الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٧٦
الحديث رقم ٤٧٧٦ من كتاب «سورة لقمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب: لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
٤٧٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
⦗١١٥⦘
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - ﵁ قَالَ:
أخبر ابن مسعود رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية التي في سورة الأنعام: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم} أي لم يخلطوه بظلم كَبُر ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ليس منا شخصٌ لم يَظلم نفسَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الظلم كما تظنونه من أنه الظلم مطلقًا، وأن المراد به ظلم الإنسان نفسه، بل هو كما قال لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود بالظلم في الآية هو الشرك، أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك.
وحاصل المعنى أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا الظلم على الإطلاق، من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد هنا معناه الظاهر، فشق عليهم ذلك، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد هو الظلم المقيد، وهو الظلم العظيم الذي لا ظلم بعده، ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله تعالى فهو ظالم، بل هو أظلم الظالمين.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (وَالْفِطْرَةُ: الْإِسْلَامُ) هُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ.
٣١ - سُورَةُ لُقْمَانَ
١ - بَاب: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
٤٧٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ لُقْمَانَ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ؛ وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ فَقَطْ لِلنَّسَفِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
٤٧٧٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ، قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
٤٧٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ:) هَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَخَالَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ فَقَالَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ فِيهِ شَيْخَانِ أَبُوهُ وَعَمُّ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ الْمَذْكُورَةِ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ يَعْنِي الْآيَةَ كُلَّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّعْدِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، الْحَدِيثُ. هَذَا السِّيَاقُ فِي الْخَمْسِ. وَفِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ إِلَّا الْخَمْسَ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ، وَأَظُنُّهُ دَخَلَ لَهُ مَتْنٌ فِي مَتْنٍ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: عَبَّرَ بِالْمَفَاتِحِ لِتَقْرِيبِ الْأَمْرِ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُعِلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ فَقَدْ غُيِّبَ عَنْكَ، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فِي الْعَادَةِ مِنَ ال بَابِ، فَإِذَا أُغْلِقَ الْبَابُ احْتِيجَ إِلَى الْمِفْتَاحِ، فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَى الْغَيْبِ إِلَّا بِتَوْصِيلِهِ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ فَكَيْفَ يَعْرِفُ الْمَغِيبَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ جِهَةِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) وَيُرَادُ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنَ الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ فَالْمُرَادُ بِالْغَيْبِ الْمَنْفِيِّ فِيهَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الْآيَةَ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا فِي حَدِيثِ الطَّيَالِسِيِّ، وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ عِيسَى ﵇ قَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ، وَأَنَّ يُوسُفَ قَالَ: إِنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِتَأْوِيلِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ فَكُلُّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اطِّلَاعَ الرَّسُولِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ وَالْوَلِيُّ التَّابِعُ لِلرَّسُولِ عَنِ الرَّسُولِ يَأْخُذُ وَبِهِ يُكَرَّمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْوَاعِ الْوَحْيِ كُلِّهَا، وَالْوَلِيُّ لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِمَنَامٍ أَوْ إِلْهَامٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الطَّبَرِيِّ دَعْوَاهُ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا مِنْ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى نِصْفُ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ قَالَ: وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ غَيْرَ الْبَارِي تَعَالَى فَلَا يَبْقَى غَيْرُ وَجْهِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، فَالَّذِي قَالَهُ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَوَهَّمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُنْكِرُ الْبَعْثَ فَأَقْدَمَ عَلَى تَفْكِيرِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مُرَادُ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يَصِيرُ الْأَمْرُ أَيْ بَعْدَ فَنَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَقَعُ الْبَعْثُ وَالْحِسَابُ، هَذَا الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١) (﴿لَا تُشْرِكْ بِاللهِ﴾) أي: مع الله (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) بدأ في وعظ ابنه بالأهم؛ وهو منعه من الإشراك، وإنَّما كان ظلمًا؛ لأنَّه وضع النفسَ المكرَّمةَ الشَّريفة في عبادةِ الخسيسِ، فوضعَ العبادَة في غيرِ موضِعِها.
٤٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم؛ ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخَعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التي بـ «الأنعام» (١) (﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشرك، فلم (٢) ينافقوا (شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ) بفتح أوّله وكسر الموحَّدة، أي: لم (٣) يخلط (إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ (٤)) ولأبي ذر: «ليس بذلك (٥)» (أَلَا تَسْمَعُ) برفع العين مِن غير واوٍ (إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) فعموم (٦) الظلم (٧) المستفاد من التعبير بالنكرة في سياق النفي غيرُ مقصودٍ، بل هو مِنَ العامِّ الذي أُريد به الخاصُّ، وهو هنا الشركُ كما مرَّ في «باب ظلم دون ظلم» من «كتاب الإيمان» [خ¦٣٢] وفي «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٩] مع مزيد لذلك وغيره، وسقط قوله: «لابنه» في رواية أبي ذر.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (وَالْفِطْرَةُ: الْإِسْلَامُ) هُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ.
٣١ - سُورَةُ لُقْمَانَ
١ - بَاب: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
٤٧٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ لُقْمَانَ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ؛ وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ فَقَطْ لِلنَّسَفِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
٤٧٧٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ، قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
٤٧٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ:) هَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَخَالَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ فَقَالَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ فِيهِ شَيْخَانِ أَبُوهُ وَعَمُّ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ الْمَذْكُورَةِ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ يَعْنِي الْآيَةَ كُلَّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّعْدِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، الْحَدِيثُ. هَذَا السِّيَاقُ فِي الْخَمْسِ. وَفِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ إِلَّا الْخَمْسَ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ، وَأَظُنُّهُ دَخَلَ لَهُ مَتْنٌ فِي مَتْنٍ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: عَبَّرَ بِالْمَفَاتِحِ لِتَقْرِيبِ الْأَمْرِ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُعِلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ فَقَدْ غُيِّبَ عَنْكَ، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فِي الْعَادَةِ مِنَ ال بَابِ، فَإِذَا أُغْلِقَ الْبَابُ احْتِيجَ إِلَى الْمِفْتَاحِ، فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَى الْغَيْبِ إِلَّا بِتَوْصِيلِهِ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ فَكَيْفَ يَعْرِفُ الْمَغِيبَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ: خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ جِهَةِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) وَيُرَادُ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنَ الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ فَالْمُرَادُ بِالْغَيْبِ الْمَنْفِيِّ فِيهَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الْآيَةَ. فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا فِي حَدِيثِ الطَّيَالِسِيِّ، وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ عِيسَى ﵇ قَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ، وَأَنَّ يُوسُفَ قَالَ: إِنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِتَأْوِيلِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ فَكُلُّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اطِّلَاعَ الرَّسُولِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ وَالْوَلِيُّ التَّابِعُ لِلرَّسُولِ عَنِ الرَّسُولِ يَأْخُذُ وَبِهِ يُكَرَّمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْوَاعِ الْوَحْيِ كُلِّهَا، وَالْوَلِيُّ لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِمَنَامٍ أَوْ إِلْهَامٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الطَّبَرِيِّ دَعْوَاهُ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا مِنْ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى نِصْفُ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ قَالَ: وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ غَيْرَ الْبَارِي تَعَالَى فَلَا يَبْقَى غَيْرُ وَجْهِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، فَالَّذِي قَالَهُ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَوَهَّمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُنْكِرُ الْبَعْثَ فَأَقْدَمَ عَلَى تَفْكِيرِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مُرَادُ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يَصِيرُ الْأَمْرُ أَيْ بَعْدَ فَنَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَقَعُ الْبَعْثُ وَالْحِسَابُ، هَذَا الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١) (﴿لَا تُشْرِكْ بِاللهِ﴾) أي: مع الله (﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) بدأ في وعظ ابنه بالأهم؛ وهو منعه من الإشراك، وإنَّما كان ظلمًا؛ لأنَّه وضع النفسَ المكرَّمةَ الشَّريفة في عبادةِ الخسيسِ، فوضعَ العبادَة في غيرِ موضِعِها.
٤٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البغلانيُّ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم؛ ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخَعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) التي بـ «الأنعام» (١) (﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشرك، فلم (٢) ينافقوا (شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ) بفتح أوّله وكسر الموحَّدة، أي: لم (٣) يخلط (إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ (٤)) ولأبي ذر: «ليس بذلك (٥)» (أَلَا تَسْمَعُ) برفع العين مِن غير واوٍ (إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) فعموم (٦) الظلم (٧) المستفاد من التعبير بالنكرة في سياق النفي غيرُ مقصودٍ، بل هو مِنَ العامِّ الذي أُريد به الخاصُّ، وهو هنا الشركُ كما مرَّ في «باب ظلم دون ظلم» من «كتاب الإيمان» [خ¦٣٢] وفي «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٩] مع مزيد لذلك وغيره، وسقط قوله: «لابنه» في رواية أبي ذر.