الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٨٠
الحديث رقم ٤٦٨٠ من كتاب «سورة يونس» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وجاوزنا ببني إسرائيل البحر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
سُورَةُ هُودٍ.
وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِالْحَبَشَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بَادِئَ الرَّأْيِ﴾ مَا ظَهَرَ لَنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِي﴾ أَمْسِكِي، ﴿عَصِيبٌ﴾
⦗٧٣⦘
شَدِيدٌ، ﴿لا جَرَمَ﴾ بَلَى، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ نَبَعَ الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الْأَرْضِ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَحَاقَ﴾ نَزَلَ، ﴿يَحِيقُ﴾ يَنْزِلُ، يَؤُوسٌ فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَبْتَئِسْ﴾ تَحْزَنْ، ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الْحَقِّ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا.
٤٦٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّشَزُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ
٤٦٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ سَقَطَ لِلْأَكْثَرِ بَابُ وَسَاقُوا الْآيَةَ إِلَى ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّشَزُ، الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أَيْ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ أَيِ ارْتِفَاعٍ اهـ، وَالنَّجْوَةُ هِيَ الرَّبْوَةُ الْمُرْتَفِعَةُ وَجَمْعُهَا نِجًى بِكَسْرِ النُّونِ وَالْقَصْرُ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ نُنَجِّيكَ مِنَ النَّجَاةِ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ بِمَعْنَاهَا وَالْمُرَادُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ قَوْمُكُ مِنْ قَعْرِ الْبَحْرِ، وَقِيلَ هُوَ (١) وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ السَّمَيْفَعِ وَغَيْرُهُمَا (نُنَحِّيكَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ نُلْقِيكَ بِنَاحِيَةٍ، وَوَرَدَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَمُتْ فِرْعَوْنُ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالثَّوْرِ الْأَحْمَرِ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ لَمْ يُصَدِّقْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ بِذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عِظَةٌ وَآيَةٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ قَالَ مِنْ تَخَلَّفَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنِ: مَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنَّهُمْ فِي جَزَائِرِ الْبَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ أَنِ الْفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيَانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيَانًا أَصْلَعَ أَخْنَسَ قَصِيرًا، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قَالَ بِجَسَدِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَخْرٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: الْبَدَنُ الدِّرْعُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصِّيَامِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: ذَاكَ يَوْمٌ نُجِّيَ فِيهِ مُوسَى وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ.
١١ - سُورَةُ هُودٍ
وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الْأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ مَا ظَهَرَ لَنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أَمْسِكِي. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ شَدِيدٌ. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ بَلَى. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ نَبَعَ الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ هُودٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قوله: (وقال أبو ميسرة: الأواه: الرحيم بالحبشية) تقدم في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء، وسقط هنا من رواية أبي ذر.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ما ظهر لنا، وقال مجاهد: ﴿الْجُودِيِّ﴾ جبل بالجزيرة. وقال الحسن: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يستهزئون به. وقال ابن عباس: أقلعي: أمسكي، وفار التنور: نبع الماء. وقال عكرمة: وجه الأرض. تقدم جميع ذلك في أحاديث الأنبياء، وسقط هنا لأبي ذر.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قَالَ: شَدِيدٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلَهُ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلِ الرَّاجِزِ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا وَيَقُولُونَ: عَصَبَ يَوْمُنَا يَعْصِبُ عَصَبًا أَيِ اشْتَدَّ.
قَوْلُهُ: (لَا جَرَمَ بَلَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
﴿بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال: بجسدك، ومن طريق أبي صخرٍ المدنيِّ قال: البدن: الدِّرع الَّذي كان عليه، قيل: وكانت له درعٌ من ذهبٍ يُعرَف بها، وكان في أنفسهم أنَّ فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق.
٤٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر (١) بن أبي وحشيَّة، واسمه: إياس اليشكريُّ البصريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) فأقام بها إلى عاشوراء من السَّنة الثَّانية (وَ) إذا (اليَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ) فسألهم (فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ) وفي روايةٍ: «فقال لهم: ما هذا اليوم الَّذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا (٢)).
ومطابقته (٣) للتَّرجمة في روايةِ: «أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه» كما لا يخفى، وسبق حديث الباب في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٤] بنحوه (٤).
(((١١))) (سورة هُودٍ ﵊ مئةٌ وثلاثٌ وعشرون آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى حكايةً عن لوطٍ ﵊ حين جاءته الملائكة في صورة غلمان، وظنَّ أنَّهم أناسٌ فخاف عليهم أن يقصدهم قومُه فيعجزَ عن مدافعتهم: ﴿هَذَا يَوْمٌ﴾ (﴿عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (شديدٌ) وفي قوله: (﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]) أي: (بَلَى) أي: حقًّا أنَّهم في الآخرة هم الأخسرون.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) في قوله تعالى: (﴿وَحَاقَ﴾ [هود: ٨]) أي: (نَزَلَ) بهم وأصابهم (يَحِيقُ) أي: (يَنْزِلُ).
وفي قوله تعالى: (﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ [هود: ٩] يَؤُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) والمعنى: ولَئِن أذقنا الإنسان حلاوة نعمةٍ يجد لذَّتها، ثمَّ سلبناها منه؛ إنَّه لقطوعٌ رجاءه من فضل الله؛ لقلَّة صبره وعدم ثقته به، كفورٌ لأنَّ الوصف باليؤوس لا يليق إلَّا بالكافر، فإنَّه يقع في اليأس إذا سُلِبَت نعمته، والمسلمُ (١) يثق بالله أن يعيدها أحسن ما كانت.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله تعالى: ﴿فَلَا (٢)﴾ (﴿تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦]) أي: لا (٣) (تَحْزَنُ) وهذا وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ؛ كقوله (٤) في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَافْتِرَاءٌ) بالفاء، والَّذي في أكثر الفروع المقابَلة على «اليونينيَّة»: «وامتراءٌ» (فِي الحَقِّ) بالميم (﴿لِيَسْتَخْفُواْ (٥) مِنْهُ﴾ [هود: ٥]) أي: (مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وهذه الألفاظ المفسَّرة
كلُّها من البسملة إلى هنا ثابتةٌ في رواية الأبوين، ومقدَّمةٌ عندهما ومؤخَّرةٌ في رواية غيرِهما (١) عن تاليها.
(وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، عمرو بن شرحبيل الهَمْدانيُّ التَّابعيُّ في قوله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ﴾ (الأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالحَبَشِيَّةِ) بالتَّحتيَّة المشدَّدة، والَّذي في «اليونينيَّة» بإسقاطها (٢)، وهذا ذكره المؤلِّف في ترجمة إبراهيم من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٨ - ٥١٥٢].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]) أي: (مَا ظَهَرَ لَنَا) من غير تعمُّق.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ) الَّتي (٣) بين دجلة والفرات قرب الموصل، تشامخت الجبال يومئذٍ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله ﷿، فلم يغرق، وقال قتادة: استوت عليه شهرًا؛ يعني: حتَّى نزلوا منها.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (٤): (﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ﴾ [هود: ٨٧]) (٥) باللَّام (يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤]: أَمْسِكِي) عن المطر (﴿عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (شَدِيدٌ) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «وقال ابن عبَّاسٍ: عصيبٌ: شديدٌ (٧)» (﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]) أي: (بَلَى، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]: نَبَعَ المَاءُ) فيه وارتفع، كالقدر يفور، والتَّنُّور: تنُّور الخبز، وابتداء النُّبوع منه (٨) خارقٌ للعادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، وقيل: في غيرهما (وَقَالَ عِكْرِمَةُ): التَّنُّور: (وَجْهُ الأَرْضِ) وقيل: هو (٩) أشرف موضعٍ فيها.
(١) (﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾) مضارعُ ثَنَى يَثْنِي ثنيًا، أي: طوى وانحرف، و ﴿صُدُورَهُمْ﴾: مفعولٌ، والمعنى: يُحرفون صدورهم ووجوههم عن الحقِّ وقبوله (﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾) اللَّام متعلِّقةٌ بـ ﴿يَثْنُونَ﴾ كما قاله الحوفيُّ وغيره، والمعنى: إنَّهم يفعلون ثني الصُّدور لهذه العلَّة، وقال الزَّمخشريٌّ ومن تبعه: متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: ويريدون ليستخفوا من الله فلا يُطْلِع رسوله والمؤمنين على أزورارهم، ونظيرُ إضمار «يريدون» -لعود المعنى إلى إضماره- الإضمارُ في قوله: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] معناه: فضرب فانفلق، لكن قال في «الدُّرِّ»: ليس المعنى الَّذي يقودنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا؛ لأنَّ ثمَّ لا بدَّ من حذف معطوفٍ عليه (١) يضطرُّ العقل إلى تقديره؛ لأنَّه ليس من لازم الأمر بالضَّرب انفلاقُ البحر، فلا بدَّ أن يُتَعقَّل «فضرب فانفلق» وأمَّا في هذه فالاستخفاء علَّةٌ صالحةٌ لثنيهِم صدورَهم، فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة، قال في «فتوح الغيب»: شبَّهه (٢) بقوله: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ [الشعراء: ٦٣] في مجرَّد إرادة التَّقدير؛ ليستقيم المعنى، ورُوِي عنه في «الحاشية»: ثَنيُ (٣) الصَّدر بمعنى الإعراض إظهارٌ (٤) للنِّفاق، فلم يصحَّ أن تتعلَّق به لام التَّعليل، فوجب إضمار ما يصحُّ تعلُّقها به من شيءٍ يستوي معه المعنى، فلذلك قدَّر: ويريدون ليستخفوا من الله، أي: يظهرون النِّفاقَ (٥) ويريدون مع ذلك أن يستخفوا منه (﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ﴾) يجعلونها أغشيةً وأغطيةً، والنَّاصب
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّشَزُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ
٤٦٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ سَقَطَ لِلْأَكْثَرِ بَابُ وَسَاقُوا الْآيَةَ إِلَى ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّشَزُ، الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أَيْ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ أَيِ ارْتِفَاعٍ اهـ، وَالنَّجْوَةُ هِيَ الرَّبْوَةُ الْمُرْتَفِعَةُ وَجَمْعُهَا نِجًى بِكَسْرِ النُّونِ وَالْقَصْرُ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ نُنَجِّيكَ مِنَ النَّجَاةِ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ بِمَعْنَاهَا وَالْمُرَادُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ قَوْمُكُ مِنْ قَعْرِ الْبَحْرِ، وَقِيلَ هُوَ (١) وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ السَّمَيْفَعِ وَغَيْرُهُمَا (نُنَحِّيكَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ نُلْقِيكَ بِنَاحِيَةٍ، وَوَرَدَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَمُتْ فِرْعَوْنُ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالثَّوْرِ الْأَحْمَرِ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ لَمْ يُصَدِّقْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ بِذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عِظَةٌ وَآيَةٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ قَالَ مِنْ تَخَلَّفَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنِ: مَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنَّهُمْ فِي جَزَائِرِ الْبَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ أَنِ الْفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيَانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيَانًا أَصْلَعَ أَخْنَسَ قَصِيرًا، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قَالَ بِجَسَدِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَخْرٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: الْبَدَنُ الدِّرْعُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصِّيَامِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: ذَاكَ يَوْمٌ نُجِّيَ فِيهِ مُوسَى وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ.
١١ - سُورَةُ هُودٍ
وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الْأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ مَا ظَهَرَ لَنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أَمْسِكِي. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ شَدِيدٌ. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ بَلَى. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ نَبَعَ الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ هُودٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قوله: (وقال أبو ميسرة: الأواه: الرحيم بالحبشية) تقدم في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء، وسقط هنا من رواية أبي ذر.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ما ظهر لنا، وقال مجاهد: ﴿الْجُودِيِّ﴾ جبل بالجزيرة. وقال الحسن: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يستهزئون به. وقال ابن عباس: أقلعي: أمسكي، وفار التنور: نبع الماء. وقال عكرمة: وجه الأرض. تقدم جميع ذلك في أحاديث الأنبياء، وسقط هنا لأبي ذر.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قَالَ: شَدِيدٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلَهُ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلِ الرَّاجِزِ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا وَيَقُولُونَ: عَصَبَ يَوْمُنَا يَعْصِبُ عَصَبًا أَيِ اشْتَدَّ.
قَوْلُهُ: (لَا جَرَمَ بَلَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
﴿بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال: بجسدك، ومن طريق أبي صخرٍ المدنيِّ قال: البدن: الدِّرع الَّذي كان عليه، قيل: وكانت له درعٌ من ذهبٍ يُعرَف بها، وكان في أنفسهم أنَّ فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق.
٤٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر (١) بن أبي وحشيَّة، واسمه: إياس اليشكريُّ البصريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ) فأقام بها إلى عاشوراء من السَّنة الثَّانية (وَ) إذا (اليَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ) فسألهم (فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ) وفي روايةٍ: «فقال لهم: ما هذا اليوم الَّذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا (٢)).
ومطابقته (٣) للتَّرجمة في روايةِ: «أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه» كما لا يخفى، وسبق حديث الباب في «الصِّيام» [خ¦٢٠٠٤] بنحوه (٤).
(((١١))) (سورة هُودٍ ﵊ مئةٌ وثلاثٌ وعشرون آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى حكايةً عن لوطٍ ﵊ حين جاءته الملائكة في صورة غلمان، وظنَّ أنَّهم أناسٌ فخاف عليهم أن يقصدهم قومُه فيعجزَ عن مدافعتهم: ﴿هَذَا يَوْمٌ﴾ (﴿عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (شديدٌ) وفي قوله: (﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]) أي: (بَلَى) أي: حقًّا أنَّهم في الآخرة هم الأخسرون.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) في قوله تعالى: (﴿وَحَاقَ﴾ [هود: ٨]) أي: (نَزَلَ) بهم وأصابهم (يَحِيقُ) أي: (يَنْزِلُ).
وفي قوله تعالى: (﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ [هود: ٩] يَؤُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) والمعنى: ولَئِن أذقنا الإنسان حلاوة نعمةٍ يجد لذَّتها، ثمَّ سلبناها منه؛ إنَّه لقطوعٌ رجاءه من فضل الله؛ لقلَّة صبره وعدم ثقته به، كفورٌ لأنَّ الوصف باليؤوس لا يليق إلَّا بالكافر، فإنَّه يقع في اليأس إذا سُلِبَت نعمته، والمسلمُ (١) يثق بالله أن يعيدها أحسن ما كانت.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله تعالى: ﴿فَلَا (٢)﴾ (﴿تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦]) أي: لا (٣) (تَحْزَنُ) وهذا وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ؛ كقوله (٤) في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَافْتِرَاءٌ) بالفاء، والَّذي في أكثر الفروع المقابَلة على «اليونينيَّة»: «وامتراءٌ» (فِي الحَقِّ) بالميم (﴿لِيَسْتَخْفُواْ (٥) مِنْهُ﴾ [هود: ٥]) أي: (مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وهذه الألفاظ المفسَّرة
كلُّها من البسملة إلى هنا ثابتةٌ في رواية الأبوين، ومقدَّمةٌ عندهما ومؤخَّرةٌ في رواية غيرِهما (١) عن تاليها.
(وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، عمرو بن شرحبيل الهَمْدانيُّ التَّابعيُّ في قوله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ﴾ (الأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالحَبَشِيَّةِ) بالتَّحتيَّة المشدَّدة، والَّذي في «اليونينيَّة» بإسقاطها (٢)، وهذا ذكره المؤلِّف في ترجمة إبراهيم من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٨ - ٥١٥٢].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]) أي: (مَا ظَهَرَ لَنَا) من غير تعمُّق.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ) الَّتي (٣) بين دجلة والفرات قرب الموصل، تشامخت الجبال يومئذٍ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله ﷿، فلم يغرق، وقال قتادة: استوت عليه شهرًا؛ يعني: حتَّى نزلوا منها.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (٤): (﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ﴾ [هود: ٨٧]) (٥) باللَّام (يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤]: أَمْسِكِي) عن المطر (﴿عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]) أي: (شَدِيدٌ) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «وقال ابن عبَّاسٍ: عصيبٌ: شديدٌ (٧)» (﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢]) أي: (بَلَى، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]: نَبَعَ المَاءُ) فيه وارتفع، كالقدر يفور، والتَّنُّور: تنُّور الخبز، وابتداء النُّبوع منه (٨) خارقٌ للعادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، وقيل: في غيرهما (وَقَالَ عِكْرِمَةُ): التَّنُّور: (وَجْهُ الأَرْضِ) وقيل: هو (٩) أشرف موضعٍ فيها.
(١) (﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾) مضارعُ ثَنَى يَثْنِي ثنيًا، أي: طوى وانحرف، و ﴿صُدُورَهُمْ﴾: مفعولٌ، والمعنى: يُحرفون صدورهم ووجوههم عن الحقِّ وقبوله (﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾) اللَّام متعلِّقةٌ بـ ﴿يَثْنُونَ﴾ كما قاله الحوفيُّ وغيره، والمعنى: إنَّهم يفعلون ثني الصُّدور لهذه العلَّة، وقال الزَّمخشريٌّ ومن تبعه: متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: ويريدون ليستخفوا من الله فلا يُطْلِع رسوله والمؤمنين على أزورارهم، ونظيرُ إضمار «يريدون» -لعود المعنى إلى إضماره- الإضمارُ في قوله: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] معناه: فضرب فانفلق، لكن قال في «الدُّرِّ»: ليس المعنى الَّذي يقودنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا؛ لأنَّ ثمَّ لا بدَّ من حذف معطوفٍ عليه (١) يضطرُّ العقل إلى تقديره؛ لأنَّه ليس من لازم الأمر بالضَّرب انفلاقُ البحر، فلا بدَّ أن يُتَعقَّل «فضرب فانفلق» وأمَّا في هذه فالاستخفاء علَّةٌ صالحةٌ لثنيهِم صدورَهم، فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة، قال في «فتوح الغيب»: شبَّهه (٢) بقوله: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ [الشعراء: ٦٣] في مجرَّد إرادة التَّقدير؛ ليستقيم المعنى، ورُوِي عنه في «الحاشية»: ثَنيُ (٣) الصَّدر بمعنى الإعراض إظهارٌ (٤) للنِّفاق، فلم يصحَّ أن تتعلَّق به لام التَّعليل، فوجب إضمار ما يصحُّ تعلُّقها به من شيءٍ يستوي معه المعنى، فلذلك قدَّر: ويريدون ليستخفوا من الله، أي: يظهرون النِّفاقَ (٥) ويريدون مع ذلك أن يستخفوا منه (﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ﴾) يجعلونها أغشيةً وأغطيةً، والنَّاصب