«قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٧١

الحديث رقم ٤٧٧١ من كتاب «سورة الشعراء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك ألن جانبك.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٧١ في صحيح البخاري

«قَامَ رَسُولُ اللهِ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا».

تَابَعَهُ أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.

النَّمْلُ

وَالْخَبْءُ مَا خَبَأْتَ، ﴿لا قِبَلَ﴾ لَا طَاقَةَ، ﴿الصَّرْحُ﴾ كُلُّ مِلَاطٍ اتُّخِذَ مِنَ الْقَوَارِيرِ، وَالصَّرْحُ الْقَصْرُ، وَجَمَاعَتُهُ صُرُوحٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ سَرِيرٌ كَرِيمٌ حُسْنُ الصَّنْعَةِ، وَغَلَاءُ الثَّمَنِ، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ طَائِعِينَ، ﴿رَدِفَ﴾ اقْتَرَبَ ﴿جَامِدَةً﴾ قَائِمَةً ﴿أَوْزِعْنِي﴾ اجْعَلْنِي وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَكِّرُوا﴾ غَيِّرُوا ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ يَقُولُهُ سُلَيْمَانُ الصَّرْحُ بِرْكَةُ مَاءٍ ضَرَبَ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ ﴿قَوَارِيرَ﴾ أَلْبَسَهَا إِيَّاهُ.

القَصَصُ

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ إِلَّا مُلْكَهُ، وَيُقَالُ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأَنْبَاءُ﴾ الْحُجَجُ.

﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٧٧١

٤٧٧١ - حَدَّثَنَا

⦗١١٢⦘

أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٧١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنه الله: (تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ) أي: بقيَّتُه، و «تبًّا»: نُصِبَ على المصدر بإضمارِ فعلٍ، أي: ألزمك الله تبًّا (أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ﴾) أي: هلكتْ أو خسرتْ (﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾) نفسه (﴿وَتَبَّ﴾) إخبارٌ بعد الدعاء (﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]) وكسبه بنوه (١).

وهذا الحديث من مراسيل الصَّحابة؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ إنَّما أسلَمَ بالمدينة، وهذه القِصَّةُ كانت بمكَّةَ، وكان ابنُ عبَّاسٍ إمَّا لم يولد، وإمَّا طفلًا، وذكره المؤلِّف في «باب مَنِ انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية» من «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٥٢٥] [خ¦٣٥٢٦].

٤٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ) على الصَّفا (حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) بتخليصِها مِنَ العذاب بالطاعة؛ لأنَّها ثمن النَّجاةِ (لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) لا أَدْفَعُ، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أو: لا أنفعكم (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ) وللأصيليِّ: «يا صفية» (عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ) (لَا أُغْنِي عَنْكِ

مِنَ اللهِ شَيْئًا) ترقَّى في القُرْب من العم إلى العمة في الأشخاص، كما ترقَّى من قريش إلى بني (١) عبد مناف في القبيلة (وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ) سقطت التصليةُ لأبي ذرٍّ (سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي (٢)، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) ويجوزُ في «ابن عبد المطلب» و «عمة» و «بنت» النصبُ والرفعُ باعتبار اللفظ والمحلِّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بنُ الفرج شيخُ المؤلِّف (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبدِ الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ.

وسبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٣] القول في وجه هذه المتابعة.

(((٢٧))) (النَّمْل) مكِّيَّة، وهي ثلاثٌ أو أربعٌ وتسعونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سُورَةُ النَّملِ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، وللنسفيِّ تقديمُها.

(الخَبْءُ) ولغير أبي ذرٍّ: «والخبء» بزيادة واو، ومرادُه قولُه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] هو (مَا خَبَأْتَ) يُقال: خَبَأتُ الشيءَ أَخْبُؤه خَبْأً، أي: سَتَرتُه، ثم أُطلق على الشيءِ المَخْبُوءِ، ونحوه (٣): ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان: ١١] وقيل: الخبء في السموات: المطر، وفي الأرض: النبات، وقيل: الغيث (٤)، وهو يدُلُّ على كمال القدرة، وسُمِّي المخبوء بالمصدر، ليتناولَ جميعَ الأموال والأرزاق.

(﴿لَّا قِبَلَ﴾) في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ﴾ [النمل: ٣٧] أي: (لَا طَاقَةَ) لَهُمْ بمُقاوَمَتِها.

(الصَّرْحُ) في قوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] هو (كُلُّ مِلَاطٍ) بميمٍ مكسورة: الطينُ الذي

يُجعل بين سافي (١) البناء، وللأصيليِّ -كما في الفتح-: «بلاط» بالموحَّدة المفتوحة، ومثلُه لابن (٢) السَّكَن، وكذا ضبطه الدِّمياطيُّ في نُسختِه (اتُّخِذَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول (مِنَ القَوَارِيرِ) وهو الزُّجَاج الشَّفَّاف (وَالصَّرْح: القَصْرُ) وقال الراغبُ: بيتٌ عالٍ مَزَوَّقٌ، سَمِّي بذلك اعتبارًا بكونه صرحًا عن البيوت، أي: خالصًا (وَجَمَاعَتُهُ) أي: الصَّرْحُ (صُرُوحٌ).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٣) وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ [النمل: ٢٣]) أي: (سَرِيرٌ، ﴿كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] حُسْنُ الصَّنْعَةِ) بضمِّ الحاء وسكون السين (وَغَلَاءُ الثَّمَنِ) وكان مضروبًا من الذهب، مُكلَّلًا بالدُّرِّ والياقوت الأحمر والزَّبرجَد الأخضر، وقوائمُه من الياقوت والزُّمُرُّد، وعليه سبعةُ أبوابٍ، على كلِّ بيتٍ بابٌ مغلقٌ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان عرشُها ثلاثينَ ذِراعًا في ثلاثينَ ذِراعًا، وطولُه في السماء ثلاثون (٤) ذِراعًا، وعند ابن أبي حاتم: ثمانون ذِراعًا في أربعين.

(﴿مُسْلِمِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «﴿يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾» [النمل: ٣٨] أي: (طَائِعِينَ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطبريُّ.

(﴿رَدِفَ﴾) في قوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ﴾ [النمل: ٧٢] قال ابن عبَّاس: (اقْتَرَبَ) فضمَّن ﴿رَدِفَ﴾ معنى فعلٍ يتعدَّى باللَّام؛ وهو «اقترب»، أو أزف ﴿لَكُم﴾ (٥) و ﴿بَعْضُ الَّذِي﴾ فاعلٌ به، أو ﴿رَدِفَ﴾ مفعولُه محذوفٌ، واللَّام للعِلَّة، أي: ردف الخلق لأجلكم، أو اللَّام مزيدة في المفعول تأكيدًا (٦)، كزيادتها (٧) في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أو فاعل ﴿رَدِفَ﴾ ضمير الوعد، أي: ردف الوعد، أي: قرب ودنا مقتضاه، و ﴿لَكُم﴾ خبر مقدم، و ﴿بَعْضُ﴾ مبتدأ مؤخر.

(﴿جَامِدَةً﴾) في قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أي: (قَائِمَةً) قاله ابن عبَّاس.

(﴿أَوْزِعْنِي﴾) في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل: ١٩] أي: (اجْعَلْنِي) أزع شُكْرَ نعمتِكَ عندي.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله: (﴿نَكِّرُوا﴾ [النمل: ٤١]) أي: (غَيِّرُوا) لها عرشها إلى حالةٍ تُنْكِرُه إذا رأَتْه، روي: أنَّه جُعِلَ أسفلُه أعلاه وأعلاه أسفلَه، ومكانُ الجوهرِ الأحمرِ أخضرَ ومكانُ الأخضرِ أحمرَ.

(﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢]) قال مجاهد: (يَقُولُهُ سُلَيْمَانُ) وقال في «الأنوار» و «اللباب» وغيرهما: من قول سليمان وقومه، فالضميرُ في ﴿قَبْلِهَا﴾ عائدٌ على بَلْقيس، فكأنَّ سليمانَ وقومَه قالوا: إنَّها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة، وقد رُزِقَتِ الإسلامَ، ثم عطفوا على ذلك قولَهم: وأوتينا (١) نحنُ العلمَ بالله وبقدرتِه على ما يشاء مِن قَبْلِ هذه المرأةِ مثلَ علمِها، وغرضُهم من ذلك شكرُ الله تعالى في أنْ خصَّهم بمزيد التقدُّم في الإسلام، قاله مجاهدٌ، أو هو مِن تتمَّة كلامها، فالضميرُ في ﴿قَبْلِهَا﴾ راجعٌ للمعجزة أو (٢) الحالة الدال (٣) عليهما السياق، والمعنى: وأوتينا العلم بنبوَّة سليمان مِن قَبْلِ ظهور هذه المعجزة أو مِنْ قبل هذه الحالة، وذلك لمَّا رأت مِنْ أمرِ الهُدْهُدِ وغيره.

(الصَّرْحُ): هو (بِرْكَةُ مَاءٍ ضَرَبَ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ) (قَوَارِيرَ) وهو الزُّجَاج الشَّفَّاف (أَلْبَسَهَا إِيَّاهُ) وللأصيليِّ: «إيَّاها»، وكان قد ألقى في هذا الماء كلَّ شيءٍ مِن دوابِّ البحر؛ من السمك، والضفادع، وغيرهما، ثم وضع سريرَه في صدره وجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجِنُّ والإنس، وقيل: إنَّه اتخذ صُحُفًا (٤) من قوارير، وجعلَ تحتَها تماثيلَ مِنَ الحيتان والضفادع، فكان الرائي يظنُّه ماءً.

(((٢٨))) (سورة القَصَصِ) مكِّيَّة، وقيل: إلَّا قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] وهي ثمانٌ وثمانونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سورة القصص بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي نسخة (١) تقديم البسملة على سورة.

(﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: (إِلَّا مُلْكَهُ) وقيل: إلَّا جلالَه أو إلَّا ذاتَه، فالاستثناءُ متَّصِلٌ؛ إذ يُطلَق على الباري تعالى شيءٌ (وَيُقَالُ) على مذهب مَن يمنع: (إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ) فيكونُ الاستثناءُ متَّصِلًا، أوِ المعنى: لكن هو تعالى لم يهلك، فيكونُ منقطعًا.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿الْأَنبَاء﴾) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء﴾» [القصص: ٦٦] أي: (الحُجَجُ) فلا يكونُ لهم عُذْرٌ ولا حُجَّةٌ، وقيل: خفيت واشتبهت عليهم الأخبار والأعذار.

(١) (قوله: ﴿إِنَّكَ﴾) أي: يا محمَّد، ولأبي ذرٍّ الهروي: «باب قوله: ﴿إِنَّكَ﴾» (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) هدايته أو أحببته لقَرَابته، وقد أجمع المفسِّرون -كما قاله الزَّجَّاج- أنَّها نزلت في أبي طالب (﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) ولا تنافي بين هذه (٢) وبين قوله في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لأنَّ الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدر؛ وهو نورٌ يُقذف في القلب فيحيا به.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنه الله: (تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ) أي: بقيَّتُه، و «تبًّا»: نُصِبَ على المصدر بإضمارِ فعلٍ، أي: ألزمك الله تبًّا (أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ﴾) أي: هلكتْ أو خسرتْ (﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾) نفسه (﴿وَتَبَّ﴾) إخبارٌ بعد الدعاء (﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]) وكسبه بنوه (١).

وهذا الحديث من مراسيل الصَّحابة؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ إنَّما أسلَمَ بالمدينة، وهذه القِصَّةُ كانت بمكَّةَ، وكان ابنُ عبَّاسٍ إمَّا لم يولد، وإمَّا طفلًا، وذكره المؤلِّف في «باب مَنِ انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية» من «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٥٢٥] [خ¦٣٥٢٦].

٤٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ) على الصَّفا (حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) بتخليصِها مِنَ العذاب بالطاعة؛ لأنَّها ثمن النَّجاةِ (لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) لا أَدْفَعُ، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أو: لا أنفعكم (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ) وللأصيليِّ: «يا صفية» (عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ) (لَا أُغْنِي عَنْكِ

مِنَ اللهِ شَيْئًا) ترقَّى في القُرْب من العم إلى العمة في الأشخاص، كما ترقَّى من قريش إلى بني (١) عبد مناف في القبيلة (وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ) سقطت التصليةُ لأبي ذرٍّ (سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي (٢)، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) ويجوزُ في «ابن عبد المطلب» و «عمة» و «بنت» النصبُ والرفعُ باعتبار اللفظ والمحلِّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بنُ الفرج شيخُ المؤلِّف (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبدِ الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ.

وسبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٣] القول في وجه هذه المتابعة.

(((٢٧))) (النَّمْل) مكِّيَّة، وهي ثلاثٌ أو أربعٌ وتسعونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سُورَةُ النَّملِ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، وللنسفيِّ تقديمُها.

(الخَبْءُ) ولغير أبي ذرٍّ: «والخبء» بزيادة واو، ومرادُه قولُه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] هو (مَا خَبَأْتَ) يُقال: خَبَأتُ الشيءَ أَخْبُؤه خَبْأً، أي: سَتَرتُه، ثم أُطلق على الشيءِ المَخْبُوءِ، ونحوه (٣): ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان: ١١] وقيل: الخبء في السموات: المطر، وفي الأرض: النبات، وقيل: الغيث (٤)، وهو يدُلُّ على كمال القدرة، وسُمِّي المخبوء بالمصدر، ليتناولَ جميعَ الأموال والأرزاق.

(﴿لَّا قِبَلَ﴾) في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ﴾ [النمل: ٣٧] أي: (لَا طَاقَةَ) لَهُمْ بمُقاوَمَتِها.

(الصَّرْحُ) في قوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] هو (كُلُّ مِلَاطٍ) بميمٍ مكسورة: الطينُ الذي

يُجعل بين سافي (١) البناء، وللأصيليِّ -كما في الفتح-: «بلاط» بالموحَّدة المفتوحة، ومثلُه لابن (٢) السَّكَن، وكذا ضبطه الدِّمياطيُّ في نُسختِه (اتُّخِذَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول (مِنَ القَوَارِيرِ) وهو الزُّجَاج الشَّفَّاف (وَالصَّرْح: القَصْرُ) وقال الراغبُ: بيتٌ عالٍ مَزَوَّقٌ، سَمِّي بذلك اعتبارًا بكونه صرحًا عن البيوت، أي: خالصًا (وَجَمَاعَتُهُ) أي: الصَّرْحُ (صُرُوحٌ).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٣) وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ [النمل: ٢٣]) أي: (سَرِيرٌ، ﴿كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] حُسْنُ الصَّنْعَةِ) بضمِّ الحاء وسكون السين (وَغَلَاءُ الثَّمَنِ) وكان مضروبًا من الذهب، مُكلَّلًا بالدُّرِّ والياقوت الأحمر والزَّبرجَد الأخضر، وقوائمُه من الياقوت والزُّمُرُّد، وعليه سبعةُ أبوابٍ، على كلِّ بيتٍ بابٌ مغلقٌ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان عرشُها ثلاثينَ ذِراعًا في ثلاثينَ ذِراعًا، وطولُه في السماء ثلاثون (٤) ذِراعًا، وعند ابن أبي حاتم: ثمانون ذِراعًا في أربعين.

(﴿مُسْلِمِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «﴿يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾» [النمل: ٣٨] أي: (طَائِعِينَ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطبريُّ.

(﴿رَدِفَ﴾) في قوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ﴾ [النمل: ٧٢] قال ابن عبَّاس: (اقْتَرَبَ) فضمَّن ﴿رَدِفَ﴾ معنى فعلٍ يتعدَّى باللَّام؛ وهو «اقترب»، أو أزف ﴿لَكُم﴾ (٥) و ﴿بَعْضُ الَّذِي﴾ فاعلٌ به، أو ﴿رَدِفَ﴾ مفعولُه محذوفٌ، واللَّام للعِلَّة، أي: ردف الخلق لأجلكم، أو اللَّام مزيدة في المفعول تأكيدًا (٦)، كزيادتها (٧) في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أو فاعل ﴿رَدِفَ﴾ ضمير الوعد، أي: ردف الوعد، أي: قرب ودنا مقتضاه، و ﴿لَكُم﴾ خبر مقدم، و ﴿بَعْضُ﴾ مبتدأ مؤخر.

