«أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ: مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُن�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٧٩

الحديث رقم ٤٧٧٩ من كتاب «سورة السجدة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٧٩ في صحيح البخاري

«أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ: مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ

⦗١١٦⦘

أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾».

وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللهُ، مِثْلَهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ.

قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (قُرَّاتِ).

إسناد حديث البخاري رقم ٤٧٧٩

٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ، عَنْ رَسُولِ اللهِ قَالَ: قَالَ اللهُ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٧٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنْكَارُهُ عَلَيْهِ اسْتِخْرَاجَ وَقْتِ السَّاعَةِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ بِخِلَافِ مَا قَالَ؛ فَقَدْ مَضَتْ خَمْسُمِائَةٍ ثُمَّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَزِيَادَةٌ، لَكِنَّ الطَّبَرِيَّ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ: لَنْ يَعْجِزَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا اللَّهُ نِصْفَ يَوْمٍ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣٢ - سُورَةُ السَّجْدَةِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَهِينٌ: ضَعِيفٌ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ. ضَلَلْنَا: هَلَكْنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجُرُزُ: الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا. نَهْدِ نُبَيِّنُ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ السَّجْدَةِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلنَّسَفِيِّ، وَلِغَيْرِهِمَا تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ حَسْبَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَهِينٌ ضَعِيفٌ نُطْفَةُ الرَّجُلِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ضَعِيفٍ، وَلِلْفِرْيَابِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قَالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ.

قَوْلُهُ: (ضَلَلْنَا: هَلَكْنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ: هَلَكْنَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجُرُزُ الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ زَادَ إِبْرَاهِيمُ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هِيَ أَرْضُ أَبْيَنَ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَقَالَ: أَبْيَنُ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ، فَلَعَلَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ أَبْيَنُ تُنْبِتُ فِيهِ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قَالَ: هِيَ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَرْضُ الْجُرُزُ: الْيَابِسَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا مَطَرٌ.

قَوْلُهُ: (يَهْدِ: يُبَيِّنْ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ قَالَ: أَوَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أَيْ: يُبَيِّنْ لَهُمْ، وَهُوَ مِنَ الْهُدَى.

١ - بَاب ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾

٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: مِثْلَهُ، قِيلَ لِسُفْيَانَ رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ؟

وقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُرَّاتِ أَعْيُنٍ.

٤٧٨٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ

اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ أُخْفِيَ بِالتَّحْرِيكِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِالْإِسْكَانِ فِعْلًا مُضَارِعًا مُسْنَدًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: نُخْفِي بِنُونِ الْعَظَمَةِ؛ وَقَرَأَهَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَخْفَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ اللَّهُ، وَنَحْوُهَا قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ: أُخْفِيَتْ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَرَأَيْتُهَا فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْإِمَامُ (قُرَّةَ) بِالْهَاءِ عَلَى الْوَحْدَةِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.

قَوْلُهُ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي) وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ مَنْ أَعْظَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ فَقَالَ: غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَا عَيْنَ رَأَتْ وَلَا أُذُنَ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ هَذَا، وَفِي آخِرِهِ: قَالَ: وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾

قَوْلُهُ: (وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) زَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ: وَلَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا قِيلَ الْبَشَرُ لِأَنَّهُ يَخْطِرُ بِقُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ. وَالْأَوْلَى حَمْلُ النَّفْيِ فِيهِ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ فِي النَّفْسِ.

قَوْلُهُ: (دُخْرًا) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: مَنْصُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْدَدْتُ، أَيْ: جَعَلْتُ ذَلِكَ لَهُمْ مَدْخُورًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: دَعْ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ سَهْلٌ فِي جَنْبِ مَا ادُّخِرَ لَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا لَائِقٌ بِشَرْحِ بَلْهَ بِغَيْرِ تَقَدُّمِ مِنْ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتْ مِنْ عَلَيْهَا فَقَدْ قِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى كَيْفَ، وَيُقَالُ: بِمَعْنَى أَجَلْ، وَيُقَالُ: بِمَعْنَى غَيْرَ أَوْ سِوَى، وَقِيلَ: بِمَعْنَى فَضَلَ، لَكِنْ قَالَ الصَّغَانِيُّ: اتَّفَقَتْ نُسَخُ الصَّحِيحِ عَلَى مِنْ بَلْهَ، وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُ كَلِمَةِ مِنْ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إِسْقَاطُهَا إِلَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى: دَعْ، وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَوْ سِوَى فَلَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّةِ مُصَنَّفَاتٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ بِإِثْبَاتِ مِنْ. وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْمَعْرُوفُ بَلْهَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى: اتْرُكْ نَاصِبًا لِمَا يَلِيهَا بِمُقْتَضَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَاسْتِعْمَالُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّرْكِ مُضَافًا إِلَى مَا يَلِيهِ، وَالْفَتْحَةُ فِي الْأُولَى بِنَائِيَّةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ إِعْرَابِيَّةٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُهْمَلُ الْفِعْلِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: بَلْهَ هُنَا مَصْدَرٌ، كَمَا تَقُولُ: ضَرْبَ زَيْدٌ، وَنَدَرَ دُخُولُ مِنْ عَلَيْهَا زَائِدَةً.

وَوَقَعَ فِي الْمُغْنِي لِابْنِ هِشَامٍ أَنَّ بَلْهَ اسْتُعْمِلَتْ مُعْرَبَةً مَجْرُورَةً بِمِنْ وَأَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ التِّينِ حَكَى رِوَايَةَ: مِنْ بَلْهَ بِفَتْحِ الْهَاءِ مَعَ وُجُودِ مِنْ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَهِيَ وَصِلَتُهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الْمُتَقَدِّمُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِبَلْهَ كَيْفَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِبْعَادُ، وَالْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ اطِّلَاعُكُمْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الَّذِي تَقْصُرُ عُقُولُ الْبَشَرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَدُخُولُ مِنْ عَلَى بَلْهَ إِذَا كَانَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ [السجدة: ١٧]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» أي: ممَّا تقرُّ به عيونُهم، و «ما» في: ﴿مَّا أُخْفِيَ﴾ موصولةٌ، و ﴿نَفْسٌ﴾ نكرةٌ في سياق النفيِ فتعمُّ جميعَ الأنفس، أي: لا يعلم الذي أخفاه الله لهم، لا مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، وقال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.

٤٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ اللهِ بنِ ذكوانَ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن بنِ هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل «»: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ) قال في «شرح المشكاة»: «ما»: هنا إمَّا موصولةٌ أو موصوفة، و «عينٌ» وقعت في سياق النفي، فأفاد الاستغراق، والمعنى: ما رأت العيون كلُّهُنَّ (١) ولا (٢) عين واحدة منهُنَّ، والأسلوب من باب قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] فيَحتملُ نَفْيَ الرؤية والعين معًا، أو نفي الرؤية فحسب، أي: لا رؤية ولا عين، أو لا رؤية، وعلى الأوَّل الغرضُ منه نفي العين، وإنَّما ضمَّت إليه الرؤية؛ ليؤذن بأنَّ انتفاء الموصوف أمرٌ محقَّقٌ لا نزاع فيه، وبلغ في تحقُّقه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه، ومثلُه قوله: (وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) مِن باب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] أي: لا قلب ولا خطور، أو لا خطور (٣)، فعلى الأوَّل ليس لهم

قلب يخطر، فجعل انتفاء الصفة دليلًا على انتفاء الذات، أي: إذا لم تحصل ثمرة القلب وهو الإخطار؛ فلا قلب، كقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧] وخصَّ البشر هنا دون القرينتين السابقتين؛ لأنَّهم الذين ينتفعون بما أُعِدَّ لهم، ويهتمون لشأنه (٢) ببالهم، بخلاف الملائكة (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]) والحديث كالتفصيل لهذه الآية؛ لأنَّها نفتِ العلم، وهو نفي طرق حُصوله، وقد ذكره المصنِّف في «صفة الجنة» من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٤٤].

(وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو موصولٌ كسابقه، وللأصيليِّ وابن عساكر: «قال عليٌّ -يعني (٣): ابنَ المدينيِّ-: وحدَّثنا سفيان»؛ ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا عليٌّ قال: حدَّثنا سفيان» يعني: ابن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ … مِثْلَهُ) أي: مثل ما في الحديث السابق.

(قِيلَ (٤) لِسُفْيَانَ) بنِ عُيينة: (رِوَايَةً)؟ أي: تروي روايةً عنِ النَّبيِّ أم (٥) من (٦) اجتهادك؟ (قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ) لولا الروايةُ كنت أقولُ؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر (٧): «وقال» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم الضرير، فيما وصله أبو عُبيد القاسمُ بنُ سلَّام في «فضائل القرآن» له: (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ السَّمَّان أنَّه قال: (قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (قُرَّاتِ)) جمعًا بالألف والتاء؛ لاختلاف أنواعها، وهي قراءةُ الأعمش، والقُرَّة: مصدرٌ، وحقُّه ألَّا يجمع؛ لأنَّ المصدر اسمُ جنسٍ، والأجناسُ أبعدُ شيءٍ عن الجمعية، لكن جعلت القُرَّةُ هنا نوعًا، فجاز جمعُها، كقوله: «هناك أحزان»، وحسَّنَ لفظ الجمع إضافةُ القُرَّات إلى لفظ الأعين، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر زيادة: «أعين».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنْكَارُهُ عَلَيْهِ اسْتِخْرَاجَ وَقْتِ السَّاعَةِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ بِخِلَافِ مَا قَالَ؛ فَقَدْ مَضَتْ خَمْسُمِائَةٍ ثُمَّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَزِيَادَةٌ، لَكِنَّ الطَّبَرِيَّ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ: لَنْ يَعْجِزَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا اللَّهُ نِصْفَ يَوْمٍ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣٢ - سُورَةُ السَّجْدَةِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَهِينٌ: ضَعِيفٌ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ. ضَلَلْنَا: هَلَكْنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجُرُزُ: الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا. نَهْدِ نُبَيِّنُ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ السَّجْدَةِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلنَّسَفِيِّ، وَلِغَيْرِهِمَا تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ حَسْبَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَهِينٌ ضَعِيفٌ نُطْفَةُ الرَّجُلِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ضَعِيفٍ، وَلِلْفِرْيَابِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قَالَ: نُطْفَةُ الرَّجُلِ.

قَوْلُهُ: (ضَلَلْنَا: هَلَكْنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ: هَلَكْنَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجُرُزُ الَّتِي لَا تُمْطِرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ زَادَ إِبْرَاهِيمُ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هِيَ أَرْضُ أَبْيَنَ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَقَالَ: أَبْيَنُ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ، فَلَعَلَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ أَبْيَنُ تُنْبِتُ فِيهِ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قَالَ: هِيَ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَرْضُ الْجُرُزُ: الْيَابِسَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا مَطَرٌ.

قَوْلُهُ: (يَهْدِ: يُبَيِّنْ) أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ قَالَ: أَوَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أَيْ: يُبَيِّنْ لَهُمْ، وَهُوَ مِنَ الْهُدَى.

١ - بَاب ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾

٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: مِثْلَهُ، قِيلَ لِسُفْيَانَ رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ؟

وقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُرَّاتِ أَعْيُنٍ.

٤٧٨٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ

اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قَرَأَ الْجُمْهُورُ أُخْفِيَ بِالتَّحْرِيكِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِالْإِسْكَانِ فِعْلًا مُضَارِعًا مُسْنَدًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: نُخْفِي بِنُونِ الْعَظَمَةِ؛ وَقَرَأَهَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَخْفَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ اللَّهُ، وَنَحْوُهَا قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ: أُخْفِيَتْ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَرَأَيْتُهَا فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْإِمَامُ (قُرَّةَ) بِالْهَاءِ عَلَى الْوَحْدَةِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.

قَوْلُهُ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي) وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ مَنْ أَعْظَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ فَقَالَ: غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَا عَيْنَ رَأَتْ وَلَا أُذُنَ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رَبَّهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ هَذَا، وَفِي آخِرِهِ: قَالَ: وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾

قَوْلُهُ: (وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) زَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ: وَلَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا قِيلَ الْبَشَرُ لِأَنَّهُ يَخْطِرُ بِقُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ. وَالْأَوْلَى حَمْلُ النَّفْيِ فِيهِ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ فِي النَّفْسِ.

قَوْلُهُ: (دُخْرًا) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ: مَنْصُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْدَدْتُ، أَيْ: جَعَلْتُ ذَلِكَ لَهُمْ مَدْخُورًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: دَعْ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ سَهْلٌ فِي جَنْبِ مَا ادُّخِرَ لَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا لَائِقٌ بِشَرْحِ بَلْهَ بِغَيْرِ تَقَدُّمِ مِنْ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتْ مِنْ عَلَيْهَا فَقَدْ قِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى كَيْفَ، وَيُقَالُ: بِمَعْنَى أَجَلْ، وَيُقَالُ: بِمَعْنَى غَيْرَ أَوْ سِوَى، وَقِيلَ: بِمَعْنَى فَضَلَ، لَكِنْ قَالَ الصَّغَانِيُّ: اتَّفَقَتْ نُسَخُ الصَّحِيحِ عَلَى مِنْ بَلْهَ، وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُ كَلِمَةِ مِنْ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إِسْقَاطُهَا إِلَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى: دَعْ، وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَوْ سِوَى فَلَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِدَّةِ مُصَنَّفَاتٍ خَارِجَ الصَّحِيحِ بِإِثْبَاتِ مِنْ. وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْمَعْرُوفُ بَلْهَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى: اتْرُكْ نَاصِبًا لِمَا يَلِيهَا بِمُقْتَضَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَاسْتِعْمَالُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّرْكِ مُضَافًا إِلَى مَا يَلِيهِ، وَالْفَتْحَةُ فِي الْأُولَى بِنَائِيَّةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ إِعْرَابِيَّةٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُهْمَلُ الْفِعْلِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: بَلْهَ هُنَا مَصْدَرٌ، كَمَا تَقُولُ: ضَرْبَ زَيْدٌ، وَنَدَرَ دُخُولُ مِنْ عَلَيْهَا زَائِدَةً.

وَوَقَعَ فِي الْمُغْنِي لِابْنِ هِشَامٍ أَنَّ بَلْهَ اسْتُعْمِلَتْ مُعْرَبَةً مَجْرُورَةً بِمِنْ وَأَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ التِّينِ حَكَى رِوَايَةَ: مِنْ بَلْهَ بِفَتْحِ الْهَاءِ مَعَ وُجُودِ مِنْ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَهِيَ وَصِلَتُهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الْمُتَقَدِّمُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِبَلْهَ كَيْفَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِبْعَادُ، وَالْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ اطِّلَاعُكُمْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الَّذِي تَقْصُرُ عُقُولُ الْبَشَرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَدُخُولُ مِنْ عَلَى بَلْهَ إِذَا كَانَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ [السجدة: ١٧]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾» أي: ممَّا تقرُّ به عيونُهم، و «ما» في: ﴿مَّا أُخْفِيَ﴾ موصولةٌ، و ﴿نَفْسٌ﴾ نكرةٌ في سياق النفيِ فتعمُّ جميعَ الأنفس، أي: لا يعلم الذي أخفاه الله لهم، لا مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، وقال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.

٤٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ اللهِ بنِ ذكوانَ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن بنِ هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل «»: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ) قال في «شرح المشكاة»: «ما»: هنا إمَّا موصولةٌ أو موصوفة، و «عينٌ» وقعت في سياق النفي، فأفاد الاستغراق، والمعنى: ما رأت العيون كلُّهُنَّ (١) ولا (٢) عين واحدة منهُنَّ، والأسلوب من باب قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] فيَحتملُ نَفْيَ الرؤية والعين معًا، أو نفي الرؤية فحسب، أي: لا رؤية ولا عين، أو لا رؤية، وعلى الأوَّل الغرضُ منه نفي العين، وإنَّما ضمَّت إليه الرؤية؛ ليؤذن بأنَّ انتفاء الموصوف أمرٌ محقَّقٌ لا نزاع فيه، وبلغ في تحقُّقه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه، ومثلُه قوله: (وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) مِن باب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] أي: لا قلب ولا خطور، أو لا خطور (٣)، فعلى الأوَّل ليس لهم

قلب يخطر، فجعل انتفاء الصفة دليلًا على انتفاء الذات، أي: إذا لم تحصل ثمرة القلب وهو الإخطار؛ فلا قلب، كقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧] وخصَّ البشر هنا دون القرينتين السابقتين؛ لأنَّهم الذين ينتفعون بما أُعِدَّ لهم، ويهتمون لشأنه (٢) ببالهم، بخلاف الملائكة (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]) والحديث كالتفصيل لهذه الآية؛ لأنَّها نفتِ العلم، وهو نفي طرق حُصوله، وقد ذكره المصنِّف في «صفة الجنة» من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٤٤].

(وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو موصولٌ كسابقه، وللأصيليِّ وابن عساكر: «قال عليٌّ -يعني (٣): ابنَ المدينيِّ-: وحدَّثنا سفيان»؛ ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا عليٌّ قال: حدَّثنا سفيان» يعني: ابن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ … مِثْلَهُ) أي: مثل ما في الحديث السابق.

(قِيلَ (٤) لِسُفْيَانَ) بنِ عُيينة: (رِوَايَةً)؟ أي: تروي روايةً عنِ النَّبيِّ أم (٥) من (٦) اجتهادك؟ (قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ) لولا الروايةُ كنت أقولُ؟ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر (٧): «وقال» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم الضرير، فيما وصله أبو عُبيد القاسمُ بنُ سلَّام في «فضائل القرآن» له: (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ السَّمَّان أنَّه قال: (قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (قُرَّاتِ)) جمعًا بالألف والتاء؛ لاختلاف أنواعها، وهي قراءةُ الأعمش، والقُرَّة: مصدرٌ، وحقُّه ألَّا يجمع؛ لأنَّ المصدر اسمُ جنسٍ، والأجناسُ أبعدُ شيءٍ عن الجمعية، لكن جعلت القُرَّةُ هنا نوعًا، فجاز جمعُها، كقوله: «هناك أحزان»، وحسَّنَ لفظ الجمع إضافةُ القُرَّات إلى لفظ الأعين، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر زيادة: «أعين».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر