الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٧٣
الحديث رقم ٤٧٧٣ من كتاب «سورة القصص» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إن الذي فرض عليك القرآن الآية.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
الْعَنْكَبُوتُ
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ضَلَلَةً. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ عَلِمَ اللهُ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ فَلِيَمِيزَ اللهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ﴾، ﴿أَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أَوْزَارِهِمْ.
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾
﴿فَلا يَرْبُو﴾ مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي أَفْضَلَ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمُونَ، ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُسَوُّونَ
⦗١١٤⦘
الْمَضَاجِعَ، ﴿الوَدْقُ﴾ الْمَطَرُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فِي الْآلِهَةِ، وَفِيهِ ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَفَرَّقُونَ ﴿فَاصْدَعْ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وَضَعْفٌ لُغَتَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿السُّوأَى﴾ الْإِسَاءَةُ جَزَاءُ الْمُسِيئِينَ.
٤٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ قَوْلِهِ: عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتَثْقُلُ، ﴿فَارِغًا﴾: إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، ﴿الْفَرِحِينَ﴾: الْمَرِحِينَ. قُصِّيهِ: اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ. ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا. ﴿نَبْطِشُ﴾ وَنَبْطُشُ أَيْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا. (يَأْتَمِرُونَ: يَتَشَاوَرُونَ) هَذَا جَمِيعُهُ سَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَثَبَتَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ذِكْرُ مُوسَى، تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَكَذَا قَوْلُهُ: نَبْطِشُ … إِلَخْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ فَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولٌ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿قُصِّيهِ﴾ اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ قُصِّي أَثَرَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (قُصِّيهِ) اتَّبِعِي أَثَرَهُ، يُقَالُ: قَصَصْتُ آثَارَ الْقَوْمِ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أَيْ: عَنْ بُعْدٍ وَتَجَنُّبٍ، وَيُقَالُ: مَا تَأْتِينَا إِلَّا عَنْ جَنَابَةٍ وَعَنْ جُنُبٍ.
قَوْلُهُ: ﴿تَأْجُرَنِي﴾ تَأْجُرُ فُلَانًا تُعْطِيهِ أَجْرًا، وَمِنْهُ التَّعْزِيَةُ آجَرَكَ اللَّهُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ مِنَ الْإِجَارَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ تَأَجَّرَ فُلَانًا، وَمِنْهُ: آجَرَكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (الشَّاطِئُ وَالشَّطُّ وَاحِدٌ، وَهُمَا ضَفَّتَا وَعُدْوَتَا الْوَادِي) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾ الشَّاطِئُ وَالشَّطُّ وَاحِدٌ وَهُمَا ضَفَّتَا الْوَادِي وَعُدْوَتَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: حَيَّةٌ تَسْعَى. وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ. الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ، ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قَالَ: بَيَّنَّا لَهُمُ الْقَوْلَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَتْبَعْنَا بَعْضَهُ بَعْضًا فَاتَّصَلَ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجْبَى﴾ يُجْلَبُ) هُوَ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ، وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: يُجْمَعُ كَمَا يُجْمَعُ الْمَاءُ فِي الْجَابِيَةِ فَيُجْمَعُ لِلْوَارِدِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَطِرَتْ﴾ أَشِرَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أَيْ: أَشِرَتْ وَطَغَتْ وَبَغَتْ، وَالْمَعْنَى: بَطِرَتْ فِي مَعِيشَتِهَا. فَانْتَصَبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى أَبْطَرَتْهَا مَعِيشَتُهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولا﴾ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا) قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوُهُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي أُمِّهَا﴾ قَالَ: فِي أَوَائِلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿تُكِنُّ﴾ تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءُ: أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ: أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَكْنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ خَفَيْتُهُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: أَخْفَيْتُهُ: سَتَرْتُهُ، وَخَفَيْتُهُ: أَظْهَرْتُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾؛ أَيْ: تُخْفِي، يُقَالُ: أَكْنَنْتُ ذَلِكَ فِي صَدْرِي بِأَلِفٍ، وَكَنَنْتُ الشَّيْءَ خَفَيْتُهُ وَهُوَ بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَكْنَنْتُ وَكَنَنْتُ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَكْنَنْتُهُ إِذَا أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ) وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أَيْ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ، وَقَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ أَيْ أَوَلَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الْآيَةَ
٤٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَرَادُّكَ
إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ سَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا يَعْلَى) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ التَّمَّارُ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ: إِلَى الْمَوْتِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: يُحْيِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مَعْمَرٍ: وَأَمَّا الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ فَقَالَا: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: مَعَادُهُ آخِرَتُهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
٢٩ - سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
قَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَبْصِرِينَ: ضَلَلَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيُّ وَاحِدٌ. فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ: عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: لِيَمِيزُ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ * لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ضَلَلَةً) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مُعْجَبِينَ بِضَلَالَتِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فِي ضَلَالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيُّ وَاحِدٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيَاةُ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيَاةُ وَاحِدٌ وَزَادَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: نَهْرُ الْحَيَوَانِ أَيْ نَهْرُ الْحَيَاةِ، وَتَقُولُ: حَيِيتُ حَيًّا، وَالْحَيَوَانُ وَالْحَيَاةُ اسْمَانِ مِنْهُ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قَالَ: لَا مَوْتَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: فَلَيَمِيزَ اللَّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ فَلَيَمِيزَنَّ اللَّهُ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: مَنْ دَعَا قَوْمًا إِلَى ضَلَالَةٍ فَعَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أَيْ: أَوْزَارَهُمْ، ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أَوْزَارَ مَنْ أَضَلُّوا.
[٣٠ - سورة الروم]
﴿فَلا يَرْبُو﴾ مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي أَفْضَلَ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمُونَ، ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُسَوُّونَ الْمَضَاجِعَ، الْوَدْقُ: الْمَطَرُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فِي الْآلِهَةِ، وَفِيهِ ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَفَرَّقُونَ، ﴿فَاصْدَعْ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وَضَعْف
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مثلُه، وهو المقامُ المحمود الذي وعدك أن يبعثَك فيه، أو مكَّة كما في الحديث الآتي في الباب [خ¦٤٧٧٣] إن شاء الله تعالى يوم فتحها، وكان ذلك المعادُ له شأنٌ عظيمٌ؛ لاستيلائه ﵊ عليها، وقهرِه لأهلها، وإظهارِه عزَّ الإسلام (١)، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذرٍّ (٢).
٤٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاور بمكَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْلَى) بفتح التحتيَّة واللَّام بينهما عينٌ مهملة ساكنة، ابنُ عُبيدٍ الطنافسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ دِينارٍ (العُصْفُرِيُّ) بضمِّ العين وسكون الصاد المهملتين وضمِّ الفاء وكسر الراء، الكوفيُّ التمَّارُ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إِلَى (٣) مَكَّةَ) ولغير الأصيلي: «قال: إلى مكة»، وعن الحسن: إلى يوم القيامة، وقيل: إلى الجنَّة، وعند ابن أبي حاتم عن الضَّحَّاك: لمَّا خرج النبي ﷺ -يعني: في الهجرة- فبلغ الجُحفة اشتاق إلى مكَّة، فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إلى مكَّة، قال الحافظ ابنُ كثير: وهذا من كلام الضَّحَّاك يقتضي أنَّ هذه الآية مدنيَّة، وإن كان مجموع السورة مكِّيًّا (٤)، والله أعلم.
(((٢٩))) (العَنْكَبُوتُ) مكِّيَّةٌ، وهي تسعٌ وستونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سورةُ العنكبوتِ بسم الله الرحمن الرحيم».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابنُ أبي حاتم في قوله: (﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾) من
قوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أي: (ضَلَلَةً) يحسَبون أنَّهم على هدى وهم على الباطل، والمعنى: أنَّهم كانوا عند أهلهم مستبصرين (١)، وفي نسخة: «ضلالة» بألفٍ (٢) بين اللامين، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وقال في «الأنوار» أي: متمكِّنين من النظر والاستبصار، ولكنَّهم لم يفعلوا.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] (الحَيَوَانُ وَالحَيُّ وَاحِدٌ) في المعنى، وهو قولُ أبي عبيدةَ، والمعنى: لهي (٣) دار الحياة الحقيقيَّة (٤) الدَّائمة الباقية؛ لامتناع طريان الموت عليها، أو هي في ذاتها حياةٌ للمبالغة؛ «والحَي» بفتح الحاء في الفرع وغيره ممَّا وقفتُ عليه، وقال في «المصابيح»: بكسرها، مصدرُ «حَيَّ» (٥)، مثل: عَيَّ في مَنْطِقِهِ عِيًّا، قال: وعند ابن السَّكَن والأصيليِّ: «الحيوان والحياة واحد»، والمعنى لا يختلفُ، وقد سقط لغير أبي ذرٍّ والأصيلي «الحيوان والحي واحد»، وثبت لهما في الفرع (٦).
(﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ [العنكبوت: ٣]) أي: (عَلِمَ اللهُ ذَلِكَ) في الأزلِ القديمِ، فصيغةُ المضيِّ في ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ (٧) اللهُ﴾ (إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: فَلِيَمِيزَ اللهُ) بفتح الياء التحتيَّة وكسر الميم (كَقَوْلِهِ) ﷿: (﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ﴾ [الأنفال: ٣٧]) زاد أبو ذرٍّ (٨): «﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾» لما بين العلم والتمييز من الملازمة، قاله الكِرمانيُّ.
(﴿وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]) أي: (أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ) بسبب إضلالهم لهم (٩)،
لقوله ﵊: «مَن سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً؛ فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها من غير أن ينقصَ مِن وزره شيءٌ» أي: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، وأوزارًا مثل أوزار مَن أضلُّوا مع أوزارهم، وسقط لغير الأصيليِّ «أوزارًا مع (١)».
(((٣٠))) (﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾) وفي نسخة: «سُوْرَةُ ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾» وهي مكِّيَّةٌ، إلَّا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ﴾ [الروم: ١٧] وهي ستونَ آيةً، أو تسعٌ وخمسونَ، ولأبي ذرٍّ: «سُورَةُ الرُّومِ بسم الله الرحمن الرحيم».
(﴿فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩]) أي: (مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي) مِنَ الذي أعطاه (٢) (أَفْضَلَ) أي: أكثر مِن عطيَّتِهِ (فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا) ولا وزر، وللأَصيليِّ: «فلا يربو عند الله مَن أعطى عطيَّة (٣) يبتغي أفضل منه (٤) -أي: ممَّا أعطى- فلا أجرَ له فيها (٥)»، وهذا وصله الطبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ (٦) عن مجاهدٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: الرِّبا اثنان: فَرِبًا لا يفلح، ورِبًا لا بأس به؛ وهو هدية الرجل يريد أضعافها، ثم تلا هذه الآية، وقد كان هذا حرامًا على النبي ﷺ خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعطِ وتطلب أكثر مما أعطيت.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿يُحْبَرُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أي: (يُنَعَّمُونَ) والروضة: الجنَّة، ونكَّرها للتعظيم، وقال هنا: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ بصيغة الفعل، ولم يقل: محبرون (١)، ليُدلَّ على التجدُّد.
(﴿يَمْهَدُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] أي: (يُسَوُّونَ المَضَاجِعَ) ويوطِّؤونها (٢) في القبور، أو في الجنَّة.
(الوَدْقُ) في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [الروم: ٤٨] هو (المَطَرُ) قاله مجاهد أيضًا فيما وصله الفِريابيُّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [الروم: ٢٨]) المسبوق بقوله جلَّ وعلا: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] نزل (فِي الآلِهَةِ) التي كانوا يعبدونها من دون الله (وَفِيهِ) تعالى، والمعنى: أَخَذَ مثلًا وانتزعه مِن أقرب شيءٍ إليكم وهو أنفسكم، ثم بين المثل فقال: ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ أي: من (٣) مماليكِكُم ﴿مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِنَ المال وغيره؟ وجوابُ الاستفهام الذي بمعنى النفي قولهُ: ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ (﴿تَخَافُونَهُمْ﴾) أي: تخافونَ أيُّها السَّادة مماليكَكُم (أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) والمرادُ: نفيُ الثلاثةِ: الشركة والاستواء وخوفهم إيَّاهم، فإذا لم يَجُزْ أن يكونَ مماليكُكُم شركاءَ مع جواز صيرورَتِهِم مثلَكُم مِن جميع الوجوه، فكيف إن أشركوا (٤) مع الله (٥) غيرَه؟
(﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]) أصله: يتصدَّعون، أُدغمتِ التاء بعدَ قلبها صادًا في الصاد، ومعناه: (يَتَفَرَّقُونَ) أي: فريقٌ في الجنَّة، وفريقٌ في السعير (﴿فَاصْدَعْ﴾) في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أي: افرق وامضه، قاله أبو عُبيدة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ قَوْلِهِ: عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتَثْقُلُ، ﴿فَارِغًا﴾: إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، ﴿الْفَرِحِينَ﴾: الْمَرِحِينَ. قُصِّيهِ: اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ. ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا. ﴿نَبْطِشُ﴾ وَنَبْطُشُ أَيْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا. (يَأْتَمِرُونَ: يَتَشَاوَرُونَ) هَذَا جَمِيعُهُ سَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَثَبَتَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ذِكْرُ مُوسَى، تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَكَذَا قَوْلُهُ: نَبْطِشُ … إِلَخْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ فَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولٌ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿قُصِّيهِ﴾ اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ قُصِّي أَثَرَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (قُصِّيهِ) اتَّبِعِي أَثَرَهُ، يُقَالُ: قَصَصْتُ آثَارَ الْقَوْمِ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أَيْ: عَنْ بُعْدٍ وَتَجَنُّبٍ، وَيُقَالُ: مَا تَأْتِينَا إِلَّا عَنْ جَنَابَةٍ وَعَنْ جُنُبٍ.
قَوْلُهُ: ﴿تَأْجُرَنِي﴾ تَأْجُرُ فُلَانًا تُعْطِيهِ أَجْرًا، وَمِنْهُ التَّعْزِيَةُ آجَرَكَ اللَّهُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ مِنَ الْإِجَارَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ تَأَجَّرَ فُلَانًا، وَمِنْهُ: آجَرَكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (الشَّاطِئُ وَالشَّطُّ وَاحِدٌ، وَهُمَا ضَفَّتَا وَعُدْوَتَا الْوَادِي) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾ الشَّاطِئُ وَالشَّطُّ وَاحِدٌ وَهُمَا ضَفَّتَا الْوَادِي وَعُدْوَتَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: حَيَّةٌ تَسْعَى. وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ. الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ، ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قَالَ: بَيَّنَّا لَهُمُ الْقَوْلَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَتْبَعْنَا بَعْضَهُ بَعْضًا فَاتَّصَلَ، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُجْبَى﴾ يُجْلَبُ) هُوَ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ، وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: يُجْمَعُ كَمَا يُجْمَعُ الْمَاءُ فِي الْجَابِيَةِ فَيُجْمَعُ لِلْوَارِدِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَطِرَتْ﴾ أَشِرَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أَيْ: أَشِرَتْ وَطَغَتْ وَبَغَتْ، وَالْمَعْنَى: بَطِرَتْ فِي مَعِيشَتِهَا. فَانْتَصَبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى أَبْطَرَتْهَا مَعِيشَتُهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولا﴾ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا) قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوُهُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي أُمِّهَا﴾ قَالَ: فِي أَوَائِلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿تُكِنُّ﴾ تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءُ: أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ: أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَكْنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ خَفَيْتُهُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: أَخْفَيْتُهُ: سَتَرْتُهُ، وَخَفَيْتُهُ: أَظْهَرْتُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾؛ أَيْ: تُخْفِي، يُقَالُ: أَكْنَنْتُ ذَلِكَ فِي صَدْرِي بِأَلِفٍ، وَكَنَنْتُ الشَّيْءَ خَفَيْتُهُ وَهُوَ بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَكْنَنْتُ وَكَنَنْتُ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَكْنَنْتُهُ إِذَا أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ) وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أَيْ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ، وَقَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ أَيْ أَوَلَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الْآيَةَ
٤٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَرَادُّكَ
إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ سَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا يَعْلَى) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ التَّمَّارُ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ: إِلَى الْمَوْتِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: يُحْيِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ: إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مَعْمَرٍ: وَأَمَّا الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ فَقَالَا: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: مَعَادُهُ آخِرَتُهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
٢٩ - سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
قَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَبْصِرِينَ: ضَلَلَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيُّ وَاحِدٌ. فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ: عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: لِيَمِيزُ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ * لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ضَلَلَةً) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مُعْجَبِينَ بِضَلَالَتِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فِي ضَلَالَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيُّ وَاحِدٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيَاةُ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: الْحَيَوَانُ وَالْحَيَاةُ وَاحِدٌ وَزَادَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: نَهْرُ الْحَيَوَانِ أَيْ نَهْرُ الْحَيَاةِ، وَتَقُولُ: حَيِيتُ حَيًّا، وَالْحَيَوَانُ وَالْحَيَاةُ اسْمَانِ مِنْهُ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قَالَ: لَا مَوْتَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: فَلَيَمِيزَ اللَّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ فَلَيَمِيزَنَّ اللَّهُ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: مَنْ دَعَا قَوْمًا إِلَى ضَلَالَةٍ فَعَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أَيْ: أَوْزَارَهُمْ، ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أَوْزَارَ مَنْ أَضَلُّوا.
[٣٠ - سورة الروم]
﴿فَلا يَرْبُو﴾ مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي أَفْضَلَ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمُونَ، ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُسَوُّونَ الْمَضَاجِعَ، الْوَدْقُ: الْمَطَرُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فِي الْآلِهَةِ، وَفِيهِ ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَفَرَّقُونَ، ﴿فَاصْدَعْ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وَضَعْف
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مثلُه، وهو المقامُ المحمود الذي وعدك أن يبعثَك فيه، أو مكَّة كما في الحديث الآتي في الباب [خ¦٤٧٧٣] إن شاء الله تعالى يوم فتحها، وكان ذلك المعادُ له شأنٌ عظيمٌ؛ لاستيلائه ﵊ عليها، وقهرِه لأهلها، وإظهارِه عزَّ الإسلام (١)، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذرٍّ (٢).
٤٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاور بمكَّةَ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْلَى) بفتح التحتيَّة واللَّام بينهما عينٌ مهملة ساكنة، ابنُ عُبيدٍ الطنافسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ دِينارٍ (العُصْفُرِيُّ) بضمِّ العين وسكون الصاد المهملتين وضمِّ الفاء وكسر الراء، الكوفيُّ التمَّارُ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إِلَى (٣) مَكَّةَ) ولغير الأصيلي: «قال: إلى مكة»، وعن الحسن: إلى يوم القيامة، وقيل: إلى الجنَّة، وعند ابن أبي حاتم عن الضَّحَّاك: لمَّا خرج النبي ﷺ -يعني: في الهجرة- فبلغ الجُحفة اشتاق إلى مكَّة، فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إلى مكَّة، قال الحافظ ابنُ كثير: وهذا من كلام الضَّحَّاك يقتضي أنَّ هذه الآية مدنيَّة، وإن كان مجموع السورة مكِّيًّا (٤)، والله أعلم.
(((٢٩))) (العَنْكَبُوتُ) مكِّيَّةٌ، وهي تسعٌ وستونَ آيةً، ولأبي ذرٍّ: «سورةُ العنكبوتِ بسم الله الرحمن الرحيم».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابنُ أبي حاتم في قوله: (﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾) من
قوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] أي: (ضَلَلَةً) يحسَبون أنَّهم على هدى وهم على الباطل، والمعنى: أنَّهم كانوا عند أهلهم مستبصرين (١)، وفي نسخة: «ضلالة» بألفٍ (٢) بين اللامين، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وقال في «الأنوار» أي: متمكِّنين من النظر والاستبصار، ولكنَّهم لم يفعلوا.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] (الحَيَوَانُ وَالحَيُّ وَاحِدٌ) في المعنى، وهو قولُ أبي عبيدةَ، والمعنى: لهي (٣) دار الحياة الحقيقيَّة (٤) الدَّائمة الباقية؛ لامتناع طريان الموت عليها، أو هي في ذاتها حياةٌ للمبالغة؛ «والحَي» بفتح الحاء في الفرع وغيره ممَّا وقفتُ عليه، وقال في «المصابيح»: بكسرها، مصدرُ «حَيَّ» (٥)، مثل: عَيَّ في مَنْطِقِهِ عِيًّا، قال: وعند ابن السَّكَن والأصيليِّ: «الحيوان والحياة واحد»، والمعنى لا يختلفُ، وقد سقط لغير أبي ذرٍّ والأصيلي «الحيوان والحي واحد»، وثبت لهما في الفرع (٦).
(﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ [العنكبوت: ٣]) أي: (عَلِمَ اللهُ ذَلِكَ) في الأزلِ القديمِ، فصيغةُ المضيِّ في ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ (٧) اللهُ﴾ (إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: فَلِيَمِيزَ اللهُ) بفتح الياء التحتيَّة وكسر الميم (كَقَوْلِهِ) ﷿: (﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ﴾ [الأنفال: ٣٧]) زاد أبو ذرٍّ (٨): «﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾» لما بين العلم والتمييز من الملازمة، قاله الكِرمانيُّ.
(﴿وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]) أي: (أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ) بسبب إضلالهم لهم (٩)،
لقوله ﵊: «مَن سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً؛ فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها من غير أن ينقصَ مِن وزره شيءٌ» أي: وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، وأوزارًا مثل أوزار مَن أضلُّوا مع أوزارهم، وسقط لغير الأصيليِّ «أوزارًا مع (١)».
(((٣٠))) (﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾) وفي نسخة: «سُوْرَةُ ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾» وهي مكِّيَّةٌ، إلَّا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ﴾ [الروم: ١٧] وهي ستونَ آيةً، أو تسعٌ وخمسونَ، ولأبي ذرٍّ: «سُورَةُ الرُّومِ بسم الله الرحمن الرحيم».
(﴿فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩]) أي: (مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي) مِنَ الذي أعطاه (٢) (أَفْضَلَ) أي: أكثر مِن عطيَّتِهِ (فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا) ولا وزر، وللأَصيليِّ: «فلا يربو عند الله مَن أعطى عطيَّة (٣) يبتغي أفضل منه (٤) -أي: ممَّا أعطى- فلا أجرَ له فيها (٥)»، وهذا وصله الطبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ (٦) عن مجاهدٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: الرِّبا اثنان: فَرِبًا لا يفلح، ورِبًا لا بأس به؛ وهو هدية الرجل يريد أضعافها، ثم تلا هذه الآية، وقد كان هذا حرامًا على النبي ﷺ خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعطِ وتطلب أكثر مما أعطيت.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ: (﴿يُحْبَرُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أي: (يُنَعَّمُونَ) والروضة: الجنَّة، ونكَّرها للتعظيم، وقال هنا: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ بصيغة الفعل، ولم يقل: محبرون (١)، ليُدلَّ على التجدُّد.
(﴿يَمْهَدُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] أي: (يُسَوُّونَ المَضَاجِعَ) ويوطِّؤونها (٢) في القبور، أو في الجنَّة.
(الوَدْقُ) في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [الروم: ٤٨] هو (المَطَرُ) قاله مجاهد أيضًا فيما وصله الفِريابيُّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله تعالى: (﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [الروم: ٢٨]) المسبوق بقوله جلَّ وعلا: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] نزل (فِي الآلِهَةِ) التي كانوا يعبدونها من دون الله (وَفِيهِ) تعالى، والمعنى: أَخَذَ مثلًا وانتزعه مِن أقرب شيءٍ إليكم وهو أنفسكم، ثم بين المثل فقال: ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ أي: من (٣) مماليكِكُم ﴿مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِنَ المال وغيره؟ وجوابُ الاستفهام الذي بمعنى النفي قولهُ: ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ (﴿تَخَافُونَهُمْ﴾) أي: تخافونَ أيُّها السَّادة مماليكَكُم (أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) والمرادُ: نفيُ الثلاثةِ: الشركة والاستواء وخوفهم إيَّاهم، فإذا لم يَجُزْ أن يكونَ مماليكُكُم شركاءَ مع جواز صيرورَتِهِم مثلَكُم مِن جميع الوجوه، فكيف إن أشركوا (٤) مع الله (٥) غيرَه؟
(﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]) أصله: يتصدَّعون، أُدغمتِ التاء بعدَ قلبها صادًا في الصاد، ومعناه: (يَتَفَرَّقُونَ) أي: فريقٌ في الجنَّة، وفريقٌ في السعير (﴿فَاصْدَعْ﴾) في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أي: افرق وامضه، قاله أبو عُبيدة.