الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٤٠
الحديث رقم ٤٧٤٠ من كتاب «سورة الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
سُورَةُ الْحَجِّ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الْمُطْمَئِنِّينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ وَيُقَالُ أُمْنِيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ يَقْرَؤُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَشِيدٌ﴾ بِالْقَصَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَسْطُونَ﴾ يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ. وَيُقَالُ ﴿يَسْطُونَ﴾ يَبْطُِشُونَ، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُلْهِمُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِسَبَبٍ﴾ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ، ﴿تَذْهَلُ﴾ تُشْغَلُ.
٤٧٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، شَيْخٌٍ مِنَ النَّخَعِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْفَرَّاءُ: نُكِسُوا رَجَعُوا. وَتَعَقَّبَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارُوا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ قُلِبُوا فِي الْحُجَّةِ فَاحْتَجُّوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇. وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ (نَكَسُوا) بِالْفَتْحِ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ نَكَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ الدُّرُوعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اللَّبُوسُ السِّلَاحُ كُلُّهُ مِنْ دِرْعٍ إِلَى رُمْحٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: اللَّبُوسُ الدُّرُوعُ كَانَتْ صَفَائِحَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا دَاوُدُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ لِتُحْصِنَكُمْ بِالْمُثَنَّاةِ فَلِتَأْنِيثِ الدُّرُوعِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ فَلِتَذْكِيرِ اللَّبُوسِ.
قَوْلُهُ (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمُ اخْتَلَفُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَتَفَرَّقُوا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ) سَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ وَالْهَمْسُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أَيْ صَوْتَهَا، وَالْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَاحِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ مَرْيَمَ.
قَوْلُهُ: ﴿آذَنَّاكَ﴾ أَعْلَمْنَاكَ، ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إِذَا أَعْلَمْتُهُ فَأَنْتَ وَهُوَ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ تَغْدِرْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ إِذَا أَنْذَرْتُ عَدُوَّكَ وَأَعْلَمْتُهُ ذَلِكَ وَنَبَذْتُ إِلَيْهِ الْحَرْبَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ وَهُوَ عَلَى سَوَاءٍ فَقَدْ أذَنْتَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَقَوْلُهُ: (آذَنَّاكَ) هُوَ فِي سُورَةِ حم فُصِّلَتْ ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تُفْهَمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ تُفْقَهُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿ارْتَضَى﴾ رَضِيَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ رَضِيَ عَنْهُ وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ الْأَصْنَامُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿السِّجِلِّ﴾ الصَّحِيفَةُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْفَرَّاءُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ يَقُولُ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى الْكِتَابِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ كَطَيِّ السِّجِلِّ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَقِيلَ عَلَى بِمَعْنَى مِنْ أَيْ مِنْ أَجْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الصَّحِيفَةَ تَطْوِي حَسَنَاتَهُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْكِتَابَةِ. وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السِّجِلَّ اسْمُ كَاتِبٍ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ: وَالسِّجِلُّ الرَّجُلُ بِلِسَانِ الْحَبَشِ. وَعِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: السِّجِلُّ الْمَلَكُ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ مِثْلُهُ. وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ النَّقَّاشِ أَنَّهُ مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ تَرْفَعُ الْحَفَظَةُ إِلَيْهِ الْأَعْمَالَ كُلَّ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَعْضُ مَعْنَاهُ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ أَنَّ السِّجِلَّ اسْمُ الْكَاتِبِ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فِي أَصْحَابِهِ مَنِ اسْمُهُ السِّجِلُّ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَا وُجِدَ إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ حَصْرٌ مَرْدُودٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَوْرَدَاه مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ سِجِلٌّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
٢ - بَاب ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾
٤٧٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ - شَيْخٌ مِنْ النَّخَعِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا،
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، ثم يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حديث ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٢ - سُورَةُ الْحَجِّ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الْمُطْمَئِنِّينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ، وَيُقَالُ أُمْنِيَّتُهُ: قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ، جِصٌّ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿يَسْطُونَ﴾ يَفْرُطُونَ مِنْ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ: ﴿يَسْطُونَ﴾ يَبْطِشُونَ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُلْهِمُوا إِلَى الْقُرْآنِ، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِسَبَبٍ﴾ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ مُسْتَكْبِرٌ، ﴿تَذْهَلُ﴾ تُشْغَلُ.
قَوْلُهُ (سُورَةُ الْحَجِّ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الْمُطْمَئِنِّينَ) هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَكِنْ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمُصَلِّينَ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْمُتَوَاضِعِينَ. وَالْمُخْبِتُ مِنَ الْإِخْبَاتِ ; وَأَصْلُهُ الْخَبْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَطَّعًا.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أُمْنِيَتُهُ قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ: التَّمَنِّي التِّلَاوَةُ قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ قَالَ: الْأَمَانِيُّ أَنْ يَفْتَعِلَ الْأَحَادِيثَ، وَكَانَتْ أَحَادِيثُ يَسْمَعُونَهَا مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَلَيْسَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ … تَمَنِّي دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رُسُلٍ
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالتَّمَنِّي أَيْضًا حَدِيثُ النَّفْسِ انْتَهَى. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَهُ بَعْدَ أَنْ سَاقَ رِوَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ: هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَأَعْلَاهُ وَأَجَلُّهُ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا انْتَهَى. وَهَذِهِ النُّسْخَةُ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ رَوَاهَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ هَذَا كَثِيرًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أَمَاكِنِهِ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ بِوَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ انْتَهَى.
وَعَلَى تَأْوِيلِ ابْن عَبَّاسٍ هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَالنَّجْمُ، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمَ، فَسَجَدَ وَسَجَدُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَحْسَبُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى.
وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّحَّاسُ بِسَنَدٍ آخَرَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مُطَوَّلًا، وَأَسْنَدَهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ فِي السِّيرَةِ لَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرِيُّ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ; وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، وَأَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْرَدَهَا الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَكُلُّهَا سِوَى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِمَّا ضَعِيفٌ وَإِلَّا مُنْقَطِعٌ، لَكِنْ كَثْرَةُ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلًا، مَعَ أَنَّ لَهَا طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجَالُهُمَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَالثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرَّقَهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَدْ تَجَرَّأَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ كَعَادَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
وَكَذَا قَوْلُ عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَلَا رَوَاهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ مَعَ ضَعْفِ نَقَلَتِهِ وَاضْطِرَابِ رِوَايَاتِهِ وَانْقِطَاعِ إِسْنَادِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَمَنْ حُمِلَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنَ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ لَمْ يُسْنِدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا رَفَعَهَا إِلَى صَاحِبٍ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ، قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إِلَّا طَرِيقَ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وَقَعَ فِي وَصْلِهِ، وَأَمَّا الْكَلْبِيُّ فَلَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ.
ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ انْتَهَى، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوَاعِدِ، فَإِنَّ الطُّرُقَ إِذَا كَثُرَتْ وَتَبَايَنَتْ مَخَارِجُهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَسَانِيدَ مِنْهَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَهِيَ مَرَاسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِهَا مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِمَّا يُسْتَنْكَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يَزِيدَ فِي الْقُرْآنِ عَمْدًا مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَكَذَا سَهْوًا إِذَا كَانَ مُغَايِرًا لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ - وَقَدْ سَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَسَالِكَ، فَقِيلَ جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ أَصَابَتْهُ سِنَةٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ أَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ. وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ وَلَا
وِلَايَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ، وَقِيلَ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَلْجَأَهُ إِلَى أَنْ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الشَّيْطَانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الْآيَةَ قَالَ: فَلَوْ كَانَ لِلشَّيْطَانِ قُوَّةٌ عَلَى ذَلِكَ لَمَا بَقِيَ لِأَحَدٍ قُوَّةٌ فِي طَاعَةٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا ذَكَرُوا آلِهَتَهُمْ وَصَفُوهُمْ بِذَلِكَ، فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِحِفْظِهِ ﷺ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا ذَكَرَهُمْ سَهْوًا. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عِيَاضٌ فَأَجَادَ. وَقِيلَ لَعَلَّهُ تَوْبِيخًا لِلْكُفَّارِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ. وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ جَائِزًا - وَإِلَى هَذَا نَحَا الْبَاقِلَّانِيُّ. وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ خَشِيَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهَا بِشَيْءٍ يَذُمُّ آلِهَتَهُمْ بِهِ فَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ فَخَلَطُوهُ فِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ وَنُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ لِكَوْنِهِ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَرَانِيقِ الْعُلَى الْمَلَائِكَةُ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَيَعْبُدُونَهَا، فَسِيقَ ذِكْرُ الْكُلِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ فَلَمَّا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ حَمَلُوهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمَ آلِهَتَنَا، وَرَضُوا بِذَلِكَ، فَنَسَخَ اللَّهُ تِلْكَ الْكَلِمَتَيْنِ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ. وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ فَارْتَصَدَهُ الشَّيْطَانُ فِي سَكْتَةٍ مِنَ السَّكَتَاتِ وَنَطَقَ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَتَهُ بِحَيْثُ سَمِعَهُ مَنْ دَنَا إِلَيْهِ فَظَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِ وَأَشَاعَهَا. قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَفْسِيرِ (تَمَنَّى) بِتَلَا.
وَكَذَا اسْتَحْسَنَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَقَالَ قَبْلَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي مَذْهَبِنَا فِي بَرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ - قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أَيْ فِي تِلَاوَتِهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ إِذَا قَالُوا قَوْلًا زَادَ الشَّيْطَانُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ زَادَهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ قَالَ: وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ وَشِدَّةِ سَاعِدِهِ فِي النَّظَرِ فَصَوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَحَوَّمَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا فَتَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّ سُورَةَ الْحَجِّ مَكِّيَّةٌ، لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ فِي ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الْآيَةَ وَبَعْدَهَا ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهَا مَكِّيٌّ وَنَزَلَ مِنْهَا آيَاتٌ بِالْمَدِينَةِ وَلَهَا نَظَائِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ، جِصٌّ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ: بِالْقَصَّةِ يَعْنِي الْجِصَّ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْمَشِيدُ الْمُجَصَّصُ، قَالَ: وَالْجِصُّ فِي الْمَدِينَةِ يُسَمَّى الشَّيْدُ، وَأَنْشَدَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ امْرِئِ الْقِيسِ:
وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ … وَلَا أُجُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُهُ شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ. وَقِصَّةُ الْقَصْرِ الْمَشِيدِ ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ شَدَّادِ بْنِ عَادٍ فَصَارَ مُعَطَّلًا بَعْدَ الْعُمْرَانِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ عَلَى أَمْيَالٍ مِمَّا يُسْمَعُ فِيهِ مِنْ أَصْوَاتِ الْجِنِّ الْمُنْكَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: (يَسْطُونَ) يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أَيْ يَفْرُطُونَ عَلَيْهِ مِنَ السَّطْوَةِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِذَا سَمِعُوا الْمُسْلِمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَبْطِشُونَ بِهِ وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ طَهَ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُونَ﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) بضمِّ النون وسكون العين، النخعي الكوفي (-شَيْخٍ) بالجر بدلًا من سابقه (مِنَ النَّخَعِ-) بفتح الخاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) مجموعون (إِلَى اللهِ (١) حُفَاةً) بالحاء المهملة، كذا في الفرع وأصله (٢)، وسقطت في بعض النسخ (عُرَاةً) من الثياب (غُرْلًا) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة، جمعُ أغرل؛ وهو الأقلَفُ الذي لم يُختَن، قال أبو الوفاء بن عقيل: لمَّا أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله ليُذيقها من حلاوة فضله (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) وسقط لفظ «إن» لغير الكُشْميهَنيِّ، فالتالي رفعٌ (٣)، قيل: وخصوصيةُ إبراهيم بهذه الأوَّليَّة لكونه أُلقِيَ في النَّار عريانًا، وزاد الحَليميُّ في «منهاجه» من حديث جابر: «ثمَّ محمَّدٌ ثمَّ النبيُّون» (أَلَا) بالتخفيف (إِنَّهُ) أي: لكن إنَّ الشأنَ (يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: جهةَ النار (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ﵊: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ﴾ [المائدة: ١١٧]) ولأبي ذرٍّ: «﴿فِيهِمْ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «إلى أعقابهم» (مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ) والمرادُ بـ «مُرْتَدِّينَ»: التخلُّفُ عنِ الحقوق الواجبة.
وقد مرَّ هذا الحديث في آخر «سورة المائدة» [خ¦٤٦٢٥].
(((٢٢))) (سُورَةُ الحَجِّ) مكِّيَّة إلَّا ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ إلى تمام ثلاث آيات (١) أو أربع، إلى قوله: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهي ثمان وسبعون آيةً.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملة لأبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ فيما أسنده في «تفسيره» عن ابن أبي نَجيح (٢) عن مجاهدٍ: (﴿الْمُخْبِتِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] أي: (المُطْمَئِنِّينَ) إلى الله، وقال ابنُ عبَّاسٍ: المتواضعين الخاشعين، وقال الكلبيُّ: همُ الرقيقةُ قلوبُهم، وقال عمرو بن أوس: همُ الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم يَنتصروا.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]) أي: (إِذَا حَدَّثَ) أي: إذا تلا النَّبيُّ ﷺ شيئًا من الآيات المنزلة عليه من الله (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ) في تِلاوته عند سكتةٍ مِنَ السكتات بمثلِ نغمةِ ذلك النبيِّ ما يُوافقُ رأيَ أهلِ الشرك مِنَ الباطل، فيسمعونه فيتوهَّمون أنَّه ممَّا تلاه النبيُّ ﷺ، وهو مُنَزَّهٌ عنه لا يَخْلِطُ حقًّا بباطل، حاشاه اللهُ مِن ذلك (فَيُبْطِلُ اللهُ مَا يُلْقِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٣): «ما ألقى» (الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ) أي: يثبتها (وَيُقَالُ): إنَّ (أُمْنِيَّتِهِ) هي (قِرَاءَتِهِ) وفي «اليونينيَّة»:
«أمنيتُه قراءتُه» بالرفع فيهما (١)، وفي بعض الأصول وكثيرٍ مِنَ النسخ: «أمنيتِه قراءتِه» بجرِّهما على ما لا يخفى.
(﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾) بـ «البقرة» [الآية: ٧٨] أي: (يَقْرَؤونَ وَلَا يَكْتُبُونَ) وهذا أورده المؤلِّف ﵀ استشهادًا على أنَّ ﴿تَمَنَّى﴾ في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ بمعنى: قَرَأَ، وهو خِلافُ ما فسَّره به صاحبُ «الأنوار» حيث قال: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ إذا زوَّر في نفسِه ما يهواه: ألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يُوجِبُ اشتغالَه بالدنيا، كما قال ﵇: «إنَّه لَيُغَانُ على قلبي فأستغفرُ الله في اليوم سبعينَ مرَّة» فينسخُ الله ما يُلقى الشيطانُ فيُبْطِلُه اللهُ ويذهَبُ به بعصمتِه عنِ الرُّكونِ إليه والإرشادِ إلى ما يزيحه، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ﴾: ثمَّ يُثبِّتُ آياتهِ الداعيةَ إلى الاستغراق في أمر الآخرة، قيل: إنَّه حدَّث نفسه -يعني: النَّبيَّ ﷺ بزوال المسكنة، فنزلت. انتهى. والحامل له على هذا التفسير كغيره: ما في ظاهر هذه القصَّة مِنَ البشاعة، وقد رواها (٢) ابن أبي حاتم والطَّبريُّ وابنُ المنذر من طرق عن شعبةَ عن أبي بشرٍ عن سعيد بن جُبيرٍ قال: «قرأ رسول الله ﷺ بمكَّة «النَّجم» فلمَّا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإنَّ شفاعتهُنَّ لَتُرتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبلَ اليوم، فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية» ورواها البزَّار وابن مردويه من طريق أميَّة بن خالدٍ عن شعبةَ، فقال في إسناده: عن سعيد بن جُبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ فيما أحسب، ثمَّ ساق الحديثَ، وقال البزَّار: لا يُروى متَّصلًا إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد بوصله أُميَّة بنُ خالدٍ، وهو ثقةٌ مشهورٌ، قال: وإنَّما يُروى هذا من طريق الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس. انتهى. والكلبيُّ متروكٌ لا يُعتمدُ عليه، ورواها أيضًا ابنُ إسحاقَ في «سيرته»، وموسى بن عقبة في «مغازيه»، وأبو معشرٍ في آخرين، وكلُّها مراسيلُ، وقد طعن فيها غيرُ واحدٍ مِنَ الأئمَّةِ، حتى قال ابنُ إسحاقَ وقد سُئِلَ عنها: هي مِن وضعِ الزنادقةِ، وقال البيهقيُّ: غير ثابتةٍ نقلًا، ورُواتُها مطعونون، وأَطْنَبَ القاضي عياض في «الشفاء» في توهينِ أصلِها، فشَفَى وَكَفَى؛
إذْ سدُّ هذا البابِ هو الصوابُ، وأربحُ للثواب، وإن كانتْ كثرةُ الطرقِ تدُلُّ على أنَّ لها أصلًا، لا سيَّما وقد رواها الطَّبريُّ من طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح؛ أوَّلُهما: طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام … ، فذكر نحوه، وثانيهما: (١) طريق المعتمر بن سليمان وحمَّاد بن سلمة، فرَّقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية، وكذا طريق سعيد بن جُبيرٍ السَّابقة، وحينئذٍ فردُّها لا يتمشَّى على القواعد الحديثيَّة، بل ينبغي أنْ يَحتجَّ بهذه الثلاثة مَن يَحتجُّ بالمرسَل ومَن لا يَحتجُّ به؛ لاعتضادِ بعضِها ببعضٍ، كما قرَّره شيخُ الصَّنْعة وإمامُها الحافظ أبو الفضل ابن حَجَرٍ، وإذا سلَّمنا أنَّ لها أصلًا وجب تأويلُها، وأحسن ما قيل في ذلك: أنَّ الشيطان نطق بتلك الكلمات أثناء قراءة النبيِّ ﷺ عند سكتةٍ مِنَ السكتاتِ محاكيًا نغمتَه، فسمِعَها منه (٢) القريب فظنَّها مِن قولِه وأشاعَها، وفي كتابي «المواهب اللدنية بالمنح المحمَّدية» زياداتٌ على ما ذكرتُه هنا، وقد قال مجاهدٌ: إنَّه ﵇ كان يتمنَّى إنزال الوحي عليه بسرعة دون تأخيرٍ (٣)، فنسخ اللهُ ذلك بأنْ عرَّفه أنَّ إنزالَ ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل، وقيل: إنَّه ﷺ كان يتفكَّر عند نزول الوحي في تأويله إذا كان مجملًا، فيُلقي الشيطان في جملته ما لم يُرِدْه، فبيَّن تعالى أنَّه ينسخ ذلك بالإبطال، ويُحكِمُ ما أراد بأدلَّته وآياته، وقيل: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: إذا (٤) أراد فِعلًا مُقرِّبًا إلى الله؛ ألقى الشيطانُ في فِكْرِه ما يخالفُه، فرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِمَّا
يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] لكن قال بعضُهم: لا يجوزُ حملُ الأُمنية على تمنِّي القلب؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله ﵇ فتنةً للكفَّار، وذلك يبطلُه قولُه تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] وأجيب بأنَّه لا يبعدُ أنَّه إذا قوي التمنِّي أن (١) يشتغل الخاطر، فيحصلَ السهوُ في الأفعال الظاهرة بسببه، فيصير ذلك فتنةً لهم.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٢) وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه: (مَشِيدٌ) في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] أي: (بِالقَصَّةِ) بفتح القاف والصَّاد المهملة المشدَّدة (٣)، ولأبي ذرٍّ: «جِصٌّ» بكسر الجيم وتشديد الصَّاد المهملة والرفع، أي: هي جِصٌّ، وهذه ثابتةٌ لأبي ذرٍّ، و «المشِيدُ» بكسر المعجمة: الجِصُّ، وهو الكِلس، وقيل: المشِيد: المرفوع البُنيان، والمعنى: كم مِن قريةٍ أهلكنا، وكم مِن (٤) بئرٍ عطلنا عن سقاتها (٥)، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، وجعلنا ذلك عبرةً لمن اعتبر، وقيل: إنَّ البئرَ المعطَّلة والقصرَ المشِيد باليمن، ولكلٍّ أهلٌ، فكفروا فأهلكهم الله، وبقيا خاليين.
وذكر الإخباريُّون: أنَّ القصر من بناء شدَّاد بن عاد، فصار (٦) معطلًا، لا يستطيع أحد أن يقرب منه على أميال ممَّا يُسْمَع فيه من أصوات الجِنِّ المنكرة.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿يَكَادُونَ﴾ (﴿يَسْطُونَ﴾ [الحج: ٧٢]) أي: (يَفْرُطُونَ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وضمِّ الراء المهملة؛ مِن باب نصر ينصر، مشتقٌّ (مِنَ السَّطْوَةِ) وهي القَهْرُ والغَلَبَة، وقيل: إظهارُ ما يَهُول للإخافة (وَيُقَالُ) هو قولُ الفرَّاء والزَّجَّاج: (يَسْطُونَ) أي: (يَبْطُِشُونَ) بكسر الطاء وضمِّها، والأوَّلُ لأبي ذرٍّ (٧)، والمعنى: أنَّهم يهمُّون
بالبطش والوثوب؛ تعظيمًا لإنكار ما خوطبوا به، أي: يكادون يبطشون بالذين يتلُون عليهم آياتِنا، بمحمَّدٍ ﷺ وأصحابه مِن شِدَّة الغيظ، و «يسطون» ضُمِّنَ معنى: يبطشون، فيتعدَّى (١) تعديته، وإلَّا فهو متعدٍّ بـ «على»، يقال: سطا عليه.
(﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]) قال ابن عبَّاس فيما أخرجه الطبريُّ من طريق علي بن أبي طلحةَ أي: (أُلْهِمُوا) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) أي: أُلِهمُوا القرآنَ» وفي روايةٍ له أيضًا: «إلى القرآن» ورواه ابن المنذر من طريق سفيانَ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، وقال ابن عبَّاس: ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو (٣) شهادة أن لا إله إلَّا الله، ويؤيِّدُه قولُه: (مَثَلُ كَلِمَةً طَيِّبَةً) (٤) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وعنه في رواية عطاءٍ: هو قولُ أهل الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤].
(﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]) هو (الإِسْلَامُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «الإسلام» بالجرِّ، أي: إلى الإسلامِ، و «الحميد»: هو اللهُ المحمودُ في أفعاله، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٥)، ساقطٌ لغيره.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ المنذر بمعناه: (﴿بِسَبَبٍ﴾) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥] أي: (بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ) ولفظ ابن المنذر: «فليَمْدُد بسببٍ إلى سماءِ بيتهِ فليختنق به» والمعنى: مَن كان يظُنُّ أنْ لن يَنْصُرَ اللهُ نبيَّه ﷺ في الدنيا بإعلاء كلمتِهِ وإظهار دينهِ، وفي الآخرة بإعلاءِ درجتِهِ والانتقامِ مِن عدوِّه؛ فليَشْدُد حَبْلًا في سَقْفِ بيته فليختنق به حتى يموت إن كان ذلك غائِظَه، فإنَّ اللهَ ناصرُه لا محالةَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] الآيةَ، وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ [الحج: ١٥] أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإنَّ النصرَ إنَّما يأتي محمَّدًا ﷺ من السماء، ثم ليقطع ذلك عنه إن قَدَرَ عليه،
وقول (١) ابن عبَّاسٍ أظهرُ في المعنى، وأبلغُ في التَّهكُّم، فعلى هذا القول الثاني فيه استعارةٌ تمثيليَّةٌ، والأمرُ للتَّعجيز، وعلى الأوَّل كناية عن شِدَّة الغيظِ، والأمر للإهانة.
(﴿تَذْهَلُ﴾) في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] أي (٢): (تُشْغَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ لِهَوْلِ ما ترى عن أحبِّ الناس إليها، و ﴿يَوْمَ﴾: نُصِبَ بـ ﴿تَذْهَلُ﴾ والضمير للزلزلةِ، وتكون -فيما قاله الحسن- يومَ القيامة، أو عندَ طلوع الشمس من مغربها، كما قاله علقمةُ والشَّعبيُّ، أو الضميرُ للساعة، وعبَّر بـ ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ دون مرضعٍ؛ لأنَّ المرضعةَ: التي هي في حالِ الإرضاع ملقمةً ثديَها الصبيَّ، والمرضِعَ: التي مِن شأنها أنْ تُرضِع وإن لم تُباشِرِ الإرضاعَ في حال وصفِها به، فقيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ ليدُلَّ على أنَّ ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد أَلقَمتِ الرضيعَ ثديَها نزعتْهُ من (٣) فِيْه لِمَا يلحقُها مِنَ الدَّهْشَةِ.
(١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢]) بضمِّ السين، وسقط «باب» وتاليه لغير أبي ذرٍّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْفَرَّاءُ: نُكِسُوا رَجَعُوا. وَتَعَقَّبَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارُوا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ قُلِبُوا فِي الْحُجَّةِ فَاحْتَجُّوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇. وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ (نَكَسُوا) بِالْفَتْحِ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ نَكَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ الدُّرُوعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اللَّبُوسُ السِّلَاحُ كُلُّهُ مِنْ دِرْعٍ إِلَى رُمْحٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: اللَّبُوسُ الدُّرُوعُ كَانَتْ صَفَائِحَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا دَاوُدُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ لِتُحْصِنَكُمْ بِالْمُثَنَّاةِ فَلِتَأْنِيثِ الدُّرُوعِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ فَلِتَذْكِيرِ اللَّبُوسِ.
قَوْلُهُ (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمُ اخْتَلَفُوا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَتَفَرَّقُوا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ) سَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ وَالْهَمْسُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أَيْ صَوْتَهَا، وَالْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَاحِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ مَرْيَمَ.
قَوْلُهُ: ﴿آذَنَّاكَ﴾ أَعْلَمْنَاكَ، ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إِذَا أَعْلَمْتُهُ فَأَنْتَ وَهُوَ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ تَغْدِرْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ إِذَا أَنْذَرْتُ عَدُوَّكَ وَأَعْلَمْتُهُ ذَلِكَ وَنَبَذْتُ إِلَيْهِ الْحَرْبَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ وَهُوَ عَلَى سَوَاءٍ فَقَدْ أذَنْتَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَقَوْلُهُ: (آذَنَّاكَ) هُوَ فِي سُورَةِ حم فُصِّلَتْ ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تُفْهَمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ تُفْقَهُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿ارْتَضَى﴾ رَضِيَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ رَضِيَ عَنْهُ وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ الْأَصْنَامُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿السِّجِلِّ﴾ الصَّحِيفَةُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْفَرَّاءُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ يَقُولُ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى الْكِتَابِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ كَطَيِّ السِّجِلِّ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَقِيلَ عَلَى بِمَعْنَى مِنْ أَيْ مِنْ أَجْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الصَّحِيفَةَ تَطْوِي حَسَنَاتَهُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْكِتَابَةِ. وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السِّجِلَّ اسْمُ كَاتِبٍ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ: وَالسِّجِلُّ الرَّجُلُ بِلِسَانِ الْحَبَشِ. وَعِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: السِّجِلُّ الْمَلَكُ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ مِثْلُهُ. وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ النَّقَّاشِ أَنَّهُ مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ تَرْفَعُ الْحَفَظَةُ إِلَيْهِ الْأَعْمَالَ كُلَّ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَعْضُ مَعْنَاهُ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ أَنَّ السِّجِلَّ اسْمُ الْكَاتِبِ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فِي أَصْحَابِهِ مَنِ اسْمُهُ السِّجِلُّ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَا وُجِدَ إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ حَصْرٌ مَرْدُودٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَوْرَدَاه مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ سِجِلٌّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
٢ - بَاب ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾
٤٧٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ - شَيْخٌ مِنْ النَّخَعِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا،
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، ثم يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حديث ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٢ - سُورَةُ الْحَجِّ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الْمُطْمَئِنِّينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ، وَيُقَالُ أُمْنِيَّتُهُ: قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ، جِصٌّ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿يَسْطُونَ﴾ يَفْرُطُونَ مِنْ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ: ﴿يَسْطُونَ﴾ يَبْطِشُونَ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُلْهِمُوا إِلَى الْقُرْآنِ، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِسَبَبٍ﴾ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ مُسْتَكْبِرٌ، ﴿تَذْهَلُ﴾ تُشْغَلُ.
قَوْلُهُ (سُورَةُ الْحَجِّ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الْمُطْمَئِنِّينَ) هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَكِنْ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمُصَلِّينَ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْمُتَوَاضِعِينَ. وَالْمُخْبِتُ مِنَ الْإِخْبَاتِ ; وَأَصْلُهُ الْخَبْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَطَّعًا.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أُمْنِيَتُهُ قِرَاءَتُهُ، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ: التَّمَنِّي التِّلَاوَةُ قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ قَالَ: الْأَمَانِيُّ أَنْ يَفْتَعِلَ الْأَحَادِيثَ، وَكَانَتْ أَحَادِيثُ يَسْمَعُونَهَا مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَلَيْسَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ … تَمَنِّي دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رُسُلٍ
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالتَّمَنِّي أَيْضًا حَدِيثُ النَّفْسِ انْتَهَى. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَهُ بَعْدَ أَنْ سَاقَ رِوَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ: هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَأَعْلَاهُ وَأَجَلُّهُ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا انْتَهَى. وَهَذِهِ النُّسْخَةُ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ رَوَاهَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ هَذَا كَثِيرًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أَمَاكِنِهِ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ بِوَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ انْتَهَى.
وَعَلَى تَأْوِيلِ ابْن عَبَّاسٍ هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَالنَّجْمُ، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمَ، فَسَجَدَ وَسَجَدُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَحْسَبُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى.
وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّحَّاسُ بِسَنَدٍ آخَرَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مُطَوَّلًا، وَأَسْنَدَهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ فِي السِّيرَةِ لَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرِيُّ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ; وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، وَأَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْرَدَهَا الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَكُلُّهَا سِوَى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِمَّا ضَعِيفٌ وَإِلَّا مُنْقَطِعٌ، لَكِنْ كَثْرَةُ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلًا، مَعَ أَنَّ لَهَا طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجَالُهُمَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَالثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرَّقَهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَدْ تَجَرَّأَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ كَعَادَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
وَكَذَا قَوْلُ عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَلَا رَوَاهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ مَعَ ضَعْفِ نَقَلَتِهِ وَاضْطِرَابِ رِوَايَاتِهِ وَانْقِطَاعِ إِسْنَادِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَمَنْ حُمِلَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنَ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ لَمْ يُسْنِدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا رَفَعَهَا إِلَى صَاحِبٍ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ، قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إِلَّا طَرِيقَ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وَقَعَ فِي وَصْلِهِ، وَأَمَّا الْكَلْبِيُّ فَلَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ.
ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ انْتَهَى، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوَاعِدِ، فَإِنَّ الطُّرُقَ إِذَا كَثُرَتْ وَتَبَايَنَتْ مَخَارِجُهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَسَانِيدَ مِنْهَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَهِيَ مَرَاسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِهَا مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِمَّا يُسْتَنْكَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يَزِيدَ فِي الْقُرْآنِ عَمْدًا مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَكَذَا سَهْوًا إِذَا كَانَ مُغَايِرًا لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ - وَقَدْ سَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَسَالِكَ، فَقِيلَ جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ أَصَابَتْهُ سِنَةٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ أَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ. وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ وَلَا
وِلَايَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ، وَقِيلَ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَلْجَأَهُ إِلَى أَنْ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الشَّيْطَانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الْآيَةَ قَالَ: فَلَوْ كَانَ لِلشَّيْطَانِ قُوَّةٌ عَلَى ذَلِكَ لَمَا بَقِيَ لِأَحَدٍ قُوَّةٌ فِي طَاعَةٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا ذَكَرُوا آلِهَتَهُمْ وَصَفُوهُمْ بِذَلِكَ، فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِحِفْظِهِ ﷺ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا ذَكَرَهُمْ سَهْوًا. وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عِيَاضٌ فَأَجَادَ. وَقِيلَ لَعَلَّهُ تَوْبِيخًا لِلْكُفَّارِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ. وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ جَائِزًا - وَإِلَى هَذَا نَحَا الْبَاقِلَّانِيُّ. وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ خَشِيَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهَا بِشَيْءٍ يَذُمُّ آلِهَتَهُمْ بِهِ فَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ فَخَلَطُوهُ فِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ وَنُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ لِكَوْنِهِ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَرَانِيقِ الْعُلَى الْمَلَائِكَةُ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَيَعْبُدُونَهَا، فَسِيقَ ذِكْرُ الْكُلِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ فَلَمَّا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ حَمَلُوهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمَ آلِهَتَنَا، وَرَضُوا بِذَلِكَ، فَنَسَخَ اللَّهُ تِلْكَ الْكَلِمَتَيْنِ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ. وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ فَارْتَصَدَهُ الشَّيْطَانُ فِي سَكْتَةٍ مِنَ السَّكَتَاتِ وَنَطَقَ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَتَهُ بِحَيْثُ سَمِعَهُ مَنْ دَنَا إِلَيْهِ فَظَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِ وَأَشَاعَهَا. قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَفْسِيرِ (تَمَنَّى) بِتَلَا.
وَكَذَا اسْتَحْسَنَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَقَالَ قَبْلَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي مَذْهَبِنَا فِي بَرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ - قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أَيْ فِي تِلَاوَتِهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ إِذَا قَالُوا قَوْلًا زَادَ الشَّيْطَانُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ زَادَهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ قَالَ: وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ وَشِدَّةِ سَاعِدِهِ فِي النَّظَرِ فَصَوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَحَوَّمَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا فَتَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّ سُورَةَ الْحَجِّ مَكِّيَّةٌ، لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ فِي ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الْآيَةَ وَبَعْدَهَا ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهَا مَكِّيٌّ وَنَزَلَ مِنْهَا آيَاتٌ بِالْمَدِينَةِ وَلَهَا نَظَائِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ، جِصٌّ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قَالَ: بِالْقَصَّةِ يَعْنِي الْجِصَّ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْمَشِيدُ الْمُجَصَّصُ، قَالَ: وَالْجِصُّ فِي الْمَدِينَةِ يُسَمَّى الشَّيْدُ، وَأَنْشَدَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ امْرِئِ الْقِيسِ:
وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ … وَلَا أُجُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُهُ شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ. وَقِصَّةُ الْقَصْرِ الْمَشِيدِ ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ شَدَّادِ بْنِ عَادٍ فَصَارَ مُعَطَّلًا بَعْدَ الْعُمْرَانِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ عَلَى أَمْيَالٍ مِمَّا يُسْمَعُ فِيهِ مِنْ أَصْوَاتِ الْجِنِّ الْمُنْكَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: (يَسْطُونَ) يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ أَيْ يَفْرُطُونَ عَلَيْهِ مِنَ السَّطْوَةِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِذَا سَمِعُوا الْمُسْلِمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَبْطِشُونَ بِهِ وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ طَهَ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُونَ﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) بضمِّ النون وسكون العين، النخعي الكوفي (-شَيْخٍ) بالجر بدلًا من سابقه (مِنَ النَّخَعِ-) بفتح الخاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) مجموعون (إِلَى اللهِ (١) حُفَاةً) بالحاء المهملة، كذا في الفرع وأصله (٢)، وسقطت في بعض النسخ (عُرَاةً) من الثياب (غُرْلًا) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة، جمعُ أغرل؛ وهو الأقلَفُ الذي لم يُختَن، قال أبو الوفاء بن عقيل: لمَّا أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله ليُذيقها من حلاوة فضله (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) وسقط لفظ «إن» لغير الكُشْميهَنيِّ، فالتالي رفعٌ (٣)، قيل: وخصوصيةُ إبراهيم بهذه الأوَّليَّة لكونه أُلقِيَ في النَّار عريانًا، وزاد الحَليميُّ في «منهاجه» من حديث جابر: «ثمَّ محمَّدٌ ثمَّ النبيُّون» (أَلَا) بالتخفيف (إِنَّهُ) أي: لكن إنَّ الشأنَ (يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: جهةَ النار (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ﵊: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ﴾ [المائدة: ١١٧]) ولأبي ذرٍّ: «﴿فِيهِمْ﴾» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «إلى أعقابهم» (مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ) والمرادُ بـ «مُرْتَدِّينَ»: التخلُّفُ عنِ الحقوق الواجبة.
وقد مرَّ هذا الحديث في آخر «سورة المائدة» [خ¦٤٦٢٥].
(((٢٢))) (سُورَةُ الحَجِّ) مكِّيَّة إلَّا ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ إلى تمام ثلاث آيات (١) أو أربع، إلى قوله: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهي ثمان وسبعون آيةً.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملة لأبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ فيما أسنده في «تفسيره» عن ابن أبي نَجيح (٢) عن مجاهدٍ: (﴿الْمُخْبِتِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] أي: (المُطْمَئِنِّينَ) إلى الله، وقال ابنُ عبَّاسٍ: المتواضعين الخاشعين، وقال الكلبيُّ: همُ الرقيقةُ قلوبُهم، وقال عمرو بن أوس: همُ الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم يَنتصروا.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]) أي: (إِذَا حَدَّثَ) أي: إذا تلا النَّبيُّ ﷺ شيئًا من الآيات المنزلة عليه من الله (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ) في تِلاوته عند سكتةٍ مِنَ السكتات بمثلِ نغمةِ ذلك النبيِّ ما يُوافقُ رأيَ أهلِ الشرك مِنَ الباطل، فيسمعونه فيتوهَّمون أنَّه ممَّا تلاه النبيُّ ﷺ، وهو مُنَزَّهٌ عنه لا يَخْلِطُ حقًّا بباطل، حاشاه اللهُ مِن ذلك (فَيُبْطِلُ اللهُ مَا يُلْقِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ (٣): «ما ألقى» (الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ) أي: يثبتها (وَيُقَالُ): إنَّ (أُمْنِيَّتِهِ) هي (قِرَاءَتِهِ) وفي «اليونينيَّة»:
«أمنيتُه قراءتُه» بالرفع فيهما (١)، وفي بعض الأصول وكثيرٍ مِنَ النسخ: «أمنيتِه قراءتِه» بجرِّهما على ما لا يخفى.
(﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾) بـ «البقرة» [الآية: ٧٨] أي: (يَقْرَؤونَ وَلَا يَكْتُبُونَ) وهذا أورده المؤلِّف ﵀ استشهادًا على أنَّ ﴿تَمَنَّى﴾ في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ بمعنى: قَرَأَ، وهو خِلافُ ما فسَّره به صاحبُ «الأنوار» حيث قال: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ إذا زوَّر في نفسِه ما يهواه: ألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يُوجِبُ اشتغالَه بالدنيا، كما قال ﵇: «إنَّه لَيُغَانُ على قلبي فأستغفرُ الله في اليوم سبعينَ مرَّة» فينسخُ الله ما يُلقى الشيطانُ فيُبْطِلُه اللهُ ويذهَبُ به بعصمتِه عنِ الرُّكونِ إليه والإرشادِ إلى ما يزيحه، ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ﴾: ثمَّ يُثبِّتُ آياتهِ الداعيةَ إلى الاستغراق في أمر الآخرة، قيل: إنَّه حدَّث نفسه -يعني: النَّبيَّ ﷺ بزوال المسكنة، فنزلت. انتهى. والحامل له على هذا التفسير كغيره: ما في ظاهر هذه القصَّة مِنَ البشاعة، وقد رواها (٢) ابن أبي حاتم والطَّبريُّ وابنُ المنذر من طرق عن شعبةَ عن أبي بشرٍ عن سعيد بن جُبيرٍ قال: «قرأ رسول الله ﷺ بمكَّة «النَّجم» فلمَّا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإنَّ شفاعتهُنَّ لَتُرتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخيرٍ قبلَ اليوم، فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية» ورواها البزَّار وابن مردويه من طريق أميَّة بن خالدٍ عن شعبةَ، فقال في إسناده: عن سعيد بن جُبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ فيما أحسب، ثمَّ ساق الحديثَ، وقال البزَّار: لا يُروى متَّصلًا إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد بوصله أُميَّة بنُ خالدٍ، وهو ثقةٌ مشهورٌ، قال: وإنَّما يُروى هذا من طريق الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس. انتهى. والكلبيُّ متروكٌ لا يُعتمدُ عليه، ورواها أيضًا ابنُ إسحاقَ في «سيرته»، وموسى بن عقبة في «مغازيه»، وأبو معشرٍ في آخرين، وكلُّها مراسيلُ، وقد طعن فيها غيرُ واحدٍ مِنَ الأئمَّةِ، حتى قال ابنُ إسحاقَ وقد سُئِلَ عنها: هي مِن وضعِ الزنادقةِ، وقال البيهقيُّ: غير ثابتةٍ نقلًا، ورُواتُها مطعونون، وأَطْنَبَ القاضي عياض في «الشفاء» في توهينِ أصلِها، فشَفَى وَكَفَى؛
إذْ سدُّ هذا البابِ هو الصوابُ، وأربحُ للثواب، وإن كانتْ كثرةُ الطرقِ تدُلُّ على أنَّ لها أصلًا، لا سيَّما وقد رواها الطَّبريُّ من طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح؛ أوَّلُهما: طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام … ، فذكر نحوه، وثانيهما: (١) طريق المعتمر بن سليمان وحمَّاد بن سلمة، فرَّقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية، وكذا طريق سعيد بن جُبيرٍ السَّابقة، وحينئذٍ فردُّها لا يتمشَّى على القواعد الحديثيَّة، بل ينبغي أنْ يَحتجَّ بهذه الثلاثة مَن يَحتجُّ بالمرسَل ومَن لا يَحتجُّ به؛ لاعتضادِ بعضِها ببعضٍ، كما قرَّره شيخُ الصَّنْعة وإمامُها الحافظ أبو الفضل ابن حَجَرٍ، وإذا سلَّمنا أنَّ لها أصلًا وجب تأويلُها، وأحسن ما قيل في ذلك: أنَّ الشيطان نطق بتلك الكلمات أثناء قراءة النبيِّ ﷺ عند سكتةٍ مِنَ السكتاتِ محاكيًا نغمتَه، فسمِعَها منه (٢) القريب فظنَّها مِن قولِه وأشاعَها، وفي كتابي «المواهب اللدنية بالمنح المحمَّدية» زياداتٌ على ما ذكرتُه هنا، وقد قال مجاهدٌ: إنَّه ﵇ كان يتمنَّى إنزال الوحي عليه بسرعة دون تأخيرٍ (٣)، فنسخ اللهُ ذلك بأنْ عرَّفه أنَّ إنزالَ ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل، وقيل: إنَّه ﷺ كان يتفكَّر عند نزول الوحي في تأويله إذا كان مجملًا، فيُلقي الشيطان في جملته ما لم يُرِدْه، فبيَّن تعالى أنَّه ينسخ ذلك بالإبطال، ويُحكِمُ ما أراد بأدلَّته وآياته، وقيل: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: إذا (٤) أراد فِعلًا مُقرِّبًا إلى الله؛ ألقى الشيطانُ في فِكْرِه ما يخالفُه، فرجع إلى الله في ذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِمَّا
يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] لكن قال بعضُهم: لا يجوزُ حملُ الأُمنية على تمنِّي القلب؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله ﵇ فتنةً للكفَّار، وذلك يبطلُه قولُه تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] وأجيب بأنَّه لا يبعدُ أنَّه إذا قوي التمنِّي أن (١) يشتغل الخاطر، فيحصلَ السهوُ في الأفعال الظاهرة بسببه، فيصير ذلك فتنةً لهم.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما (٢) وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه: (مَشِيدٌ) في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] أي: (بِالقَصَّةِ) بفتح القاف والصَّاد المهملة المشدَّدة (٣)، ولأبي ذرٍّ: «جِصٌّ» بكسر الجيم وتشديد الصَّاد المهملة والرفع، أي: هي جِصٌّ، وهذه ثابتةٌ لأبي ذرٍّ، و «المشِيدُ» بكسر المعجمة: الجِصُّ، وهو الكِلس، وقيل: المشِيد: المرفوع البُنيان، والمعنى: كم مِن قريةٍ أهلكنا، وكم مِن (٤) بئرٍ عطلنا عن سقاتها (٥)، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، وجعلنا ذلك عبرةً لمن اعتبر، وقيل: إنَّ البئرَ المعطَّلة والقصرَ المشِيد باليمن، ولكلٍّ أهلٌ، فكفروا فأهلكهم الله، وبقيا خاليين.
وذكر الإخباريُّون: أنَّ القصر من بناء شدَّاد بن عاد، فصار (٦) معطلًا، لا يستطيع أحد أن يقرب منه على أميال ممَّا يُسْمَع فيه من أصوات الجِنِّ المنكرة.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿يَكَادُونَ﴾ (﴿يَسْطُونَ﴾ [الحج: ٧٢]) أي: (يَفْرُطُونَ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وضمِّ الراء المهملة؛ مِن باب نصر ينصر، مشتقٌّ (مِنَ السَّطْوَةِ) وهي القَهْرُ والغَلَبَة، وقيل: إظهارُ ما يَهُول للإخافة (وَيُقَالُ) هو قولُ الفرَّاء والزَّجَّاج: (يَسْطُونَ) أي: (يَبْطُِشُونَ) بكسر الطاء وضمِّها، والأوَّلُ لأبي ذرٍّ (٧)، والمعنى: أنَّهم يهمُّون
بالبطش والوثوب؛ تعظيمًا لإنكار ما خوطبوا به، أي: يكادون يبطشون بالذين يتلُون عليهم آياتِنا، بمحمَّدٍ ﷺ وأصحابه مِن شِدَّة الغيظ، و «يسطون» ضُمِّنَ معنى: يبطشون، فيتعدَّى (١) تعديته، وإلَّا فهو متعدٍّ بـ «على»، يقال: سطا عليه.
(﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]) قال ابن عبَّاس فيما أخرجه الطبريُّ من طريق علي بن أبي طلحةَ أي: (أُلْهِمُوا) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٢) أي: أُلِهمُوا القرآنَ» وفي روايةٍ له أيضًا: «إلى القرآن» ورواه ابن المنذر من طريق سفيانَ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، وقال ابن عبَّاس: ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو (٣) شهادة أن لا إله إلَّا الله، ويؤيِّدُه قولُه: (مَثَلُ كَلِمَةً طَيِّبَةً) (٤) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وعنه في رواية عطاءٍ: هو قولُ أهل الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤].
(﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]) هو (الإِسْلَامُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «الإسلام» بالجرِّ، أي: إلى الإسلامِ، و «الحميد»: هو اللهُ المحمودُ في أفعاله، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٥)، ساقطٌ لغيره.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ المنذر بمعناه: (﴿بِسَبَبٍ﴾) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥] أي: (بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ) ولفظ ابن المنذر: «فليَمْدُد بسببٍ إلى سماءِ بيتهِ فليختنق به» والمعنى: مَن كان يظُنُّ أنْ لن يَنْصُرَ اللهُ نبيَّه ﷺ في الدنيا بإعلاء كلمتِهِ وإظهار دينهِ، وفي الآخرة بإعلاءِ درجتِهِ والانتقامِ مِن عدوِّه؛ فليَشْدُد حَبْلًا في سَقْفِ بيته فليختنق به حتى يموت إن كان ذلك غائِظَه، فإنَّ اللهَ ناصرُه لا محالةَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] الآيةَ، وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ [الحج: ١٥] أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإنَّ النصرَ إنَّما يأتي محمَّدًا ﷺ من السماء، ثم ليقطع ذلك عنه إن قَدَرَ عليه،
وقول (١) ابن عبَّاسٍ أظهرُ في المعنى، وأبلغُ في التَّهكُّم، فعلى هذا القول الثاني فيه استعارةٌ تمثيليَّةٌ، والأمرُ للتَّعجيز، وعلى الأوَّل كناية عن شِدَّة الغيظِ، والأمر للإهانة.
(﴿تَذْهَلُ﴾) في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] أي (٢): (تُشْغَلُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ لِهَوْلِ ما ترى عن أحبِّ الناس إليها، و ﴿يَوْمَ﴾: نُصِبَ بـ ﴿تَذْهَلُ﴾ والضمير للزلزلةِ، وتكون -فيما قاله الحسن- يومَ القيامة، أو عندَ طلوع الشمس من مغربها، كما قاله علقمةُ والشَّعبيُّ، أو الضميرُ للساعة، وعبَّر بـ ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ دون مرضعٍ؛ لأنَّ المرضعةَ: التي هي في حالِ الإرضاع ملقمةً ثديَها الصبيَّ، والمرضِعَ: التي مِن شأنها أنْ تُرضِع وإن لم تُباشِرِ الإرضاعَ في حال وصفِها به، فقيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ ليدُلَّ على أنَّ ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد أَلقَمتِ الرضيعَ ثديَها نزعتْهُ من (٣) فِيْه لِمَا يلحقُها مِنَ الدَّهْشَةِ.
(١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢]) بضمِّ السين، وسقط «باب» وتاليه لغير أبي ذرٍّ.