«أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٨٤

الحديث رقم ٤٦٨٤ من كتاب «سورة هود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وكان عرشه على الماء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٨٤ في صحيح البخاري

«أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ».

﴿اعْتَرَاكَ﴾ افْتَعَلْتَ (١) مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي، ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أَيْ: فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. ﴿عَنِيدٌ﴾ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ، اسْتَعْمَرَكُمْ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ، ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ. سِجِّيلٌ الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ. ﴿سِجِّيلٌ﴾ وَسِجِّينٌ، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا.

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلِ الْعِيرَ يَعْنِي: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَالْعِيرِ، ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ: إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا، وَالظِّهْرِيُّ هَا هُنَا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ، ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ سُقَّاطُنَا، ﴿إِجْرَامِي﴾ هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ أَجْرَمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جَرَمْتُ، الْفُلْكُ وَالْفَلَكُ وَاحِدٌ وَهْيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ، ﴿مُجْرَاهَا﴾ مَدْفَعُهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ، وَيُقْرَأُ: (مَرْسَاهَا) مِنْ رَسَتْ هِيَ، وَمَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ، وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا مِنْ فُعِلَ بِهَا، الرَّاسِيَاتُ: ثَابِتَاتٌ.

﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ وَاحِدُ الْأَشْهَادِ: شَاهِدٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ.

إسناد حديث رقم ٤٦٨٤ من صحيح البخاري

٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٨٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَمْعَ وَالْوَاحِدَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ قَالَ فِي الْوَاحِدِ: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وَقَالَ فِي الْجَمْعِ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وَالَّذِي فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفُلْكُ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ.

قَوْلُهُ: (مُجْرَاهَا مَدْفَعُهَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ وَيُقْرَأُ مَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ وَمُرْساهَا مِنْ رَسَتْ، وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا مِنْ فُعِلَ بِهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ أَيْ مَسِيرُهَا وَهِيَ مِنْ جَرَتْ بِهِمْ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ فَهُوَ مِنْ أَجْرَيْتُهَا أَنَا، وَمُرْسَاهَا أَيْ وَقْفَهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْ أَرْسَيْتُهَا أَنَا انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ: مَجْرَاهَا مَوْقِفُهَا بِوَاوٍ وَقَافٍ وَفَاءٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ. ثُمَّ وَجَدْتُ ابْنَ التِّينِ حَكَاهَا عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ قَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ فَاسِدُ الْمَعْنَى، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْأَصْلِ بِدَالٍ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ عَيْنٍ.

(تَنْبِيهٌ):

الَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي مُجْرَاهَا الْجُمْهُورُ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَتْحِ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ كَالْجُمْهُورِ، وَقَرَءُوا كُلُّهُمْ فِي الْمَشْهُورِ بِالضَّمِّ فِي مُرْسَاهَا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتْحَهَا أَيْضًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِي قِرَاءَةِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالسِّينِ أَيِ اللَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (رَاسِيَاتٍ ثَابِتَاتٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ أَيْ ثِقَالٍ ثَابِتَاتٍ عِظَامٍ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا لَمَّا ذَكَرَ مُرْسَاهَا.

قَوْلُهُ: (عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) هُوَ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ، لَكِنْ قَالَ: وَهُوَ الْعَادِلُ عَنِ الْحَقِّ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُعَارِضُ الْمُخَالِفُ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ وَاحِدُهُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ هُنَا فَقِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا أَعَمُّ، وَعَنْ قَتَادَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْخَلَائِقُ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْجَمِيعِ.

٢ - بَاب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾

٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ. ﴿اعْتَرَاكَ﴾ افْتَعَلَت مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أَيْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ. . ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ. سِجِّيلٌ: الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ واحد، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا.

[الحديث ٤٦٨٤ - أطرافه في: ٥٣٥٢، ٧٤١١، ٧٤١٩، ٧٤٩٦]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقوله تعالى للوطٍ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (﴿بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]) أي: (بِسَوَادٍ) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، وقال قتادة -فيما وصله عبد الرَّزَّاق-: بطائفةٍ من اللَّيل.

(﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]) ولغير أبي ذَرٍّ: «وقال مجاهدٌ: أنيب»: (أَرْجِعُ) زاد في نسخةٍ: «إليه» وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت «﴿إِلَيْهِ﴾» الأولى.

(٢) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]) قبل خلق السَّموات والأرض، وعن ابن عبَّاسٍ: وكان الماء على متن الرِّيح.

٤٦٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عن رسول الله» ( قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بفتح الهمزة في الأولى وضمِّها في الثَّانية، وجزم الأوَّل بالأمر والثَّاني بالجواب (وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَلأَى)

كنايةٌ عن خزائنه الَّتي لا تنفذ بالعطاء، أي: (لَا يَغِيضُهَا) بفتح التَّحتيَّة وكسر (١) الغين وبالضَّاد المعجمتَين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: لا ينقصها (نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بنصبهما على الظَّرفية، و «سحَّاء» بسينٍ وحاءٍ مشدَّدةٍ مهملتَين ممدودًا، يقال: سحَّ يسحُّ فهو ساحٍ وهي سحَّاء، وهي فَعْلاء لا «أَفْعل» لها كهَطْلاء، ويُروَى: «سَحًّا» بالتَّنوين على المصدر، أي: دائمة الصَّبِّ والهطل بالعطاء، ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها، فجعلها كالعين الَّتي (٢) لا يغيضها الاستقاء (٣) ولا ينقصها الامتياح (٤) قاله ابن الأثير. ولفظ «بيده» حكمُه حكمُ سائر المتشابهات تأويلًا وتفويضًا (وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (٥) (مَا أَنْفَقَ) أي: الَّذي (٦) أنفقه (مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مُذْ» (خَلَقَ السَّمَاءَ (٧) وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الغين وبالضَّاد المعجمتَين، لم ينقص (مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَبِيَدِهِ المِيزَانُ) كنايةٌ عن العدل بين الخلق (يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) من باب مراعاة النَّظير، أي: يخفض من يشاء، ويرفع من يشاء، ويوسع الرِّزق على من يشاء، ويقتره على من يشاء.

وهذا الحديث أخرجه في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١١] [خ¦٧٤١٩] والنَّسائيُّ في «التَّفسير» ببعضه.

(﴿اعْتَرَاكَ﴾ [هود: ٥٤]) من باب (افْتَعَلْتَ) وفي رواية عن الكُشْميهَنيِّ أيضًا: «افتعلك» بكاف الخطاب من باب الافتعال، قال العينيُّ: والصَّواب أن يُقال: اعترى افتعل، فلا يحتاج لكاف الخطاب في الوزن (مِنْ عَرَوْتُهُ، أَيْ: أَصَبْتُهُ)، قال الجوهريُّ: عروتُ الرَّجل أعروه عروًا؛ إذا ألممتَ به، وأتيتَه طالبًا، فهو معروٌّ، وفلانٌ تعروه الأضياف وتعتريه أي: تغشاه (وَمِنْهُ) أي: ومن هذا الأصل قولهم: فلانٌ (يَعْرُوهُ) أي: يصيبه (وَاعْتَرَانِي) أي: تغشَّاني.

(﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أَيْ: فِي مُِلْكِهِ) بضمِّ الميم في الفرع، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (وَسُلْطَانِهِ) فهو مالكٌ لها قادرٌ عليها، يصرفها على ما يريد بها، وهذا كلُّه من قوله: «﴿اعْتَرَاكَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ في رواية الكُشْميهَنيِّ فقط (١).

(عَنِيدٌ) بالياء في قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] (وَعَنُودٌ) بالواو (وَعَانِدٌ) بالألف (وَاحِدٌ) قال أبو عبيدة: (هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) وقال غيره: هو من عَنَد عندًا وعنودًا؛ إذا طغى، والمعنى: عصوا مَن دعاهم إلى الإيمان، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفران.

(﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ [هود: ١٨]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهُ: شَاهِدُ؛ مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذَرٍّ فقط، وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى، والمراد بـ ﴿الأَشْهَادُ﴾ هنا: الملائكة والنَّبيُّون والمؤمنون، وعن قتادة: الخلائق؛ وهو أعمُّ، وقيل: الجوارح.

(﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) يقال: (أعْمَرْتُهُ الدَّارَ، فَهْيَ عُمْرَى) أي: (جَعَلْتُهَا لَهُ) ملكًا مدَّة عمره، وهذا تفسير أبي عبيدة، وقيل: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أقدركم على عمارتها وأمركم (٢) بها، وقوله: (﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠]) قال أبو عبيدة: ﴿نَكِرَهُمْ (٣)﴾ أي: الثُّلاثيُّ المجرَّد (وَأَنْكَرَهُمْ (٤)) الثُّلاثي المزيد فيه (وَاسْتَنْكَرَهُمْ (٥)) الَّذي هو (٦) من باب: الاستفعال؛ كلُّها (وَاحِدٌ) في المعنى؛ وهو الإنكار، وذلك أنَّ (٧) الخليل لمَّا جاءه الرُّسل -وهم جبريل ومَن معه من الملائكة- وجاء بعجلٍ مشويٍّ، ورأى أيديهم لا تصل إليه؛ أنكر ذلك، وخاف أن يريدوا به مكروهًا، فقالوا له (٨): لا تخف، إنَّا ملائكةٌ مرسلةٌ

بالعذاب إلى قوم لوطٍ ، وإنَّما لم نمدَّ أيدينا إليه لأنَّا لا نأكل.

(﴿حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] كَأَنَّهُ) أي: مجيدٌ على وزن: (فَعِيلٌ، مِنْ) صيغة (مَاجِدٍ) والتَّعبير بـ «كأنَّ» فيه شيءٌ، فإنَّه بوزن: فعيل من غير شكٍّ، وقال القشيريُّ: قيل: هو بمعنى العظيم الرَّفيع القدر (١)، فهو فَعِيلٌ بمعنى: مَفْعُول، وقيل: معناه الجزيل العطاء، فهو فعيلٌ بمعنى: فَاعِل، و ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: (مَحْمُودٌ) لفعل (٢) ما يُستَحقُّ به الحمدُ، ويوصل العبد إلى مراده، فلا يبعد أن يرزق الولد في إبَّان الكِبَر؛ وهو مأخوذٌ (مِنْ حَمِدَ) بفتح الحاء، وفي نسخةٍ: «حُمِدَ» بضمِّها مبنيًّا للمجهول (٣)، فهو حامدٌ.

(سِجِّيلٌ) يريد قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] قال أبو عبيدة: هو (الشَّدِيدُ الكَبِيرُ) بالموحَّدة، من الحجارة الصُّلبة، واستشكله السَّفاقسيُّ -كابن قتيبة-: بأنَّه لوكان معنى (٤) السِّجيل: الشَّديد لَمَا دخلت عليه ﴿مِّن﴾، وكان يُقال: حجارةً سجِّيلًا؛ لأنَّه لا يقال: حجارةٌ من شديدٍ، وأُجِيَب باحتمال حذف الموصوف، أي: وأرسلنا عليهم حجارةً كائنة من شديدٍ كبيرٍ (٥)، أي: من حجرٍ قويٍّ شديدٍ صُلْبٍ (سِجِّيلٌ) باللَّام (وَسِجِّينٌ) بالنُّون بمعنًى واحدٍ (وَاللاَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ) من حيث إنَّهما من حروف الزَّوائد، وكلٌّ منهما يُقلَب عن الآخر.

(وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ) العامريُّ العجلانيُّ الشَّاعر المخضرم ممَّا (٦) يشهد لذلك: (وَرَجْلَةٍ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم والجرِّ، أي: ورُبَّ رَجْلَةٍ؛ جمع راجلٍ، خلاف الفارس (يَضْرِبُونَ

البَيْضَ) بفتح الموحَّدة في الفرع جمع بيضةٍ؛ وهي الخوذة، أي: يضربون مواضع البيض؛ وهي الرُّؤوس، وفي نسخةٍ «البِيضَ» بكسر الموحَّدة؛ جمع أبيض؛ وهو السَّيف، أي: يضربون بالبيض على نزع الخافض (ضَاحِيَةً) بالضَّاد المعجمة، أي: في وقت الضَّحوة، أو ظاهرة (١) (ضَرْبًا تَوَاصَى) بحذف إحدى التَّاءين؛ إذ أصله: تتواصى (بِهِ الأَبْطَالُ) أي: الشُّجعان (سِجِّينَا) بكسر السِّين وتشديد الجيم وبالنُّون، أي: شديدًا.

(٣) باب (٢) (﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]) أي: وأرسلنا (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ) أخاهم شعيبًا (لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ) بناه مَدْين (٣) فسُمِّيَ باسمه، فهو على حذف مضافٍ (وَمِثْلُهُ) في ذلك: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]) أي: (واسْأَلِ العِيرَ؛ يَعْنِي: أَهْلَ القَرْيَةِ وَالعِيرِ) ولأبي ذَرٍّ: «وأصحاب العير» وكان (٤) أهل قرية شعيبٍ مطفِّفين، فأمرهم بالتَّوحيد أوَّلًا لأنه الأصل، ثمَّ أَن يوفوا حقوق النَّاس ولا ينقصوهم.

(﴿وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]) يريد قول شعيبٍ لمَّا قال له قومه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]

﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] (يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ) أي: جعلتم أمر الله خلف ظهوركم (١)، تعظِّمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى، ولا تخافونه (وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ) أي: حاجة زيدٍ مثلًا (ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي) ولأبي ذَرٍّ: «لحاجتي» «باللَّام» بدل: «الموحَّدة»، كأنَّه استخفَّ بها (وَجَعَلْتَنِي) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٢): «وجعلني» بإسقاط الفوقيَّة (ظِهْرِيًّا) أي: خلف ظهرك (وَالظِّهْرِيُّ هَهُنَا: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) عند الحاجة إن احتجت، لكنَّ هذا لا يصحُّ أن يفسَّر به ما (٣) في القرآن، فحذْفُه (٤) ههنا -كما لأبي ذَرٍّ- أَوْجَهُ.

(﴿أَرَاذِلُنَا﴾) يريد قول قوم نوحٍ : ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: (سُقَاطُنَا (٥)) بضمِّ السِّين وتخفيف (٦) القاف وهو الَّذي في «اليونينيَّة» (٧) وفي بعضها: «سقَّاطنا» بتشديدها (٨)، وفي نسخةٍ: «أسقاطنا» (٩) أي: أَخِسَّاؤنا، وهذا كُلُّه من قوله: «﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ للكشميهنيِّ فقط، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾». (﴿إِجْرَامِي﴾) يريد قوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥] (هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ: أَجْرَمْتُ) بالهمزة (وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ): من: (جَرَمْتُ) ثلاثيٌّ مجرَّدٌ، والمعنى: إن صحَّ أنِّي (١٠) افتريته، فعليَّ وبالُ إجرامي، وحيث لم يصحَّ؛ فأنا بريءٌ من نسبة الافتراء إليَّ، و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [هود: ٣٥] منقطعةٌ تفيد الإضراب عن النُّصح، فيكون نسبة الافتراء إلى نوحٍ، وذهب بعضهم إلى أنَّه

اعتراضٌ خوطب به النَّبيُّ ، وسقط لفظ «هو» الَّذي بعد ﴿إِجْرَامِي﴾ لأبي ذَرٍّ.

(﴿الْفُلْكِ﴾) بضمِّ الفاء وسكون اللَّام (وَالفَلَكُ وَاحِدٌ) بفتحتَين، كذا في الفرع وأصله (١)، وفي نسخةٍ: «الفُلْك والفُلَك» بضمِّ الفاء فيهما، وإسكان اللَّام في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، وفي نسخةٍ: «الفَلَك والفُلْك» (٢) بفتحتَين في الأولى (٣) وبضمٍّ ثمَّ سكونٍ في الثَّانية (٤)، ورجَّحه السَّفاقسيُّ وقال: الأوَّل واحدٌ، والثَّاني: جمعٌ؛ مثل: أَسَد وأُسْد، وفي أخرى: «الفُلْك والفُلْك» بضمٍّ ثمَّ سكونٍ فيهما جميعًا، وصوَّبه القاضي عياضٌ، والمراد: أنَّ الجمع والواحد بلفظٍ واحدٍ وفي التَّنزيل، في المفرد: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وفي الجمع: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] (وَهْيَ السَّفِينَةُ) في الواحد (وَالسُّفُنُ) في الجمع، واللَّفظ وإن كان واحدًا لكنَّه مختلفٌ فيجب (٥) التَّقدير، فضمَّة «فُلْك» للواحد كضمَّة قُفْل، وضمَّة «فُلْك» للجمع كضمَّة أُسْد.

(﴿مَجْرَاهَا﴾) بضمِّ الميم يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٦) [هود: ٤١] أي: (مَدْفَعُهَا) بفتح الميم، وفي بعض النُّسخ (٧): «موقفها» بالواو والقاف والفاء، وعُزِيَ لرواية القابسيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، لم أره في شيءٍ من النُّسخ، وهو فاسد المعنى (وَهْوَ) أي: مجراها (٨) (مَصْدَرُ: أَجْرَيْتُ وَأَرْسَيْتُ) أي: (حَبَسْتُ، وَيُقْرَأُ) بالتَّحتيَّة، ولأبي ذَرٍّ:

«وتُقرأ» بالفوقيَّة: (مَرْسَاهَا) بفتح الميم (مِنْ: رَسَتْ هِيَ) أي: السَّفينة، أي: ركدت واستقرَّت (وَ ﴿مَجْرَاهَا﴾) بفتح الميم (مِنْ: جَرَتْ (١) هِيَ) وفتح الميمين؛ وهي قراءة المطوِّعيِّ عن الأعمش (وَ) يُقرأ أيضًا: (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) بضمِّ الميم وياءٍ ساكنةٍ فيهما بدل الألف مع كسر الرَّاء والسِّين؛ وهي قراءة الحسن، والمعنى (٢): اللهُ مجريها ومرسيها، وهي مأخوذةٌ (مِنْ: فُعِلَ بِهَا) بكسر ميم «مِن» وضمِّ فاء «فُعِل» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «و (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) (٣)» بضمِّ الميمين، وهي قراءة الحِرْمِيَّين والبصريِّ والشَّامي وأبي بكرٍ، وقرأ حفصٌ والأخوان: بفتح الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني، فالفتح من الثُّلاثيِّ والضَّمِّ من الرُّباعيِّ (الرَّاسِيَاتُ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿رَّاسِيَاتٍ﴾» (ثَابِتَاتٌ) يريد قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وذكْره استطرادٌ (٤) لذكر ﴿مُرْسَاهَا﴾.

(٤) (باب قوله) ﷿: (﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]) وسقط لأبي ذَرٍ «﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» (وَاحِدُ الأَشْهَادِ) ولأبي ذَرٍّ: «واحدةُ الأشهاد» (شَاهِدٌ) بتاء التَّأنيث في الفرع، والَّذي في «اليونينيَّة»: «واحدُهُ» بضمِّ الدَّال والهاء «شاهدٌ» (٥) (مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وقد ثبت ذكر هذا بلفظ: «﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ واحدها: شاهدٌ؛ مثل: صاحبٍ وأصحابٍ» في رواية أبي ذَرٍّ في غير هذا الموضع قريبًا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَمْعَ وَالْوَاحِدَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ قَالَ فِي الْوَاحِدِ: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وَقَالَ فِي الْجَمْعِ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وَالَّذِي فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفُلْكُ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ.

قَوْلُهُ: (مُجْرَاهَا مَدْفَعُهَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ وَيُقْرَأُ مَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ وَمُرْساهَا مِنْ رَسَتْ، وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا مِنْ فُعِلَ بِهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ أَيْ مَسِيرُهَا وَهِيَ مِنْ جَرَتْ بِهِمْ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ فَهُوَ مِنْ أَجْرَيْتُهَا أَنَا، وَمُرْسَاهَا أَيْ وَقْفَهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْ أَرْسَيْتُهَا أَنَا انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ: مَجْرَاهَا مَوْقِفُهَا بِوَاوٍ وَقَافٍ وَفَاءٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ. ثُمَّ وَجَدْتُ ابْنَ التِّينِ حَكَاهَا عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ قَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ فَاسِدُ الْمَعْنَى، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْأَصْلِ بِدَالٍ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ عَيْنٍ.

(تَنْبِيهٌ):

الَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي مُجْرَاهَا الْجُمْهُورُ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَتْحِ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ كَالْجُمْهُورِ، وَقَرَءُوا كُلُّهُمْ فِي الْمَشْهُورِ بِالضَّمِّ فِي مُرْسَاهَا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتْحَهَا أَيْضًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِي قِرَاءَةِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالسِّينِ أَيِ اللَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (رَاسِيَاتٍ ثَابِتَاتٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ أَيْ ثِقَالٍ ثَابِتَاتٍ عِظَامٍ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا لَمَّا ذَكَرَ مُرْسَاهَا.

قَوْلُهُ: (عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) هُوَ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ، لَكِنْ قَالَ: وَهُوَ الْعَادِلُ عَنِ الْحَقِّ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُعَارِضُ الْمُخَالِفُ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ وَاحِدُهُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ هُنَا فَقِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا أَعَمُّ، وَعَنْ قَتَادَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْخَلَائِقُ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْجَمِيعِ.

٢ - بَاب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾

٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ. ﴿اعْتَرَاكَ﴾ افْتَعَلَت مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أَيْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ. . ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ. سِجِّيلٌ: الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ واحد، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا.

[الحديث ٤٦٨٤ - أطرافه في: ٥٣٥٢، ٧٤١١، ٧٤١٩، ٧٤٩٦]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقوله تعالى للوطٍ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (﴿بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]) أي: (بِسَوَادٍ) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ، وقال قتادة -فيما وصله عبد الرَّزَّاق-: بطائفةٍ من اللَّيل.

(﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]) ولغير أبي ذَرٍّ: «وقال مجاهدٌ: أنيب»: (أَرْجِعُ) زاد في نسخةٍ: «إليه» وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت «﴿إِلَيْهِ﴾» الأولى.

(٢) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]) قبل خلق السَّموات والأرض، وعن ابن عبَّاسٍ: وكان الماء على متن الرِّيح.

٤٦٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عن رسول الله» ( قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بفتح الهمزة في الأولى وضمِّها في الثَّانية، وجزم الأوَّل بالأمر والثَّاني بالجواب (وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَلأَى)

كنايةٌ عن خزائنه الَّتي لا تنفذ بالعطاء، أي: (لَا يَغِيضُهَا) بفتح التَّحتيَّة وكسر (١) الغين وبالضَّاد المعجمتَين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: لا ينقصها (نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بنصبهما على الظَّرفية، و «سحَّاء» بسينٍ وحاءٍ مشدَّدةٍ مهملتَين ممدودًا، يقال: سحَّ يسحُّ فهو ساحٍ وهي سحَّاء، وهي فَعْلاء لا «أَفْعل» لها كهَطْلاء، ويُروَى: «سَحًّا» بالتَّنوين على المصدر، أي: دائمة الصَّبِّ والهطل بالعطاء، ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها، فجعلها كالعين الَّتي (٢) لا يغيضها الاستقاء (٣) ولا ينقصها الامتياح (٤) قاله ابن الأثير. ولفظ «بيده» حكمُه حكمُ سائر المتشابهات تأويلًا وتفويضًا (وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (٥) (مَا أَنْفَقَ) أي: الَّذي (٦) أنفقه (مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذَرٍّ: «مُذْ» (خَلَقَ السَّمَاءَ (٧) وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الغين وبالضَّاد المعجمتَين، لم ينقص (مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَبِيَدِهِ المِيزَانُ) كنايةٌ عن العدل بين الخلق (يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) من باب مراعاة النَّظير، أي: يخفض من يشاء، ويرفع من يشاء، ويوسع الرِّزق على من يشاء، ويقتره على من يشاء.

وهذا الحديث أخرجه في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١١] [خ¦٧٤١٩] والنَّسائيُّ في «التَّفسير» ببعضه.

(﴿اعْتَرَاكَ﴾ [هود: ٥٤]) من باب (افْتَعَلْتَ) وفي رواية عن الكُشْميهَنيِّ أيضًا: «افتعلك» بكاف الخطاب من باب الافتعال، قال العينيُّ: والصَّواب أن يُقال: اعترى افتعل، فلا يحتاج لكاف الخطاب في الوزن (مِنْ عَرَوْتُهُ، أَيْ: أَصَبْتُهُ)، قال الجوهريُّ: عروتُ الرَّجل أعروه عروًا؛ إذا ألممتَ به، وأتيتَه طالبًا، فهو معروٌّ، وفلانٌ تعروه الأضياف وتعتريه أي: تغشاه (وَمِنْهُ) أي: ومن هذا الأصل قولهم: فلانٌ (يَعْرُوهُ) أي: يصيبه (وَاعْتَرَانِي) أي: تغشَّاني.

(﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] أَيْ: فِي مُِلْكِهِ) بضمِّ الميم في الفرع، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (وَسُلْطَانِهِ) فهو مالكٌ لها قادرٌ عليها، يصرفها على ما يريد بها، وهذا كلُّه من قوله: «﴿اعْتَرَاكَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ في رواية الكُشْميهَنيِّ فقط (١).

(عَنِيدٌ) بالياء في قوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] (وَعَنُودٌ) بالواو (وَعَانِدٌ) بالألف (وَاحِدٌ) قال أبو عبيدة: (هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) وقال غيره: هو من عَنَد عندًا وعنودًا؛ إذا طغى، والمعنى: عصوا مَن دعاهم إلى الإيمان، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفران.

(﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ [هود: ١٨]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهُ: شَاهِدُ؛ مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذَرٍّ فقط، وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى، والمراد بـ ﴿الأَشْهَادُ﴾ هنا: الملائكة والنَّبيُّون والمؤمنون، وعن قتادة: الخلائق؛ وهو أعمُّ، وقيل: الجوارح.

(﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) يقال: (أعْمَرْتُهُ الدَّارَ، فَهْيَ عُمْرَى) أي: (جَعَلْتُهَا لَهُ) ملكًا مدَّة عمره، وهذا تفسير أبي عبيدة، وقيل: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أقدركم على عمارتها وأمركم (٢) بها، وقوله: (﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠]) قال أبو عبيدة: ﴿نَكِرَهُمْ (٣)﴾ أي: الثُّلاثيُّ المجرَّد (وَأَنْكَرَهُمْ (٤)) الثُّلاثي المزيد فيه (وَاسْتَنْكَرَهُمْ (٥)) الَّذي هو (٦) من باب: الاستفعال؛ كلُّها (وَاحِدٌ) في المعنى؛ وهو الإنكار، وذلك أنَّ (٧) الخليل لمَّا جاءه الرُّسل -وهم جبريل ومَن معه من الملائكة- وجاء بعجلٍ مشويٍّ، ورأى أيديهم لا تصل إليه؛ أنكر ذلك، وخاف أن يريدوا به مكروهًا، فقالوا له (٨): لا تخف، إنَّا ملائكةٌ مرسلةٌ

بالعذاب إلى قوم لوطٍ ، وإنَّما لم نمدَّ أيدينا إليه لأنَّا لا نأكل.

(﴿حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] كَأَنَّهُ) أي: مجيدٌ على وزن: (فَعِيلٌ، مِنْ) صيغة (مَاجِدٍ) والتَّعبير بـ «كأنَّ» فيه شيءٌ، فإنَّه بوزن: فعيل من غير شكٍّ، وقال القشيريُّ: قيل: هو بمعنى العظيم الرَّفيع القدر (١)، فهو فَعِيلٌ بمعنى: مَفْعُول، وقيل: معناه الجزيل العطاء، فهو فعيلٌ بمعنى: فَاعِل، و ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: (مَحْمُودٌ) لفعل (٢) ما يُستَحقُّ به الحمدُ، ويوصل العبد إلى مراده، فلا يبعد أن يرزق الولد في إبَّان الكِبَر؛ وهو مأخوذٌ (مِنْ حَمِدَ) بفتح الحاء، وفي نسخةٍ: «حُمِدَ» بضمِّها مبنيًّا للمجهول (٣)، فهو حامدٌ.

(سِجِّيلٌ) يريد قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] قال أبو عبيدة: هو (الشَّدِيدُ الكَبِيرُ) بالموحَّدة، من الحجارة الصُّلبة، واستشكله السَّفاقسيُّ -كابن قتيبة-: بأنَّه لوكان معنى (٤) السِّجيل: الشَّديد لَمَا دخلت عليه ﴿مِّن﴾، وكان يُقال: حجارةً سجِّيلًا؛ لأنَّه لا يقال: حجارةٌ من شديدٍ، وأُجِيَب باحتمال حذف الموصوف، أي: وأرسلنا عليهم حجارةً كائنة من شديدٍ كبيرٍ (٥)، أي: من حجرٍ قويٍّ شديدٍ صُلْبٍ (سِجِّيلٌ) باللَّام (وَسِجِّينٌ) بالنُّون بمعنًى واحدٍ (وَاللاَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ) من حيث إنَّهما من حروف الزَّوائد، وكلٌّ منهما يُقلَب عن الآخر.

(وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ) العامريُّ العجلانيُّ الشَّاعر المخضرم ممَّا (٦) يشهد لذلك: (وَرَجْلَةٍ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم والجرِّ، أي: ورُبَّ رَجْلَةٍ؛ جمع راجلٍ، خلاف الفارس (يَضْرِبُونَ

البَيْضَ) بفتح الموحَّدة في الفرع جمع بيضةٍ؛ وهي الخوذة، أي: يضربون مواضع البيض؛ وهي الرُّؤوس، وفي نسخةٍ «البِيضَ» بكسر الموحَّدة؛ جمع أبيض؛ وهو السَّيف، أي: يضربون بالبيض على نزع الخافض (ضَاحِيَةً) بالضَّاد المعجمة، أي: في وقت الضَّحوة، أو ظاهرة (١) (ضَرْبًا تَوَاصَى) بحذف إحدى التَّاءين؛ إذ أصله: تتواصى (بِهِ الأَبْطَالُ) أي: الشُّجعان (سِجِّينَا) بكسر السِّين وتشديد الجيم وبالنُّون، أي: شديدًا.

(٣) باب (٢) (﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]) أي: وأرسلنا (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ) أخاهم شعيبًا (لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ) بناه مَدْين (٣) فسُمِّيَ باسمه، فهو على حذف مضافٍ (وَمِثْلُهُ) في ذلك: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]) أي: (واسْأَلِ العِيرَ؛ يَعْنِي: أَهْلَ القَرْيَةِ وَالعِيرِ) ولأبي ذَرٍّ: «وأصحاب العير» وكان (٤) أهل قرية شعيبٍ مطفِّفين، فأمرهم بالتَّوحيد أوَّلًا لأنه الأصل، ثمَّ أَن يوفوا حقوق النَّاس ولا ينقصوهم.

(﴿وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]) يريد قول شعيبٍ لمَّا قال له قومه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]

﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] (يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ) أي: جعلتم أمر الله خلف ظهوركم (١)، تعظِّمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى، ولا تخافونه (وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ) أي: حاجة زيدٍ مثلًا (ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي) ولأبي ذَرٍّ: «لحاجتي» «باللَّام» بدل: «الموحَّدة»، كأنَّه استخفَّ بها (وَجَعَلْتَنِي) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٢): «وجعلني» بإسقاط الفوقيَّة (ظِهْرِيًّا) أي: خلف ظهرك (وَالظِّهْرِيُّ هَهُنَا: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) عند الحاجة إن احتجت، لكنَّ هذا لا يصحُّ أن يفسَّر به ما (٣) في القرآن، فحذْفُه (٤) ههنا -كما لأبي ذَرٍّ- أَوْجَهُ.

(﴿أَرَاذِلُنَا﴾) يريد قول قوم نوحٍ : ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: (سُقَاطُنَا (٥)) بضمِّ السِّين وتخفيف (٦) القاف وهو الَّذي في «اليونينيَّة» (٧) وفي بعضها: «سقَّاطنا» بتشديدها (٨)، وفي نسخةٍ: «أسقاطنا» (٩) أي: أَخِسَّاؤنا، وهذا كُلُّه من قوله: «﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ … » إلى هنا ثابتٌ للكشميهنيِّ فقط، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾». (﴿إِجْرَامِي﴾) يريد قوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود: ٣٥] (هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ: أَجْرَمْتُ) بالهمزة (وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ): من: (جَرَمْتُ) ثلاثيٌّ مجرَّدٌ، والمعنى: إن صحَّ أنِّي (١٠) افتريته، فعليَّ وبالُ إجرامي، وحيث لم يصحَّ؛ فأنا بريءٌ من نسبة الافتراء إليَّ، و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [هود: ٣٥] منقطعةٌ تفيد الإضراب عن النُّصح، فيكون نسبة الافتراء إلى نوحٍ، وذهب بعضهم إلى أنَّه

اعتراضٌ خوطب به النَّبيُّ ، وسقط لفظ «هو» الَّذي بعد ﴿إِجْرَامِي﴾ لأبي ذَرٍّ.

