«أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٤٥

الحديث رقم ٤٧٤٥ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة النور.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٤٥ في صحيح البخاري

«أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ فِي

⦗١٠٠⦘

رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ الْمَسَائِلَ، فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : قَدْ أَنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللهُ فِي كِتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ : انْظُرُوا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ».

﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٧٤٥ من صحيح البخاري

٤٧٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ :

رواة الحديث من الصحابة

📖 هذا الحديث في تفسير سورة النور - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح حديث ٤٧٤٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النِّسَاءِ) ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لَمْ يَدْرُوا لِمَا بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ قَالَ: الَّذِي يُرِيدُ الطَّعَامَ وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: الَّذِينَ لَا يُهِمُّهُمْ إِلَّا بُطُونُهُمْ وَلَا يَخَافُونَ عَلَى النِّسَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ قَالَ: لَمْ يَدْرُوا مَا هِيَ مِنَ الصِّغَرِ قَبْلَ الْحُلُمِ.

١ - بَاب ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾

٤٧٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفريابي، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَسَائِلَ. فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَرِهَ الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : انْظُرُوا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مُطَوَّلًا وَفِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ.

وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ. هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ رُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَإِسْحَاقُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْكَلَابَاذِيُّ أَيْضًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.

٢ - بَاب ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

٤٧٤٦ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ التَّلَاعُنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ. قَالَ: فَتَلَاعَنَا - وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَفَارَقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا، ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور بن بَهرام، أبو يعقوب الكَوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ، وهو مِن مشايخ المؤلِّف، روى عنه هنا بالواسطة، قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرحمن بنُ عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّدُ بنُ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديِّ الأنصاريِّ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ عُوَيْمِرًا) بضمِّ العين المهملة وفتح الواو تصغيرُ عامرٍ، ابنَ الحارث بن زيد بن الجَدِّ بفتح (١) الجيم وتشديد الدَّال؛ ابنِ عَجْلان، وفي رواية القَعنبيِّ عن مالكٍ: عويمر بن أشقر، وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة، وفي «الاستيعاب»: عويمر ابن أبيض، قال الحافظ ابن حجر: فلعلَّ أباه كان يلقَّب أشقر وأبيض (٢)، وفي الصَّحابة: عويمرُ بن أَشقرَ آخرُ، وهو مازنيٌّ، أخرج له ابن ماجه (أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ) العجلانيَّ (وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ) بفتح العين وسكون الجيم، وهو ابنُ عمِّ والد عويمر، ولأبي ذرٍّ: «بني العجلان» (فَقَالَ) له: (كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ أَيَقْتُلُهُ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ، أي: أيقتُلُ الرجلَ (فَتَقْتُلُونَهُ) قِصاصًا؛ لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].

وفي قِصَّة العجلانيِّ من حديث ابن عمر المرويِّ في «مسلمٍ»: فقال: أرأيت إن وَجَدَ مع امرأته رجلًا، فإن تكلَّم به؛ تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكتَ؛ سكتَ على مثل ذلك، وفي حديث ابن مسعودٍ عنده أيضًا: إن تكلَّم جلدتموه، وإن قَتَلَ؛ قتلتموه، وإن سكت؛ سكت على غيظٍ، وفي رواية عن ابن عبَّاسٍ: لمَّا نزلت (٣) ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآيةَ؛ قال عاصم بن عديٍّ: إن (٤) دخل رجل منَّا بيته فرأى رجلًا على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجالٍ يشهدون بذلك؛ فقد قضى الرجل حاجته وذهب، وإن قَتَلَه؛ قُتل به، وإن قال: وجدت فلانًا معها؛ ضُرب، وإن سكت؛ سكت على غيظٍ (أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟) «أم» تَحتملُ أن تكون متَّصلةً؛ يعني: إذا رأى الرجل هذا المنكر الشنيع والأمر الفظيع وثارت عليه الحَمِيَّة أيقتُلُه فتقتُلُونه أم يصبرُ

على ذلك الشَّنار (١) والعار؟ ويَحتملُ أن تكون منقطعةً، فسأل أولًا عنِ القتل مع القصاص (٢)، ثمَّ أضربَ عنه إلى سؤاله كيف يصنع؛ لأنَّ «أم» المنقطعة متضمِّنةٌ لـ «بل» والهمزة (٣) فـ «بلْ» تضربُ الكلام السَّابق، والهمزةُ تستأنِفُ كلامًا آخر، والمعنى: كيف يصنع؟ أيصبر على العار أم (٤) يُحدِثُ اللهُ له أمرًا آخر؟ فلذا قال: (سَلْ لِي) يا عاصمُ (رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) حُذِفَ المقولُ لدلالة السابق عليه، أي: كيف تقول في رجلٍ وجد مع امرأته رجلًا، أيقتُله فتقتُلُونه أم كيف يصنع؟ (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ المَسَائِلَ) المذكورة لما فيها من البشاعة والإشاعة على المسلمين والمسلمات، وتسليط العدوِّ في الدِّين بالخوض في أعراضِهِم، وزاد في «اللعان» [خ¦٥٢٥٩] و «الطلاق» [خ¦٥٣٠٨] من طريق مالك عن ابن شهاب: وعابها حتى كَبُرَ على (٥) عاصم ما سَمِعَ من رسول الله ، فلمَّا رجع عاصمٌ إلى أهله (فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ) فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسولُ الله ؟ (فَقَالَ) عاصمٌ: لم تأتني بخير (إِنَّ رَسُولَ اللهِ كَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا) ثبت لفظ «وعابها» هنا، وسقط مِنَ الأولى (قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ؛ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ) إلى رسول الله (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) يزني بها (أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : قَدْ أَنْزَلَ اللهُ القُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) هي زوجتُه خولةُ بنتُ قيسٍ فيما ذكره مُقاتلٌ، وذكر ابن الكلبيِّ: أنَّها بنت عاصمٍ المذكور، واسمُها خولة، والمشهور أنَّها بنت قيس، وأخرج ابن مردويه من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عاصم بن عدي لمَّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] قال: يا رسول الله؛ أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف، وأخرج ابن أبي حاتم في «التفسير» عن مقاتل بن حيَّان قال: لمَّا سأل عاصمٌ عن ذلك؛ ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابنُ عمِّه تحتَه ابنةُ عمِّه رماها بابن عمِّه، المرأة والزوج

والخليل ثلاثتُهم بنو عم عاصم، وعند ابن مردويه من مرسل ابن أبي ليلى: أنَّ الرجل الذي رمى عُوَيْمر امرأتَه به هو شَرِيكُ بن سَحْماء، وهو يشهد لصِحَّة هذه الرواية؛ لأنَّه ابن عم عويمر؛ لأنَّه شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم: فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم، أقسم بالله لقد رأيتُ شَرِيك بن سحماء على (١) بطنها، وإنَّها لحبلى وما قَرُبتُها منذ أربعة أشهرٍ، وفي حديث عبد الله بن جعفر (٢) عند الدَّارقطنيِّ: لاعَنَ بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها وقال: هو لابن سحماء، وإذا جاء الخبر مِن طرقٍ متعدِّدةٍ؛ فإنَّ بعضَها يعضُدُ بعضًا، وظاهرُ السِّياق يقتضي أنَّه كان تقدَّم من عويمر إشارةٌ إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، والظاهر: أن في هذا السياق اختصارًا، ويوضحه ما في حديث ابن عمر في قصَّة العجلانيِّ بعد قوله: إن تكلَّم؛ تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت؛ سكت على مثل ذلك، فسكت عنه النبيُّ ، فلمَّا كان بعد ذلك؛ أتاه فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتليتُ به، فدلَّ على أنَّه لم يذكر امرأته إلَّا بعد أن انصرف ثم عاد (فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ بِالمُلَاعَنَةِ) بضمِّ الميم، قال في «المغرب»: لَعَنَه لَعْنًا، وَلَاعَنَه مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا، وَتَلَاعَنُوا: لَعَنَ بعضُهم بعضًا، وهو لغةً: الطردُ والإبعاد، وشرعًا: كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَت حجَّةً للمضطر إلى قذفِ مَن لطَّخَ فِراشه وألحقَ العارَ به، أو إلى نفي ولد، قال النَّوويُّ: إنَّما سُمِّي لِعانًا؛ لأنَّ كلًّا من الزَّوجين يَبْعُد عن صاحبه (بِمَا سَمَّى اللهُ فِي كِتَابِهِ) في هذه الآية بأنْ يقولَ الزوجُ أربعَ مرَّات: أشهدُ بالله إنِّي لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا، والخامسة: أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ويشير إليها في الحضور، ويميِّزُها في الغَيبة، ويأتي بَدَلَ ضمائرِ الغائبِ بضمائرِ المتكلِّم، فيقول: لعنة الله عليَّ إن كنتُ … إلى آخره، وإن كان ولدٌ ينفيه ذكره في الكلمات

الخمس لينتفي عنه، فيقول (١): إنَّ الولد الذي ولدته أو هذا الولد من زنا ليس منِّي (فَلَاعَنَهَا) أي: لاعن عويمرٌ (٢) زوجتَه خولةَ بعد أن قذفها، وأتت عند النبيِّ وسألها فأنكرت، وأصرَّا في السنة الأخيرة مِن زمانه ، وجزم الطبريُّ وأبو حاتم وابن حِبان: بأنَّها في شعبان سنة تسع، وعند الدارقطنيِّ من حديث عبد الله بن جعفر: أنَّها كانت منصرفَ النَّبيِّ من تبوك، ورجَّح بعضُهم أنَّها كانت في شعبان سنَة عشرٍ لا سنةَ تسعٍ، وفي حديث ابن مسعود عند مسلمٍ أنَّها كانت ليلة جمعة (ثُمَّ قَالَ) عويمرٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنْ حَبَسْتُهَا؛ فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا) زاد في «باب من أجاز طلاق الثلاث» [خ¦٥٢٥٩] من طريق مالك عن ابن شهاب: «ثلاثًا»، وتمسَّك به مَن قال: لا تقع الفُرقة بين المتلاعنين إلَّا بإيقاع الزَّوج، وهو قول عثمانَ اللَّيثيِّ، واحتجَّ بأنَّ الفُرقة لم تذكر في القرآن، وأنَّ ظاهر الأحاديث أنَّ الزوج هو الذي طلَّق ابتداءً، وقال الشَّافعيُّ وسحنون من المالكيَّة: تقع بعد فراغ الزوج من اللِّعان؛ لأنَّ التِعانَ المرأة إنَّما شُرِع لدفع الحدِّ عنها، بخلاف الرجل؛ فإنَّه يزيد على ذلك في حقِّه (٣) نفيُ النَّسب ولَحاقُ الولد وزوالُ الفراش، وقال مالكٌ: بعد فراغ المرأة، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث: لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علَّق طلاق امرأة بفِراق أُخرى ثمَّ لاعن الأخرى، وقال أبو حنيفة: لا تقع حتى يوقِعَها الحاكم؛ لظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، وتكون فُرقة طلاقٍ، وعن أحمد روايتان، وقولُ النوويِّ في «شرح مسلمٍ»: كذبتُ عليها -يا رسول الله- إن أمسكتها: هو كلامٌ مستقِلٌّ، وقوله: «فطلَّقها» أي: ثم عقَّب ذلك بطلاقها؛ وذلك لأنَّه ظنَّ أنَّ اللِّعان لا يحرِّمُها عليه (٤)، فأراد تحريمَها بالطلاق فقال: هي طالق ثلاثًا، فقال له (٥) النَّبيُّ : «لا سبيل لك عليها» أي: لا مِلْكَ لك عليها، فلا يقع طلاقًا (٦)، تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه يوهم أنَّ قولَه: «لا سبيل لك عليها»

وقع منه عَقِبَ قولِ الملاعن (١): هي طالق ثلاثًا، وأنَّه موجودٌ كذلك في حديث سهل بن سعد الذي شرحه، وليس كذلك؛ فإنَّ قوله: «لا سبيل لك عليها» لم يقع في حديث سهل، وإنَّما وقع في حديث (٢) ابن عمر [خ¦٥٣١٢] [خ¦٥٣٥٠] عَقِبَ قوله: «الله يعلم (٣) أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»، وقال الخطَّابيُّ: لفظ «فطلقها» يدلُّ على وقوع الفُرقة باللِّعان، ولولا ذلك؛ لصارت في حكم المطلقات، وأجمعوا على أنَّها ليست في حكمهنَّ، فلا يكون له مراجعتُها إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا يحلُّ له أن يخطبها إن كان بائنًا، وإنَّما اللِّعان فُرقة فسخٍ (فَكَانَتْ) أي: الفُرقة بينهما (سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي المُتَلَاعِنَيْنِ) فلا يجتمعان بعد الملاعنة، وقال ابن عبد البَرِّ: أبدى له بعض أصحابنا فائدة؛ وهو ألَّا يجتمع ملعونٌ مع غير ملعون؛ لأنَّ أحدهما ملعونٌ في الجملة، بخلاف ما إذا تزوَّجت المرأة غيرَ الملاعن، فإنَّه لا يتحقَّق، وعورِضَ: بأنَّه لو كان كذلك؛ لامتنع عليهما معًا التزويج؛ لأنَّه يتحقَّق أنَّ أحدَهما ملعونٌ، ويمكن أن يُجاب: بأنَّ في هذه الصورة افتراقًا في الجملة، وفي رواية الباب الآتي [خ¦٤٧٤٦] من طريق فُليح عن الزهري: فكانت سُنَّةً أن يفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، فأنكر حملها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ : انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد لدلالة السياق عليه (أَسْحَمَ) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الحاء المهملتين آخره ميم، أي: أسود (أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ) بالعين المهملة والجيم، أي: شديد سواد الحدقة (عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ) بفتح الهمزة، أي: العَجُز (٤) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللَّام المشدَّدة آخره جيم، أي: عظيمهما (فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وكسر الميم، مصغَّر «أحمر»، وقول صاحب «التنقيح»: إنَّ الصواب صرف «أحيمر»؛ وهو الأبيض، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: عدم الصرف -كما في المتن- هو الصواب، وما ادَّعى (٥) أنه عين الصواب هو عينُ الخطأ

(كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة والراء: دُويبة تترامى على الطعام واللحم فتُفسِدُه، وهي من أنواع الوَزَغ، وشبَّهَهُ بها لحُمرتها وقِصَرِها (فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللهِ) ولغير أبي (١) ذر: «نعت به رسول الله» ( مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ) وفي «باب التلاعن في المسجد» [خ¦٥٣٠٩] من طريق ابن جريج عن الزهري: فجاءت به على المكروه من ذلك (فَكَانَ) أي: الولدُ (بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ) فاعتُبر الشَّبَه من غير حكم به؛ لأجل ما هو أقوى من الشبه؛ وهو الفِراش، كما فعل في ابن وليدة زَمْعَة، وإنَّما يُحكم بالشَّبه وهو حكم القافة إذا استوت العلائق، كسيِّدين وطئا في طُهر.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٩] [خ¦٥٣٠٨] [خ¦٥٣٠٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٤] و «الأحكام» [خ¦٧١٦٥] [خ¦٧١٦٦] و «المحاربين» [خ¦٦٨٥٤] و «التفسير» أيضًا (٢)، ومسلمٌ في «اللعان»، وأبو داود في «الطلاق»، وكذا النَّسائي وابن ماجه.

(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَالْخَامِسَةُ﴾) أي: والشهادةُ الخامسة (﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]) فيما رمى به زوجتَه من الزنا، وهذا لعان الرجل، وحكمُه: سقوطُ حدِّ (٣) القذف، وحصولُ الفُرقة بينهما بنفسه فُرقةُ فسخٍ في مذهبنا؛ لقولِه المرويِّ في «البيهقيِّ» وغيره: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا»، وعند أبي حنيفة : بتفريق الحاكم فُرقة طلاق، ونفي الولد إن تعرَّض له فيه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النِّسَاءِ) ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لَمْ يَدْرُوا لِمَا بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ قَالَ: الَّذِي يُرِيدُ الطَّعَامَ وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: الَّذِينَ لَا يُهِمُّهُمْ إِلَّا بُطُونُهُمْ وَلَا يَخَافُونَ عَلَى النِّسَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ قَالَ: لَمْ يَدْرُوا مَا هِيَ مِنَ الصِّغَرِ قَبْلَ الْحُلُمِ.

١ - بَاب ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾

٤٧٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفريابي، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَسَائِلَ. فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَرِهَ الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : انْظُرُوا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مُطَوَّلًا وَفِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ.

وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ. هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ رُبَّمَا أُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَإِسْحَاقُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْكَلَابَاذِيُّ أَيْضًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.

٢ - بَاب ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

٤٧٤٦ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ التَّلَاعُنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ. قَالَ: فَتَلَاعَنَا - وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَفَارَقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا، ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور بن بَهرام، أبو يعقوب الكَوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ، وهو مِن مشايخ المؤلِّف، روى عنه هنا بالواسطة، قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرحمن بنُ عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّدُ بنُ مسلمِ ابنِ شهابٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديِّ الأنصاريِّ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ عُوَيْمِرًا) بضمِّ العين المهملة وفتح الواو تصغيرُ عامرٍ، ابنَ الحارث بن زيد بن الجَدِّ بفتح (١) الجيم وتشديد الدَّال؛ ابنِ عَجْلان، وفي رواية القَعنبيِّ عن مالكٍ: عويمر بن أشقر، وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة، وفي «الاستيعاب»: عويمر ابن أبيض، قال الحافظ ابن حجر: فلعلَّ أباه كان يلقَّب أشقر وأبيض (٢)، وفي الصَّحابة: عويمرُ بن أَشقرَ آخرُ، وهو مازنيٌّ، أخرج له ابن ماجه (أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ) العجلانيَّ (وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ) بفتح العين وسكون الجيم، وهو ابنُ عمِّ والد عويمر، ولأبي ذرٍّ: «بني العجلان» (فَقَالَ) له: (كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ أَيَقْتُلُهُ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ، أي: أيقتُلُ الرجلَ (فَتَقْتُلُونَهُ) قِصاصًا؛ لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].

وفي قِصَّة العجلانيِّ من حديث ابن عمر المرويِّ في «مسلمٍ»: فقال: أرأيت إن وَجَدَ مع امرأته رجلًا، فإن تكلَّم به؛ تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكتَ؛ سكتَ على مثل ذلك، وفي حديث ابن مسعودٍ عنده أيضًا: إن تكلَّم جلدتموه، وإن قَتَلَ؛ قتلتموه، وإن سكت؛ سكت على غيظٍ، وفي رواية عن ابن عبَّاسٍ: لمَّا نزلت (٣) ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآيةَ؛ قال عاصم بن عديٍّ: إن (٤) دخل رجل منَّا بيته فرأى رجلًا على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجالٍ يشهدون بذلك؛ فقد قضى الرجل حاجته وذهب، وإن قَتَلَه؛ قُتل به، وإن قال: وجدت فلانًا معها؛ ضُرب، وإن سكت؛ سكت على غيظٍ (أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟) «أم» تَحتملُ أن تكون متَّصلةً؛ يعني: إذا رأى الرجل هذا المنكر الشنيع والأمر الفظيع وثارت عليه الحَمِيَّة أيقتُلُه فتقتُلُونه أم يصبرُ

على ذلك الشَّنار (١) والعار؟ ويَحتملُ أن تكون منقطعةً، فسأل أولًا عنِ القتل مع القصاص (٢)، ثمَّ أضربَ عنه إلى سؤاله كيف يصنع؛ لأنَّ «أم» المنقطعة متضمِّنةٌ لـ «بل» والهمزة (٣) فـ «بلْ» تضربُ الكلام السَّابق، والهمزةُ تستأنِفُ كلامًا آخر، والمعنى: كيف يصنع؟ أيصبر على العار أم (٤) يُحدِثُ اللهُ له أمرًا آخر؟ فلذا قال: (سَلْ لِي) يا عاصمُ (رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) حُذِفَ المقولُ لدلالة السابق عليه، أي: كيف تقول في رجلٍ وجد مع امرأته رجلًا، أيقتُله فتقتُلُونه أم كيف يصنع؟ (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ المَسَائِلَ) المذكورة لما فيها من البشاعة والإشاعة على المسلمين والمسلمات، وتسليط العدوِّ في الدِّين بالخوض في أعراضِهِم، وزاد في «اللعان» [خ¦٥٢٥٩] و «الطلاق» [خ¦٥٣٠٨] من طريق مالك عن ابن شهاب: وعابها حتى كَبُرَ على (٥) عاصم ما سَمِعَ من رسول الله ، فلمَّا رجع عاصمٌ إلى أهله (فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ) فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسولُ الله ؟ (فَقَالَ) عاصمٌ: لم تأتني بخير (إِنَّ رَسُولَ اللهِ كَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا) ثبت لفظ «وعابها» هنا، وسقط مِنَ الأولى (قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ؛ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ) إلى رسول الله (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) يزني بها (أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : قَدْ أَنْزَلَ اللهُ القُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) هي زوجتُه خولةُ بنتُ قيسٍ فيما ذكره مُقاتلٌ، وذكر ابن الكلبيِّ: أنَّها بنت عاصمٍ المذكور، واسمُها خولة، والمشهور أنَّها بنت قيس، وأخرج ابن مردويه من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عاصم بن عدي لمَّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] قال: يا رسول الله؛ أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف، وأخرج ابن أبي حاتم في «التفسير» عن مقاتل بن حيَّان قال: لمَّا سأل عاصمٌ عن ذلك؛ ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابنُ عمِّه تحتَه ابنةُ عمِّه رماها بابن عمِّه، المرأة والزوج

والخليل ثلاثتُهم بنو عم عاصم، وعند ابن مردويه من مرسل ابن أبي ليلى: أنَّ الرجل الذي رمى عُوَيْمر امرأتَه به هو شَرِيكُ بن سَحْماء، وهو يشهد لصِحَّة هذه الرواية؛ لأنَّه ابن عم عويمر؛ لأنَّه شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم: فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم، أقسم بالله لقد رأيتُ شَرِيك بن سحماء على (١) بطنها، وإنَّها لحبلى وما قَرُبتُها منذ أربعة أشهرٍ، وفي حديث عبد الله بن جعفر (٢) عند الدَّارقطنيِّ: لاعَنَ بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها وقال: هو لابن سحماء، وإذا جاء الخبر مِن طرقٍ متعدِّدةٍ؛ فإنَّ بعضَها يعضُدُ بعضًا، وظاهرُ السِّياق يقتضي أنَّه كان تقدَّم من عويمر إشارةٌ إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، والظاهر: أن في هذا السياق اختصارًا، ويوضحه ما في حديث ابن عمر في قصَّة العجلانيِّ بعد قوله: إن تكلَّم؛ تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت؛ سكت على مثل ذلك، فسكت عنه النبيُّ ، فلمَّا كان بعد ذلك؛ أتاه فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتليتُ به، فدلَّ على أنَّه لم يذكر امرأته إلَّا بعد أن انصرف ثم عاد (فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ بِالمُلَاعَنَةِ) بضمِّ الميم، قال في «المغرب»: لَعَنَه لَعْنًا، وَلَاعَنَه مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا، وَتَلَاعَنُوا: لَعَنَ بعضُهم بعضًا، وهو لغةً: الطردُ والإبعاد، وشرعًا: كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَت حجَّةً للمضطر إلى قذفِ مَن لطَّخَ فِراشه وألحقَ العارَ به، أو إلى نفي ولد، قال النَّوويُّ: إنَّما سُمِّي لِعانًا؛ لأنَّ كلًّا من الزَّوجين يَبْعُد عن صاحبه (بِمَا سَمَّى اللهُ فِي كِتَابِهِ) في هذه الآية بأنْ يقولَ الزوجُ أربعَ مرَّات: أشهدُ بالله إنِّي لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا، والخامسة: أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ويشير إليها في الحضور، ويميِّزُها في الغَيبة، ويأتي بَدَلَ ضمائرِ الغائبِ بضمائرِ المتكلِّم، فيقول: لعنة الله عليَّ إن كنتُ … إلى آخره، وإن كان ولدٌ ينفيه ذكره في الكلمات

الخمس لينتفي عنه، فيقول (١): إنَّ الولد الذي ولدته أو هذا الولد من زنا ليس منِّي (فَلَاعَنَهَا) أي: لاعن عويمرٌ (٢) زوجتَه خولةَ بعد أن قذفها، وأتت عند النبيِّ وسألها فأنكرت، وأصرَّا في السنة الأخيرة مِن زمانه ، وجزم الطبريُّ وأبو حاتم وابن حِبان: بأنَّها في شعبان سنة تسع، وعند الدارقطنيِّ من حديث عبد الله بن جعفر: أنَّها كانت منصرفَ النَّبيِّ من تبوك، ورجَّح بعضُهم أنَّها كانت في شعبان سنَة عشرٍ لا سنةَ تسعٍ، وفي حديث ابن مسعود عند مسلمٍ أنَّها كانت ليلة جمعة (ثُمَّ قَالَ) عويمرٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنْ حَبَسْتُهَا؛ فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا) زاد في «باب من أجاز طلاق الثلاث» [خ¦٥٢٥٩] من طريق مالك عن ابن شهاب: «ثلاثًا»، وتمسَّك به مَن قال: لا تقع الفُرقة بين المتلاعنين إلَّا بإيقاع الزَّوج، وهو قول عثمانَ اللَّيثيِّ، واحتجَّ بأنَّ الفُرقة لم تذكر في القرآن، وأنَّ ظاهر الأحاديث أنَّ الزوج هو الذي طلَّق ابتداءً، وقال الشَّافعيُّ وسحنون من المالكيَّة: تقع بعد فراغ الزوج من اللِّعان؛ لأنَّ التِعانَ المرأة إنَّما شُرِع لدفع الحدِّ عنها، بخلاف الرجل؛ فإنَّه يزيد على ذلك في حقِّه (٣) نفيُ النَّسب ولَحاقُ الولد وزوالُ الفراش، وقال مالكٌ: بعد فراغ المرأة، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث: لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علَّق طلاق امرأة بفِراق أُخرى ثمَّ لاعن الأخرى، وقال أبو حنيفة: لا تقع حتى يوقِعَها الحاكم؛ لظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، وتكون فُرقة طلاقٍ، وعن أحمد روايتان، وقولُ النوويِّ في «شرح مسلمٍ»: كذبتُ عليها -يا رسول الله- إن أمسكتها: هو كلامٌ مستقِلٌّ، وقوله: «فطلَّقها» أي: ثم عقَّب ذلك بطلاقها؛ وذلك لأنَّه ظنَّ أنَّ اللِّعان لا يحرِّمُها عليه (٤)، فأراد تحريمَها بالطلاق فقال: هي طالق ثلاثًا، فقال له (٥) النَّبيُّ : «لا سبيل لك عليها» أي: لا مِلْكَ لك عليها، فلا يقع طلاقًا (٦)، تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه يوهم أنَّ قولَه: «لا سبيل لك عليها»

وقع منه عَقِبَ قولِ الملاعن (١): هي طالق ثلاثًا، وأنَّه موجودٌ كذلك في حديث سهل بن سعد الذي شرحه، وليس كذلك؛ فإنَّ قوله: «لا سبيل لك عليها» لم يقع في حديث سهل، وإنَّما وقع في حديث (٢) ابن عمر [خ¦٥٣١٢] [خ¦٥٣٥٠] عَقِبَ قوله: «الله يعلم (٣) أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»، وقال الخطَّابيُّ: لفظ «فطلقها» يدلُّ على وقوع الفُرقة باللِّعان، ولولا ذلك؛ لصارت في حكم المطلقات، وأجمعوا على أنَّها ليست في حكمهنَّ، فلا يكون له مراجعتُها إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا يحلُّ له أن يخطبها إن كان بائنًا، وإنَّما اللِّعان فُرقة فسخٍ (فَكَانَتْ) أي: الفُرقة بينهما (سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي المُتَلَاعِنَيْنِ) فلا يجتمعان بعد الملاعنة، وقال ابن عبد البَرِّ: أبدى له بعض أصحابنا فائدة؛ وهو ألَّا يجتمع ملعونٌ مع غير ملعون؛ لأنَّ أحدهما ملعونٌ في الجملة، بخلاف ما إذا تزوَّجت المرأة غيرَ الملاعن، فإنَّه لا يتحقَّق، وعورِضَ: بأنَّه لو كان كذلك؛ لامتنع عليهما معًا التزويج؛ لأنَّه يتحقَّق أنَّ أحدَهما ملعونٌ، ويمكن أن يُجاب: بأنَّ في هذه الصورة افتراقًا في الجملة، وفي رواية الباب الآتي [خ¦٤٧٤٦] من طريق فُليح عن الزهري: فكانت سُنَّةً أن يفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، فأنكر حملها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ : انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد لدلالة السياق عليه (أَسْحَمَ) بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الحاء المهملتين آخره ميم، أي: أسود (أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ) بالعين المهملة والجيم، أي: شديد سواد الحدقة (عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ) بفتح الهمزة، أي: العَجُز (٤) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللَّام المشدَّدة آخره جيم، أي: عظيمهما (فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وكسر الميم، مصغَّر «أحمر»، وقول صاحب «التنقيح»: إنَّ الصواب صرف «أحيمر»؛ وهو الأبيض، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: عدم الصرف -كما في المتن- هو الصواب، وما ادَّعى (٥) أنه عين الصواب هو عينُ الخطأ

(كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة والراء: دُويبة تترامى على الطعام واللحم فتُفسِدُه، وهي من أنواع الوَزَغ، وشبَّهَهُ بها لحُمرتها وقِصَرِها (فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللهِ) ولغير أبي (١) ذر: «نعت به رسول الله» ( مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ) وفي «باب التلاعن في المسجد» [خ¦٥٣٠٩] من طريق ابن جريج عن الزهري: فجاءت به على المكروه من ذلك (فَكَانَ) أي: الولدُ (بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ) فاعتُبر الشَّبَه من غير حكم به؛ لأجل ما هو أقوى من الشبه؛ وهو الفِراش، كما فعل في ابن وليدة زَمْعَة، وإنَّما يُحكم بالشَّبه وهو حكم القافة إذا استوت العلائق، كسيِّدين وطئا في طُهر.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٩] [خ¦٥٣٠٨] [خ¦٥٣٠٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٤] و «الأحكام» [خ¦٧١٦٥] [خ¦٧١٦٦] و «المحاربين» [خ¦٦٨٥٤] و «التفسير» أيضًا (٢)، ومسلمٌ في «اللعان»، وأبو داود في «الطلاق»، وكذا النَّسائي وابن ماجه.

(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَالْخَامِسَةُ﴾) أي: والشهادةُ الخامسة (﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]) فيما رمى به زوجتَه من الزنا، وهذا لعان الرجل، وحكمُه: سقوطُ حدِّ (٣) القذف، وحصولُ الفُرقة بينهما بنفسه فُرقةُ فسخٍ في مذهبنا؛ لقولِه المرويِّ في «البيهقيِّ» وغيره: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا»، وعند أبي حنيفة : بتفريق الحاكم فُرقة طلاق، ونفي الولد إن تعرَّض له فيه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل