهف: ٢٨]) بفتح الفوقيَّة (٧) وسكون العين المهملة (تُجَاوِزْ) بضمِّ أوَّله وكسر الواو، وفي نسخةٍ: «تَعَدَّ: تَجاوَزَ» بتشديد
الدَّال «وتَجاوَزَ» بفتح الواو والزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «تَجاوُزٌ» بفتح الفوقيَّة وضمِّ الواو «بَعْدَ تَجاوُزٍ» بموحَّدةٍ وسكون العين (١).
وقوله: (﴿شُرَّعاً﴾ [الأعراف: ١٦٣]) أي: (شَوَارِعَ) ظاهرةً على وجه الماء، من: شرع علينا إذا دنا وأشرف.
وقوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ (﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]) أي: (شَدِيدٍ) فعيلٍ من بَؤُسَ يبؤُس بؤسًا؛ إذا اشتدَّ.
وقوله: (﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ) أي: تأخَّر وأبطأ، وهو عبارةٌ عن شدَّة ميله إلى زهرة الدُّنيا وزينتها، وإقباله على لذَّاتها ونعيمها، وقوله: «﴿إِلَى الأَرْضِ﴾» ثابتٌ لأبوي ذرٍّ والوقت.
وقوله: (﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] أي: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ) أي: من موضع أمنهم، وثبت قوله: «أي» للأبوين (٢) (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) وجه التَّشبيه: أخذ الله إيَّاهم بغتةً، وأصل الاستدراج: الاستصعاد أو (٣) الاستنزال درجةً بعد درجةٍ، أي: نأخذهم قليلًا قليلًا إلى أن تُدرِكَهم العقوبة، وذلك أنَّهم (٤) كلَّما جدَّدوا خطيئةً جُدِّدت لهم نعمةٌ، فظنُّوا ذلك تقريبًا (٥) من الله تعالى، وأنساهم الاستغفار.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم﴾ (﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]) أي: (مِنْ جُنُونٍ) والاستفهام بمعنى التَّقريع أو التَّحريض، أي: أو لم ينظروا بعقولهم؟ لأنَّ الفكر طَلَبُ المعنى بالقلب، وذلك أنَّه كما يتقدَّم رؤية البصر تقلُّبُ (٦) الحدقة نحو المرئيِّ؛ يتقدم رؤية البصيرة تقلُّبُ حدقة العقل إلى الجوانب، أي: أنَّه كيف يتصوَّر منه ﷺ الجنون وهو يدعوهم إلى الله تعالى،
ويقيم على ذلك الدَّلائل القاطعة بألفاظٍ بلغت في الفصاحة إلى حقيقة يعجز عنها الأوَّلون والآخِرون؟!
وقوله: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]) أي: (مَتَىَ خُرُوْجُها؟) واشتقاق ﴿أَيَّانَ﴾ من «أيٍّ» لأنَّ معناه: أيُّ وقتٍ؟ وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ … » إلى آخره.
وقوله: ﴿حَمْلاً خَفِيفًا﴾ (﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]) أي: (اسْتَمَرَّ بِهَا) أي: بحوَّاء (الحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ) وعن ابن عبَّاسٍ: استمرَّت به فشكَّت؛ أحبلت أم لا؟ وسقط قوله: «﴿فَمَرَّتْ (١)﴾ … » إلى آخره من رواية أبي ذرٍّ.
قوله: ﴿وَإِمَّا﴾ (﴿يَنزَغَنَّكَ﴾) قال أبو عبيدة: أي: (يَسْتَخِفَّنَّكَ) وقال غيره: وإمَّا ينخسنَّك من الشَّيطان نخسٌ، أي: وسوسةٌ تحملك على خلاف ما أُمِرت به ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] من نزغه.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (﴿طَائِفٌ﴾) ﴿مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قال أبو عبيدة: (مُلِمٌّ) يقال: (بِهِ لَمَمٌ) صرعٌ منه، أو إصابة ذنبٍ، أو همٌّ به (وَيُقَالُ: (٢) ﴿طَائِفٌ﴾) بالألف، اسم فاعلٍ من طاف يطوف، كأنَّها طافت بهم ودارت حولهم، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة (وَهْوَ) كالسَّابق (وَاحِدٌ) في المعنى.
وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ (﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]) قال أبو عبيدة أي: وإخوان الشَّياطين الذين لم يتَّقوا (يُزَيِّنُونَ) لهم الغيَّ والكفر.
وقوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾ (﴿وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) أي: (خوفًا) قاله أبو عبيدة، وقال ابن جريجٍ في قوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ (﴿وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: سرًّا (مِنَ الإِخْفَاءِ) المشهورُ أنَّ المزيد فيه مأخوذٌ من الثُّلاثيِّ -وهو الخفاء- دون العكس، وإنَّما قال: من الإخفاء؛ نظرًا إلى أنَّ الاشتقاق أن تنتظم الصِّيغتان معنًى واحدًا.
وقوله: (﴿وَالآصَالِ﴾) في قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: أَصِيلٌ؛ وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ؛ كَقَوْلِكَ) وفي نسخةٍ وهي التي في «اليونينيَّة» (١): «كقوله»: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]) والتقييد بالوقتين؛ لأنَّ بالغداة ينقلب من الموت إلى الحياة، ومن الظُّلمة التي تُشاكِلُ العدم إلى النُّور المناسِب للوجود، وفي الآخر بالعكس، وثبت قوله: «وهو» للأبوين (٢).
(١) (﴿إِنَّمَا﴾) وفي نسخةٍ: «﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» ولأبي ذرٍّ: «باب قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» (﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾) ما تَزَايَدَ قُبحه، وقيل: ما يتعلَّق بالفُروج، وقيل: الكبائر، وقيل: الطَّواف بالبيت عُراةً؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، ويؤيِّده السِّياق؛ فإنَّ قوله: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] يدلُّ على وجه التشبيه في قوله: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتَّصفوا بصفةٍ يوقعِكم الشَّيطان بسببها في الفتنة؛ وهي العري في الطَّواف، فتُحْرَموا دخول الجنَّة كما حرَّمَها على أبويكم حين أخرجهما من الجنَّة، وقد يقال: الحَمْلُ على الأعمِّ من جميعها أَولى؛ محافظةً على الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ لكن إن فُسِّر الإثم بكلِّ الذُّنوب -كما قيل- لم يُحتَج إليه، وقيل: الخمر، وعورض بأنَّ تحريمها بالمدينة، وهذه مكِّيَّةٌ (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]) جهرها وسرَّها، وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ قال: كانوا في الجاهليَّة لا يَرَونَ بالزِّنى بأسًا في السِّرِّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزِّنى في السِّرِّ والعلانية.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قبلا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا} ثمَّ قَالَ قبلا جمع قبيل، وَفِي التَّفْسِير: قبلا جمع قَبيلَة، يَعْنِي: فوجا فوجا وَصِنْفًا صنفا. وَقَالَ الْأَخْفَش: أَي قبيلاً قبيلاً. والقبيل فِي غير هَذَا الْموضع بِمَعْنى الْكَفِيل، وَبِمَعْنى العريف وَبِمَعْنى الْجَمَاعَة يكون من الثَّلَاثَة فَصَاعِدا من قوم شَتَّى مثل الرّوم والزنج وَالْعرب، وَالْجمع: قبل، بِضَمَّتَيْنِ قَوْله: وَالْمعْنَى أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قبيل ضروب يَعْنِي أنواعا للعذاب كل ضرب أَي كل نوع من تِلْكَ الضروب، قبيل: أَي نوع، وَقَرَأَ بَعضهم: قبلا بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء من الْمُقَابلَة والمعاينة. وَقَرَأَ آخَرُونَ قبلا بضمهما بِمَعْنى عيَانًا قَالَه عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ قَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن ابْن أبي زيد بن أسلم. وَقَالَ مُجَاهِد: قبلا أَفْوَاجًا قبيلاً قبيلاً.
زُخْرُفَ الْقَوْلِ كلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يُوحى بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل} ثمَّ فسر، زخرف القَوْل بقوله: كل شَيْء إِلَى آخِره، فَقَوله: كل شَيْء مُبْتَدأ وحسنته صفة لشَيْء ووشيته عطف عَلَيْهِ من التوشية وَهُوَ التزيين، وروى: زينته. قَوْله: وَهُوَ بَاطِل جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: فَهُوَ زخرف خبر الْمُبْتَدَأ وَدخلت الْفَاء فِيهِ لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط، وأصل الزخرف التزيين والتحسين وَمِنْه سمى الذَّهَب زخرفا. وَقَالَ ابْن جرير: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة إِن كفار الْجِنّ شياطين يوحون إِلَى شياطين الْإِنْس زخرف القَوْل غرُورًا وَعَن ابي ذران رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا أَبَا ذَر هَل تعوذت بِاللَّه من شَرّ شياطين الانس؟ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! هَل للإنس من شياطين؟ قَالَ: نعم. رَوَاهُ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ذَر.
وَحَرْثٌ حِجْرٌ حَرَامٌ وَكِلُّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حجر مَحْجُورٌ: وَالحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقالُ لِلْعَقْلِ حِجرٌ وَحَجَى: وأمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ حَجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ كأنَّهُ مُشْتَقٌ مِنْ مَحْطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ وَأمَّا حَجْرُ اليَمَامَةِ فَهُوَ مَنْزِلٌ.
هَذَا مُكَرر بِلَا فَائِدَة جَدِيدَة لِأَنَّهُ ذكره فِي قصَّة ثَمُود فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا} (الْأَعْرَاف: ٧٣) {كذب أَصْحَاب الْحجر} (الْحجر: ٨٠) الْحجر مَوضِع ثَمُود، وَأما حرث حجر حرَام إِلَى آخِره مثل مَا ذكره هُنَا وَلِهَذَا لم يذكرهُ أَبُو ذَر والنسفي هُنَا. وَهَذَا أولى.
٩ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمانُها} (الْأَنْعَام: ١٥٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم لَا ينفع نفسا إيمَانهَا} وَقَبله: {يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل} الْآيَة مَعْنَاهُ: إِذا أنشأ الْكَافِر إِيمَانًا يَوْمئِذٍ لَا يقبل مِنْهُ، وَأما من كَانَ مُؤمنا قبل ذَلِك فَإِن كَانَ مصلحا فِي عمله فَهُوَ بِخَير عَظِيم، وَإِن كَانَ مخلطا فاحدث تَوْبَة لم تقبل تَوْبَته.
٠١ - (بابٌ: {هَلُمْ شُهَدَاءَكُمْ لُغَةُ أهْلِ الْحِجازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ} )
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا} (الْأَنْعَام: ١٥٠) الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد: أحضروا شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا أَي: هَذَا الَّذِي حرمتموه وكذبتم واقتربتم على الله فِيهِ قَوْله هَلُمَّ، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير لفظ هَلُمَّ وَقَوله لُغَة أهل الْحجاز، خَبره قَوْله: (هَلُمَّ للْوَاحِد) ، يَعْنِي لفظ هَلُمَّ يصلح للْوَاحِد وللاثنين وللجماعة، هَذَا عِنْد أهل الْحجاز، وَأهل نجد يَقُولُونَ للْوَاحِد: هَلُمَّ، وللمرأة هَلُمِّي، وللاثنين: هلما وللجماعة الذُّكُور: هلموا، وللنساء هلممن. وعَلى اللُّغَة الأولى يكون أسما للْفِعْل وَبني لوُقُوعه موقع الْأَمر الْمَبْنِيّ، وعَلى اللُّغَة الثَّانِيَة يكون فعلا.
٤٦٣٥ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا عمارَةُ حدَّثنا أبْو زُرْعَةَ
حدَّثنا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَال قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقُومُ الساعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإذَا رَآها النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْها فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بن الْقَعْقَاع الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة هرم بن عمر والبجلي الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم عَن أَحْمد بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن أَحْمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا) وعلامة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا آيَة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تطول تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى تكون قدر لَيْلَتَيْنِ، فينتبه الَّذين كَانُوا يصلونَ فِيهَا فيعملون كَمَا كَانُوا يصلونَ قبلهَا، ثمَّ يرقدون ثمَّ يقومُونَ فيصلون ثمَّ يرقدون ثمَّ يقومُونَ، فيظل عَلَيْهِم جُنُونه حَتَّى يَتَطَاوَل عَلَيْهِم اللَّيْل فَيفزع النَّاس وَلَا يُصْبِحُونَ، فَبَيْنَمَا هم ينتظرون طُلُوع الشَّمْس من مستقرها إِذْ طلعت من مغْرِبهَا، فَإِذا رَآهَا النَّاس آمنُوا. فَلَا يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم) ، وَفِي مُسلم: ثَلَاثَة إِذا خرجن لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا والدجال ودابة الأَرْض. قَوْله: (آمن من عَلَيْهَا) أَي: على الأَرْض، والسياق يدل عَلَيْهِ.
٤٦٣٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإذَا طَلَعتْ وَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وَذالِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمَانهَا ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ.
هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن إِسْحَاق ذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَأَبُو نعيم الحافظان أَنه ابْن مَنْصُور الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَفِي نُسْخَة من كتاب خلف الوَاسِطِيّ، رَوَاهُ، يَعْنِي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن نصر يَعْنِي السَّعْدِيّ قلت: إِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد يروي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن همام، بتَشْديد الْمِيم، ابْن مُنَبّه الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَاخْتلف فِي أول الْآيَات فَفِي مُسلم عَن ابْن عمرَان أول الْآيَات خُرُوجًا طُلُوع الشَّمْس وَخُرُوج الدَّابَّة وَأيهمَا كَانَت قبل صاحبتها فالأخرى على إثْرهَا قَرِيبا مِنْهَا. وروى نعيم بن حَمَّاد من حَدِيث إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة عَن يزِيد بن أبي غياث، سمع أَبَا هُرَيْرَة مَرْفُوعا خمس لَا يدْرِي أيتهن أول الْآيَات وأيتهن جَاءَت. لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، والدجال، ويأجوج وَمَأْجُوج وَالدُّخَان، وَالدَّابَّة. وَقيل: خُرُوج الدَّجَّال، ويرجحه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الدَّجَّال خَارج فِيكُم لَا محَالة، فَلَو كَانَت الشَّمْس طلعت قبل ذَلِك من مغْرِبهَا لم ينفع الْيَهُود إِيمَانهم أَيَّام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَو لم يَنْفَعهُمْ لما صَار الدّين وَاحِدًا بِإِسْلَام من أسلم مِنْهُم، فَإِذا قبض عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ يبْقى النَّاس حيارى سكارى فَيرجع أَكْثَرهم إِلَى الْكفْر والضلالة ويستولى أهل الْكفْر على من بَقِي من أهل الْإِسْلَام فَعِنْدَ ذَلِك تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَعند ذَلِك يرفع الْكتاب الْعَزِيز ثمَّ يَأْتِي الْحَبَش إِلَى الْكَعْبَة المشرفة فيهدمونها. ثمَّ تخرج الدَّابَّة ثمَّ الدُّخان ثمَّ الرّيح ثمَّ الرِّيَاح تلقي الْكفَّار فِي الْبَحْر ثمَّ النَّار الَّتِي تَسوق النَّاس إِلَى الْمَحْشَر ثمَّ الهدة قلت: الهدة صَوت يَقع من السَّمَاء، وَقيل: الْخَسْف، وروى ابْن خالويه فِي (أَمَالِيهِ) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن أبي حميد الْحِمْيَرِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا يبْقى النَّاس بعد طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا عشْرين وَمِائَة سنة وَرَوَاهُ نعيم
ابْن حَمَّاد فِي كِتَابه عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل مَوْقُوفا، وَذكر نَحوه ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا فِيمَا ذكره ابْن النَّقِيب، وروى نعيم بن حَمَّاد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة بن زيد عَن الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم سمع عبد الله بن عمر قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تعبد الْعَرَب مَا كَانَ يعبد آباؤها عشْرين وَمِائَة عَام بعد نزُول عِيسَى وَبعد الدَّجَّال، وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة إِلَى ابْن عمر: أَن الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْتَمِعَانِ فِي السَّمَاء فِي منزله وَاحِدَة بالْعَشي، فَيكون النَّهَار سرمدا عشْرين سنة وَعَن وهب: طُلُوع الشَّمْس الْآيَة الْعَاشِرَة وَهِي آخر الْآيَات، ثمَّ تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وَعَن ابْن لَهِيعَة إِلَى عبد الله مَرْفُوعا: لَا يلبثُونَ بعد يَأْجُوج وَمَأْجُوج إلَاّ قَلِيلا حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا، فَيَقُول من لَا خلاق لَهُ: مَا نبالي إِذا رد الله عَلَيْهَا ضوءها من حَيْثُ مَا طلعت من مشرقها أَو مغْرِبهَا الحَدِيث، وَفِي آخِره. ويخر إِبْلِيس سَاجِدا وَيَقُول لأعوانه، هَذِه الشَّمْس قد طلعت من مغْرِبهَا وَهُوَ الْوَقْت الْمَعْلُوم، وَلَا عمل بعد الْيَوْم، وَيصير الشَّيَاطِين ظَاهِرين فِي الأَرْض حَتَّى يَقُول الرجل: هَذَا قريني الَّذِي كَانَ يغويني، الْحَمد لله الَّذِي أَخْزَاهُ وأراحني مِنْهُ فَلَا يزَال إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة سَاجِدا باكيا حَتَّى تخرج دَابَّة الأَرْض فتقتله. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي عدم نفع الْإِيمَان عِنْد طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا. قلت: لوُقُوع الْفَزع فِي قُلُوبهم بِمَا يخمد بِهِ كل شَهْوَة من شهوات النَّفس، وفتور كل قُوَّة من قوى الْبدن، فيصيرون فِي حَالَة من حَضَره الْمَوْت لانْقِطَاع الدَّوَاعِي إِلَى أَنْوَاع الْمعاصِي، فَمن تَابَ فِي مثل هَذِه الْحَالة كمن تَابَ عِنْد الغرغرة فَفِي ذَلِك الْوَقْت كَأَنَّهُمْ شاهدوا مَقَاعِدهمْ من النَّار أَو الْجنَّة فَلم يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لأَنا مكلفون بِالْإِيمَان بِالْغَيْبِ فَلَا ينفع الْإِيمَان عِنْد الْمُشَاهدَة. فَإِن قلت: مَا الحكم فِي طُلُوعهَا من الْمغرب؟ قلت: الْحِكْمَة فِيهِ إبِْطَال قَول الْمَلَاحِدَة والمنجمين لما قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، لنمرود: {إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب} (الْبَقَرَة: ٢٥٨) حَيْثُ أَنْكَرُوا ذَلِك وَادعوا أَنه لَا يَقع وَلَا يتَصَوَّر.
٧ - ( {سُورَةُ الأعْرَاف} )
أَي: هَذَا بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الْأَعْرَاف، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي كِتَابه فِي (مقامات التَّنْزِيل) هِيَ مَكِّيَّة، وفيهَا اخْتِلَاف، وَذكر الْكَلْبِيّ أَن فِيهَا خمس عشر آيَة مدنيات من قَوْله: {إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل} (الْأَعْرَاف: ١٥٢) إِلَى قَوْله: {وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه} وَمن قَوْله: {واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر} (الْأَعْرَاف: ١٥٧) إِلَى قَوْله: {ودرسوا مَا فِيهِ} قَالَ: وَلم يبلغنَا هَذَا عَن غير الْكَلْبِيّ، وفيهَا آيَة أُخْرَى: {وَإِذا قرىء الْقُرْآن} الْآيَة. ذكر جمَاعَة أَنَّهَا نزلت فِي الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة إِنَّمَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ وَهِي مِائَتَان وست آيَات كُوفِي ومكي ومائتان وَخمْس بَصرِي وشامي، وَأَرْبَعَة عشر ألفا وثلاثمائة وَعشرَة أحرف، وَثَلَاث آلَاف وثلاثمائة وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تُوجد الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَرياشا المَالُ
لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، وَأَشَارَ بقوله: ورياشا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قد أنزل عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم ورياشا} (الْأَعْرَاف: ٢٦) قَرَأَ الْجُمْهُور وريشا وَقَرَأَ الْحسن وذر بن حُبَيْش وَعَاصِم فِيمَا رُوِيَ عَنهُ وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَأَبُو رَجَاء ورياشا وَهِي قِرَاءَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: رَوَاهَا عَنهُ عُثْمَان. ثمَّ إِن البُخَارِيّ فسره بِالْمَالِ، رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة حَدثنَا عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الريش الْأكل، والرياش المَال الْمُسْتَفَاد، وَقَالَ ابْن درير الريش الْجمال، وَقيل: هُوَ اللبَاس، حكى أَبُو عَمْرو أَن الْعَرَب تَقول: كساني فلَان ريشة أَي كسْوَة، وَقَالَ قطرب الريش والرياش وَاحِد مثل حل وحلال وَحرم وَحرَام، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: يجوز أَن يكون مصدرا من قَول الْقَائِل: راشه الله يريشه رياشا. والرياش فِي كَلَام الْعَرَب الأثاث وَمَا ظهر من الْمَتَاع وَالثيَاب والفرش وَغَيرهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس الرياش اللبَاس والعيش وَالنَّعِيم، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ الخصب والمعاش، وَقَالَ القتبي: الريش والرياش مَا ظهر من اللبَاس.
إنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ فِي الدُّعاءِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أدعوا ربكُم تضرعا وخفية أَنه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ} (الْأَنْعَام: ٥٥) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني والحموي (فِي الدُّعَاء وَفِي غَيره) وَقَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْقَاسِم حَدثنَا الْحُسَيْن حَدثنِي حجاج عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء وَلَا فِي غَيره) ، والاعتداء فِي الدُّعَاء بِزِيَادَة السُّؤَال فَوق الْحَاجة وَيطْلب مَا يَسْتَحِيل حُصُوله شرعا وَيطْلب مَعْصِيّة. وبالاعتناء بالأدعية الَّتِي لم تُؤثر خُصُوصا إِذا كَانَ بالسجع الْمُتَكَلف وبرفع الصَّوْت والنداء والصياح لقَوْله تَعَالَى: {ادعوا ربكُم تضرعا وخفية} وأمرنا بِأَن نَدْعُو بالتضرع والاستكانة والخفية أَلا ترى أَن الله تَعَالَى ذكر عبدا صَالحا وَرَضي فعله فَقَالَ: {إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا} (مَرْيَم: ٣) وَفِي (التَّلْوِيح) (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ) إِلَى قَوْله، قَالَ غَيره: يشبه وَالله أعلم أَنه من قَول ابْن عَبَّاس، وَقد ذكره من غير عطف لذَلِك.
عَفَوا كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أمْوَالُهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا} (الْأَعْرَاف: ٩٥) الْآيَة. وَفسّر لفظ عفوا. الَّذِي هُوَ صِيغَة جمع بقوله: كَثُرُوا من عَفا الشَّيْء إِذا كثر، وَقَوله كثرت أَمْوَالهم إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: حَتَّى عفوا أَي كَثُرُوا وَكَثُرت أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ.
الفَتَّاحُ القَاضِي افْتَحْ بَيْنَنا اقْضِ بَيْنَنَا
لفظ الفتاح لم يَقع فِي هَذِه السُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَة سبأ قيل: كَأَنَّهُ ذكره هُنَا تَوْطِئَة لتفسير قَوْله فِي هَذِه السُّورَة: {رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ} (الْأَعْرَاف: ٨٩) انْتهى. وَفسّر الفتاح بقوله القَاضِي، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن الفتاح القَاضِي، وَقَالَ الْفراء: وَأهل عمان يسمون القَاضِي الفاتح والفتاح، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ، وَذكر غَيره أَنه لُغَة مُرَاد، وروى ابْن جرير من طرق عَن قَتَادَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا كنت أَدْرِي مَا معنى قَوْله: افْتَحْ بَيْننَا حَتَّى سَمِعت بنت ذِي يزن تَقول لزَوجهَا: انْطلق أفاتحك، وَمن طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: افْتَحْ بَيْننَا. أَي: اقْضِ بَيْننَا.
نَتقْنا رَفَعنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظله} (الْأَعْرَاف: ١٧١) وَفسّر: نتقنا، بقوله رفعنَا وَكَذَا فسره وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل: رفعناه.
انْبَجَسَتْ انْفَجَرَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَن أضْرب بعصاك الْحجر فانبجست مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا} (الْأَعْرَاف: ١٦٠) ثمَّ فسر: انبجست، بقوله: انفجرت، وَكَذَا جَاءَ فِي سُورَة الْبَقَرَة حَيْثُ قَالَ: {فَقُلْنَا اضْرِب بعضاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا} أَي: انشقت، وَكَانَ ذَلِك الْحجر من الطّور يحمل مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِذا نزلُوا فِي مَوضِع ضربه مُوسَى بعصاه فَيخرج مِنْهُ المَاء فِي اثْنَتَيْ عشرَة عينا لكل سبط عين.
مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ متبر مَا هم فِيهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} وَفسّر متبر بقوله خسران واشتقاقه من التبار، وَهُوَ الْهَلَاك وَهُوَ من التتبير، يُقَال: تبره تتبيرا أَي كَسره وأهلكه.
آسي أحْزَنُ تأس تَحْزَنْ
ذكر هُنَا لفظتين: الأولى: قَوْله: آسي، وَهُوَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكيف آسي على قوم كَافِرين} (الْأَعْرَاف: ٩٣) وَفَسرهُ بقوله: احزن وَهُوَ حِكَايَة عَن قَول شُعَيْب. عَلَيْهِ السَّلَام، حَيْثُ قَالَ بعد هَلَاك قومه، فَكيف آسي، أَي: فَكيف أَحْزَن على الْقَوْم الَّذين هَلَكُوا على الْكفْر؟ واللفظة الثَّانِيَة: قَوْله: تأسى، وَهُوَ فِي سُورَة الْمَائِدَة وَقد ذكرت هُنَاكَ، وَإِنَّمَا ذكر هَاهُنَا أَيْضا اسْتِطْرَادًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: {مَا مَنَعَكَ أنْ لَا تَسْجُدَ} (الْأَعْرَاف: ١٢) يُقالُ مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مَا مَنعك أَن لَا تسْجد إِذْ أَمرتك} ، ثمَّ أَشَارَ بقوله: يُقَال: مَا مَنعك أَن تسْجد، وَنبهَ بِهَذَا على أَن كلمة لَا صلَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَا فِي: أَن لَا تسْجد، صلَة بِدَلِيل قَوْله: {مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي} (ص: ٧٥) ثمَّ قَالَ: فَائِدَة زيادتها توكيد معنى الْفِعْل الَّذِي يدْخل عَلَيْهِ، وتحقيقه كَأَنَّهُ قيل: مَا مَنعك أَن تحقق السُّجُود وَتلْزَمهُ نَفسك إِذا أَمرتك؟ وَذكر ابْن جرير عَن بعض الْكُوفِيّين أَن الْمَنْع هَاهُنَا بِمَعْنى القَوْل، وَالتَّقْدِير: من قَالَ لَك لَا تسْجد؟ قلت: يجوز أَن تكون كلمة أَن مَصْدَرِيَّة وَكلمَة لَا، على أَصْلهَا، وَيكون فِيهِ حذف، وَالتَّقْدِير: مَا مَنعك وحملك على أَن لَا تسْجد أَي على عدم السُّجُود.
يَخْصِفانِ أخَذا الخِصافَ مِنْ ورَقِ الجَنَّةِ. يُؤَلِّفانِ الوَرَقَ يَخْصِفان الوَرَقَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة} (الْأَعْرَاف: ٢٢) وَفسّر (يخصفان) بقوله: أخذا الْخصاف، وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء جمع خصفة وَهِي الجلة الَّتِي يكنز فِيهَا التَّمْر. قَوْله: (وطفقا) ، من أَفعَال المقاربة أَي: جعلا أَي: آدم وحواء، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة، قيل: ورق التِّين يَعْنِي يجعلان ورقة فَوق ورقة على عوراتهما ليستترا بهَا كَمَا يخصف النَّعْل بِأَن تجْعَل طرفَة على طرْقَة وتوثق بالسبور، وَقَرَأَ الْحسن: يخصفان، بِكَسْر الْخَاء وَتَشْديد الصَّاد، وَأَصله يختصفان. وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ: يخصفان، من أخصف، أَي: يخصفان أَنفسهمَا. وقرىء: يخصفان، من خصف بِالتَّشْدِيدِ.
سَوْآتِهِما كِنَايةٌ عَنْ فَرْجَيْهِما
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فلماذا قاالشجرة بَدَت لَهما سوآتهما} وَقَالَ. قَوْله: سوآتهما، كِنَايَة عَن فرجيهما. أَي: فَرجي آدم وحواء، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير: سقط عَنْهُمَا اللبَاس وَظَهَرت لَهما عوراتهما وَكَانَا لَا يريان من أَنفسهمَا وَلَا أَحدهمَا من الآخر، وَعَن وهب كَانَ لباسهما فَوْرًا يحول بَينهمَا وَبَين النّظر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السوأة الْعَوْرَة، وَفِي قَول البُخَارِيّ: كِنَايَة نظر لَا يخفى.
وَمَتاعٌ إلَى حِينٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إلَى مَا لَا يُحْصِي عَدَدُها.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين} (الْأَعْرَاف: ٢٤) وَنبهَ على أَن المُرَاد من الْحِين، هُنَا هُوَ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِي بعض النّسخ، ومتاع إِلَى حِين، هُوَ هَاهُنَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ أَشَارَ بقوله: والحين عِنْد الْعَرَب إِلَى الْحِين يسْتَعْمل لأعداد كَثِيرَة، وَأَدْنَاهُ سَاعَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحِين الْوَقْت، وَفِي (الْمغرب) الْحِين كالوقت لِأَنَّهُ بهم يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي بَدْء الْخلق.
قبَيلُهُ جِيلهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَنه يراكم هُوَ وقبيله} (الْأَعْرَاف: ٢٧) وَالضَّمِير فِي (إِنَّه) يرجع إِلَى الشَّيْطَان، وَفسّر الْقَبِيل بالجيل، بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصِّنْف من النَّاس التّرْك جيل، والصين جيل، وَالْمرَاد هُنَا جيل الشَّيْطَان يَعْنِي قبيله، وَيُؤَيِّدهُ فِي الْمَعْنى مَا رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله قبيله قَالَ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَقيل: قبيله خيله وَرجله. قَالَ الله تَعَالَى: {بخيلك ورجلك} (الْإِسْرَاء: ٦٤) وَقيل: ذُريَّته قَالَ تَعَالَى: {أفتتخذونه وَذريته} (الْكَهْف: ٥٠) وَقيل أَصْحَابه: وَقيل: وَلَده ونسله. قَالَ الْأَزْهَرِي: الْقَبِيل جمَاعَة لَيْسُوا من أَب وَاحِد وَجمعه قبل فَإِذا كَانُوا من أَب وَاحِد فهم قَبيلَة.
ادَّارَكُوا اجْتَمَعُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا حَتَّى إِذا داركوا فِيهَا جَمِيعًا} وَفسّر لفظ أداركوا بقوله: اجْتَمعُوا وَقَالَ مقَاتل: كلما دخل أهل مِلَّة النَّار لعنُوا أهل ملتهم فيلعن الْيَهُود الْيَهُود وَالنَّصَارَى النَّصَارَى وَالْمَجُوس الْمَجُوس، وَالْمرَاد بالأخت أخوة الدّين وَالْملَّة لَا أخوة النّسَب. قَوْله: (حَتَّى إِذا أداركوا فِيهَا) ، أَي: حَتَّى إِذا اتداركوا فِيهَا وتلاحقوا بِهِ واجتمعوا
فِيهَا. أَي: فِي النَّار. قلت: أصل اداركوا اتداركوا فقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال وَقَرَأَ الْأَعْمَش حَتَّى إِذا تداركوا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء كَذَلِك.
مَشَاقُّ الإنْسَانِ وَالدَّابَةِ كلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُوما وَاحِدُها سَمٌّ وَهِيَ عَيْناهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَاذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإحْلِيلُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ سم، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط} (الْأَعْرَاف: ٤٠) قَوْله: (مشاق الْإِنْسَان) ، وَفِي بعض النّسخ مسام الْإِنْسَان، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد وَهِي سموم الْإِنْسَان جمع سم، وَهِي عَيناهُ إِلَى آخر مَا ذكر قَالَ الْجَوْهَرِي: السم الثقب وَمِنْه سم الْخياط ومسام الْجَسَد ثقبه، وَفِي (الْمغرب) المسام المنافذ من عِبَارَات الْأَطِبَّاء، وَفِي السم ثَلَاث لُغَات فتح السِّين وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين، وَضمّهَا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة، وَكسرهَا وَبِه قَرَأَ بو عمرَان الْجونِي، والخياط مَا يخاط بِهِ وَيُقَال: مخيط أَيْضا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو رزين.
غَوَاشٍ مَا غُشُوا بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش} (الْأَعْرَاف: ٤١) وَفسّر لفظ غواش، بقوله: مَا غشوا بِهِ. أَي: مَا غطوا بِهِ وَهُوَ جمع غاشية وَهِي كل مَا يغشاك أَي يسترك من اللحف، وَقيل: من اللبَاس، وَالْمرَاد بذلك أَن النَّار من فَوْقهم وَمن تَحْتهم بالمهاد وعماد فَوْقهم بالغواشي، وروى ابْن جرير من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: المهاد الْفرش. وَقَالَ: وَمن فَوْقهم غواش اللحف.
نُشُرا مُتَفَرِّقَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح نشرا} (الْأَعْرَاف: ٥٧) وَفسّر نشرا بقوله: مُتَفَرِّقَة وفن التَّفْسِير: النشر جمع نشور وَهِي الرّيح الطّيبَة الهبوب تهب من كل نَاحيَة وجانب، وَقيل: النشور بِمَعْنى المنشور كالركوب بِمَعْنى المركوب، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: النشر المنتشرة الواسعة الهبوب أرسلها الله منشورة بعد انطوائها.
نَكِدا قَلِيلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكدا} (الْأَعْرَاف: ٥٨) وَفسّر قَوْله: نكدا بقوله: قَلِيلا وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بقوله: قَلِيلا عسرا فِي شدَّة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ. قَالَ: النكد الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع.
يَغْنَوْا يَعِيشُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذين كذبُوا شعيبا كَأَن لم يغنوا فِيهَا} (الْأَعْرَاف: ٩٢) وَفسّر: يغنوا بقوله: يعيشوا، وَترك ذكر الْجَازِم. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَي: كَأَن لم يعيشوا أَو كَأَن لم ينعموا ومادته من غنى أَي عَاشَ وغنى بِهِ عَنهُ غنية، وغنيت الْمَرْأَة بزوجها غنيانا وغني بِالْمَكَانِ أَقَامَ، والغناء بِالْفَتْح النَّفْع وبالكسر من السماع والغنى مَقْصُورا الْيَسَار.
حَقِيقٌ حَقٌّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إلَاّ الْحق} (الْأَعْرَاف: ١٠٤ وَفسّر قَوْله حقيق، بقوله حق أَي: جدير بذلك حري بِهِ.
استَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا القوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم} (الْأَعْرَاف: ١٤٦) وَقَالَ: استرهبوهم من الرهبة. أَي: الْخَوْف، وَالْمعْنَى: أَن سحرة فِرْعَوْن سحروا أعين النَّاس أَي خيلوا إِلَى الْأَبْصَار أَن مَا فَعَلُوهُ لَهُ حَقِيقَة فِي الْخَارِج، واسترهبوا النَّاس بذلك وخوفوهم وَخَافَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَيْضا من ذَلِك وَقَالَ الله عز وَجل: {لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى والق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا} (طه: ٦٨، ٦٩) الْقِصَّة بِتَمَامِهَا فِي التَّفْسِير.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون} وَفسّر لفظ تلقف، بِلَفْظ تلقم أَي: تَأْكُل مَا يأفكون أَي: مَا يلقونه ويوهمون أَنه حق وَهُوَ بَاطِل.
طائِرُهُمْ حَظهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ} (الْأَعْرَاف: ١١٧) وَفسّر طَائِر هم بقوله حظهم، وَكَذَا قَالَ: أَبُو عُبَيْدَة: طائرهم حظهم ونصيبهم.
طُوفانٌ مِنَ السَّيْلِ وَيُقالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ الطُّوفانُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل} وَفسّر الطوفان بِأَنَّهُ من السَّيْل، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رِوَايَة الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار. وَبِه قَالَ الضَّحَّاك: وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة كَثْرَة الْمَوْت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَيُقَال للْمَوْت الْكثير الطوفان، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون على كل حَال، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ أَمر من الله طَاف بهم ثمَّ قَرَأَ: {فَطَافَ عَلَيْهِم طائف من رَبك وهم نائمون} (الْقَلَم: ١٩) . وَقَالَ الْأَخْفَش الطوفان واحده طوفانة وَقيل: هُوَ مصدر كالرجحان وَالنُّقْصَان. قلت: هُوَ اسْم للمصدر، فاقهم.
القُمَّلُ الحُمْنانُ يُشْبِهُ صِغارَ الحَلَمِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْقمل الْمَذْكُور فِي الْآيَة الَّتِي مَضَت الْآن، وَفَسرهُ بقوله الحمنان، بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْمِيم. قَوْله: (يشبه صغَار الْحلم) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْقمل عِنْد الْعَرَب ضرب من القردان وَاحِدهَا حمنانة وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْقمل السوس الَّذِي يخرج من الْحِنْطَة، وَعنهُ أَنه الدُّبَّاء وَهُوَ الْجَرَاد الصغار الَّذِي لَا أَجْنِحَة لَهُ، وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير: الْقمل دَوَاب سود صغَار، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: الْقمل البراغيث، وَقَالَ ابْن جرير: الْقمل جمع قلمة وَهِي دَابَّة تشبه الْقمل تَأْكُل الْإِبِل، والحلم جمع حلمة والحلمة تتقفي من ظهرهَا فَيخرج مِنْهَا القمقامة وَهِي أَصْغَر مِمَّا رَأَيْته مِمَّا يمشي وَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ فَإِذا امْتَلَأَ سقط على الأَرْض وَقد عظم ثمَّ يضمر حَتَّى يذهب دَمه فَيكون قرادا فَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ ثَانِيَة فَيكون حمْنَة، قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: أرسل الله تَعَالَى الحمنان على دوابهم فأكلنها حَتَّى لم يقدروا على الْمسير، وَقَرَأَ الْحسن: الْقمل، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم، وَفِي (الْمُحكم) : الْقمل صغَار الذَّر والدباء، وَفِي (الْجَامِع) : هُوَ شَيْء أَصْغَر من الظفر لَهُ جنَاح أَحْمَر وأكدر، قَالَ أَبُو يُوسُف: هُوَ شَيْء يَقع فِي الزَّرْع لَيْسَ بجراد فيأكل السنبلة وَهِي غضة قبل أَن تخرج فَيطول الزَّرْع وَلَا سنبل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ شَيْء يشبه الْحلم وَهُوَ لَا يَأْكُل أكل الْجَرَاد وَلَكِن يمص الْحبّ إِذا وَقع فِيهِ الدَّقِيق وَهُوَ رطب وَتذهب قوته وخيره وَهُوَ خَبِيث الرَّائِحَة.
رقم ٢ كتاب ج ٨١ من ص ٢٣٥
عُرُوشٌ وعَرِيشٌ بِناءٌ
قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ: عروش وعريش، بِنَاء وَجَدْنَاهُ مروياً عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْمثنى حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ: {وَمَا كَانُوا يعرشون} (الْأَعْرَاف: ١٣٧) أَي: يبنون، وَقَالَ مُجَاهِد: يبنون الْبيُوت والمساكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانُوا يعرشون} أَي: يبنون. انْتهى. قلت: أما قَول صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ إِلَى آخِره، فَلَا وَجه لَهُ أصلا لِأَن قَول ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {وَمَا كَانُوا يعرشون} يبنون، فَكيف يُطَابق تَفْسِير عروش وعريش؟ وَكَذَا قَول بَعضهم مثله، وَأما تَفْسِير البُخَارِيّ: العروش والعريش بِالْبِنَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن العروش جمع عرش وَالْعرش سَرِير الْملك وسقف الْبَيْت وَالْعرش مصدر، قَالَ الْجَوْهَرِي: عرش يعرش عرشاً أَي: بنى بِنَاء من خشب، والعريش مَا يستظل بِهِ، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ أَيْضا: الْعَرْش الْكَرم والعريش شبه الهودج الْعَريش وخيمة من خشب وَتَمام الْجمع عرش مثل قليب وقلب، وَمِنْه قيل لبيوت مَكَّة: الْعَرْش لِأَنَّهَا عيدَان تنصب وتظلل عَلَيْهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره
مُخَالف لقاعدته فِي تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ فِي بعض السُّور وَفِي بعض الْمَوَاضِع، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنِّي يَقُول: يعرشون يبنون إِشَارَة لما وَقع فِي الْآيَة من قَوْله: {ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه وَمَا كَانُوا يعرشون} (الْأَعْرَاف: ١٣٧) .
سُقِطَ كلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلما سقط فِي أَيْديهم} (الْأَعْرَاف: ١٤٩) وَفسّر قَوْله: (سقط) بقوله: (كل من نَدم فقد سقط فِي يَده) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَسقط فِي يَدَيْهِ أَي: نَدم: قَالَ الله تَعَالَى: {وَلما سقط فِي أَيْديهم} ، قَالَ الْأَخْفَش: وَقَرَأَ بَعضهم سقط كَأَنَّهُ أضمر النَّدَم وَجوز أسقط فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر وَلَا يُقَال أسقط بِالْألف على مَا لم يسم فَاعله، وَهَذِه فِي قصَّة قوم مُوسَى الَّذين اتَّخذُوا من حليهم عجلاً وَأخْبر الله تَعَالَى عَنْهُم: {وَلما سقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا} الْآيَة أَرَادَ أَنهم ندموا على مَا فعلوا {وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا قَالُوا: لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا} الْآيَة.
الأسْباطُ قَبائِلُ بَني إِسْرائِيلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً أمماً} (الْأَعْرَاف: ١٦٠) وَفسّر الأسباط بِأَنَّهُم قبائل بني إِسْرَائِيل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: واحدهم سبط، تَقول: من أَي سبط أَنْت، أَي: من أَي قَبيلَة وجنس؟ وَيُقَال: الأسباط فِي ولد يَعْقُوب كالقبائل فِي ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، واشتقاقه من السبط وَهُوَ التَّتَابُع، من السبط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشّجر الملتف، وَقيل لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سبطا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لانتشار ذريتهما، ثمَّ قيل لكل ابْن بنت: سبط.
يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَعَدَّى تَجاوَزَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يعدون فِي السبت} (الْأَعْرَاف: ١٦٣) وَفسّر: يعدون، بقوله: يتعدون ثمَّ يتجاوزن، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِذْ يعدون إِذْ يتجاوزون حد الله فِيهِ وَهُوَ اصطيادهم يَوْم السبت وَقد نهوا عَنهُ، وقرىء يعدون، بِمَعْنى يعتدون وَإِذ يعدون من الإعداد وَكَانُوا يعدون آلَات الصَّيْد يَوْم السبت وهم مأمورون بِأَن لَا يشتغلوا فِيهِ بِغَيْر الْعِبَادَة. قَوْله: (تعدى تجَاوز) نبه بِهِ على أَن معنى هَذِه الْكَلِمَة التجاوز فَإِذا تجَاوز أحد أمرا من الْأُمُور المحدودة يُقَال لَهُ: تعدى.
شُرَّعاً شَوَارعَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا} وَذكر أَن شرّعاً جمع شوارع وشوارع جمع شَارِع وَهُوَ الظَّاهِر على وَجه المَاء، وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: شرعا، أَي ظَاهِرَة على المَاء، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنهُ: شرعا على كل مَكَان.
بئِيسٍ شَدِيدٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس} (الْأَعْرَاف: ١٦٥) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَعَن مُجَاهِد مَعْنَاهُ: أَلِيم، وَعَن قَتَادَة: موجع، وَفِي بئيس قراءات كَثِيرَة وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بِفَتْح أَوله وَكسر الْهمزَة.
أخْلَدَ إِلَى الأرْضِ أقْعَدَ وتَقاعَسَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ} (الْأَعْرَاف: ١٧٦) وَفسّر قَوْله: أخلد بقوله: أقعد من الإقعاد وَهُوَ أَن يلازم الْقعُود إِلَى الأَرْض وَهُوَ كِنَايَة عَن شدَّة ميله إِلَى الدُّنْيَا، وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة قَوْله: أخلد إِلَى الأَرْض بقوله: لَزِمَهَا، وأصل الإخلاد للُزُوم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَال إِلَى زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وزهراتها وَأَقْبل على لذاتها وَنَعِيمهَا وغرته مَا غرت غَيره، قَوْله: وتقاعس، أَي: تَأَخّر وَأَبْطَأ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَلكنه، يرجع إِلَى بلعام بن باعورا من عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلكنه اتبع هَوَاهُ فانسلخ من الْإِيمَان وَاتبعهُ الشَّيْطَان، وقصته مَشْهُورَة، وَقيل: المُرَاد بِهِ أُميَّة بن أبي الصَّلْت أدْرك زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يتبعهُ وَصَارَ إِلَى مُوالَاة الْمُشْركين، وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه آمن بِلِسَانِهِ وَلم يُؤمن بِقَلْبِه وَله أشعار ربانية وَحكم
وفصاحة وَلكنه لم يشْرَح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ.
(سنَسْتَدْرِجُهُمْ) أيْ نأتِيهِمْ مِنْ مأمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: {فأتاهُمُ الله منْ حَيْث لمْ يَحْتَسِبُوا} أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ} (الْأَعْرَاف: ١٨٢) وَفسّر قَوْله: سنستدرجهم، بقوله: نأتيهم من مَا مِنْهُم، أَي: من مَوضِع أَمنهم، وأصل الاستدراج التَّقْرِيب منزلَة من الدرج لِأَن الصاعد يترقى دَرَجَة دَرَجَة. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا} (الْحَشْر: ٢) وَجه التَّشْبِيه فِيهِ هُوَ أَخذ الله إيَّاهُم بَغْتَة، كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة} (الْأَنْعَام: ٤٤) .
مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو لم يتفكروا مَا بِصَاحِبِهِمْ من جنَّة} (الْأَعْرَاف: ١٨٤) ثمَّ قَالَ: من جُنُون، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُحَمَّد شَاعِر أَو مَجْنُون، وَالْمرَاد بالصاحب هُوَ مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
فمَرَّتْ بِهِ فاسْتَمَرَّ بهَا الحمْلُ فأتَمَّتْهُ
لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَتقدم هَذَا فِي أول كتاب الْأَنْبِيَاء، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ} (الْأَعْرَاف: ١٨٩) وَفسّر قَوْله: فمرت بِهِ، بقوله: فاستمر بهَا الْحمل فأتمته، وَالضَّمِير فِي قَوْله: فمرت، يرجع إِلَى حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام، لِأَن قبل هَذَا قَوْله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا} الْآيَة. وَأَرَادَ بِالنَّفسِ الْوَاحِدَة آدم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأَرَادَ بقوله: زَوجهَا، حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام، وَفِي التَّفْسِير: اخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: فمرت، فَقَالَ مُجَاهِد: استمرت بِحمْلِهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالسُّديّ، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان عَن أَبِيه: استخفته، وَقَالَ قَتَادَة: استبان حملهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: استمرت بِهِ فشكَّت أحبلت أم لَا.
يَنْزَغَنَّكَ يَسْتَخِفنَّكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأما يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ} (الْأَعْرَاف: ٢٠٠) الْآيَة. وَفسّر يَنْزغَنك بقوله: يستخفنك، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن جرير فِي معنى هَذَا: وَأما يغضبنك من الشَّيْطَان غضب يصدك عَن الْإِعْرَاض عَن الْجَاهِل ويحملك على مجازاته فاستعذ بِاللَّه، أَي: فاستجر بِاللَّه.
طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ويُقالُ طائِفٌ وهْوَ واحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طيف من الشَّيْطَان} وَفسّر قَوْله: طيف بقوله: ملم بِهِ لمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: طيف أَي لمَم، واللمم يُطلق على ضرب من الْجُنُون وعَلى صغَار الذُّنُوب، وَفِي التَّفْسِير: مِنْهُم من فسر ذَلِك بِالْغَضَبِ، وَمِنْهُم من فسره بِمَسّ الشَّيْطَان بالصرع وَنَحْوه، وَمِنْهُم من فسره بالهم بالذنب، وَمِنْهُم من فسره بِإِصَابَة الذَّنب. قَوْله: (وَيُقَال طائف) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن طيفاً وطائفاً وَاحِد فِي الْمَعْنى، وهما قراءتان مشهورتان.
يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وإخوانهم يمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون} (الْأَعْرَاف: ٢٠٢) وَفسّر يمدونهم بقوله: (يزينون) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي يزينون لَهُم الغي وَالْكفْر.
وخِيفَةً خَوْفاً وخُفْيَةً مِنَ الإِخْفاءِ
أَشَارَ بقوله خيفة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة} (الْأَعْرَاف: ٢٠٥) وَفسّر قَوْله: (خيفة) ، بقوله: (خوفًا) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَيُقَال: {اذكر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة} أَي: رَغْبَة وَرَهْبَة وَأَشَارَ بقوله وخيفة إِلَى قَوْله: (وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة) وَأي: سرا. قَوْله: (من الْإخْفَاء) أَرَادَ بِهِ أَن الْخفية مَأْخُوذَة من الْإخْفَاء وَفِيه تَأمل، لِأَن الْقَاعِدَة أَن الْمَزِيد فِيهِ يكون مشتقاً من الثلاثي دون الْعَكْس، وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه كَلَامه بِاعْتِبَار انتظام اشتقاق الصيغتين فِي معنى وَاحِد.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ: وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ: هَلُمَّ، وَلِلْمَرْأَةِ: هَلُمِّي، وَلِلِاثْنَيْنِ: هَلُمَّا، وَلِلْقَوْمِ هَلُمُّوا، وَلِلنِّسَاءِ: هَلْمُمْنَ، يَجْعَلُونَهَا مِنْ هَلْمَمَتْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْإِحْضَارِ، وَشُهَدَاءَكُمْ مَفْعُولٌ بِهِ، الْمِيمُ فِي هَلُمَّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ فِي اللُّغَةِ الْأُولَى، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، وَلِبَسْطِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
١٠ - بَاب: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾
٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِسْحَاقُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جَزَمَ خَلَفٌ بِأَنَّهُ ابْنُ نَصْرٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَوْلُ خَلَفٍ أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - سُورَةُ الْأَعْرَافِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيشًا: الْمَالُ، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، ﴿الْفَتَّاحُ﴾ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هُوَ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ: وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ، ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا: يَغْنَوْ يَعِيشُوا، حَقِيقٌ حَقٌّ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنْ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ، الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ، تعْدَ تَجَاوُزٍ ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾ قَعَدَ
وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مِنْ جُنُونٍ، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى
خُرُوجُهَا، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، يُقَالُ ﴿طَائِفٌ﴾ وَهُوَ وَاحِدٌ، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾ خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنْ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَعْرَافِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ فَقَالَ. . . (١) وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هُمْ مَلَائِكَةٌ وُكِّلُوا بِالصُّورِ لِيُمَيِّزُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ رِجَالٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ: ﴿الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِأَنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَرِيشًا﴾ الْمَالُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (وَرِيَاشًا) قَالَ: مَالًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ فَرَّقَهُمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرِيشًا﴾ قَالَ الْمَالُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيَاشُ اللِّبَاسُ وَالْعَيْشُ وَالنَّعِيمُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيَاشُ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ وَالسِّتَارَةِ، وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْخِصْبُ فِي الْمَعَاشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَرَأَ (وَرِيَاشًا) عَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ ﴿وَرِيشًا﴾.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ جَاءَ نَحْوَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو فَقَالَ: إِنَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَقَرَأَ الْآيَةَ. وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَقَعُ بِزِيَادَةِ الرَّفْعِ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ بِطَلَبِ مَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ شَرْعًا أَوْ بِطَلَبِ مَعْصِيَةٍ أَوْ يَدْعُو بِمَا لَمْ يُؤْثَرْ، خُصُوصًا مَا وَرَدَتْ كَرَاهَتُهُ كَالسَّجْعِ الْمُتَكَلَّفِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتِ: انْفَجَرَتْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ، يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا مَنَعَكَ إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ لَكَ أَلا تَسْجُدَ. قَالَ: وَأُدْخِلَتْ أَنْ قَبْلَ لَا كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) كَذَا لِأَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَفِقَا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: جَعَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَيَجْعَلَانِ عَلَى سَوْآتِهِمَا، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَخْصِفَانِ﴾ قَالَ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ظُفْرًا كُلَّهُ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كُشِطَ عَنْهُ وَبَدَتْ سَوْأَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ النُّورَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَرَى عَوْرَةَ الْآخَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ، وَيُقَالُ تَدَارَكَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيِ اجْتَمَعَ، وَالتَّاءُ مُدْغَمَةٌ فِي الدَّالِ، انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَصْلُ تَدَارَكُوا، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الْفَتَّاحُ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَالْفَتَّاحُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولَا … فَإِنِّي عَنْ فِتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ
الْفَتَّاحُ الْقَاضِي. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يَنْقُلُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: انْطَلِقْ أُفَاتِحْكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (افْتَحْ بَيْنَنَا) أَيِ اقْضِ بَيْنَنَا، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْكِسَائِيِّ، أَيْ قَالَ: الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ اللِّبَاسُ.
قَوْلُهُ: (قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (قَبِيلُهُ) قَالَ: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا تُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أَيْ ثُقْبِ الْإِبْرَةِ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ سَمٌّ وَالْجَمْعُ سُمُومٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَامُّ الْإِنْسَانِ بَدَلَ مَشَاقِّ وَهِيَ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وَاحِدَتُهَا غَاشِيَةٌ وَهِيَ مَا غَشَّاهُمْ فَغَطَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمِهَادُ لَهُمْ كَهَيْئَةِ الْفِرَاشِ. وَالْغَوَاشِ يَتَغَشَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَمَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الْمِهَادُ الْفُرُشُ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ: اللُّحُفُ.
قَوْلُهُ: (نَكِدًا قَلِيلًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ أَيْ قَلِيلًا عَسِرًا فِي شِدَّةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تُنْجِزِ الْوَعْدَ إِنْ وَعَدْتَ … وَإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: النَّكِدُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: ﴿طَائِرُهُمْ﴾ حَظُّهُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ: حَظُّهُمْ وَنَصِيبُهُمْ.
قَوْلُهُ: (طُوفَانُ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ
لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّوفَانُ مِنَ السَّيْلِ وَمِنَ الْمَوْتِ الْبَالِغِ الذَّرِيعِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَطَافَ بِهِ إِذَا عَمَّهُ بِالْهَلَاكِ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ: الطُّوفَانُ وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا وَاحِدَ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَأَتَوْا مُوسَى فَدَعَا اللَّهَ فَرَفَعَ ثُمَّ عَادُوا. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الْحُمْنَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (شْبه صِغَارَ الْحَلَمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقُمَّلُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْحُمْنَانُ وَالْحُمْنَانُ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا حَمْنَانَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقُمَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: قِيلَ: السُّوسُ، وَقِيلَ: الدَّبَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفٌ وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَقِيلَ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ، وَقِيلَ صِغَارُ الذَّرِّ، وَقِيلَ هُوَ الْقَمْلُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ دَابَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ الطَّيْرِ لَهَا جَنَاحٌ أَحْمَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمُصَّ الْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلَةِ فَتَكْبَرُ السُّنْبُلَةُ وَلَا حَبَّ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أَيْ يَبْنُونَ، وَعُرُشُ مَكَّةَ خِيَامُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ تَفْسِيرُ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿سُقِطَ﴾ كُلُ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَدِمَ وَعَجَزَ عَنْ شَيْءٍ سُقِطَ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، تَأْسَ تَحْزَنْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْأُولَى فِي الْأَعْرَافِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا.
قَوْلُهُ: ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ كَثُرُوا، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبَاتٍ وَقَوْمٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَثُرُوا فَقَدْ عَفَوْا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَكِنَّا نَعَضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقٍ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ حَتَّى سُرُّوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ يَنْزِلُوهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَغَانِي الدِّيَارِ وَاحِدَتُهَا مَغْنًى، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَتَعْرِفُ مَغْنَى دِمْنَةٍ وَرُسُومِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا، أَوْ كَأَنْ لَمْ يَتَنَعَّمُوا.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ هُوَ مِنَ الرَّهْبَةِ أَيْ خَوَّفُوهُمْ.
قَوْلُهُ: (تَلَقَّفُ تَلْقَمُ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَاحِدُهَا سِبْطٌ، تَقُولُ مِنْ أَيِّ سِبْطٍ أَنْتَ؟ أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجِنْسٍ؟ انْتَهَى. وَالْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ يَعْقُوبَ كَالْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ، وَقِيلَ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْتِشَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ سِبْطٍ.
قَوْلُهُ: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَجَاوُزًا بَعْدَ تَجَاوُزٍ وَهُوَ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ شَوَارِعَ انْتَهَى. وَشُرَّعٌ وَشَوَارِعُ جَمْعُ شَارِعٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم مَن آمن أو عمل عند الغَرْغَرَةِ، وذلك لا يفيد شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الملاحم»، والنَّسائيُّ في «الوصايا»، وابن ماجه في «الفتن».
٤٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن نصرٍ أبو إبراهيم السَّعديُّ كما جزم به خلفٌ، أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزيُّ الكوسَج كما جزم به أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ الأوَّل أقوى، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّهٍ الصَّنعانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) «وآية ذلك: أن تطول اللَّيلة حتَّى تكون قدر ليلتين» رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فَإِذَا طَلَعَتْ) من مغربها (وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ) ولمسلمٍ (١) عن ابن عَمرو (٢) مرفوعًا: «إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشَّمس من مغربها … » الحديث، واستشكِل بأنَّ طلوع الشَّمس ليس بأوَّل الآيات؛ لأنَّ الدُّخان والدَّجَّال قبله، وأُجيب بأنَّ الآيات إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قرب قيام السَّاعة، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وجود قيام السَّاعة وحصولها، ومن الأوَّل: الدُّخان وخروج الدَّجَّال ونحوهما، ومن الثَّاني: طلوع الشَّمس من مغربها، وسُمِّي أوَّلًا لأنَّه مبدأ القسم الثَّاني، ويأتي إن شاء الله تعالى نبذةٌ من فرائد الفوائد المتعلِّقة بهذه المباحث في محالِّها من هذا الكتاب، وبالله المستعان وعليه التُّكلان.
(((٧))) (سورة الأَعْرَافِ) مكِّيَّةٌ إلَّا ثمان آياتٍ، من قوله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ﴾ … إلى قوله (١): ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذرٍّ هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم».
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن جريرٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((وَرِيَاشًا) [الأعراف: ٢٦]) بالجمع، وهي (٢) قراءة الحسن، جمع ريشٍ؛ كشِعْب وشِعَاب، وقراءة الباقين: ﴿وَرِيشًا﴾ بالإفراد: (المَالُ) يقال: تريَّش، أي: تموَّل، وعند ابن جريرٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: الرِّياش:
اللِّباس والعيش والنَّعيم، وقيل: الرِّيش: لباس الزِّينة، استُعير من ريش الطَّير بعلاقة الزِّينة.
وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا من طريق ابن جُرَيجٍ (١) عن عطاءٍ عنه، ممَّا وصله ابن جريرٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ (﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: (فِي الدُّعَاءِ) كالذي يسأل درجة الأنبياء، أو على (٢) من لا يستحقُّه، أو الذي يرفع صوته عند الدُّعاء، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أبي داود: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء» وقرأ هذه الآية، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفَّلٍ أنَّه سمع ابنه يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتُها، فقال: يا بنيَّ سل الله الجنَّة وَعُذْ بِهِ من النَّار، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء والطُّهور»، وهكذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان (٣) به (وَفِي غَيْرِهِ) أي: غير الدُّعاء، وسقط «﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، وقوله «وفي غيره» للمستملي.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى﴾ (﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]) أي: (كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ) يقال: عفا الشَّعر، إذا كثُر.
وقوله تعالى في سورة سبأ [الآية: ٢٦]: (﴿الْفَتَّاحُ﴾) أي: (القَاضِي) قيل: وذَكَره هنا توطئةً لقوله في هذه السُّورة: (﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]) أي: (اقْضِ بَيْنَنَا) وسقط قوله: «بيننا» لأبي ذرٍّ.
وقوله: (﴿نَتَقْنَا﴾) ﴿الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١] أي: (رَفَعْنَا) الجبل، وسقط قوله: «الجبل» لغير أبوي ذرٍّ والوقت.
وقوله: (﴿فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]) أي: (انْفَجَرَتْ).
وقوله: (﴿مُتَبَّرٌ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) أي: (خُسْرَانٌ).
وقوله: (﴿آسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]) أي: فكيف (أَحْزَنُ) ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾؟ وقوله في سورة المائدة [الآية: ٢٦]: (﴿تَأْسَ﴾) أي: (تَحْزَنْ) ذكره استطرادًا.
هذا كلُّه تفسير ابن عبَّاسٍ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَقُولُ (١): مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) فـ ﴿لَّا﴾ صلةٌ، مثلها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مؤكِّدةٌ معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبِّهةٌ على أنَّ الموبَّخ عليه تركُ السُّجود.
وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ (﴿يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: أَخَذَا) أي: آدم وحوَّاء (الخِصَافَ) بكسر الخاء (﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] يُؤَلِّفَانِ الوَرَق: يَخْصِفَانِ الوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) لمَّا ذاقا طعم الشَّجرة آخذين (٢) في الأكل نالهما شُؤم المخالفة، وسقطت عنهما ثيابهما، وظهرت لهما سوءاتهما، وقيل: كانت من نورٍ، وكان أحدهما لا يرى سوءة الآخر، فأخذا يجعلان ورقةً على ورقةٍ لستر السوءة؛ كما تُخصَف النَّعل بأن تُجعَل طرقةٌ على طرقةٍ (٣)، وتوثق بالسُّيور، حتَّى صارت الأوراق كالثَّوب، وهو ورق التِّين، وقيل: اللَّوز. والخَصَفة -بالتَّحريك- الجلَّة، أي: القفَّة الكبيرة (٤) التي تُعمَل (٥) من الخوص للتَّمر، وجمعها (٦): خُصُفٌ وخِصاف، قال أبو البقاء: ﴿يَخْصِفَانِ﴾: ماضيه «خَصَفَ»، وهو متعدٍّ (٧) إلى مفعولٍ واحدٍ، والمفعول: شيئًا من ورق الجنَّة.
وقال أبو عبيدة في قوله: (﴿سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ.
(﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] هُوَ هَهُنَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وثبت للأبوين (٨) «هو» وسقط لأبي ذرٍّ (٩) «يوم» (وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «عدده، وأقلُّه ساعةٌ».
(الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ) وذكره قريبًا مفسَّرًا بالمال وغيره.
وقوله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ﴾ (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧]) أي: (جِيلُهُ) بالجيم المكسورة؛ وهم الجنُّ والشَّياطين (الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) وثبت للأبوين «هو» (١) وهو من كلام أبي عبيدة (٢)، وعند المعتزلة: أنَّ سبب عدم رؤيتنا إيَّاهم لَطَافَتُهم، ورؤيتُهم إيَّانا لكثافتنا، واستدلُّوا بالآية على امتناع رؤيتهم، ولا يخفى أنَّ ما قالوه مجرَّد دعوى من غير دليلٍ، وأنَّ الخبر عن عدم الرُّؤية: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] لا يدلُّ على استحالته، ويمكن أن يُستَدلَّ على فساد مذهبهم بقوله ﷺ: «تفلَّت عليَّ (٣) البارحة عفريتٌ، فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد لتنظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان، فرددته (٤) خاسئًا».
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ (﴿إِذَا ادَّارَكُواْ﴾) أي: (اجْتَمَعُوا) ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨].
(وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ) بتشديد القاف، وفي نسخةٍ: «ومسامُّ الإنسان» بالسين المهملة والميم المشدَّدة بدل المعجَمة والقاف، وهما بمعنًى واحدٍ (وَ) مسامُّ (الدَّابَّةِ: كُلُّهُمْ) وللأبوين (٥): «كلُّها» (يُسَمَّى سُمُومًا) بضمِّ السِّين المهملة (وَاحِدُهَا: سَمٌّ، وَهْيَ) تسعةٌ: (عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ، وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ، وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قاله أبو عبيدة، وقال الراغب: السُّمُّ والسَّمُّ: كلُّ ثقبٍ ضيِّقٍ كخرم الإبرة وثقب الأنف، وجمعه: سُموم، وقد سمَّه: أدخله فيه، وفي السُّم ثلاث لغاتٍ: فتح سينه وضمُّها وكسرها، ومراد المؤلِّف بذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ودخل (٦) تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: ٤٠] الدُّهريَّة منكرو دلائل الذَّات والصِّفات، ومنكرو دلائل التَّوحيد، وهم المشركون، والبراهمة منكرو صحَّة النبوَّات، ومنكرو صحَّة المعاد الذين استكبروا عن الإيمان بها، لا تُفتَّح (٧) أبواب
السَّماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم، كما تُفتَّح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج: الدُّخول، و ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: ثقب (١) الإبرة، فإذا عُلِّق على مُحالٍ كان مُحالًا؛ لأنَّ الجمل أعظم الحيوانات عند العرب، وثقب الإبرة أضيق الثُّقَب.
وقوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ﴾ (﴿غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]) أي: (مَا غُشُّوا) أي: غُطُّوا (بِهِ) قال محمَّد بن كعبٍ القرظيُّ: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: الفُرُش، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: اللُّحُف.
وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ (﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]) بالنُّون المضمومة، أي: (مُتَفَرِّقَةً) قيل: لا تقع قطرةٌ من الغيث إلا بعد عمل أربع رياحٍ: الصَّبا تهيِّج السَّحاب، والشَّمال تجمعه، والجنوب تذرُّه، والدَّبور تفرِّقه.
وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ﴾ (﴿نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]) أي: (قَلِيلًا) عديم النَّفع، ونَصْبُه على الحال، وتقدير الكلام: والبلد الذي خَبُثَ لا يخرج نباتُه إلا نَكِدًا، فحُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مُقامَه، فصار مرفوعًا مستترًا، وهذا مَثَلُ مَن يسمع الآيات وينتفع بها، ومن لا يرفع إليها (٢) رأسه ولم يتأثَّر بالمواعظ.
وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ﴾ (﴿يَغْنَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٢]) أي: (يَعِيشُوا) فيها، والغَناء -بالفتح-: النَّفع.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]) أي: (حَقٌّ) واجب عليَّ.
وقوله: (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]: مِنَ الرَّهْبَةِ) وهي الخوف.
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (﴿تَلْقَفُ﴾ [الأعراف: ١١٧]) أي: (تَلْقَمُ) تأكل ما يُلقونه ويوهمون أنَّه حقٌّ.
وقوله: ﴿أَلا إِنَّمَا﴾ (﴿طَائِرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣١]) أي: (حَظُّهُمْ) ونصيبُهم ﴿عِندَ اللّهُ﴾.
(طُوفَانٌ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: (مِنَ السَّيْلِ) المُتْلِف للزَّرع والثِّمار (وَيُقَالُ) أيضًا (لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: الطُّوفَانُ) وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ورواه ابن مردويه بإسنادين ضعيفينِ عن عائشة مرفوعًا.
﴿وَ﴾ (١) (﴿وَالْقُمَّلَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]): هو (الحَُمْنَانُ) بفتح الحاء المهملة ضبطه البرماويُّ والدَّمامينيُّ كالكِرمانيِّ، وضبطه ابن حجر بضمِّها -كالفرع وأصله (٢) - وسكون الميم (يُشْبِهُ) ولأبي ذر: «شِبْهَ» (صِغَارَ الحَلَمِ) بفتح الحاء واللام، قال الأصمعيُّ فيما -ذكره الجوهريُّ-: أوَّله قمقامةٌ، ثمَّ حَُمْنانةٌ، ثمَّ قُرادةٌ (٣)، ثمَّ حَلَمةٌ وهي القُراد العظيم.
(عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي: (بِنَاءٌ) قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه الطبريُّ-: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ أي (٤): يبنون، ولا مطابقة بين قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ وقول البخاريِّ: «عُروش وعَريش» لأنَّ العُروش جمع عَرْش، وهو سرير الملِك، ولو قال: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون؛ لكان أنسبَ.
وقوله: ﴿وَلَمَّا﴾ (﴿سُقِطَ﴾) ﴿فَي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: قال أبو عبيدة: (كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) لأنَّ النَّادم المتحسِّر يَعَضُّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها.
(الأَسْبَاطُ) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال أبو عبيدة: هم (قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) والسِّبط: من السَّبَط -بالتحريك- وهو شجرٌ تعتلفه (٥) الإبل، وكذلك القبيلة، جعل الأب كالشَّجرة، والأولاد كالأغصان.
وقوله تعالى: (﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) قال أبو عبيدة أي: (يَتَعَدَّوْنَ لَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «له» وفي نسخةٍ: «به» بالموحَّدة بدل اللام (يُجَاوِزُونَ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ (٦) يتجاوزون» أي: حدود الله بالصَّيد فيه وقد نُهوا عنه (﴿تَعْدُ﴾ [الكهف: ٢٨]) بفتح الفوقيَّة (٧) وسكون العين المهملة (تُجَاوِزْ) بضمِّ أوَّله وكسر الواو، وفي نسخةٍ: «تَعَدَّ: تَجاوَزَ» بتشديد
الدَّال «وتَجاوَزَ» بفتح الواو والزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «تَجاوُزٌ» بفتح الفوقيَّة وضمِّ الواو «بَعْدَ تَجاوُزٍ» بموحَّدةٍ وسكون العين (١).
وقوله: (﴿شُرَّعاً﴾ [الأعراف: ١٦٣]) أي: (شَوَارِعَ) ظاهرةً على وجه الماء، من: شرع علينا إذا دنا وأشرف.
وقوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ (﴿بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]) أي: (شَدِيدٍ) فعيلٍ من بَؤُسَ يبؤُس بؤسًا؛ إذا اشتدَّ.
وقوله: (﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ) أي: تأخَّر وأبطأ، وهو عبارةٌ عن شدَّة ميله إلى زهرة الدُّنيا وزينتها، وإقباله على لذَّاتها ونعيمها، وقوله: «﴿إِلَى الأَرْضِ﴾» ثابتٌ لأبوي ذرٍّ والوقت.
وقوله: (﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] أي: نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ) أي: من موضع أمنهم، وثبت قوله: «أي» للأبوين (٢) (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) وجه التَّشبيه: أخذ الله إيَّاهم بغتةً، وأصل الاستدراج: الاستصعاد أو (٣) الاستنزال درجةً بعد درجةٍ، أي: نأخذهم قليلًا قليلًا إلى أن تُدرِكَهم العقوبة، وذلك أنَّهم (٤) كلَّما جدَّدوا خطيئةً جُدِّدت لهم نعمةٌ، فظنُّوا ذلك تقريبًا (٥) من الله تعالى، وأنساهم الاستغفار.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم﴾ (﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]) أي: (مِنْ جُنُونٍ) والاستفهام بمعنى التَّقريع أو التَّحريض، أي: أو لم ينظروا بعقولهم؟ لأنَّ الفكر طَلَبُ المعنى بالقلب، وذلك أنَّه كما يتقدَّم رؤية البصر تقلُّبُ (٦) الحدقة نحو المرئيِّ؛ يتقدم رؤية البصيرة تقلُّبُ حدقة العقل إلى الجوانب، أي: أنَّه كيف يتصوَّر منه ﷺ الجنون وهو يدعوهم إلى الله تعالى،
ويقيم على ذلك الدَّلائل القاطعة بألفاظٍ بلغت في الفصاحة إلى حقيقة يعجز عنها الأوَّلون والآخِرون؟!
وقوله: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]) أي: (مَتَىَ خُرُوْجُها؟) واشتقاق ﴿أَيَّانَ﴾ من «أيٍّ» لأنَّ معناه: أيُّ وقتٍ؟ وسقط لغير أبوي ذرٍّ والوقت «﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ … » إلى آخره.
وقوله: ﴿حَمْلاً خَفِيفًا﴾ (﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]) أي: (اسْتَمَرَّ بِهَا) أي: بحوَّاء (الحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ) وعن ابن عبَّاسٍ: استمرَّت به فشكَّت؛ أحبلت أم لا؟ وسقط قوله: «﴿فَمَرَّتْ (١)﴾ … » إلى آخره من رواية أبي ذرٍّ.
قوله: ﴿وَإِمَّا﴾ (﴿يَنزَغَنَّكَ﴾) قال أبو عبيدة: أي: (يَسْتَخِفَّنَّكَ) وقال غيره: وإمَّا ينخسنَّك من الشَّيطان نخسٌ، أي: وسوسةٌ تحملك على خلاف ما أُمِرت به ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] من نزغه.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (﴿طَائِفٌ﴾) ﴿مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قال أبو عبيدة: (مُلِمٌّ) يقال: (بِهِ لَمَمٌ) صرعٌ منه، أو إصابة ذنبٍ، أو همٌّ به (وَيُقَالُ: (٢) ﴿طَائِفٌ﴾) بالألف، اسم فاعلٍ من طاف يطوف، كأنَّها طافت بهم ودارت حولهم، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة (وَهْوَ) كالسَّابق (وَاحِدٌ) في المعنى.
وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ (﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]) قال أبو عبيدة أي: وإخوان الشَّياطين الذين لم يتَّقوا (يُزَيِّنُونَ) لهم الغيَّ والكفر.
وقوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾ (﴿وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) أي: (خوفًا) قاله أبو عبيدة، وقال ابن جريجٍ في قوله تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ (﴿وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]) أي: سرًّا (مِنَ الإِخْفَاءِ) المشهورُ أنَّ المزيد فيه مأخوذٌ من الثُّلاثيِّ -وهو الخفاء- دون العكس، وإنَّما قال: من الإخفاء؛ نظرًا إلى أنَّ الاشتقاق أن تنتظم الصِّيغتان معنًى واحدًا.
وقوله: (﴿وَالآصَالِ﴾) في قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: أَصِيلٌ؛ وَهُوَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ؛ كَقَوْلِكَ) وفي نسخةٍ وهي التي في «اليونينيَّة» (١): «كقوله»: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]) والتقييد بالوقتين؛ لأنَّ بالغداة ينقلب من الموت إلى الحياة، ومن الظُّلمة التي تُشاكِلُ العدم إلى النُّور المناسِب للوجود، وفي الآخر بالعكس، وثبت قوله: «وهو» للأبوين (٢).
(١) (﴿إِنَّمَا﴾) وفي نسخةٍ: «﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» ولأبي ذرٍّ: «باب قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾» (﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾) ما تَزَايَدَ قُبحه، وقيل: ما يتعلَّق بالفُروج، وقيل: الكبائر، وقيل: الطَّواف بالبيت عُراةً؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، ويؤيِّده السِّياق؛ فإنَّ قوله: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] يدلُّ على وجه التشبيه في قوله: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتَّصفوا بصفةٍ يوقعِكم الشَّيطان بسببها في الفتنة؛ وهي العري في الطَّواف، فتُحْرَموا دخول الجنَّة كما حرَّمَها على أبويكم حين أخرجهما من الجنَّة، وقد يقال: الحَمْلُ على الأعمِّ من جميعها أَولى؛ محافظةً على الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ لكن إن فُسِّر الإثم بكلِّ الذُّنوب -كما قيل- لم يُحتَج إليه، وقيل: الخمر، وعورض بأنَّ تحريمها بالمدينة، وهذه مكِّيَّةٌ (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]) جهرها وسرَّها، وعن ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ قال: كانوا في الجاهليَّة لا يَرَونَ بالزِّنى بأسًا في السِّرِّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزِّنى في السِّرِّ والعلانية.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قبلا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا} ثمَّ قَالَ قبلا جمع قبيل، وَفِي التَّفْسِير: قبلا جمع قَبيلَة، يَعْنِي: فوجا فوجا وَصِنْفًا صنفا. وَقَالَ الْأَخْفَش: أَي قبيلاً قبيلاً. والقبيل فِي غير هَذَا الْموضع بِمَعْنى الْكَفِيل، وَبِمَعْنى العريف وَبِمَعْنى الْجَمَاعَة يكون من الثَّلَاثَة فَصَاعِدا من قوم شَتَّى مثل الرّوم والزنج وَالْعرب، وَالْجمع: قبل، بِضَمَّتَيْنِ قَوْله: وَالْمعْنَى أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قبيل ضروب يَعْنِي أنواعا للعذاب كل ضرب أَي كل نوع من تِلْكَ الضروب، قبيل: أَي نوع، وَقَرَأَ بَعضهم: قبلا بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء من الْمُقَابلَة والمعاينة. وَقَرَأَ آخَرُونَ قبلا بضمهما بِمَعْنى عيَانًا قَالَه عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ قَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن ابْن أبي زيد بن أسلم. وَقَالَ مُجَاهِد: قبلا أَفْوَاجًا قبيلاً قبيلاً.
زُخْرُفَ الْقَوْلِ كلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يُوحى بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل} ثمَّ فسر، زخرف القَوْل بقوله: كل شَيْء إِلَى آخِره، فَقَوله: كل شَيْء مُبْتَدأ وحسنته صفة لشَيْء ووشيته عطف عَلَيْهِ من التوشية وَهُوَ التزيين، وروى: زينته. قَوْله: وَهُوَ بَاطِل جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: فَهُوَ زخرف خبر الْمُبْتَدَأ وَدخلت الْفَاء فِيهِ لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط، وأصل الزخرف التزيين والتحسين وَمِنْه سمى الذَّهَب زخرفا. وَقَالَ ابْن جرير: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة إِن كفار الْجِنّ شياطين يوحون إِلَى شياطين الْإِنْس زخرف القَوْل غرُورًا وَعَن ابي ذران رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا أَبَا ذَر هَل تعوذت بِاللَّه من شَرّ شياطين الانس؟ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! هَل للإنس من شياطين؟ قَالَ: نعم. رَوَاهُ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ذَر.
وَحَرْثٌ حِجْرٌ حَرَامٌ وَكِلُّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حجر مَحْجُورٌ: وَالحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقالُ لِلْعَقْلِ حِجرٌ وَحَجَى: وأمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ حَجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ كأنَّهُ مُشْتَقٌ مِنْ مَحْطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ وَأمَّا حَجْرُ اليَمَامَةِ فَهُوَ مَنْزِلٌ.
هَذَا مُكَرر بِلَا فَائِدَة جَدِيدَة لِأَنَّهُ ذكره فِي قصَّة ثَمُود فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا} (الْأَعْرَاف: ٧٣) {كذب أَصْحَاب الْحجر} (الْحجر: ٨٠) الْحجر مَوضِع ثَمُود، وَأما حرث حجر حرَام إِلَى آخِره مثل مَا ذكره هُنَا وَلِهَذَا لم يذكرهُ أَبُو ذَر والنسفي هُنَا. وَهَذَا أولى.
٩ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمانُها} (الْأَنْعَام: ١٥٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم لَا ينفع نفسا إيمَانهَا} وَقَبله: {يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل} الْآيَة مَعْنَاهُ: إِذا أنشأ الْكَافِر إِيمَانًا يَوْمئِذٍ لَا يقبل مِنْهُ، وَأما من كَانَ مُؤمنا قبل ذَلِك فَإِن كَانَ مصلحا فِي عمله فَهُوَ بِخَير عَظِيم، وَإِن كَانَ مخلطا فاحدث تَوْبَة لم تقبل تَوْبَته.
٠١ - (بابٌ: {هَلُمْ شُهَدَاءَكُمْ لُغَةُ أهْلِ الْحِجازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ} )
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا} (الْأَنْعَام: ١٥٠) الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد: أحضروا شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا أَي: هَذَا الَّذِي حرمتموه وكذبتم واقتربتم على الله فِيهِ قَوْله هَلُمَّ، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير لفظ هَلُمَّ وَقَوله لُغَة أهل الْحجاز، خَبره قَوْله: (هَلُمَّ للْوَاحِد) ، يَعْنِي لفظ هَلُمَّ يصلح للْوَاحِد وللاثنين وللجماعة، هَذَا عِنْد أهل الْحجاز، وَأهل نجد يَقُولُونَ للْوَاحِد: هَلُمَّ، وللمرأة هَلُمِّي، وللاثنين: هلما وللجماعة الذُّكُور: هلموا، وللنساء هلممن. وعَلى اللُّغَة الأولى يكون أسما للْفِعْل وَبني لوُقُوعه موقع الْأَمر الْمَبْنِيّ، وعَلى اللُّغَة الثَّانِيَة يكون فعلا.
٤٦٣٥ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا عمارَةُ حدَّثنا أبْو زُرْعَةَ
حدَّثنا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَال قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقُومُ الساعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإذَا رَآها النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْها فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بن الْقَعْقَاع الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة هرم بن عمر والبجلي الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم عَن أَحْمد بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن أَحْمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا) وعلامة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا آيَة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تطول تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى تكون قدر لَيْلَتَيْنِ، فينتبه الَّذين كَانُوا يصلونَ فِيهَا فيعملون كَمَا كَانُوا يصلونَ قبلهَا، ثمَّ يرقدون ثمَّ يقومُونَ فيصلون ثمَّ يرقدون ثمَّ يقومُونَ، فيظل عَلَيْهِم جُنُونه حَتَّى يَتَطَاوَل عَلَيْهِم اللَّيْل فَيفزع النَّاس وَلَا يُصْبِحُونَ، فَبَيْنَمَا هم ينتظرون طُلُوع الشَّمْس من مستقرها إِذْ طلعت من مغْرِبهَا، فَإِذا رَآهَا النَّاس آمنُوا. فَلَا يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم) ، وَفِي مُسلم: ثَلَاثَة إِذا خرجن لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا والدجال ودابة الأَرْض. قَوْله: (آمن من عَلَيْهَا) أَي: على الأَرْض، والسياق يدل عَلَيْهِ.
٤٦٣٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإذَا طَلَعتْ وَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وَذالِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمَانهَا ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ.
هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن إِسْحَاق ذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَأَبُو نعيم الحافظان أَنه ابْن مَنْصُور الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَفِي نُسْخَة من كتاب خلف الوَاسِطِيّ، رَوَاهُ، يَعْنِي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن نصر يَعْنِي السَّعْدِيّ قلت: إِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد يروي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن همام، بتَشْديد الْمِيم، ابْن مُنَبّه الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَاخْتلف فِي أول الْآيَات فَفِي مُسلم عَن ابْن عمرَان أول الْآيَات خُرُوجًا طُلُوع الشَّمْس وَخُرُوج الدَّابَّة وَأيهمَا كَانَت قبل صاحبتها فالأخرى على إثْرهَا قَرِيبا مِنْهَا. وروى نعيم بن حَمَّاد من حَدِيث إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة عَن يزِيد بن أبي غياث، سمع أَبَا هُرَيْرَة مَرْفُوعا خمس لَا يدْرِي أيتهن أول الْآيَات وأيتهن جَاءَت. لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، والدجال، ويأجوج وَمَأْجُوج وَالدُّخَان، وَالدَّابَّة. وَقيل: خُرُوج الدَّجَّال، ويرجحه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الدَّجَّال خَارج فِيكُم لَا محَالة، فَلَو كَانَت الشَّمْس طلعت قبل ذَلِك من مغْرِبهَا لم ينفع الْيَهُود إِيمَانهم أَيَّام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَو لم يَنْفَعهُمْ لما صَار الدّين وَاحِدًا بِإِسْلَام من أسلم مِنْهُم، فَإِذا قبض عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ يبْقى النَّاس حيارى سكارى فَيرجع أَكْثَرهم إِلَى الْكفْر والضلالة ويستولى أهل الْكفْر على من بَقِي من أهل الْإِسْلَام فَعِنْدَ ذَلِك تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَعند ذَلِك يرفع الْكتاب الْعَزِيز ثمَّ يَأْتِي الْحَبَش إِلَى الْكَعْبَة المشرفة فيهدمونها. ثمَّ تخرج الدَّابَّة ثمَّ الدُّخان ثمَّ الرّيح ثمَّ الرِّيَاح تلقي الْكفَّار فِي الْبَحْر ثمَّ النَّار الَّتِي تَسوق النَّاس إِلَى الْمَحْشَر ثمَّ الهدة قلت: الهدة صَوت يَقع من السَّمَاء، وَقيل: الْخَسْف، وروى ابْن خالويه فِي (أَمَالِيهِ) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن أبي حميد الْحِمْيَرِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا يبْقى النَّاس بعد طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا عشْرين وَمِائَة سنة وَرَوَاهُ نعيم
ابْن حَمَّاد فِي كِتَابه عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل مَوْقُوفا، وَذكر نَحوه ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا فِيمَا ذكره ابْن النَّقِيب، وروى نعيم بن حَمَّاد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة بن زيد عَن الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم سمع عبد الله بن عمر قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تعبد الْعَرَب مَا كَانَ يعبد آباؤها عشْرين وَمِائَة عَام بعد نزُول عِيسَى وَبعد الدَّجَّال، وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة إِلَى ابْن عمر: أَن الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْتَمِعَانِ فِي السَّمَاء فِي منزله وَاحِدَة بالْعَشي، فَيكون النَّهَار سرمدا عشْرين سنة وَعَن وهب: طُلُوع الشَّمْس الْآيَة الْعَاشِرَة وَهِي آخر الْآيَات، ثمَّ تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وَعَن ابْن لَهِيعَة إِلَى عبد الله مَرْفُوعا: لَا يلبثُونَ بعد يَأْجُوج وَمَأْجُوج إلَاّ قَلِيلا حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا، فَيَقُول من لَا خلاق لَهُ: مَا نبالي إِذا رد الله عَلَيْهَا ضوءها من حَيْثُ مَا طلعت من مشرقها أَو مغْرِبهَا الحَدِيث، وَفِي آخِره. ويخر إِبْلِيس سَاجِدا وَيَقُول لأعوانه، هَذِه الشَّمْس قد طلعت من مغْرِبهَا وَهُوَ الْوَقْت الْمَعْلُوم، وَلَا عمل بعد الْيَوْم، وَيصير الشَّيَاطِين ظَاهِرين فِي الأَرْض حَتَّى يَقُول الرجل: هَذَا قريني الَّذِي كَانَ يغويني، الْحَمد لله الَّذِي أَخْزَاهُ وأراحني مِنْهُ فَلَا يزَال إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة سَاجِدا باكيا حَتَّى تخرج دَابَّة الأَرْض فتقتله. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي عدم نفع الْإِيمَان عِنْد طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا. قلت: لوُقُوع الْفَزع فِي قُلُوبهم بِمَا يخمد بِهِ كل شَهْوَة من شهوات النَّفس، وفتور كل قُوَّة من قوى الْبدن، فيصيرون فِي حَالَة من حَضَره الْمَوْت لانْقِطَاع الدَّوَاعِي إِلَى أَنْوَاع الْمعاصِي، فَمن تَابَ فِي مثل هَذِه الْحَالة كمن تَابَ عِنْد الغرغرة فَفِي ذَلِك الْوَقْت كَأَنَّهُمْ شاهدوا مَقَاعِدهمْ من النَّار أَو الْجنَّة فَلم يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لأَنا مكلفون بِالْإِيمَان بِالْغَيْبِ فَلَا ينفع الْإِيمَان عِنْد الْمُشَاهدَة. فَإِن قلت: مَا الحكم فِي طُلُوعهَا من الْمغرب؟ قلت: الْحِكْمَة فِيهِ إبِْطَال قَول الْمَلَاحِدَة والمنجمين لما قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، لنمرود: {إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب} (الْبَقَرَة: ٢٥٨) حَيْثُ أَنْكَرُوا ذَلِك وَادعوا أَنه لَا يَقع وَلَا يتَصَوَّر.
٧ - ( {سُورَةُ الأعْرَاف} )
أَي: هَذَا بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الْأَعْرَاف، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي كِتَابه فِي (مقامات التَّنْزِيل) هِيَ مَكِّيَّة، وفيهَا اخْتِلَاف، وَذكر الْكَلْبِيّ أَن فِيهَا خمس عشر آيَة مدنيات من قَوْله: {إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل} (الْأَعْرَاف: ١٥٢) إِلَى قَوْله: {وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه} وَمن قَوْله: {واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر} (الْأَعْرَاف: ١٥٧) إِلَى قَوْله: {ودرسوا مَا فِيهِ} قَالَ: وَلم يبلغنَا هَذَا عَن غير الْكَلْبِيّ، وفيهَا آيَة أُخْرَى: {وَإِذا قرىء الْقُرْآن} الْآيَة. ذكر جمَاعَة أَنَّهَا نزلت فِي الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة إِنَّمَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ وَهِي مِائَتَان وست آيَات كُوفِي ومكي ومائتان وَخمْس بَصرِي وشامي، وَأَرْبَعَة عشر ألفا وثلاثمائة وَعشرَة أحرف، وَثَلَاث آلَاف وثلاثمائة وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم تُوجد الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَرياشا المَالُ
لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، وَأَشَارَ بقوله: ورياشا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قد أنزل عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم ورياشا} (الْأَعْرَاف: ٢٦) قَرَأَ الْجُمْهُور وريشا وَقَرَأَ الْحسن وذر بن حُبَيْش وَعَاصِم فِيمَا رُوِيَ عَنهُ وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَأَبُو رَجَاء ورياشا وَهِي قِرَاءَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: رَوَاهَا عَنهُ عُثْمَان. ثمَّ إِن البُخَارِيّ فسره بِالْمَالِ، رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة حَدثنَا عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الريش الْأكل، والرياش المَال الْمُسْتَفَاد، وَقَالَ ابْن درير الريش الْجمال، وَقيل: هُوَ اللبَاس، حكى أَبُو عَمْرو أَن الْعَرَب تَقول: كساني فلَان ريشة أَي كسْوَة، وَقَالَ قطرب الريش والرياش وَاحِد مثل حل وحلال وَحرم وَحرَام، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: يجوز أَن يكون مصدرا من قَول الْقَائِل: راشه الله يريشه رياشا. والرياش فِي كَلَام الْعَرَب الأثاث وَمَا ظهر من الْمَتَاع وَالثيَاب والفرش وَغَيرهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس الرياش اللبَاس والعيش وَالنَّعِيم، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ الخصب والمعاش، وَقَالَ القتبي: الريش والرياش مَا ظهر من اللبَاس.
إنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ فِي الدُّعاءِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أدعوا ربكُم تضرعا وخفية أَنه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ} (الْأَنْعَام: ٥٥) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني والحموي (فِي الدُّعَاء وَفِي غَيره) وَقَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْقَاسِم حَدثنَا الْحُسَيْن حَدثنِي حجاج عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء وَلَا فِي غَيره) ، والاعتداء فِي الدُّعَاء بِزِيَادَة السُّؤَال فَوق الْحَاجة وَيطْلب مَا يَسْتَحِيل حُصُوله شرعا وَيطْلب مَعْصِيّة. وبالاعتناء بالأدعية الَّتِي لم تُؤثر خُصُوصا إِذا كَانَ بالسجع الْمُتَكَلف وبرفع الصَّوْت والنداء والصياح لقَوْله تَعَالَى: {ادعوا ربكُم تضرعا وخفية} وأمرنا بِأَن نَدْعُو بالتضرع والاستكانة والخفية أَلا ترى أَن الله تَعَالَى ذكر عبدا صَالحا وَرَضي فعله فَقَالَ: {إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا} (مَرْيَم: ٣) وَفِي (التَّلْوِيح) (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ) إِلَى قَوْله، قَالَ غَيره: يشبه وَالله أعلم أَنه من قَول ابْن عَبَّاس، وَقد ذكره من غير عطف لذَلِك.
عَفَوا كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أمْوَالُهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا} (الْأَعْرَاف: ٩٥) الْآيَة. وَفسّر لفظ عفوا. الَّذِي هُوَ صِيغَة جمع بقوله: كَثُرُوا من عَفا الشَّيْء إِذا كثر، وَقَوله كثرت أَمْوَالهم إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: حَتَّى عفوا أَي كَثُرُوا وَكَثُرت أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ.
الفَتَّاحُ القَاضِي افْتَحْ بَيْنَنا اقْضِ بَيْنَنَا
لفظ الفتاح لم يَقع فِي هَذِه السُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَة سبأ قيل: كَأَنَّهُ ذكره هُنَا تَوْطِئَة لتفسير قَوْله فِي هَذِه السُّورَة: {رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ} (الْأَعْرَاف: ٨٩) انْتهى. وَفسّر الفتاح بقوله القَاضِي، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن الفتاح القَاضِي، وَقَالَ الْفراء: وَأهل عمان يسمون القَاضِي الفاتح والفتاح، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ، وَذكر غَيره أَنه لُغَة مُرَاد، وروى ابْن جرير من طرق عَن قَتَادَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا كنت أَدْرِي مَا معنى قَوْله: افْتَحْ بَيْننَا حَتَّى سَمِعت بنت ذِي يزن تَقول لزَوجهَا: انْطلق أفاتحك، وَمن طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: افْتَحْ بَيْننَا. أَي: اقْضِ بَيْننَا.
نَتقْنا رَفَعنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظله} (الْأَعْرَاف: ١٧١) وَفسّر: نتقنا، بقوله رفعنَا وَكَذَا فسره وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل: رفعناه.
انْبَجَسَتْ انْفَجَرَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَن أضْرب بعصاك الْحجر فانبجست مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا} (الْأَعْرَاف: ١٦٠) ثمَّ فسر: انبجست، بقوله: انفجرت، وَكَذَا جَاءَ فِي سُورَة الْبَقَرَة حَيْثُ قَالَ: {فَقُلْنَا اضْرِب بعضاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا} أَي: انشقت، وَكَانَ ذَلِك الْحجر من الطّور يحمل مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِذا نزلُوا فِي مَوضِع ضربه مُوسَى بعصاه فَيخرج مِنْهُ المَاء فِي اثْنَتَيْ عشرَة عينا لكل سبط عين.
مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ متبر مَا هم فِيهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} وَفسّر متبر بقوله خسران واشتقاقه من التبار، وَهُوَ الْهَلَاك وَهُوَ من التتبير، يُقَال: تبره تتبيرا أَي كَسره وأهلكه.
آسي أحْزَنُ تأس تَحْزَنْ
ذكر هُنَا لفظتين: الأولى: قَوْله: آسي، وَهُوَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكيف آسي على قوم كَافِرين} (الْأَعْرَاف: ٩٣) وَفَسرهُ بقوله: احزن وَهُوَ حِكَايَة عَن قَول شُعَيْب. عَلَيْهِ السَّلَام، حَيْثُ قَالَ بعد هَلَاك قومه، فَكيف آسي، أَي: فَكيف أَحْزَن على الْقَوْم الَّذين هَلَكُوا على الْكفْر؟ واللفظة الثَّانِيَة: قَوْله: تأسى، وَهُوَ فِي سُورَة الْمَائِدَة وَقد ذكرت هُنَاكَ، وَإِنَّمَا ذكر هَاهُنَا أَيْضا اسْتِطْرَادًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: {مَا مَنَعَكَ أنْ لَا تَسْجُدَ} (الْأَعْرَاف: ١٢) يُقالُ مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مَا مَنعك أَن لَا تسْجد إِذْ أَمرتك} ، ثمَّ أَشَارَ بقوله: يُقَال: مَا مَنعك أَن تسْجد، وَنبهَ بِهَذَا على أَن كلمة لَا صلَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَا فِي: أَن لَا تسْجد، صلَة بِدَلِيل قَوْله: {مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي} (ص: ٧٥) ثمَّ قَالَ: فَائِدَة زيادتها توكيد معنى الْفِعْل الَّذِي يدْخل عَلَيْهِ، وتحقيقه كَأَنَّهُ قيل: مَا مَنعك أَن تحقق السُّجُود وَتلْزَمهُ نَفسك إِذا أَمرتك؟ وَذكر ابْن جرير عَن بعض الْكُوفِيّين أَن الْمَنْع هَاهُنَا بِمَعْنى القَوْل، وَالتَّقْدِير: من قَالَ لَك لَا تسْجد؟ قلت: يجوز أَن تكون كلمة أَن مَصْدَرِيَّة وَكلمَة لَا، على أَصْلهَا، وَيكون فِيهِ حذف، وَالتَّقْدِير: مَا مَنعك وحملك على أَن لَا تسْجد أَي على عدم السُّجُود.
يَخْصِفانِ أخَذا الخِصافَ مِنْ ورَقِ الجَنَّةِ. يُؤَلِّفانِ الوَرَقَ يَخْصِفان الوَرَقَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة} (الْأَعْرَاف: ٢٢) وَفسّر (يخصفان) بقوله: أخذا الْخصاف، وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء جمع خصفة وَهِي الجلة الَّتِي يكنز فِيهَا التَّمْر. قَوْله: (وطفقا) ، من أَفعَال المقاربة أَي: جعلا أَي: آدم وحواء، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة، قيل: ورق التِّين يَعْنِي يجعلان ورقة فَوق ورقة على عوراتهما ليستترا بهَا كَمَا يخصف النَّعْل بِأَن تجْعَل طرفَة على طرْقَة وتوثق بالسبور، وَقَرَأَ الْحسن: يخصفان، بِكَسْر الْخَاء وَتَشْديد الصَّاد، وَأَصله يختصفان. وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ: يخصفان، من أخصف، أَي: يخصفان أَنفسهمَا. وقرىء: يخصفان، من خصف بِالتَّشْدِيدِ.
سَوْآتِهِما كِنَايةٌ عَنْ فَرْجَيْهِما
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فلماذا قاالشجرة بَدَت لَهما سوآتهما} وَقَالَ. قَوْله: سوآتهما، كِنَايَة عَن فرجيهما. أَي: فَرجي آدم وحواء، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير: سقط عَنْهُمَا اللبَاس وَظَهَرت لَهما عوراتهما وَكَانَا لَا يريان من أَنفسهمَا وَلَا أَحدهمَا من الآخر، وَعَن وهب كَانَ لباسهما فَوْرًا يحول بَينهمَا وَبَين النّظر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السوأة الْعَوْرَة، وَفِي قَول البُخَارِيّ: كِنَايَة نظر لَا يخفى.
وَمَتاعٌ إلَى حِينٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إلَى مَا لَا يُحْصِي عَدَدُها.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين} (الْأَعْرَاف: ٢٤) وَنبهَ على أَن المُرَاد من الْحِين، هُنَا هُوَ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِي بعض النّسخ، ومتاع إِلَى حِين، هُوَ هَاهُنَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ أَشَارَ بقوله: والحين عِنْد الْعَرَب إِلَى الْحِين يسْتَعْمل لأعداد كَثِيرَة، وَأَدْنَاهُ سَاعَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحِين الْوَقْت، وَفِي (الْمغرب) الْحِين كالوقت لِأَنَّهُ بهم يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي بَدْء الْخلق.
قبَيلُهُ جِيلهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَنه يراكم هُوَ وقبيله} (الْأَعْرَاف: ٢٧) وَالضَّمِير فِي (إِنَّه) يرجع إِلَى الشَّيْطَان، وَفسّر الْقَبِيل بالجيل، بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصِّنْف من النَّاس التّرْك جيل، والصين جيل، وَالْمرَاد هُنَا جيل الشَّيْطَان يَعْنِي قبيله، وَيُؤَيِّدهُ فِي الْمَعْنى مَا رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله قبيله قَالَ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَقيل: قبيله خيله وَرجله. قَالَ الله تَعَالَى: {بخيلك ورجلك} (الْإِسْرَاء: ٦٤) وَقيل: ذُريَّته قَالَ تَعَالَى: {أفتتخذونه وَذريته} (الْكَهْف: ٥٠) وَقيل أَصْحَابه: وَقيل: وَلَده ونسله. قَالَ الْأَزْهَرِي: الْقَبِيل جمَاعَة لَيْسُوا من أَب وَاحِد وَجمعه قبل فَإِذا كَانُوا من أَب وَاحِد فهم قَبيلَة.
ادَّارَكُوا اجْتَمَعُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا حَتَّى إِذا داركوا فِيهَا جَمِيعًا} وَفسّر لفظ أداركوا بقوله: اجْتَمعُوا وَقَالَ مقَاتل: كلما دخل أهل مِلَّة النَّار لعنُوا أهل ملتهم فيلعن الْيَهُود الْيَهُود وَالنَّصَارَى النَّصَارَى وَالْمَجُوس الْمَجُوس، وَالْمرَاد بالأخت أخوة الدّين وَالْملَّة لَا أخوة النّسَب. قَوْله: (حَتَّى إِذا أداركوا فِيهَا) ، أَي: حَتَّى إِذا اتداركوا فِيهَا وتلاحقوا بِهِ واجتمعوا
فِيهَا. أَي: فِي النَّار. قلت: أصل اداركوا اتداركوا فقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال وَقَرَأَ الْأَعْمَش حَتَّى إِذا تداركوا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء كَذَلِك.
مَشَاقُّ الإنْسَانِ وَالدَّابَةِ كلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُوما وَاحِدُها سَمٌّ وَهِيَ عَيْناهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَاذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإحْلِيلُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ سم، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط} (الْأَعْرَاف: ٤٠) قَوْله: (مشاق الْإِنْسَان) ، وَفِي بعض النّسخ مسام الْإِنْسَان، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد وَهِي سموم الْإِنْسَان جمع سم، وَهِي عَيناهُ إِلَى آخر مَا ذكر قَالَ الْجَوْهَرِي: السم الثقب وَمِنْه سم الْخياط ومسام الْجَسَد ثقبه، وَفِي (الْمغرب) المسام المنافذ من عِبَارَات الْأَطِبَّاء، وَفِي السم ثَلَاث لُغَات فتح السِّين وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين، وَضمّهَا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة، وَكسرهَا وَبِه قَرَأَ بو عمرَان الْجونِي، والخياط مَا يخاط بِهِ وَيُقَال: مخيط أَيْضا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو رزين.
غَوَاشٍ مَا غُشُوا بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش} (الْأَعْرَاف: ٤١) وَفسّر لفظ غواش، بقوله: مَا غشوا بِهِ. أَي: مَا غطوا بِهِ وَهُوَ جمع غاشية وَهِي كل مَا يغشاك أَي يسترك من اللحف، وَقيل: من اللبَاس، وَالْمرَاد بذلك أَن النَّار من فَوْقهم وَمن تَحْتهم بالمهاد وعماد فَوْقهم بالغواشي، وروى ابْن جرير من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: المهاد الْفرش. وَقَالَ: وَمن فَوْقهم غواش اللحف.
نُشُرا مُتَفَرِّقَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح نشرا} (الْأَعْرَاف: ٥٧) وَفسّر نشرا بقوله: مُتَفَرِّقَة وفن التَّفْسِير: النشر جمع نشور وَهِي الرّيح الطّيبَة الهبوب تهب من كل نَاحيَة وجانب، وَقيل: النشور بِمَعْنى المنشور كالركوب بِمَعْنى المركوب، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: النشر المنتشرة الواسعة الهبوب أرسلها الله منشورة بعد انطوائها.
نَكِدا قَلِيلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكدا} (الْأَعْرَاف: ٥٨) وَفسّر قَوْله: نكدا بقوله: قَلِيلا وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بقوله: قَلِيلا عسرا فِي شدَّة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ. قَالَ: النكد الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع.
يَغْنَوْا يَعِيشُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذين كذبُوا شعيبا كَأَن لم يغنوا فِيهَا} (الْأَعْرَاف: ٩٢) وَفسّر: يغنوا بقوله: يعيشوا، وَترك ذكر الْجَازِم. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَي: كَأَن لم يعيشوا أَو كَأَن لم ينعموا ومادته من غنى أَي عَاشَ وغنى بِهِ عَنهُ غنية، وغنيت الْمَرْأَة بزوجها غنيانا وغني بِالْمَكَانِ أَقَامَ، والغناء بِالْفَتْح النَّفْع وبالكسر من السماع والغنى مَقْصُورا الْيَسَار.
حَقِيقٌ حَقٌّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إلَاّ الْحق} (الْأَعْرَاف: ١٠٤ وَفسّر قَوْله حقيق، بقوله حق أَي: جدير بذلك حري بِهِ.
استَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا القوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم} (الْأَعْرَاف: ١٤٦) وَقَالَ: استرهبوهم من الرهبة. أَي: الْخَوْف، وَالْمعْنَى: أَن سحرة فِرْعَوْن سحروا أعين النَّاس أَي خيلوا إِلَى الْأَبْصَار أَن مَا فَعَلُوهُ لَهُ حَقِيقَة فِي الْخَارِج، واسترهبوا النَّاس بذلك وخوفوهم وَخَافَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَيْضا من ذَلِك وَقَالَ الله عز وَجل: {لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى والق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا} (طه: ٦٨، ٦٩) الْقِصَّة بِتَمَامِهَا فِي التَّفْسِير.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون} وَفسّر لفظ تلقف، بِلَفْظ تلقم أَي: تَأْكُل مَا يأفكون أَي: مَا يلقونه ويوهمون أَنه حق وَهُوَ بَاطِل.
طائِرُهُمْ حَظهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ} (الْأَعْرَاف: ١١٧) وَفسّر طَائِر هم بقوله حظهم، وَكَذَا قَالَ: أَبُو عُبَيْدَة: طائرهم حظهم ونصيبهم.
طُوفانٌ مِنَ السَّيْلِ وَيُقالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ الطُّوفانُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل} وَفسّر الطوفان بِأَنَّهُ من السَّيْل، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رِوَايَة الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار. وَبِه قَالَ الضَّحَّاك: وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة كَثْرَة الْمَوْت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَيُقَال للْمَوْت الْكثير الطوفان، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون على كل حَال، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ أَمر من الله طَاف بهم ثمَّ قَرَأَ: {فَطَافَ عَلَيْهِم طائف من رَبك وهم نائمون} (الْقَلَم: ١٩) . وَقَالَ الْأَخْفَش الطوفان واحده طوفانة وَقيل: هُوَ مصدر كالرجحان وَالنُّقْصَان. قلت: هُوَ اسْم للمصدر، فاقهم.
القُمَّلُ الحُمْنانُ يُشْبِهُ صِغارَ الحَلَمِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْقمل الْمَذْكُور فِي الْآيَة الَّتِي مَضَت الْآن، وَفَسرهُ بقوله الحمنان، بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْمِيم. قَوْله: (يشبه صغَار الْحلم) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْقمل عِنْد الْعَرَب ضرب من القردان وَاحِدهَا حمنانة وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْقمل السوس الَّذِي يخرج من الْحِنْطَة، وَعنهُ أَنه الدُّبَّاء وَهُوَ الْجَرَاد الصغار الَّذِي لَا أَجْنِحَة لَهُ، وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير: الْقمل دَوَاب سود صغَار، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: الْقمل البراغيث، وَقَالَ ابْن جرير: الْقمل جمع قلمة وَهِي دَابَّة تشبه الْقمل تَأْكُل الْإِبِل، والحلم جمع حلمة والحلمة تتقفي من ظهرهَا فَيخرج مِنْهَا القمقامة وَهِي أَصْغَر مِمَّا رَأَيْته مِمَّا يمشي وَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ فَإِذا امْتَلَأَ سقط على الأَرْض وَقد عظم ثمَّ يضمر حَتَّى يذهب دَمه فَيكون قرادا فَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ ثَانِيَة فَيكون حمْنَة، قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: أرسل الله تَعَالَى الحمنان على دوابهم فأكلنها حَتَّى لم يقدروا على الْمسير، وَقَرَأَ الْحسن: الْقمل، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم، وَفِي (الْمُحكم) : الْقمل صغَار الذَّر والدباء، وَفِي (الْجَامِع) : هُوَ شَيْء أَصْغَر من الظفر لَهُ جنَاح أَحْمَر وأكدر، قَالَ أَبُو يُوسُف: هُوَ شَيْء يَقع فِي الزَّرْع لَيْسَ بجراد فيأكل السنبلة وَهِي غضة قبل أَن تخرج فَيطول الزَّرْع وَلَا سنبل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ شَيْء يشبه الْحلم وَهُوَ لَا يَأْكُل أكل الْجَرَاد وَلَكِن يمص الْحبّ إِذا وَقع فِيهِ الدَّقِيق وَهُوَ رطب وَتذهب قوته وخيره وَهُوَ خَبِيث الرَّائِحَة.
رقم ٢ كتاب ج ٨١ من ص ٢٣٥
عُرُوشٌ وعَرِيشٌ بِناءٌ
قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ: عروش وعريش، بِنَاء وَجَدْنَاهُ مروياً عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْمثنى حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ: {وَمَا كَانُوا يعرشون} (الْأَعْرَاف: ١٣٧) أَي: يبنون، وَقَالَ مُجَاهِد: يبنون الْبيُوت والمساكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانُوا يعرشون} أَي: يبنون. انْتهى. قلت: أما قَول صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ إِلَى آخِره، فَلَا وَجه لَهُ أصلا لِأَن قَول ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {وَمَا كَانُوا يعرشون} يبنون، فَكيف يُطَابق تَفْسِير عروش وعريش؟ وَكَذَا قَول بَعضهم مثله، وَأما تَفْسِير البُخَارِيّ: العروش والعريش بِالْبِنَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن العروش جمع عرش وَالْعرش سَرِير الْملك وسقف الْبَيْت وَالْعرش مصدر، قَالَ الْجَوْهَرِي: عرش يعرش عرشاً أَي: بنى بِنَاء من خشب، والعريش مَا يستظل بِهِ، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ أَيْضا: الْعَرْش الْكَرم والعريش شبه الهودج الْعَريش وخيمة من خشب وَتَمام الْجمع عرش مثل قليب وقلب، وَمِنْه قيل لبيوت مَكَّة: الْعَرْش لِأَنَّهَا عيدَان تنصب وتظلل عَلَيْهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره
مُخَالف لقاعدته فِي تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ فِي بعض السُّور وَفِي بعض الْمَوَاضِع، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنِّي يَقُول: يعرشون يبنون إِشَارَة لما وَقع فِي الْآيَة من قَوْله: {ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه وَمَا كَانُوا يعرشون} (الْأَعْرَاف: ١٣٧) .
سُقِطَ كلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلما سقط فِي أَيْديهم} (الْأَعْرَاف: ١٤٩) وَفسّر قَوْله: (سقط) بقوله: (كل من نَدم فقد سقط فِي يَده) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَسقط فِي يَدَيْهِ أَي: نَدم: قَالَ الله تَعَالَى: {وَلما سقط فِي أَيْديهم} ، قَالَ الْأَخْفَش: وَقَرَأَ بَعضهم سقط كَأَنَّهُ أضمر النَّدَم وَجوز أسقط فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر وَلَا يُقَال أسقط بِالْألف على مَا لم يسم فَاعله، وَهَذِه فِي قصَّة قوم مُوسَى الَّذين اتَّخذُوا من حليهم عجلاً وَأخْبر الله تَعَالَى عَنْهُم: {وَلما سقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا} الْآيَة أَرَادَ أَنهم ندموا على مَا فعلوا {وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا قَالُوا: لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا} الْآيَة.
الأسْباطُ قَبائِلُ بَني إِسْرائِيلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً أمماً} (الْأَعْرَاف: ١٦٠) وَفسّر الأسباط بِأَنَّهُم قبائل بني إِسْرَائِيل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: واحدهم سبط، تَقول: من أَي سبط أَنْت، أَي: من أَي قَبيلَة وجنس؟ وَيُقَال: الأسباط فِي ولد يَعْقُوب كالقبائل فِي ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، واشتقاقه من السبط وَهُوَ التَّتَابُع، من السبط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشّجر الملتف، وَقيل لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سبطا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لانتشار ذريتهما، ثمَّ قيل لكل ابْن بنت: سبط.
يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَعَدَّى تَجاوَزَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يعدون فِي السبت} (الْأَعْرَاف: ١٦٣) وَفسّر: يعدون، بقوله: يتعدون ثمَّ يتجاوزن، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِذْ يعدون إِذْ يتجاوزون حد الله فِيهِ وَهُوَ اصطيادهم يَوْم السبت وَقد نهوا عَنهُ، وقرىء يعدون، بِمَعْنى يعتدون وَإِذ يعدون من الإعداد وَكَانُوا يعدون آلَات الصَّيْد يَوْم السبت وهم مأمورون بِأَن لَا يشتغلوا فِيهِ بِغَيْر الْعِبَادَة. قَوْله: (تعدى تجَاوز) نبه بِهِ على أَن معنى هَذِه الْكَلِمَة التجاوز فَإِذا تجَاوز أحد أمرا من الْأُمُور المحدودة يُقَال لَهُ: تعدى.
شُرَّعاً شَوَارعَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا} وَذكر أَن شرّعاً جمع شوارع وشوارع جمع شَارِع وَهُوَ الظَّاهِر على وَجه المَاء، وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: شرعا، أَي ظَاهِرَة على المَاء، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنهُ: شرعا على كل مَكَان.
بئِيسٍ شَدِيدٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس} (الْأَعْرَاف: ١٦٥) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَعَن مُجَاهِد مَعْنَاهُ: أَلِيم، وَعَن قَتَادَة: موجع، وَفِي بئيس قراءات كَثِيرَة وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بِفَتْح أَوله وَكسر الْهمزَة.
أخْلَدَ إِلَى الأرْضِ أقْعَدَ وتَقاعَسَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ} (الْأَعْرَاف: ١٧٦) وَفسّر قَوْله: أخلد بقوله: أقعد من الإقعاد وَهُوَ أَن يلازم الْقعُود إِلَى الأَرْض وَهُوَ كِنَايَة عَن شدَّة ميله إِلَى الدُّنْيَا، وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة قَوْله: أخلد إِلَى الأَرْض بقوله: لَزِمَهَا، وأصل الإخلاد للُزُوم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَال إِلَى زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وزهراتها وَأَقْبل على لذاتها وَنَعِيمهَا وغرته مَا غرت غَيره، قَوْله: وتقاعس، أَي: تَأَخّر وَأَبْطَأ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَلكنه، يرجع إِلَى بلعام بن باعورا من عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلكنه اتبع هَوَاهُ فانسلخ من الْإِيمَان وَاتبعهُ الشَّيْطَان، وقصته مَشْهُورَة، وَقيل: المُرَاد بِهِ أُميَّة بن أبي الصَّلْت أدْرك زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يتبعهُ وَصَارَ إِلَى مُوالَاة الْمُشْركين، وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه آمن بِلِسَانِهِ وَلم يُؤمن بِقَلْبِه وَله أشعار ربانية وَحكم
وفصاحة وَلكنه لم يشْرَح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ.
(سنَسْتَدْرِجُهُمْ) أيْ نأتِيهِمْ مِنْ مأمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: {فأتاهُمُ الله منْ حَيْث لمْ يَحْتَسِبُوا} أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ} (الْأَعْرَاف: ١٨٢) وَفسّر قَوْله: سنستدرجهم، بقوله: نأتيهم من مَا مِنْهُم، أَي: من مَوضِع أَمنهم، وأصل الاستدراج التَّقْرِيب منزلَة من الدرج لِأَن الصاعد يترقى دَرَجَة دَرَجَة. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا} (الْحَشْر: ٢) وَجه التَّشْبِيه فِيهِ هُوَ أَخذ الله إيَّاهُم بَغْتَة، كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: {حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة} (الْأَنْعَام: ٤٤) .
مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو لم يتفكروا مَا بِصَاحِبِهِمْ من جنَّة} (الْأَعْرَاف: ١٨٤) ثمَّ قَالَ: من جُنُون، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُحَمَّد شَاعِر أَو مَجْنُون، وَالْمرَاد بالصاحب هُوَ مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
فمَرَّتْ بِهِ فاسْتَمَرَّ بهَا الحمْلُ فأتَمَّتْهُ
لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَتقدم هَذَا فِي أول كتاب الْأَنْبِيَاء، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ} (الْأَعْرَاف: ١٨٩) وَفسّر قَوْله: فمرت بِهِ، بقوله: فاستمر بهَا الْحمل فأتمته، وَالضَّمِير فِي قَوْله: فمرت، يرجع إِلَى حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام، لِأَن قبل هَذَا قَوْله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا} الْآيَة. وَأَرَادَ بِالنَّفسِ الْوَاحِدَة آدم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأَرَادَ بقوله: زَوجهَا، حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام، وَفِي التَّفْسِير: اخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: فمرت، فَقَالَ مُجَاهِد: استمرت بِحمْلِهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالسُّديّ، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان عَن أَبِيه: استخفته، وَقَالَ قَتَادَة: استبان حملهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: استمرت بِهِ فشكَّت أحبلت أم لَا.
يَنْزَغَنَّكَ يَسْتَخِفنَّكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأما يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ} (الْأَعْرَاف: ٢٠٠) الْآيَة. وَفسّر يَنْزغَنك بقوله: يستخفنك، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن جرير فِي معنى هَذَا: وَأما يغضبنك من الشَّيْطَان غضب يصدك عَن الْإِعْرَاض عَن الْجَاهِل ويحملك على مجازاته فاستعذ بِاللَّه، أَي: فاستجر بِاللَّه.
طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ويُقالُ طائِفٌ وهْوَ واحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طيف من الشَّيْطَان} وَفسّر قَوْله: طيف بقوله: ملم بِهِ لمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: طيف أَي لمَم، واللمم يُطلق على ضرب من الْجُنُون وعَلى صغَار الذُّنُوب، وَفِي التَّفْسِير: مِنْهُم من فسر ذَلِك بِالْغَضَبِ، وَمِنْهُم من فسره بِمَسّ الشَّيْطَان بالصرع وَنَحْوه، وَمِنْهُم من فسره بالهم بالذنب، وَمِنْهُم من فسره بِإِصَابَة الذَّنب. قَوْله: (وَيُقَال طائف) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن طيفاً وطائفاً وَاحِد فِي الْمَعْنى، وهما قراءتان مشهورتان.
يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وإخوانهم يمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون} (الْأَعْرَاف: ٢٠٢) وَفسّر يمدونهم بقوله: (يزينون) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي يزينون لَهُم الغي وَالْكفْر.
وخِيفَةً خَوْفاً وخُفْيَةً مِنَ الإِخْفاءِ
أَشَارَ بقوله خيفة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة} (الْأَعْرَاف: ٢٠٥) وَفسّر قَوْله: (خيفة) ، بقوله: (خوفًا) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَيُقَال: {اذكر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة} أَي: رَغْبَة وَرَهْبَة وَأَشَارَ بقوله وخيفة إِلَى قَوْله: (وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة) وَأي: سرا. قَوْله: (من الْإخْفَاء) أَرَادَ بِهِ أَن الْخفية مَأْخُوذَة من الْإخْفَاء وَفِيه تَأمل، لِأَن الْقَاعِدَة أَن الْمَزِيد فِيهِ يكون مشتقاً من الثلاثي دون الْعَكْس، وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه كَلَامه بِاعْتِبَار انتظام اشتقاق الصيغتين فِي معنى وَاحِد.