(﴿الْفُلْكِ﴾) بضمِّ الفاء وسكون اللَّام (وَالفَلَكُ وَاحِدٌ) بفتحتَين، كذا في الفرع وأصله (١)، وفي نسخةٍ: «الفُلْك والفُلَك» بضمِّ الفاء فيهما، وإسكان اللَّام في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، وفي نسخةٍ: «الفَلَك والفُلْك» (٢) بفتحتَين في الأولى (٣) وبضمٍّ ثمَّ سكونٍ في الثَّانية (٤)، ورجَّحه السَّفاقسيُّ وقال: الأوَّل واحدٌ، والثَّاني: جمعٌ؛ مثل: أَسَد وأُسْد، وفي أخرى: «الفُلْك والفُلْك» بضمٍّ ثمَّ سكونٍ فيهما جميعًا، وصوَّبه القاضي عياضٌ، والمراد: أنَّ الجمع والواحد بلفظٍ واحدٍ وفي التَّنزيل، في المفرد: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] وفي الجمع: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] (وَهْيَ السَّفِينَةُ) في الواحد (وَالسُّفُنُ) في الجمع، واللَّفظ وإن كان واحدًا لكنَّه مختلفٌ فيجب (٥) التَّقدير، فضمَّة «فُلْك» للواحد كضمَّة قُفْل، وضمَّة «فُلْك» للجمع كضمَّة أُسْد.

(﴿مَجْرَاهَا﴾) بضمِّ الميم يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا﴾ (٦) [هود: ٤١] أي: (مَدْفَعُهَا) بفتح الميم، وفي بعض النُّسخ (٧): «موقفها» بالواو والقاف والفاء، وعُزِيَ لرواية القابسيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، لم أره في شيءٍ من النُّسخ، وهو فاسد المعنى (وَهْوَ) أي: مجراها (٨) (مَصْدَرُ: أَجْرَيْتُ وَأَرْسَيْتُ) أي: (حَبَسْتُ، وَيُقْرَأُ) بالتَّحتيَّة، ولأبي ذَرٍّ:

«وتُقرأ» بالفوقيَّة: (مَرْسَاهَا) بفتح الميم (مِنْ: رَسَتْ هِيَ) أي: السَّفينة، أي: ركدت واستقرَّت (وَ ﴿مَجْرَاهَا﴾) بفتح الميم (مِنْ: جَرَتْ (١) هِيَ) وفتح الميمين؛ وهي قراءة المطوِّعيِّ عن الأعمش (وَ) يُقرأ أيضًا: (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) بضمِّ الميم وياءٍ ساكنةٍ فيهما بدل الألف مع كسر الرَّاء والسِّين؛ وهي قراءة الحسن، والمعنى (٢): اللهُ مجريها ومرسيها، وهي مأخوذةٌ (مِنْ: فُعِلَ بِهَا) بكسر ميم «مِن» وضمِّ فاء «فُعِل» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «و (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) (٣)» بضمِّ الميمين، وهي قراءة الحِرْمِيَّين والبصريِّ والشَّامي وأبي بكرٍ، وقرأ حفصٌ والأخوان: بفتح الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني، فالفتح من الثُّلاثيِّ والضَّمِّ من الرُّباعيِّ (الرَّاسِيَاتُ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿رَّاسِيَاتٍ﴾» (ثَابِتَاتٌ) يريد قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وذكْره استطرادٌ (٤) لذكر ﴿مُرْسَاهَا﴾.

(٤) (باب قوله) ﷿: (﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]) وسقط لأبي ذَرٍ «﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» (وَاحِدُ الأَشْهَادِ) ولأبي ذَرٍّ: «واحدةُ الأشهاد» (شَاهِدٌ) بتاء التَّأنيث في الفرع، والَّذي في «اليونينيَّة»: «واحدُهُ» بضمِّ الدَّال والهاء «شاهدٌ» (٥) (مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) وقد ثبت ذكر هذا بلفظ: «﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ واحدها: شاهدٌ؛ مثل: صاحبٍ وأصحابٍ» في رواية أبي ذَرٍّ في غير هذا الموضع قريبًا.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله