الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٧٥
الحديث رقم ٤٧٧٥ من كتاب «سورة الروم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا تبديل لخلق الله لدين الله خلق الأولين دين الأولين والفطرة الإسلام.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
لُقْمَانُ
﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
٤٧٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعَالَى، أَيْ أَنَّ الْمَثَلَ لِلَّهِ وَلِلْأَصْنَامِ، فَاللَّهُ الْمَالِكُ وَالْأَصْنَامُ مَمْلُوكَةٌ وَالْمَمْلُوكُ لَا يُسَاوِي الْمَالِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: إِنَّ مَمْلُوكَكَ لَا تَخَافُ أَنْ يُقَاسِمَكَ مَالَكَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنْ عَدَلَ بِهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ يَقُولُ: أَكَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مُشَارِكًا مَمْلُوكَهُ فِي فِرَاشِهِ وَزَوْجَتِهِ؟ وَكَذَلِكَ لَا يَرْضَى اللَّهُ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَفَرَّقُونَ، فَاصْدَعْ) أَمَّا قَوْلُهُ: يَتَفَرَّقُونَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أَيْ: يَتَفَرَّقُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاصْدَعْ﴾ فَيُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أَيِ: افْرُقْ وَأمْضِهِ، وَأَصْلُ الصَّدْعِ الشَّقُّ فِي الشَّيْءِ، وَخَصَّهُ الرَّاغِبُ بِالشَّيْءِ الصُّلْبِ كَالْحَدِيدِ تَقُولُ: صَدَعْتُهُ فَانْصَدَعَ بِالتَّخْفِيفِ، وَصَدَّعْتُهُ فَتَصَدَّعَ بِالتَّثْقِيلِ، وَمِنْهُ: صُدَاعُ الرَّأْسِ لِتَوَهُّمِ الِاشْتِقَاقِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اصْدَعْ، أَيْ: فَرِّقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِدُعَائِكَ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَافْصِلْ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: غَيْرُهُ: ضَعْفٌ وَضُعْفٌ لُغَتَانِ) هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقُرِئَ بِهِمَا، فَالْجُمْهُورُ بِالضَّمِّ وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِالْفَتْحِ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ: الْخَلِيلُ: الضُّعْفُ بِالضَّمِّ مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ، وَبِالْفَتْحِ مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: السُّوآى: الْإِسَاءَةُ جَزَاءُ الْمُسِيئِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ الْإِسَاءَةِ فَقِيلَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ، وَجَوَّزَ ابْنُ التِّينِ فَتْحَ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا، وَهُوَ مِنْ آسَى أَيْ حَزِنَ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا جَزَاؤُهُمُ الْعَذَابُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ بِالسِّنِينَ، وَسُؤَالِهِمْ لَهُ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الْقَحْطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالَّذِي وَقَعَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ مِنَ الدُّخَانِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الدُّخَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ، أَيْ أَنَّ تَمْيِيزَ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ فِيمَا لَا يُعْلَمُ قِسْمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ.
بَاب: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لِدِينِ اللَّهِ، خُلُقُ الْأَوَّلِينَ: دِينُ الْأَوَّلِينَ، وَالْفِطْرَةُ: الْإِسْلَامُ.
٤٧٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ: لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ: لِدِينِ اللَّهِ، خُلُقُ الْأَوَّلِينَ: دِينُ الْأَوَّلِينَ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قَالَ: لِدِينِ اللَّهِ. وَمِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ مِثْلَهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: الْإِحْصَاءُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾؛ يَقُولُ: دِينُ الْأَوَّلِينَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ. وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ قَالَ: اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَذِبُهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: سِيرَتُهُمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمانَ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) قيل: يعني العهد الذي أخذه عليهم بقوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكلُّ مولودٍ في العالم على ذلك الإقرار، وهي الحنيفيَّة التي وقعت الخِلْقَةُ (١) عليها وإن عَبَدَ غيرَه، ولكن لا عبرَة بالإيمان الفِطريِّ، إنَّما المعتَبرُ الإيمانُ الشرعيُّ المأمورُ به، وقال ابن المبارك: معنى الحديث: أنَّ كلَّ مولودٍ يُولدُ على فِطرتِه، أي: خِلْقَتِه التي جُبِلَ عليها في عِلم الله من السعادة والشقاوة، فكلٌّ منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فُطِرَ عليها، وعاملٌ في الدنيا بالعمل المشاكِلِ لها، فمِن أماراتِ الشقاء أن يولَدَ بين يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، فيحملانِهِ لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل: المعنى: أنَّ كلَّ مولود يُولد في مبدأ الخِلْقَةِ (٢) على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيئ لقبول (٣) الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمرَّ على لزومها، لكن يطرأ (٤) على بعضهم الأديان الفاسدة، كما قال: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه على صيغة المبنيِّ للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا؛ تامَّة الأعضاء (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)؟ بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودًا؛ مقطوعة الأذن أو الأنف، أي: لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنَّما يجدُعها أهلُها بعد ذلك، فكذلك (٥) المولود يُولَد على الفطرة ثم يتغيَّرُ بعد،
ونقل في «المصابيح» عن القاضي أبي بكر ابن العربيِّ: أنَّ معنى قوله: «فأبواه … » إلى آخره، أنَّه مُلحَقٌ بهما في الأحكام؛ من تحريم الصلاة عليه، ومِن ضرب الجزية عليه، إلى غير ذلك، ولولا أنَّه وُلِدَ على فراشهما لمنع من ذلك كله، قال: ولم يرد أنَّهما يجعلانه يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ إذ لا قدرةَ لهما على (١) أن يفعلا فيه الاعتقاد أصلًا. انتهى. فليتأمَّل.
(ثُمَّ يَقُولُ) أي (٢): أبو هريرة مستشهدًا لما ذكر: (﴿فِطْرَةَ اللهِ﴾) أي: خلقته (٣) نُصِبَ على الإغراء (﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) أي: خلقهم عليها، وهي قبولهم للحقِّ (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾) أي: ما ينبغي أن يُبدَّل، أو خبرٌ بمعنى النهي (﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]) الذي لا عِوَجَ فيه.
وهذا الحديث سبق في: «باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يُصلَّى عليه؟» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٥٨].
(((٣١))) (لُقْمَانَ) (٤) مكيَّة، قيل: إلَّا آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لأنَّ وجوبَهما بالمدينة، وضُعِّفَ؛ لأنَّه لا ينافي شرعيَّتَهُما بمكَّةَ، وآيها أربعٌ وثلاثونَ، ولأبي ذرٍّ: «سورة لقمان».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، و (لُقْمَانَ) اسمٌ أعجميٌّ، والجمهورُ على أنَّه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، وممَّا ذُكِرَ مِن حِكمتِه: أنَّه أُمر بأنْ يذبحَ شاةً ويأتيَ بأطيب مضغتين (٥) منها، فأتى باللسان والقلب، ثم بعدَ أيَّام أُمر أن (٦) يأتيَ بأخبثِ مضغتينِ منها، فأتى بهما أيضًا، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: هما أطيبُ شيءٍ إذا طابا، وأخبثُه إذا خَبُثَا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعَالَى، أَيْ أَنَّ الْمَثَلَ لِلَّهِ وَلِلْأَصْنَامِ، فَاللَّهُ الْمَالِكُ وَالْأَصْنَامُ مَمْلُوكَةٌ وَالْمَمْلُوكُ لَا يُسَاوِي الْمَالِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: إِنَّ مَمْلُوكَكَ لَا تَخَافُ أَنْ يُقَاسِمَكَ مَالَكَ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنْ عَدَلَ بِهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ يَقُولُ: أَكَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مُشَارِكًا مَمْلُوكَهُ فِي فِرَاشِهِ وَزَوْجَتِهِ؟ وَكَذَلِكَ لَا يَرْضَى اللَّهُ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَفَرَّقُونَ، فَاصْدَعْ) أَمَّا قَوْلُهُ: يَتَفَرَّقُونَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أَيْ: يَتَفَرَّقُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاصْدَعْ﴾ فَيُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أَيِ: افْرُقْ وَأمْضِهِ، وَأَصْلُ الصَّدْعِ الشَّقُّ فِي الشَّيْءِ، وَخَصَّهُ الرَّاغِبُ بِالشَّيْءِ الصُّلْبِ كَالْحَدِيدِ تَقُولُ: صَدَعْتُهُ فَانْصَدَعَ بِالتَّخْفِيفِ، وَصَدَّعْتُهُ فَتَصَدَّعَ بِالتَّثْقِيلِ، وَمِنْهُ: صُدَاعُ الرَّأْسِ لِتَوَهُّمِ الِاشْتِقَاقِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اصْدَعْ، أَيْ: فَرِّقْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِدُعَائِكَ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَافْصِلْ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: غَيْرُهُ: ضَعْفٌ وَضُعْفٌ لُغَتَانِ) هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقُرِئَ بِهِمَا، فَالْجُمْهُورُ بِالضَّمِّ وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِالْفَتْحِ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ: الْخَلِيلُ: الضُّعْفُ بِالضَّمِّ مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ، وَبِالْفَتْحِ مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: السُّوآى: الْإِسَاءَةُ جَزَاءُ الْمُسِيئِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ الْإِسَاءَةِ فَقِيلَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ، وَجَوَّزَ ابْنُ التِّينِ فَتْحَ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا، وَهُوَ مِنْ آسَى أَيْ حَزِنَ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا جَزَاؤُهُمُ الْعَذَابُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ بِالسِّنِينَ، وَسُؤَالِهِمْ لَهُ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الْقَحْطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالَّذِي وَقَعَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ مِنَ الدُّخَانِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الدُّخَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ، أَيْ أَنَّ تَمْيِيزَ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ فِيمَا لَا يُعْلَمُ قِسْمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ.
بَاب: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لِدِينِ اللَّهِ، خُلُقُ الْأَوَّلِينَ: دِينُ الْأَوَّلِينَ، وَالْفِطْرَةُ: الْإِسْلَامُ.
٤٧٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ: لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ: لِدِينِ اللَّهِ، خُلُقُ الْأَوَّلِينَ: دِينُ الْأَوَّلِينَ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قَالَ: لِدِينِ اللَّهِ. وَمِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ مِثْلَهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: الْإِحْصَاءُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾؛ يَقُولُ: دِينُ الْأَوَّلِينَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ. وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ قَالَ: اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَذِبُهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: سِيرَتُهُمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمانَ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) قيل: يعني العهد الذي أخذه عليهم بقوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكلُّ مولودٍ في العالم على ذلك الإقرار، وهي الحنيفيَّة التي وقعت الخِلْقَةُ (١) عليها وإن عَبَدَ غيرَه، ولكن لا عبرَة بالإيمان الفِطريِّ، إنَّما المعتَبرُ الإيمانُ الشرعيُّ المأمورُ به، وقال ابن المبارك: معنى الحديث: أنَّ كلَّ مولودٍ يُولدُ على فِطرتِه، أي: خِلْقَتِه التي جُبِلَ عليها في عِلم الله من السعادة والشقاوة، فكلٌّ منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فُطِرَ عليها، وعاملٌ في الدنيا بالعمل المشاكِلِ لها، فمِن أماراتِ الشقاء أن يولَدَ بين يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين، فيحملانِهِ لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل: المعنى: أنَّ كلَّ مولود يُولد في مبدأ الخِلْقَةِ (٢) على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيئ لقبول (٣) الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمرَّ على لزومها، لكن يطرأ (٤) على بعضهم الأديان الفاسدة، كما قال: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه على صيغة المبنيِّ للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا؛ تامَّة الأعضاء (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)؟ بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودًا؛ مقطوعة الأذن أو الأنف، أي: لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنَّما يجدُعها أهلُها بعد ذلك، فكذلك (٥) المولود يُولَد على الفطرة ثم يتغيَّرُ بعد،
ونقل في «المصابيح» عن القاضي أبي بكر ابن العربيِّ: أنَّ معنى قوله: «فأبواه … » إلى آخره، أنَّه مُلحَقٌ بهما في الأحكام؛ من تحريم الصلاة عليه، ومِن ضرب الجزية عليه، إلى غير ذلك، ولولا أنَّه وُلِدَ على فراشهما لمنع من ذلك كله، قال: ولم يرد أنَّهما يجعلانه يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ إذ لا قدرةَ لهما على (١) أن يفعلا فيه الاعتقاد أصلًا. انتهى. فليتأمَّل.
(ثُمَّ يَقُولُ) أي (٢): أبو هريرة مستشهدًا لما ذكر: (﴿فِطْرَةَ اللهِ﴾) أي: خلقته (٣) نُصِبَ على الإغراء (﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) أي: خلقهم عليها، وهي قبولهم للحقِّ (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾) أي: ما ينبغي أن يُبدَّل، أو خبرٌ بمعنى النهي (﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]) الذي لا عِوَجَ فيه.
وهذا الحديث سبق في: «باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يُصلَّى عليه؟» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٥٨].
(((٣١))) (لُقْمَانَ) (٤) مكيَّة، قيل: إلَّا آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لأنَّ وجوبَهما بالمدينة، وضُعِّفَ؛ لأنَّه لا ينافي شرعيَّتَهُما بمكَّةَ، وآيها أربعٌ وثلاثونَ، ولأبي ذرٍّ: «سورة لقمان».
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ، و (لُقْمَانَ) اسمٌ أعجميٌّ، والجمهورُ على أنَّه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، وممَّا ذُكِرَ مِن حِكمتِه: أنَّه أُمر بأنْ يذبحَ شاةً ويأتيَ بأطيب مضغتين (٥) منها، فأتى باللسان والقلب، ثم بعدَ أيَّام أُمر أن (٦) يأتيَ بأخبثِ مضغتينِ منها، فأتى بهما أيضًا، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: هما أطيبُ شيءٍ إذا طابا، وأخبثُه إذا خَبُثَا.