(﴿جَامِدَةً﴾) في قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨] أي: (قَائِمَةً) قاله ابن عبَّاس.

(﴿أَوْزِعْنِي﴾) في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل: ١٩] أي: (اجْعَلْنِي) أزع شُكْرَ نعمتِكَ عندي.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله: (﴿نَكِّرُوا﴾ [النمل: ٤١]) أي: (غَيِّرُوا) لها عرشها إلى حالةٍ تُنْكِرُه إذا رأَتْه، روي: أنَّه جُعِلَ أسفلُه أعلاه وأعلاه أسفلَه، ومكانُ الجوهرِ الأحمرِ أخضرَ ومكانُ الأخضرِ أحمرَ.

(﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢]) قال مجاهد: (يَقُولُهُ سُلَيْمَانُ) وقال في «الأنوار» و «اللباب» وغيرهما: من قول سليمان وقومه، فالضميرُ في ﴿قَبْلِهَا﴾ عائدٌ على بَلْقيس، فكأنَّ سليمانَ وقومَه قالوا: إنَّها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة، وقد رُزِقَتِ الإسلامَ، ثم عطفوا على ذلك قولَهم: وأوتينا (١) نحنُ العلمَ بالله وبقدرتِه على ما يشاء مِن قَبْلِ هذه المرأةِ مثلَ علمِها، وغرضُهم من ذلك شكرُ الله تعالى في أنْ خصَّهم بمزيد التقدُّم في الإسلام، قاله مجاهدٌ، أو هو مِن تتمَّة كلامها، فالضميرُ في ﴿قَبْلِهَا﴾ راجعٌ للمعجزة أو (٢) الحالة الدال (٣) عليهما السياق، والمعنى: وأوتينا العلم بنبوَّة سليمان مِن قَبْلِ ظهور هذه المعجزة أو مِنْ قبل هذه الحالة، وذلك لمَّا رأت مِنْ أمرِ الهُدْهُدِ وغيره.

(الصَّرْحُ): هو (بِرْكَةُ مَاءٍ ضَرَبَ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ) (قَوَارِيرَ) وهو الزُّجَاج الشَّفَّاف (أَلْبَسَهَا إِيَّاهُ) وللأصيليِّ: «إيَّاها»، وكان قد ألقى في هذا الماء كلَّ شيءٍ مِن دوابِّ البحر؛ من السمك، والضفادع، وغيرهما، ثم وضع سريرَه في صدره وجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجِنُّ والإنس، وقيل: إنَّه اتخذ صُحُفًا (٤) من قوارير، وجعلَ تحتَها تماثيلَ مِنَ الحيتان والضفادع، فكان الرائي يظنُّه ماءً.

(((٢٨))) (سورة القَصَصِ) مكِّيَّة، وقيل: إلَّا قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] وهي ثمانٌ وثمانونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سورة القصص بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي نسخة (١) تقديم البسملة على سورة.

(﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: (إِلَّا مُلْكَهُ) وقيل: إلَّا جلالَه أو إلَّا ذاتَه، فالاستثناءُ متَّصِلٌ؛ إذ يُطلَق على الباري تعالى شيءٌ (وَيُقَالُ) على مذهب مَن يمنع: (إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ) فيكونُ الاستثناءُ متَّصِلًا، أوِ المعنى: لكن هو تعالى لم يهلك، فيكونُ منقطعًا.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله تعالى: (﴿الْأَنبَاء﴾) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء﴾» [القصص: ٦٦] أي: (الحُجَجُ) فلا يكونُ لهم عُذْرٌ ولا حُجَّةٌ، وقيل: خفيت واشتبهت عليهم الأخبار والأعذار.

(١) (قوله: ﴿إِنَّكَ﴾) أي: يا محمَّد، ولأبي ذرٍّ الهروي: «باب قوله: ﴿إِنَّكَ﴾» (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) هدايته أو أحببته لقَرَابته، وقد أجمع المفسِّرون -كما قاله الزَّجَّاج- أنَّها نزلت في أبي طالب (﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) ولا تنافي بين هذه (٢) وبين قوله في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لأنَّ الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدر؛ وهو نورٌ يُقذف في القلب فيحيا به.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله