«﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٤٦

الحديث رقم ٤٦٤٦ من كتاب «سورة الأنفال» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٤٦ في صحيح البخاري

«﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ».

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * اسْتَجِيبُوا﴾ أَجِيبُوا، ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يُصْلِحُكُمْ.

إسناد حديث رقم ٤٦٤٦ من صحيح البخاري

٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَوَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: رِيحُكُمُ الْحَرْبُ) تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (الشَّوْكَةُ الْحَدُّ) ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مَجَازٌ الشَّوْكَةُ الْحَدُّ، يُقَالُ: مَا أَشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلَانٍ أَيْ حَدَّهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ، يُقَالُ رَدَفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِكَسْرِ الدَّالِ فَاعِلِينَ مِنْ أَرْدَفُوا أَيْ جَاءُوا بَعْدَ قَوْمٍ قَبْلَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: رَدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الدَّالِ فَهُوَ مِنْ أَرْدَفَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَنْ قَبْلَهُمُ انْتَهَى. وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِكَسْرِ الدَّالِ وَنَافِعٍ بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: بَنُو فُلَانٍ يُرْدِفُونَنَا أَيْ يَجِيئُونَ بَعْدَنَا.

قَوْلُهُ: ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ يَجْمَعَهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أَيْ فَيَجْمَعَهُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (شَرِّدْ: فَرِّقْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَحْبِسُوكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ مُحَمَّدٌ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (ذُوقُوا: بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي آخِرِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي أَثْنَائِهَا وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ سَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ أَيْضًا فِي الْمَغَازِي.

١ - بَاب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾

٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ زَادَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ لَا يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: لَا يَعْقِلُونَ: لَا يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ، قَالَ مُجَاهِدٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

٢ - بَاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا، لِمَا يُحْيِيكُمْ: لما يُصْلِحُكُمْ.

٤٦٤٧ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ، قال:، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ لِيَخْرُجَ، فَذَكَرْتُ لَهُ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصًا، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على جملٍ فتُخرِجوه (١) من أرضكم؛ فلا يضرُّكم ما صنع، فقال إبليس (٢): بئس الرَّأي؛ يُفسِد قومًا غيركم ويُقاتِلكم بهم، فقال أبو جهلٍ: أنا أرى أن تأخذوا من كلِّ بطنٍ غلامًا وتعطوه سيفًا، فيضربونه (٣) ضربةً واحدةً، فيتفرَّق دمه في القبائل، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، فتفرَّقوا على رأيه، فأتى جبريل النَّبيَّ وأخبره بالخبر، وأمره بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكِّره (٤) نعمته عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (٥)[الأنفال: ٣٠] وقد منع بعضهم حديث إبليس وتغيير صورته؛ لأنَّ فيه إعانةً للكفِّار، ولا يليق بحكمة الله تعالى أن يجعل إبليس قادرًا عليه، وأُجيب بأنَّه إذا لم يَبعُد أن يسلِّطَه الله على قريشٍ بالوسوسة فيما صدر منهم؛ فكيف يَبعُد ذلك؟!

(١) (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ﴾) ما يدبُّ على (٦) الأرض، أو شرَّ البهائم (﴿الصُّمُّ﴾) عن سماع الحقِّ (﴿الْبُكْمُ﴾) عن فهمه؛ ولذا قال: (﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]) جعلهم من البهائم، ثمَّ جعلهم شرَّها، وزاد أبو ذرٍّ: «قال: قال: هم نفرٌ من بني (٧) عبد الدَّار».

٤٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وبعد الرَّاء السَّاكنة قافٌ ممدودٌ، ابن عمر بن كليبٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي (٨) نَجِيحٍ) عبد الله، وأبو نَجِيح -بفتح

النُّون وكسر الجيم آخره حاء مهملة- اسمه يسارٌ، الثَّقفيِّ المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]) (قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) من قريشٍ، وكانوا يحملون اللِّواء يوم أُحدٍ حتَّى قُتِلوا، وأسماؤهم في السِّير، قاله في «المقدِّمة»، وهؤلاء شرُّ البرية؛ لأنَّ كلَّ دابَّةٍ ممَّا سواهم مطيعةٌ لله فيما خُلِقت له، وهؤلاء خُلِقوا للعبادة فكفروا، وهذا يعمُّ كلَّ مشركٍ من حيث الظَّاهر وإن كان السَّبب خاصًّا، كما لا يخفى.

(٢) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾) الاستجابة: هي الطَّاعة والامتثال، والدَّعوة: البعث والتَّحريض، ووحَّد الضمير ولم يُثَنِّه؛ لأنَّ استجابة الرَّسول كاستجابة الباري جلَّ وعلا، وإنَّما يُذكَر أحدُهما مع الآخر للتَّوكيد (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) من علوم الدِّيانات والشَّرائع؛ لأنَّ العلم حياةٌ كما أنَّ الجهل موتٌ (﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾) أي: يحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان إن قدَّر (١) شقاوته، والمراد: الحثُّ على المبادرة على إخلاص القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبينه بالموت (٢)، وفيه تنبيهٌ على اطِّلاعه تعالى على مكنوناته (﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]) فيجازيكم على ما اطَّلع عليه في قلوبكم، وسقط قوله: «﴿وَاعْلَمُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: «الآيةَ».

(﴿اسْتَجِيبُواْ﴾) قال أبو عبيدة أي: (أَجِيبُواْ) وقوله: (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) أي: (يُصْلِحُكُمْ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَوَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: رِيحُكُمُ الْحَرْبُ) تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (الشَّوْكَةُ الْحَدُّ) ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مَجَازٌ الشَّوْكَةُ الْحَدُّ، يُقَالُ: مَا أَشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلَانٍ أَيْ حَدَّهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ، يُقَالُ رَدَفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِكَسْرِ الدَّالِ فَاعِلِينَ مِنْ أَرْدَفُوا أَيْ جَاءُوا بَعْدَ قَوْمٍ قَبْلَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: رَدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الدَّالِ فَهُوَ مِنْ أَرْدَفَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَنْ قَبْلَهُمُ انْتَهَى. وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِكَسْرِ الدَّالِ وَنَافِعٍ بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: بَنُو فُلَانٍ يُرْدِفُونَنَا أَيْ يَجِيئُونَ بَعْدَنَا.

قَوْلُهُ: ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ يَجْمَعَهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أَيْ فَيَجْمَعَهُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (شَرِّدْ: فَرِّقْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَحْبِسُوكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ مُحَمَّدٌ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (ذُوقُوا: بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي آخِرِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي أَثْنَائِهَا وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ سَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ أَيْضًا فِي الْمَغَازِي.

١ - بَاب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾

٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ زَادَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ لَا يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: لَا يَعْقِلُونَ: لَا يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ، قَالَ مُجَاهِدٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

٢ - بَاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا، لِمَا يُحْيِيكُمْ: لما يُصْلِحُكُمْ.

٤٦٤٧ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ، قال:، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ لِيَخْرُجَ، فَذَكَرْتُ لَهُ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصًا، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على جملٍ فتُخرِجوه (١) من أرضكم؛ فلا يضرُّكم ما صنع، فقال إبليس (٢): بئس الرَّأي؛ يُفسِد قومًا غيركم ويُقاتِلكم بهم، فقال أبو جهلٍ: أنا أرى أن تأخذوا من كلِّ بطنٍ غلامًا وتعطوه سيفًا، فيضربونه (٣) ضربةً واحدةً، فيتفرَّق دمه في القبائل، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، فتفرَّقوا على رأيه، فأتى جبريل النَّبيَّ وأخبره بالخبر، وأمره بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكِّره (٤) نعمته عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (٥)[الأنفال: ٣٠] وقد منع بعضهم حديث إبليس وتغيير صورته؛ لأنَّ فيه إعانةً للكفِّار، ولا يليق بحكمة الله تعالى أن يجعل إبليس قادرًا عليه، وأُجيب بأنَّه إذا لم يَبعُد أن يسلِّطَه الله على قريشٍ بالوسوسة فيما صدر منهم؛ فكيف يَبعُد ذلك؟!

(١) (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ﴾) ما يدبُّ على (٦) الأرض، أو شرَّ البهائم (﴿الصُّمُّ﴾) عن سماع الحقِّ (﴿الْبُكْمُ﴾) عن فهمه؛ ولذا قال: (﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]) جعلهم من البهائم، ثمَّ جعلهم شرَّها، وزاد أبو ذرٍّ: «قال: قال: هم نفرٌ من بني (٧) عبد الدَّار».

٤٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وبعد الرَّاء السَّاكنة قافٌ ممدودٌ، ابن عمر بن كليبٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي (٨) نَجِيحٍ) عبد الله، وأبو نَجِيح -بفتح

النُّون وكسر الجيم آخره حاء مهملة- اسمه يسارٌ، الثَّقفيِّ المكِّيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]) (قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) من قريشٍ، وكانوا يحملون اللِّواء يوم أُحدٍ حتَّى قُتِلوا، وأسماؤهم في السِّير، قاله في «المقدِّمة»، وهؤلاء شرُّ البرية؛ لأنَّ كلَّ دابَّةٍ ممَّا سواهم مطيعةٌ لله فيما خُلِقت له، وهؤلاء خُلِقوا للعبادة فكفروا، وهذا يعمُّ كلَّ مشركٍ من حيث الظَّاهر وإن كان السَّبب خاصًّا، كما لا يخفى.

(٢) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾) الاستجابة: هي الطَّاعة والامتثال، والدَّعوة: البعث والتَّحريض، ووحَّد الضمير ولم يُثَنِّه؛ لأنَّ استجابة الرَّسول كاستجابة الباري جلَّ وعلا، وإنَّما يُذكَر أحدُهما مع الآخر للتَّوكيد (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) من علوم الدِّيانات والشَّرائع؛ لأنَّ العلم حياةٌ كما أنَّ الجهل موتٌ (﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾) أي: يحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان إن قدَّر (١) شقاوته، والمراد: الحثُّ على المبادرة على إخلاص القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبينه بالموت (٢)، وفيه تنبيهٌ على اطِّلاعه تعالى على مكنوناته (﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]) فيجازيكم على ما اطَّلع عليه في قلوبكم، وسقط قوله: «﴿وَاعْلَمُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: «الآيةَ».

(﴿اسْتَجِيبُواْ﴾) قال أبو عبيدة أي: (أَجِيبُواْ) وقوله: (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) أي: (يُصْلِحُكُمْ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله