الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧١٢
الحديث رقم ٤٧١٢ من كتاب «سورة بني إسرائيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٥⦘
رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا – ﷺ فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَِمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ: كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى».
﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾
٤٧١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
شِرَارَهَا.
ثُمَّ سَاقَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْأَصْلُ أَمَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ أَيْ كَثَّرْنَا كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْرُ الْمَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَيْ كَثِيرَةُ النِّتَاجِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَيُقَالُ أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ أَيْ كَثُرُوا وَأَمَّرَهُمُ اللَّهُ كَثَّرَهُمْ وَأَمِرُوا أَيْ كَثُرُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ حَيْثُ قَالَ: لَقَدْ أَمَرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَيْ عَظُمَ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ فِي تَأْوِيلِهَا حَمْلُهَا عَلَى الظَّاهِرِ وَقَالَ: الْمَعْنَى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا، ثُمَّ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ وَبَالَغَ كَعَادَتِهِ، وَعُمْدَةُ إِنْكَارِهِ أَنَّ حَذْفَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ أَمَرْتُهُ فَعَصَانِي أَيْ أَمَرْتُهُ بِطَاعَتِي فَعَصَانِي، وَكَذَا أَمَرْتُهُ فَامْتَثَلَ.
٥ - باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
٤٧١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أتي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ النَّاسَ، الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الشَّفَاعَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِهِ فِي الرِّقَاقِ ; وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ: يَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي كَوْنِهِ أَوَّلَ الرُّسُلِ فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ دُونَ أَبِي حَيَّانَ اخْتَصَرَ ذَلِكَ، وَأَبُو حَيَّانَ هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ لِمُوسَى ﵇، وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ كَانَ نُوحٌ إِذَا طَعِمَ أَوْ لَبِسَ حَمِدَ اللَّهَ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَآخَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي فَاطِمَةَ. وَقَوْلُهُ: يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْفَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ أَيْ يَخْرِقُهُمْ وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْفَاءِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ يُحِيطُ بِهِمْ، وَالذَّالُ مُعْجَمَةٌ فِي الرِّوَايَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِالْمُعْجَمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ، وَمَعْنَاهُ يَبْلُغُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى يُحِيطُ بِهِمُ الرَّائِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا مَا يَسْتَتِرُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرَّائِي، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَصَرُ الرَّحْمَنِ إِذْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِهِمْ فِي كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ الصَّعِيدُ الْمُسْتَوِي وَغَيْرِهِ، وَيُقَالُ نَفَذَهُ الْبَصَرُ إِذَا بَلَغَهُ وَجَاوَزَهُ، وَالنَّفَاذُ الْجَوَازُ وَالْخُلُوصُ مِنَ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ نَفَذَ السَّهْمُ إِذَا خَرَقَ الرَّمِيَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ أيضًا قال (١): (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة يحيى بن سعيد بن حيَّان (التَّيْمِيُّ) تيم الرَّباب، الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي ذَرٍّ: «عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أُتي» (بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) قال السَّفاقسيُّ: الصَّواب: «فرفعت إليه الذِّراع» (وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) لزيادة لذَّتها (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) بالسِّين المهملة فيهما، أي: أخذ منها بأطراف أسنانه، ولأبي ذَرٍّ: «فنهش منها نهشةً» بالمعجمة، أي: بأضراسه أو بجميع أسنانه (ثُمَّ قَالَ) إعلامًا لأمَّته بقدره عند الله ليؤمنوا به كغيره ممَّا جاء به من الواجبات: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) آدمَ وجميعِ ولده (يَوْمَ القِيَامَةِ) وتخصيصه بـ «القيامة» يلزم منه ثبوت سيادته في الدُّنيا بطريق الأَولويَّة، ونهيه عن التَّفضيل على طريق التَّواضع (وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟) ولأبي ذَرٍّ: «ممَّ ذاك» بالألف بدل اللَّام (يُجْمَعُ النَّاسُ) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، وللكشميهنيِّ والمُستملي: «يجمع اللهُ النَّاس» (الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أرضٍ واسعةٍ مستويةٍ
(يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) بضمِّ الياء؛ مِن الإسماع (وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ) بفتح الياء وسكون النُّون والذَّال المعجمة، أي: يحيط بهم لا يخفى عليه منهم شيءٌ؛ لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وَتَدْنُو الشَّمْسُ) وفي «الزُّهد» لابن المبارك، و «مصنَّف ابن أبي شيبة» واللَّفظ له بسندٍ جيِّدٍ عن سلمان قال: «تُعطَى الشَّمس يوم القيامة حرَّ عشر سنين (١)، ثمَّ (٢) تدنو من جماجم النَّاس حتَّى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتَّى يرشح العرق في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع حتَّى يغرغر الرَّجل» زاد ابن المبارك في روايته: «ولا يضرُّ حرُّها يومئذٍ مؤمنًا ولا مؤمنةً» (فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟) بفتح همزة «أَلا» وتخفيف لامها في الموضعين، وهي للعرض والتَّحضيض (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال الكِرمانيُّ: الإضافة إلى الله تعالى؛ لتعظيم المضاف وتشريفه (وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ) وزاد في رواية همام في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٤٠]: «وأسكنك جنَّته، وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ» (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) حتى يريحنا ممَّا نحن فيه (أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) بتخفيف لام «أَلَا ترى» في الموضعين، وتحريك غين «بَلَغَنَا» وسقط للحَمُّويي والمُستملي لفظة «إلى» الأخيرة (٣) (فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يغضب» (بَعْدَهُ مِثْلَهُ) والمرادُ من الغضب -كما قال الكِرمانيُّ- لازمُه، وهو إرادة إيصال العذاب، وقال النَّوويُّ: المراد بغضب الله ما يظهر من انتقامه فيمن عصاه، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال الَّتي لم يكن ولا يكون مثلها (وَإِنَّهُ نَهَانِي) ولأبي ذَرٍّ: «وأنَّه قد نهاني» (عَنِ الشَّجَرَةِ) أي عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) وأكلتها (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) كرَّرها ثلاثًا، أي: هي الَّتي تستحقُّ أن يشفع لها؛ إذ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين؛ فالمراد بعضُ لوازمه،
أو «نفسي»: مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ) بيانٌ لقوله: «اذهبوا إلى غيري» (فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ (١) أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) واستُشكِلَت هذه الأوليَّة (٢) بأنَّ آدم نبيٌّ مرسلٌ، وكذا شيثٌ وإدريس، وهم قبل نوح، وأُجِيبَ بأنَّ الأوَّليَّة مقيَّدةٌ بأهل الأرض؛ لأنَّ آدم ومن ذُكِر معه لم يرسَلُوا إلى أهل الأرض (٣)، ويُشكِل عليه حديث جابرٍ: «وكان النَّبيُّ يُبعَث إلى قومه خاصَّةً» [خ¦٣٣٥] [خ¦٤٣٨] وأُجِيبَ بأنَّ بعثته إلى أهل الأرض باعتبار الواقع؛ لصدق أنَّهم قومه، بخلاف بعثة نبيِّنا ﷺ لقومه وغيرهم، أو الأوَّليَّة مقيَّدةٌ بكونه أهلك قومه، أو أنَّ الثَّلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، لكن في «صحيح ابن حبَّان» من حديث أبي ذَرٍّ ما يقتضي أنَّه كان مرسَلًا، والتَّصريح بإنزال الصُّحف على شيثٍ (وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ) أي: في القرآن في سورة بني إسرائيل (عَبْدًا شَكُورًا) وهذا موضع التَّرجمة (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ ولأبي ذَرٍّ: «فيقول: ربي ﷿» (٤) (قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «قد كان» (لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي) هي الَّتي أغرق (٥) بها أهل (٦) الأرض؛ يعني: أنَّ له دعوةً واحدةً محقَّقة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب فلا يُجاب، وفي حديث أنسٍ عند الشَّيخين [خ¦٧٤٤٠]: «ويذكر خطيئته الَّتي أصاب سؤاله ربَّه بغير علمٍ» فيحتمل أن يكون اعتذر بأمرين: أحدهما أنَّه
استوفى دعوته المستجابة، وثانيهما: سؤاله ربَّه بغير علمٍ؛ بحيث ﴿قَالَ رَبِّ (١) إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا؛ أي هي الَّتي (٢) تستحقُّ أن يشفع لها (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) زاد في رواية أنسٍ [خ¦٧٤٤٠]: «خليل الرَّحمن» (فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ (٣) الأَرْضِ) لا ينفي وصف نبيِّنا ﷺ بمقام الخُلَّة الثَّابت له على وجهٍ أعلى من إبراهيم (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟) من الكرب (فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ) بفتحاتٍ (فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ) يحيى بن سعيدٍ التَّيميُّ الرَّاوي عن أبي زرعة (فِي الحَدِيثِ) واختصرهنَّ من دونه؛ وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: هي أختي، والحقُّ أنَّها معاريضُ، لكنْ لمَّا كانت صورتها صورةَ كذبٍ؛ سمَّاها به وأشفق منها؛ استقصارًا لنفسه عن مقام الشَّفاعة مع وقوعها؛ لأنَّ مَن كان بالله أعرف وأقرب منزلة كان أعظم خطرًا وأشدَّ خشيةً. قاله البيضاويُّ (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ) بالإفراد (وَبِكَلَامِهِ (٤) عَلَى النَّاسِ) عامٌّ مخصوصٌ على ما لا يخفى، فقد ثبت أنَّه تعالى كلَّم نبيَّنا ﷺ ليلة المعراج، ولا يلزم من قيام وصف التَّكليم (٥) به (٦) أن يُشتَقَّ له منه اسم الكليم كموسى؛ إذ هو وصفٌ غلب على موسى؛ كالحبيب (٧) لنبيِّنا محمَّد (٨) ﷺ وإن كان شارك الخليل في الخُلَّة على وجهٍ أكمل منه (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي
و (١) الكُشْميهَنيِّ: «أَمَا» «بميمٍ مخفَّفةٍ» بدل: «اللَّام»، (تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ) من الكرب؟ (فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ (٢) قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا) بضمِّ الهمزة وسكون الواو؛ يريد: قَتْله القبطيَّ المذكورَ في آية القَصص، وإنَّما استعظمه واعتذر به؛ لأنَّه لم يؤمر بقتل الكفَّار، أو لأنَّه كان مأمونًا (٣) فيهم، فلم يكن له اغتياله، ولا يقدح في عصمته لكونه خطأً، وعدَّه من عمل الشَّيطان في الآية، وسمَّاه ظلمًا، واستغفر عنه (٤) على عادتهم في استعظام محقَّراتٍ فرطت منهم (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مريم» (فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي: أوصلها إليه، وحصلها (٥) فيها (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: وذو (٦) روحٍ صدر منه، لا بتوسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادَّة له (وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ) حال كونك (صَبِيًّا) أي: طفلًا، و «المهد»: مصدرٌ سُمِّي به ما يمهَّد للصَّبيِّ من مضجعه، وسقط «صبيًّا» لأبي ذَرٍّ (اشْفَعْ لَنَا) أي: إلى ربِّك حتَّى يريحنا ممَّا نحن فيه (أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟) من الكرب (فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ) زاد أبو ذَرٍّ: «قط» (وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا) وفي رواية أحمد والنَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: «إنِّي اتَّخذت إلهًا من دون الله»، وفي رواية ثابتٍ عند سعيد بن منصورٍ نحوه، وزاد: «وإن يغفر لي اليوم حسبي» (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ) زاد في حديث أنسٍ الطَّويل في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٦٥] «فقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ) سقطت التَّصلية في الموضعين لأبي ذَرٍّ (فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ (٧) أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ (٨)، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) يعني: أنَّه غير مؤاخذٍ بذنبٍ
ولو وقع، قال في «فتح الباري»: ويُستفاد من قول عيسى في حقِّ نبيِّنا هذا، ومن قول موسى: «إنِّي قتلت نفسًا» «وإن يغفر لي اليوم حسبي» مع أنَّ الله قد غفر له بنصِّ القرآن، التَّفرقةُ بين من وقع منه شيءٌ ومن لم يقع منه شيءٌ أصلًا، فإنَّ موسى مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك (١)، أو رأى في نفسه تقصيرًا عن مقام الشَّفاعة مع وجود ما صدر منه، بخلاف نبينا ﷺ في ذلك كلِّه، ومن ثمَّ احتجَّ عيسى بأنَّه صاحب الشَّفاعة؛ لأنَّه غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ بمعنى: أنَّ الله أخبر أَلَّا يؤاخذه بذنبٍ ولو وقع منه، قال: وهذا من النَّفائس الَّتي فتح الله بها في «فتح الباري» فله الحمد، وقال القاضي عياضٌ: ويحتمل أنَّهم علموا أنَّ صاحبها محمَّدٌ (٢) ﷺ معيَّنًا، وتكون إحالة كلِّ واحدٍ منهم على الآخر على تدريج الشَّفاعة في ذلك إليه ﷺ؛ إظهارًا لشرفه في ذلك المقام العظيم (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ) من الكرب؟ (فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿ زاد في حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق عند أبي عوانة «قدر جمعة» (ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي) وفي حديث أُبيِّ بن كعبٍ عند أبي يَعلى رفعه: «يعرِّفني (٣) الله نفسه، فأسجد له سجدةً يرضى بها عنِّي، ثمَّ أمتدحه بمدحةٍ (٤) يرضى بها عنِّي» (ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ) بسكون الهاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) مبنيٌّ للمفعول؛ مِن التَّشفيع، أي: تُقبَل شفاعتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ) مرَّتين، ولأبي ذَرٍّ: «أمَّتي يا رب» فزاد ثالثةً (فَيُقَالُ (٥): يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ) بكسر الخاء: أمرٌ مِن الإدخال، أي: الجنَّةَ (مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ) وهم سبعون ألفًا، وهم أوَّل من يدخلها
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
شِرَارَهَا.
ثُمَّ سَاقَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْأَصْلُ أَمَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ أَيْ كَثَّرْنَا كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْرُ الْمَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَيْ كَثِيرَةُ النِّتَاجِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَيُقَالُ أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ أَيْ كَثُرُوا وَأَمَّرَهُمُ اللَّهُ كَثَّرَهُمْ وَأَمِرُوا أَيْ كَثُرُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ حَيْثُ قَالَ: لَقَدْ أَمَرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَيْ عَظُمَ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ فِي تَأْوِيلِهَا حَمْلُهَا عَلَى الظَّاهِرِ وَقَالَ: الْمَعْنَى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا، ثُمَّ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ وَبَالَغَ كَعَادَتِهِ، وَعُمْدَةُ إِنْكَارِهِ أَنَّ حَذْفَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ أَمَرْتُهُ فَعَصَانِي أَيْ أَمَرْتُهُ بِطَاعَتِي فَعَصَانِي، وَكَذَا أَمَرْتُهُ فَامْتَثَلَ.
٥ - باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
٤٧١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أتي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ النَّاسَ، الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الشَّفَاعَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِهِ فِي الرِّقَاقِ ; وَأَوْرَدَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ: يَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي كَوْنِهِ أَوَّلَ الرُّسُلِ فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ دُونَ أَبِي حَيَّانَ اخْتَصَرَ ذَلِكَ، وَأَبُو حَيَّانَ هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ لِمُوسَى ﵇، وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ كَانَ نُوحٌ إِذَا طَعِمَ أَوْ لَبِسَ حَمِدَ اللَّهَ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَآخَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي فَاطِمَةَ. وَقَوْلُهُ: يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْفَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ أَيْ يَخْرِقُهُمْ وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْفَاءِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ يُحِيطُ بِهِمْ، وَالذَّالُ مُعْجَمَةٌ فِي الرِّوَايَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِالْمُعْجَمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ، وَمَعْنَاهُ يَبْلُغُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى يُحِيطُ بِهِمُ الرَّائِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا مَا يَسْتَتِرُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرَّائِي، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَصَرُ الرَّحْمَنِ إِذْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِهِمْ فِي كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ الصَّعِيدُ الْمُسْتَوِي وَغَيْرِهِ، وَيُقَالُ نَفَذَهُ الْبَصَرُ إِذَا بَلَغَهُ وَجَاوَزَهُ، وَالنَّفَاذُ الْجَوَازُ وَالْخُلُوصُ مِنَ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ نَفَذَ السَّهْمُ إِذَا خَرَقَ الرَّمِيَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ أيضًا قال (١): (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة يحيى بن سعيد بن حيَّان (التَّيْمِيُّ) تيم الرَّباب، الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي ذَرٍّ: «عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أُتي» (بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) قال السَّفاقسيُّ: الصَّواب: «فرفعت إليه الذِّراع» (وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) لزيادة لذَّتها (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) بالسِّين المهملة فيهما، أي: أخذ منها بأطراف أسنانه، ولأبي ذَرٍّ: «فنهش منها نهشةً» بالمعجمة، أي: بأضراسه أو بجميع أسنانه (ثُمَّ قَالَ) إعلامًا لأمَّته بقدره عند الله ليؤمنوا به كغيره ممَّا جاء به من الواجبات: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) آدمَ وجميعِ ولده (يَوْمَ القِيَامَةِ) وتخصيصه بـ «القيامة» يلزم منه ثبوت سيادته في الدُّنيا بطريق الأَولويَّة، ونهيه عن التَّفضيل على طريق التَّواضع (وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟) ولأبي ذَرٍّ: «ممَّ ذاك» بالألف بدل اللَّام (يُجْمَعُ النَّاسُ) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، وللكشميهنيِّ والمُستملي: «يجمع اللهُ النَّاس» (الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أرضٍ واسعةٍ مستويةٍ
(يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) بضمِّ الياء؛ مِن الإسماع (وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ) بفتح الياء وسكون النُّون والذَّال المعجمة، أي: يحيط بهم لا يخفى عليه منهم شيءٌ؛ لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وَتَدْنُو الشَّمْسُ) وفي «الزُّهد» لابن المبارك، و «مصنَّف ابن أبي شيبة» واللَّفظ له بسندٍ جيِّدٍ عن سلمان قال: «تُعطَى الشَّمس يوم القيامة حرَّ عشر سنين (١)، ثمَّ (٢) تدنو من جماجم النَّاس حتَّى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتَّى يرشح العرق في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع حتَّى يغرغر الرَّجل» زاد ابن المبارك في روايته: «ولا يضرُّ حرُّها يومئذٍ مؤمنًا ولا مؤمنةً» (فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟) بفتح همزة «أَلا» وتخفيف لامها في الموضعين، وهي للعرض والتَّحضيض (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال الكِرمانيُّ: الإضافة إلى الله تعالى؛ لتعظيم المضاف وتشريفه (وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ) وزاد في رواية همام في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٤٠]: «وأسكنك جنَّته، وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ» (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) حتى يريحنا ممَّا نحن فيه (أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) بتخفيف لام «أَلَا ترى» في الموضعين، وتحريك غين «بَلَغَنَا» وسقط للحَمُّويي والمُستملي لفظة «إلى» الأخيرة (٣) (فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يغضب» (بَعْدَهُ مِثْلَهُ) والمرادُ من الغضب -كما قال الكِرمانيُّ- لازمُه، وهو إرادة إيصال العذاب، وقال النَّوويُّ: المراد بغضب الله ما يظهر من انتقامه فيمن عصاه، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال الَّتي لم يكن ولا يكون مثلها (وَإِنَّهُ نَهَانِي) ولأبي ذَرٍّ: «وأنَّه قد نهاني» (عَنِ الشَّجَرَةِ) أي عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) وأكلتها (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) كرَّرها ثلاثًا، أي: هي الَّتي تستحقُّ أن يشفع لها؛ إذ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين؛ فالمراد بعضُ لوازمه،
أو «نفسي»: مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ) بيانٌ لقوله: «اذهبوا إلى غيري» (فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ (١) أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) واستُشكِلَت هذه الأوليَّة (٢) بأنَّ آدم نبيٌّ مرسلٌ، وكذا شيثٌ وإدريس، وهم قبل نوح، وأُجِيبَ بأنَّ الأوَّليَّة مقيَّدةٌ بأهل الأرض؛ لأنَّ آدم ومن ذُكِر معه لم يرسَلُوا إلى أهل الأرض (٣)، ويُشكِل عليه حديث جابرٍ: «وكان النَّبيُّ يُبعَث إلى قومه خاصَّةً» [خ¦٣٣٥] [خ¦٤٣٨] وأُجِيبَ بأنَّ بعثته إلى أهل الأرض باعتبار الواقع؛ لصدق أنَّهم قومه، بخلاف بعثة نبيِّنا ﷺ لقومه وغيرهم، أو الأوَّليَّة مقيَّدةٌ بكونه أهلك قومه، أو أنَّ الثَّلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، لكن في «صحيح ابن حبَّان» من حديث أبي ذَرٍّ ما يقتضي أنَّه كان مرسَلًا، والتَّصريح بإنزال الصُّحف على شيثٍ (وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ) أي: في القرآن في سورة بني إسرائيل (عَبْدًا شَكُورًا) وهذا موضع التَّرجمة (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ ولأبي ذَرٍّ: «فيقول: ربي ﷿» (٤) (قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «قد كان» (لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي) هي الَّتي أغرق (٥) بها أهل (٦) الأرض؛ يعني: أنَّ له دعوةً واحدةً محقَّقة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب فلا يُجاب، وفي حديث أنسٍ عند الشَّيخين [خ¦٧٤٤٠]: «ويذكر خطيئته الَّتي أصاب سؤاله ربَّه بغير علمٍ» فيحتمل أن يكون اعتذر بأمرين: أحدهما أنَّه
استوفى دعوته المستجابة، وثانيهما: سؤاله ربَّه بغير علمٍ؛ بحيث ﴿قَالَ رَبِّ (١) إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا؛ أي هي الَّتي (٢) تستحقُّ أن يشفع لها (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) زاد في رواية أنسٍ [خ¦٧٤٤٠]: «خليل الرَّحمن» (فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ (٣) الأَرْضِ) لا ينفي وصف نبيِّنا ﷺ بمقام الخُلَّة الثَّابت له على وجهٍ أعلى من إبراهيم (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟) من الكرب (فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ) بفتحاتٍ (فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ) يحيى بن سعيدٍ التَّيميُّ الرَّاوي عن أبي زرعة (فِي الحَدِيثِ) واختصرهنَّ من دونه؛ وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: هي أختي، والحقُّ أنَّها معاريضُ، لكنْ لمَّا كانت صورتها صورةَ كذبٍ؛ سمَّاها به وأشفق منها؛ استقصارًا لنفسه عن مقام الشَّفاعة مع وقوعها؛ لأنَّ مَن كان بالله أعرف وأقرب منزلة كان أعظم خطرًا وأشدَّ خشيةً. قاله البيضاويُّ (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ) بالإفراد (وَبِكَلَامِهِ (٤) عَلَى النَّاسِ) عامٌّ مخصوصٌ على ما لا يخفى، فقد ثبت أنَّه تعالى كلَّم نبيَّنا ﷺ ليلة المعراج، ولا يلزم من قيام وصف التَّكليم (٥) به (٦) أن يُشتَقَّ له منه اسم الكليم كموسى؛ إذ هو وصفٌ غلب على موسى؛ كالحبيب (٧) لنبيِّنا محمَّد (٨) ﷺ وإن كان شارك الخليل في الخُلَّة على وجهٍ أكمل منه (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي
و (١) الكُشْميهَنيِّ: «أَمَا» «بميمٍ مخفَّفةٍ» بدل: «اللَّام»، (تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ) من الكرب؟ (فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ (٢) قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا) بضمِّ الهمزة وسكون الواو؛ يريد: قَتْله القبطيَّ المذكورَ في آية القَصص، وإنَّما استعظمه واعتذر به؛ لأنَّه لم يؤمر بقتل الكفَّار، أو لأنَّه كان مأمونًا (٣) فيهم، فلم يكن له اغتياله، ولا يقدح في عصمته لكونه خطأً، وعدَّه من عمل الشَّيطان في الآية، وسمَّاه ظلمًا، واستغفر عنه (٤) على عادتهم في استعظام محقَّراتٍ فرطت منهم (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مريم» (فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي: أوصلها إليه، وحصلها (٥) فيها (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: وذو (٦) روحٍ صدر منه، لا بتوسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادَّة له (وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ) حال كونك (صَبِيًّا) أي: طفلًا، و «المهد»: مصدرٌ سُمِّي به ما يمهَّد للصَّبيِّ من مضجعه، وسقط «صبيًّا» لأبي ذَرٍّ (اشْفَعْ لَنَا) أي: إلى ربِّك حتَّى يريحنا ممَّا نحن فيه (أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟) من الكرب (فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ) زاد أبو ذَرٍّ: «قط» (وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا) وفي رواية أحمد والنَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: «إنِّي اتَّخذت إلهًا من دون الله»، وفي رواية ثابتٍ عند سعيد بن منصورٍ نحوه، وزاد: «وإن يغفر لي اليوم حسبي» (نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي) ثلاثًا (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ) زاد في حديث أنسٍ الطَّويل في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٦٥] «فقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ) سقطت التَّصلية في الموضعين لأبي ذَرٍّ (فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ (٧) أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ (٨)، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) يعني: أنَّه غير مؤاخذٍ بذنبٍ
ولو وقع، قال في «فتح الباري»: ويُستفاد من قول عيسى في حقِّ نبيِّنا هذا، ومن قول موسى: «إنِّي قتلت نفسًا» «وإن يغفر لي اليوم حسبي» مع أنَّ الله قد غفر له بنصِّ القرآن، التَّفرقةُ بين من وقع منه شيءٌ ومن لم يقع منه شيءٌ أصلًا، فإنَّ موسى مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك (١)، أو رأى في نفسه تقصيرًا عن مقام الشَّفاعة مع وجود ما صدر منه، بخلاف نبينا ﷺ في ذلك كلِّه، ومن ثمَّ احتجَّ عيسى بأنَّه صاحب الشَّفاعة؛ لأنَّه غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ بمعنى: أنَّ الله أخبر أَلَّا يؤاخذه بذنبٍ ولو وقع منه، قال: وهذا من النَّفائس الَّتي فتح الله بها في «فتح الباري» فله الحمد، وقال القاضي عياضٌ: ويحتمل أنَّهم علموا أنَّ صاحبها محمَّدٌ (٢) ﷺ معيَّنًا، وتكون إحالة كلِّ واحدٍ منهم على الآخر على تدريج الشَّفاعة في ذلك إليه ﷺ؛ إظهارًا لشرفه في ذلك المقام العظيم (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ) من الكرب؟ (فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿ زاد في حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق عند أبي عوانة «قدر جمعة» (ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي) وفي حديث أُبيِّ بن كعبٍ عند أبي يَعلى رفعه: «يعرِّفني (٣) الله نفسه، فأسجد له سجدةً يرضى بها عنِّي، ثمَّ أمتدحه بمدحةٍ (٤) يرضى بها عنِّي» (ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ) بسكون الهاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) مبنيٌّ للمفعول؛ مِن التَّشفيع، أي: تُقبَل شفاعتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ) مرَّتين، ولأبي ذَرٍّ: «أمَّتي يا رب» فزاد ثالثةً (فَيُقَالُ (٥): يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ) بكسر الخاء: أمرٌ مِن الإدخال، أي: الجنَّةَ (مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ) وهم سبعون ألفًا، وهم أوَّل من يدخلها