الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٧
الحديث رقم ٤٧٧ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة في مسجد السوق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
[الحديث ٤٧٦ - أطرافه في: ٦٠٧٩، ٥٨٥٧، ٤٠٩٣، ٣٩٠٥، ٢٢٩٧، ٢٢٦٤، ٢٢٦٣، ٢١٣٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي مِلْكِ الْمَرْءِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَفِي غَيْرِ مِلْكِهِ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْمُبَاحَاتِ حَيْثُ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ جَائِزٌ أَيْضًا، لَكِنْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَهُ؛ لِأَنَّ مُبَاحَاتِ الطُّرُقِ مَوْضُوعَةٌ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ، فَإِذَا بُنِيَ بِهَا مَسْجِدٌ مَنَعَ انْتِفَاعَ بَعْضِهِمْ، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ.
قُلْتُ: وَالْمَنْعُ الْمَذْكُورُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَبِيعَةَ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَذْكُورِينَ وَرَدَ التَّصْرِيحُ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِلَّا فَالْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، وَالْمُرَادُ بِأَبَوَيْ عَائِشَةَ أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أُمِّ رُومَانَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ) اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْمَتْنَ هُنَا، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ مُطَوَّلًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَعَشِيَّةً وَقَبْلَ قَوْلِهِ: ثُمَّ بَدَا قِصَّةً طَوِيلَةً فِي خُرُوجِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَكَّةَ، وَرُجُوعِهِ فِي جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ، وَاشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْتَعْلِنَ بِعِبَادَتِهِ، فَعِنْدَ فَرَاغِ الْقِصَّةِ قَالَ: ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، أَيْ: ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فَبَنَى مَسْجِدًا، فَذَكَرَ بَاقِيَ الْقِصَّةِ مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - حَيْثُ شَرَحَ جَمِيعَ الْحَدِيثِ هُنَا - مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هُنَا سِوَى قَدْرٍ يَسِيرٍ، وَقَدِ اشْتَمَلَ مِنْ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨٧ - بَاب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمْ الْبَابُ
٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يؤذ يُحْدِثْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مَسَاجِدِ. مَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّ الْأَسْوَاقَ شَرُّ الْبِقَاعِ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ خَيْرُ الْبِقَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَمْنَعْ وَضْعَ الْمَسْجِدِ فِي السُّوقِ؛ لِأَنَّ بُقْعَةَ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُقْعَةَ خَيْرٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَسَاجِدِ فِي التَّرْجَمَةِ مَوَاضِعُ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ لَا الْأَبْنِيَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى ابْنُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ (١) الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ) بياءٍ بعد الميم المكسورة، وفي روايةٍ: «صلاة الجماعة» (تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ) أي: الشَّخص المنفرد (فِي بَيْتِهِ، وَ) على (صَلَاتِهِ) بانفراده (فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) نُصِب على التَّمييز، و «خمسًا»: مفعول «تزيد» نحو قولك: زدت عليه خمسًا، وسرُّ الأعداد لا يُوقَف عليه إِلَّا بنور النُّبوَّة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- وجه المُناسَبة في التَّخصيص بعدد الخمس والعشرين في «باب فضل الجماعة» [خ¦٦٤٧] مع مباحث أخرى (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ) الوضوء بإسباغه ورعاية سُننه وآدابه، وأسقط المفعول لدلالة السِّياق عليه. نعم ألحق في الفرع لا في أصله: «وضوءه» بعد «فأحسن»، ويشبه أن يكون بغير خطِّ كاتب الأصل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في (٢) غير «اليونينيَّة»: «بأنَّ أحدكم» بالمُوحَّدة بدل «الفاء» للسَّببيَّة أو للمُصاحَبة، أي: تزيد (٣) بخمسٍ وعشرين درجةً، مع فضائلَ أخرى هي رفع الدَّرجات، وصلاة الملائكة ونحوهما (وَأَتَى المَسْجِدَ) حال كونه (لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ) أو ما في معناها كالاعتكافِ ونحوه، واقتصر على الصَّلاة للأغلبيَّة (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً)
بفتح الخاء (إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً) سقط لفظ الجلالة (١) للأَصيليِّ (وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً) نُصِبَ فيهما على التَّمييز، وللأَصيليِّ: «وحطّ عنه بها» وله وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو حطَّ» والواو أشمل (حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ) فالمشيُ إلى الجماعة يستلزم احتساب الأجْر بالخطوات، والتَّنصُّل عن الخطيئات، ومن توقَّى (٢) عن دركات الهلكات (٣) فقد ترقَّى إلى منجاة (٤) الدَّرجات (وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا كَانَتْ) بتاء التَّأنيث، ولأبي ذَرٍّ: «ما كان» (تَحْبِسُهُ) الصَّلاة، أي: مدَّة دوام ذلك، وحُذِف الفاعل للعلم به (وَتُصَلِّي -يَعْنِي: عَلَيْهِ- المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) أي: تستغفر وتطلب له الرَّحمة قائلين: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وسقط عند أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر لفظ «يعني»، ولفظ (٥): «عليه» عند ابن عساكر في نسخةٍ، وثبت عنه في أخرى «مَا لَمْ يؤذِ» المصلِّي الملائكة (مالم يُحْدِثْ) من الإحداث بكسر الهمزة، و (٦) بضمِّ أوَّل المضارعين مجزومين، واللَّاحق بدلٌ من سابقه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ وأبي الوقت: «يحدثُ» بالرَّفع على الاستئناف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما لم يؤذِ بحدثٍ فيه» بلفظ الجارِّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «يؤذ»، وفي نسخةٍ: «ما لم يحدث فيه» بإسقاط «يؤذِ» أي: ما لم يأتِ بناقضٍ للوضوء.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «باب الجماعة» [خ¦٦٤٧]، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فَضَائِل أُخْرَى لأبي بكر وَهِي قدم إِسْلَامه وَإِسْلَام أَبَوَيْهِ وَتردد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِ طرفِي النَّهَار وَكَثْرَة بكائه ورقة قلبه
٧٨ - (بابُ الصلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق، ويروى فِي مَسَاجِد السُّوق، بِلَفْظ الْجمع، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَفظ الْإِفْرَاد رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالمساجد مَوَاضِع إِيقَاع الصَّلَاة لَا الْأَبْنِيَة الْمَوْضُوعَة للصَّلَاة من الْمَسَاجِد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْأَسْوَاق. وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ أَن الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، فخشي البُخَارِيّ أَن يُوهم من رأى ذَلِك الحَدِيث أَنه لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْأَسْوَاق اسْتِدْلَالا بِهِ، فجَاء بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، إِذْ فِيهِ إجَازَة الصَّلَاة فِي السُّوق وَإِذا جَازَت الصَّلَاة فِي السُّوق فُرَادَى فَكَانَ أولى أَن يتَّخذ فِيهِ مَسْجِد للْجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: موقع التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، وَأَن الْمَسَاجِد خير الْبِقَاع، كَمَا أخرجه الْبَزَّار وَغَيره لَا يَصح إِسْنَاده، وَلَو صَحَّ لم يمْنَع وضع الْمَسْجِد فِي السُّوق لِأَن بقْعَة الْمَسْجِد حِينَئِذٍ تكون بقْعَة خير.
قلت: كل مِنْهُم قد تكلّف، أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ ارْتكب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَأما ابْن بطال فَإِنَّهُ من أَيْن تحقق خشيَة البُخَارِيّ مِمَّا ذكره حَتَّى وضع هَذَا الْبَاب؟ وَأما الْقَائِل الثَّالِث فَإِنَّهُ أبعد جدا، لِأَنَّهُ من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره؟ وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن البُخَارِيّ لما أَرَادَ أَن يُورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَن صَلَاة الْمُصَلِّي لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي الْمَسْجِد الَّذِي بني لَهَا، أَو فِي بَيته الَّذِي هُوَ منزله، أَو السُّوق، وضع بَابا فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي السُّوق، وَإِنَّمَا خص هَذَا بِالذكر من بَين الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ لما كَانَ مَوضِع اللَّغط واشتغال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْإِيمَان الْكَثِيرَة فِيهِ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَرُبمَا كَانَ يتَوَهَّم عدم جَوَاز الصَّلَاة فِيهِ من هَذِه الْجِهَات خصّه بِالذكر.
وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ.
لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة مَا يُطَابق هَذَا الْأَثر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ مِنْهُ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ قَالُوا بامتناع اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الدَّار المحجوبة عَن النَّاس، وَنَقله بَعضهم فِي شَرحه معجباً بِهِ، قلت: جازف الْكرْمَانِي فِي هَذَا لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا هَكَذَا، بل الْمَذْهَب فِيهِ أَن من اتخذ مَسْجِدا فِي دَاره وأفرز طَرِيقه يجوز ذَلِك، وَيصير مَسْجِدا، فَإِذا أغلق بَابه وَصلى فِيهِ يجوز مَعَ الْكَرَاهَة، وَكَذَا الحكم فِي سَائِر الْمَسَاجِد.
وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: هُوَ عبد ابْن عون، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: رب مبلغ ... . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، يَعْنِي أَنه ابْن عون، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ابْن عمر، قلت: قَالُوا إِنَّه تَصْحِيف، وَالصَّحِيح إِنَّه ابْن عون، وَكَذَا وَقع فِي الْأُصُول.
٧٧٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمشِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَة عنِ النبيِّ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْساً وعِشْرِينَ دَرَجَةً فإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ وَأتى المسْجِدَ لَا يُريدُ إلَاّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَاّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أوَ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ وإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ فِي صَلَاةٍ مَا كانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصلَّى يَعْني عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُوءْذِ يُحْدِثْ فِيهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَصلَاته فِي سوقه) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب فضل الْجَمَاعَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكرمعناه) قَوْله: (صَلَاة الْجَمِيع) أَي: صَلَاة الْجَمَاعَة، والجميع فِي اللُّغَة ضد المتفرق والجيش أَيْضا والحي الْمُجْتَمع، ويؤكد بِهِ، يُقَال: جاؤوا جَمِيعًا، أَي: كلهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَلَاة الْجَمِيع، أَي: صَلَاة فِي الْجَمِيع، يَعْنِي صَلَاة الْجَمَاعَة، قلت: هَذَا تصرف غير مرضِي. قَوْله: (على صلَاته فِي بَيته) أَي: على صَلَاة الْمُنْفَرد، وَقَوله: (فِي بَيته) قرينَة على هَذَا إِذْ الْغَالِب أَن الرجل يُصَلِّي فِي بَيته مُنْفَردا. قَوْله: (خمْسا) نصب على أَنه مفعول لقَوْله: تزيد، نَحْو قَوْلك: زِدْت عَلَيْهِ عشرَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَإِن أحدكُم) ، بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الكشميني: (بِأَن أحدكُم) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، ووجهها أَن تكون الْبَاء للمصاحبة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تزيد على صلَاته بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة مَعَ فَضَائِل أخر، وَهُوَ رفع الدَّرَجَات وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَنَحْوهَا، وَيجوز أَن تكون للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (فَأحْسن) كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير فَأحْسن الْوضُوء، وَالْإِحْسَان فِي الْوضُوء إسباغه برعاية السّنَن والآداب. قَوْله: (لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة) ، جملَة حَالية، والمضارع الْمَنْفِيّ إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه. قَوْله: (خطْوَة) قَالَ السفاقسي: روينَاهُ بِفَتْح الْخَاء، وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة بِضَم الْخَاء، وَهِي وَاحِدَة الخطى، وَهِي مَا بَين الْقَدَمَيْنِ، وَالَّتِي بِالْفَتْح مصدر. قَوْله: (أَو حط) ، ويروي: (وَحط) بِالْوَاو، وَهَذَا أشمل. قَوْله: (مَا كَانَ يحْبسهُ) ، أَي: مَا كَانَ الْمَسْجِد يحْبسهُ، وَكلمَة: مَا، للمدة أَي: مُدَّة دوَام حبس الْمَسْجِد إِيَّاه. قَوْله: (وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ) ، أَي تَدْعُو لَهُ بقَوْلهمْ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه. وَقَوله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) ، تَقْدِيره: وَتَدْعُو الْمَلَائِكَة قائلين: اللَّهُمَّ، إِذْ لَا يَصح الْمَعْنى إلَاّ بِهِ. وَقيل: إِنَّه بَيَان للصَّلَاة، كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير: فَأحْسن الْوضُوء. قَوْله: (مَا لم يؤذ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالذال الْمُعْجَمَة: من الْإِيذَاء، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا لم يؤذ الْمَلَائِكَة، وايذاؤه إيَّاهُم بِالْحَدَثِ فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ معنى قَوْله: يحدث، بِضَم الْيَاء من الإحداث بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ مجزوم وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على أَنه بدل من: يؤذ، وَيجوز رَفعه على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف. وَفِي رِوَايَة الشكميني: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، بِلَفْظ الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلقا: بيؤذ قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: (مَا لم يحدث) ، بطرح لفظ يؤذ، أَي: مَا لم ينْقض الْوضُوء، وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء الْحَدث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَعم من ذَلِك قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، وَلَفظه: (مَا لم يؤذ فِيهِ أَو يحدث فِيهِ) . والأعمية الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِل لَا تمشي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ على مَا يخفى، وتمشي فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لِأَنَّهُ عطف: أَو يحدث، على قَوْله: (لم يؤذ فِيهِ) ، وَالْمعْنَى: مَا لم يؤذ فِي مَجْلِسه الَّذِي صلى فِيهِ أحدا بقوله أَو فعله، أَو: يحدث، بِالْجَزْمِ من الإحداث بِمَعْنى الْحَدث لَا من التحديث، فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع تَأمل.
ذكر تعدد الرِّوَايَات فِي قَوْله: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تزيد على صلَاته فِي بَيته خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) . وَعند أبي ماجة: (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (فضل الصَّلَاة على صَلَاة أحدكُم وَحده خمْسا وَعشْرين جُزْءا) . وَعند السراج: (تعدل خَمْسَة وَعشْرين صَلَاة من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي لفظ: (سَبْعَة وَعشْرين جُزْءا) ، وَفِي لفظ: خير من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (صَلَاة مَعَ الإِمَام أفضل من خمس وَعشْرين يُصليهَا وَحده) . وَفِي كتاب ابْن حزم: صَلَاة الْجَمَاعَة تزيد على صَلَاة الْمُنْفَرد سبعا وَعشْرين دَرَجَة، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الْفَذ، وَعند ابْن حبَان: (فَإِن صلاهَا بِأَرْض فَيْء فَأَتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة) ، وَعند أبي دَاوُد: (بلغت خمسين صَلَاة) . وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد فِي هَذَا الحَدِيث: صَلَاة الرجل فِي الفلاة، تضَاعف على صلَاته فِي الْجَمَاعَة، موعند البُخَارِيّ، من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تفضل على صَلَاة الرجل وَحده بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَذَا رَوَاهُ نَافِع، وَعَامة من روى عَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ،
وَعند ابْن حبَان من حَدِيث أبي بن كَعْب: (أَرْبَعَة وَعشْرين أَو خَمْسَة وَعشْرين دَرَجَة، وَصَلَاة الرجل أذكى من صلَاته وَحده، وَصلَاته مَعَ الرجلَيْن أذكى من صلَاته مَعَ الرجل، وَصلَاته مَعَ الثَّلَاثَة أذكى من صلَاته مَعَ الرجلَيْن، وَمَا أَكثر فَهُوَ أحب إِلَى اعز وَجل) ، وَعند أبي نعيم: عَن الْعمريّ عَن نَافِع بِلَفْظ: (سَبْعَة أَو خَمْسَة وَعشْرين) ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي اتعالى عَنهُ: (صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الرجل وَحده خَمْسَة وَعشْرين ضعفا، كلهَا مثل صلَاته) ، وَفِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) : (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) .
وَعند السراج: (بِخمْس وَعشْرين صَلَاة) ، وَفِي لفظ: (تزيد خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي (تَارِيخ البُخَارِيّ) : من حَدِيث الإفْرِيقِي عَن قباث بن أَشْيَم: (صَلَاة رجلَيْنِ، يؤم أَحدهمَا صَاحبه، أذكى عِنْد امن أَرْبَعَة تترى، وَصَلَاة أَرْبَعَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة ثَمَانِيَة تترى، وَصَلَاة ثَمَانِيَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة مائَة تترى) ، وَعند السراج، من حَدِيث أنس مَوْقُوفا بِسَنَد صَحِيح: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بضعاً وَعشْرين صَلَاة) . وَعند الْكَجِّي، من حَدِيث أبان مَرْفُوعا: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بِأَرْبَع وَعشْرين صَلَاة) ، وَعند السراج بِسَنَد صَحِيح، وَعَن عَائِشَة: (تفضل على صلَاته وَحده خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ معَاذ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (فضل صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْوَاحِد خمس وَعِشْرُونَ دَرَجَة قَالَ، فَإِن كَانُوا أَكثر فعلى عدد من فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ رجل: وَإِن كَانُوا عشرَة آلَاف؟ قَالَ: نعم) . وَعند ابْن زنجوية، من حَدِيث ابْن الْخطاب الدِّمَشْقِي: عَن زُرَيْق بن عبد االأنصاري: (صَلَاة الرجل فِي بَيته، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة) . وَفِي فَضَائِل الْقُدس لأبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ، من حَدِيث أبي الْخطاب: (وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة) . وَمن حَدِيث عمار بن الْحسن: حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هدبة عَن أنس مَرْفُوعا مثله: وَصلَاته على السَّاحِل بألفي ألف صَلَاة، وَصلَاته بسواك بِأَرْبَع مائَة ألف صَلَاة.
ذكر وَجه هَذِه الرِّوَايَات اخْتلفُوا فِي وَجه الْجمع بَين سبع وَعشْرين دَرَجَة وَبَين خمس وَعشْرين. فَقيل: السَّبع مُتَأَخِّرَة عَن الْخمس فَكَأَن اأخبره بِخمْس ثمَّ زَاده، ورد هَذَا بتعذر التَّارِيخ، ورد هَذَا الرَّد بِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ، فَتعين أَنه مُتَأَخّر. وَقيل: إِن صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد أفضل من صَلَاة الْفَذ فِي الْمَسْجِد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة، ورد هَذَا بقوله: (وَصَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه بِخمْس وَعشْرين ضعفا) . وَقيل: إِن الصَّلَاة الَّتِي لم تكن فِيهَا فَضِيلَة الخطى إِلَى الصَّلَاة، وَلَا فَضِيلَة انتظارها تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِسبع. وَقيل: إِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْمُصَلِّين وَالصَّلَاة، فَمن أكملها وحافظ عَلَيْهَا فَوق من أخل بِشَيْء من ذَلِك، وَقيل: إِن الزِّيَادَة لصلاتي الْعشَاء وَالصُّبْح لِاجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فيهمَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (تفضل صَلَاة أحدكُم وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا، وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . فَذكر اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة بواو فاصلة، واستأنف الْكَلَام وقطعه من الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة، وَقيل: لَا مُنَافَاة بَين الحدثين لِأَن ذكر الْقَلِيل لَا يُنَافِي الْكثير، وَمَفْهُوم الْعدَد بَاطِل عِنْد جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا قَالَ: دَرَجَة، وَلم يقل: جُزْءا وَلَا نَصِيبا وَلَا حَافِظًا وَلَا شَيْئا من أَمْثَال ذَلِك، لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَاب من جِهَة الْعُلُوّ والارتفاع، وَأَن تِلْكَ فَوق هَذِه بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَة، لِأَن الدَّرَجَات إِلَى جِهَة فَوق قلت: قد جَاءَ فِيهِ لفظ: الْجُزْء والضعف، وَقد تقدما عَن قريب، فَكَأَنَّهُ لم يطلع عَلَيْهِمَا. وَقيل: إِن الدرجَة أَصْغَر من الْجُزْء، فَكَأَن الْخَمْسَة وَالْعِشْرين إِذا جزئت دَرَجَات كَانَت سبعا وَعشْرين دَرَجَة قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: سبعا وَعشْرين دَرَجَة وخمساً وَعشْرين دَرَجَة فَاخْتلف الْقدر مَعَ اتِّحَاد لفظ الدرجَة. وَقد قيل: يحْتَمل أَن تكون الدرجَة فِي الْآخِرَة والجزء فِي الدُّنْيَا فَإِن قلت: قد علم وَجه الْجمع بَين هذَيْن العددين، وَلَكِن مَا الْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَيْهِمَا؟ قلت: نقل الطَّيِّبِيّ عَن التوربشتي: وَأما وَجه قصر أَبْوَاب الْفَضِيلَة على خمس وَعشْرين تَارَة، وعَلى سبع وَعشْرين أُخْرَى فَإِن الْمرجع فِي حَقِيقَة ذَلِك إِلَى عُلُوم النُّبُوَّة الَّتِي قصرت عقل الألباء عَن إِدْرَاك جملها وتفاصيلها، وَلَعَلَّ الْفَائِدَة فِيمَا كشف بِهِ حَضْرَة النُّبُوَّة وَهِي اجْتِمَاع الْمُسلمين مصطفين كَصُفُوف الْمَلَائِكَة والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وَغَيرهَا انْتهى قلت: هَذَا لَا يشفي الغليل وَلَا يجدي العليل، وَالَّذِي ظهر لي فِي هَذَا
الْمقَام من الْأَنْوَار الإلهية والأسرار الربانية والعنايات المحمدية أَن كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا بِالنَّصِّ، وَأَنه لَو صلى فِي بَيته كَانَ يحصل لَهُ ثَوَاب عشر صلوَات، وَكَذَا لَو صلىَّ فِي سوقه كَانَ لكل صَلَاة عشر، ثمَّ أَنه إِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُضَاعف لَهُ مثله فَيصير ثَوَاب عشْرين صَلَاة، أَو زِيَادَة الْخمس فَلِأَنَّهُ أدّى فرضا من الْفُرُوض الْخَمْسَة، فأنعم اعليه ثَوَاب خمس صلوَات أُخْرَى نَظِير عدد الْفُرُوض الْخَمْسَة زِيَادَة عشْرين إنعاماً وفضلاً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَتَصِير الْجُمْلَة خَمْسَة وَعشْرين. وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: إِن مَرَاتِب الْأَعْدَاد آحَاد وعشرات ومآت وألوف، والمآت من الأوساط، وَخير الْأُمُور أوسطها، والخمسة وَالْعشْرُونَ ربع الْمِائَة، وللربع حكم الْكل. وَأما زِيَادَة السَّبع، فَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمناسبة أعداد رَكْعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِذْ الْفَرَائِض سَبْعَة عشر والرواتب الْمُؤَكّدَة عشرَة. انْتهى. قلت: الرَّوَاتِب الْمَذْكُورَة اثْنَي عشر، لحَدِيث المثابرة فَتَصِير: تِسْعَة وَعشْرين، فَلَا يُطَابق الْوَاقِع، فَنَقُول: يُمكن أَن يُقَال: إِن أَيَّام الْعُمر سَبْعَة، فَإِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُزَاد لَهُ على الْعشْرين ثَوَاب سبع صلوَات، كل صَلَاة من صلوَات كل يَوْم وَلَيْلَة من الْأَيَّام السَّبْعَة. وَأما الْوتر فَلَعَلَّهُ شرع بعد ذَلِك، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا: هَل هَذَا الْفضل لأجل الْجَمَاعَة فَقَط حَيْثُ كَانَت؟ أَو أَن ذَلِك إِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الَّتِي تكون فِي الْمَسْجِد لما يلْزم ذَلِك من أَفعَال تخْتَص بالمساجد؟ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالظَّاهِر الأول، لِأَن الْجَمَاعَة هُوَ الْوَصْف الَّذِي علق عَلَيْهِ الحكم. وَا أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن الصَّلَاة فِيهِ للمنفرد دَرَجَة من خمس وَعشْرين دَرَجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يقل يُسَاوِي صلَاته مُنْفَردا خمْسا وَعشْرين حَتَّى يكون لَهُ دَرَجَة مِنْهَا، بل قَالَ: تزيد، فَلَيْسَ للمنفرد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين شَيْء قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب، فَلَو كَانَ وقف على الرِّوَايَات الَّتِي ذَكرنَاهَا لما قَالَ ذَلِك كَذَلِك. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت والأسواق. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن صَلَاة الْجَمَاعَة لَا يفضل بَعْضهَا على بعض بِكَثْرَة الْجَمَاعَة، ورد هَذَا بِمَا ذكرنَا عَن ابْن حبَان، وَمَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى اتعالى، وَإِلَى مطلوبية الْكَثْرَة ذهب الشَّافِعِي وَابْن حبيب الْمَالِكِي.
٨٨ - (بَاب تَشْبِيكِ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع، سَوَاء كَانَ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره، وَالْمَوْجُود فِي غَالب النّسخ فِي هَذَا الْبَاب حديثان: أَحدهمَا: حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَالْآخر: حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَفِي بعض النّسخ حَدِيث آخر عَن ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، وجد ذَلِك بِخَط البرزالي وَلم يَسْتَخْرِجهُ الحافظان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم، وَلَا ذكره ابْن بطال أَيْضا، وَإِنَّمَا حكى أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي (كتاب الْأَطْرَاف) أَنه رَآهُ فِي كتاب أبي رُمَيْح عَن الْفربرِي وَحَمَّاد بن شَاكر عَن البُخَارِيّ، وَهُوَ هَذَا.
٨٧٤٧٣١ - ح دّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ عنْ بَشْرٍ قَالَ حدّثنا عاصِمٌ قَالَ حدّثنا واقِدٌ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أوِ ابنِ عَمْروٍ قَالَ شَبَّكَ النبيُّ أصَابِعَهُ. وَقَالَ عاصِمُ بنُ عَلِيٍ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الحدِيثَ منْ أبي فَلَمْ أحْفَظْهُ فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ ااِ قَالَ رسولُ اللَّهِ يَا عَبْدَ ابنَ عَمْروٍ كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناسِ بِهَذَا وَلَفْظُهُ فِي جَمْعِ الحُمَيْدِيّ فِي مْسْنَدِ ابنِ عُمَرَ شَبَّك النَّبِي أصَابِعَهُ وَقَالَ كَيْفَ أنْتَ يَا عَبْدَ ااِ إذَا بَقِيْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأمانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَاروا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ قَالَ فَكَيْفَ أفْعَلُ يَا رَسولَ ااِ قَالَ تأخذُ مَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنكِرُ وتُقْبِلُ على خاصِتَّكَ وتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ. (انظرالحديث ٩٧٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد جزئيها، وَاكْتفى البُخَارِيّ بدلالته على بعض التَّرْجَمَة حَيْثُ دلّ أبي هُرَيْرَة على تَمامهَا.
ذكر رِجَاله فِيهِ تِسْعَة أنفس: الأول: حَامِد بن عمر البكراوي من ذُرِّيَّة أبي بكر الثَّقَفِيّ نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، مَاتَ بنيسابور أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل الرقاشِي الْحجَّة، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيُصلي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد ابْن عمر بن الْخطاب الْعمريّ الْمدنِي، وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره. الرَّابِع: أَخُو عَاصِم، وَهُوَ: وَاقد، بِالْقَافِ: ابْن مُحَمَّد بن زيد الْمَذْكُور، ثقه أَبُو زرْعَة وَغَيره. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن عبد ا، وَثَّقَهُ غير وَاحِد. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: عبد ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ. الثَّامِن: أَبُو عبد اوهو البُخَارِيّ نَفسه. التَّاسِع: عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب الوَاسِطِيّ شيخ البُخَارِيّ والدارمي، وَفِي (تَهْذِيب التَّهْذِيب) : كَانَ من ثِقَات الشُّيُوخ وأعيانهم. وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِثِقَة، وَفِي رِوَايَة: كَذَّاب، مَاتَ فِي نصف رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع. وَفِيه: الشَّك بَين عبد ابْن عمر بن الْخطاب وَبَين عبد ابْن عمر بن الْعَاصِ، وَالظَّاهِر أَن الشَّك من وَاقد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن عَليّ) تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَوَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، قَالَ: حدّثنا عَاصِم بن عَليّ حدّثنا عَاصِم بن مُحَمَّد عَن وَاقد سَمِعت أبي يَقُول: قَالَ عبد ا، قَالَ: رَسُول ا، فَذكره. قَوْله: (فِي حثالة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مَا يخرج من الطَّعَام من زوان وَنَحْوه مِمَّا لَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللحياني: هُوَ أجل من التُّرَاب والدقاق قَلِيلا، وَخَصه بِالْحِنْطَةِ، والحثالة والحثل: الرَّدِيء من كل شَيْء، وَقيل: هُوَ القشارة من التَّمْر وَالشعِير وَمَا أشبههما، وحثالة القرط نقايته. قَوْله: (مرجت عهودهم) ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) : مرجت عهودهم: إِذا لم تثبت، وَأمر حجوها: إِذا لم يوفوا بهَا وخلطوها، ومرجت أمانتهم فَسدتْ، ومرج الدّين اخْتَلَط واضطرب. وَفِي (الْمُحكم) : مرج الْأَمر مرجاً فَهُوَ مارج ومريج: الْتبس وَاخْتَلَطَ، ومرج أمره يمرجه: ضيَّعه، وَرجل ممارج يمرج أُمُوره وَلَا يحكمها ومرج الْعَهْد وَالدّين وَالْأَمَانَة: فسد، وأمرج عَهده: لم يَفِ بِهِ، قَوْله: (وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، أَي: شَبكَ النَّبِي بَين أَصَابِعه ليمثل لَهُم اختلاطهم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ: جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع سَوَاء فِي الْمَسْجِد أَو غَيره لإِطْلَاق الحَدِيث، وَلَكِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَفِي الصَّلَاة، وَكره إِبْرَاهِيم ذَلِك فِي الصَّلَاة، وَهُوَ قَول مَالك، وَرخّص فِي ذَلِك ابْن عمر وَابْنه سَالم، فَكَانَ يشبكان بَين أصابعهما فِي الصَّلَاة، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يشبك بَين أَصَابِعه فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: إِنَّهُم لينكرون تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَمَا بِهِ بَأْس.
وَإِنَّمَا يكره فِي الصَّلَاة، وقدروه النَّهْي عَن ذَلِك فِي أَحَادِيث. مِنْهَا: مَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، فَقَالَ: حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا مُحَمَّد بن سَعْدَان حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن عبد اعن عبيد ابْن عمر عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: يَا كَعْب، إِذا تَوَضَّأت فأحسنت الْوضُوء، ثمَّ خرجت إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تشبك بَين أصابعك فَإنَّك فِي صَلَاة) . وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يفعل هَكَذَا، وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن موهب عَن عَمه عَن مولى لأبي سعيد، وَهُوَ مَعَ رَسُول ا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد فَرَأى رجلا جَالِسا وسط النَّاس وَقد شَبكَ بَين أَصَابِعه يحدث نَفسه، فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله فَلم يفْطن لَهُ، فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان) . فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لأحاديث الْبَاب قلت: غير مقاومة لَهَا فِي الصِّحَّة، وَلَا مُسَاوِيَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه مُعَارضَة بِمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن
التشبيك فِي الْمَسْجِد، وَقد وَردت فِيهِ مَرَاسِيل، ومسند من طرق غير ثَابِتَة قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالمسند حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث كَعْب هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قلت: فِي اسناده اخْتِلَاف، فضعفه بَعضهم بِسَبَبِهِ، وَقيل: لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن فعل ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو فِي الْمُضِيّ إِلَى الصَّلَاة وَفعله لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الْمُضِيّ إِلَيْهَا مُعَارضَة إِذا، وَبَقِي كل حَدِيث على حياله فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب وَقع تشبيكه وَهُوَ فِي الصَّلَاة قلت: إِنَّمَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة فِي ظَنّه فَهُوَ فِي حكم المنصرف عَن الصَّلَاة، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن ذَلِك مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد ضعيفه، لِأَن فِيهَا ضَعِيفا ومجهولاً، وَقد رَوَاهَا ابْن أبي شيبَة، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان، وَإِن أحدكُم لَا يزَال فِي صَلَاة مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: التَّحْقِيق أَنه لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث تعَارض، إِذا الْمنْهِي عَنهُ فعله على وَجه الْعَبَث وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ الْمَقْصُود التَّمْثِيل وتصوير الْمَعْنى فِي اللَّفْظ فَإِن قلت: مَا حكمه النَّهْي عَن التشبيك؟ قلت: أُجِيب بأجوبة. الأول: لكَونه من الشَّيْطَان، كَمَا مر الْآن. الثَّانِي: لِأَنَّهُ يجلب النّوم، وَهُوَ من مظان الْحَدث. الثَّالِث: أَن صُورَة التشبيك تشبه صُورَة الِاخْتِلَاف، كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث ابْن عمر، فكره ذَلِك لمن هُوَ فِي حكم الصَّلَاة حَتَّى لَا يَقع فِي الْمنْهِي عَنهُ. قَوْله: للمصلين: (وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبهم) ، وَا تَعَالَى أعلم.
٢٨٤ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدّثنا ابنُ شمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قلَ صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ إحْدَى صَلَاتِي العَشِيَّ قالَ سِيرِينَ قَد سَمَّاهَا أبُو هُرَيْرةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنا قالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتْينِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فَي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّهُ غَضْبَانُ ووضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ووضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كفَّهِ اليُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ فقالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وفِي
القَوْمِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَهَابَاهُ أنْ يُكَلِّمَاهُ وفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ يَا رسولَ اللَّهِ أنَسيتَ أمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ قالَ لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فقالَ أكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ فقالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سلَّمَ ثُم كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سْجُودِهِ أوْ أطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وكبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أوْ أَطْولَ ثُمَّ رَفَعَ رأْسَهُ وكَبَّرَ فَرُبَّما سألُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ. (الحَدِيث ٢٨٤ أَطْرَافه فِي: ٤١٧، ٥١٧، ٧٢٢١، ٨٢٢١، ٩٢٢١، ١٥٠٦، ٠٥٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يدل على تَمامهَا، لِأَن التشبيك إِذا جَازَ فِي الْمَسْجِد فَفِي غَيره أولى بِالْجَوَازِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام، تقدم فِي بَاب فضل من علم. الثَّانِي: النَّضر بن شُمَيْل، بِضَم الْمُعْجَمَة، تقدم فِي بَاب العنزة. الثَّالِث: عبد ابْن عون، تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن إِسْحَاق بن مَنْصُور هُوَ المجزوم بِهِ عِنْد أبي نعيم. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد ابْن مسلمة عَن مَالك وَعَن حَفْص بن عَمْرو عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَليّ ابْن نصر بن عَليّ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد وَعَن معَاذ عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي أُسَامَة. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَلَاثَة عشر طَرِيقا.
ذكر مَعْنَاهُ) . قَوْله: (إِحْدَى صَلَاتي الْعشي) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (الْعشَاء) ، بِالْمدِّ، وَالظَّاهِر أَنه وهم لِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (صلى بِنَا النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (صلى بِنَا النَّبِي الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي أُخْرَى لَهُ. (صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر، وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) . قَوْله: (وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) هُوَ قَول ابْن سِيرِين أَي: أكبر ظَنِّي أَن أَبَا هُرَيْرَة ذكر صَلَاة الظّهْر، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَأطلق على الظّهْر وَالْعصر صَلَاتي العشى، لِأَن العشى يُطلق على مَا بعد الزَّوَال إِلَى الْمغرب فَإِن قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشي والعشية من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة؟ قلت: الَّذِي ذكره هُوَ أصل الْوَضع، وَفِي الإستعمال يُطلق على مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْعشي، بِفَتْح الْعين وَكسر الشين وَتَشْديد الْيَاء: مَا بَين زَوَال الشَّمْس وغروبها.
قَوْله: (معروضة) أَي: مَوْضُوعَة بِالْعرضِ أَو مطروحة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. قَوْله: (وضع يَده الْيُمْنَى) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَضع حَال التشبيك وَأَن يكون بعد زَوَاله، وَعند الْكشميهني: (وضع خَدّه الْأَيْمن) بدل: يَده الْيُمْنَى) . قَوْله: (السرعان) قَالَ الْجَوْهَرِي: سرعَان النَّاس، بِالتَّحْرِيكِ: أوائلهم، وَيُقَال: أخفاؤهم والمستعجلون مِنْهُم، وَيلْزم الْإِعْرَاب نونه فِي كل وَجه، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث واللغة، وَكَذَا ضَبطه المتقنون. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السرعان، بِفَتْح السِّين وَالرَّاء: أَوَائِل النَّاس الَّذين يتسارعون إِلَى الشَّيْء ويقبلون عَلَيْهِ بِسُرْعَة، وَيجوز تسكين الرَّاء قلت: وَكَذَا نقل القَاضِي عَن بَعضهم، قَالَ: وَضَبطه الْأصيلِيّ فِي البُخَارِيّ، بِضَم السِّين وَإِسْكَان الرَّاء، وَوَجهه أَنه جمع سريع كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، وَمن قَالَ: سرعَان، بِكَسْر السِّين فَهُوَ خطأ. وَقيل: يُقَال أَيْضا: سرعَان بِكَسْر السِّين وَالرَّاء وَهُوَ جمع: سريع، كرعيل ورعلان. وَأما أَقْوَالهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: الضَّم وَالْكَسْر وَالْفَتْح مَعَ إسكان الرَّاء وَالنُّون مَفْتُوحَة أبدا. قَوْله:، " قصرت الصَّلَاة " بِضَم الْقَاف وَكسر الصَّاد ويروى بِفَتْح الْقَاف وَضم الصَّاد قَوْله " فهاباه " أَي هاب أَبُو بكر وَعمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ويروى: (فَهَابَا) ، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَهُوَ من الهيبة، وَهُوَ: الْخَوْف والاجلال، وَقد هابه يهابه، وَالْأَمر مِنْهُ: هَب، بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (أَن يُكَلِّمَاهُ) كلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: من التكليم. قَوْله: (وَفِي الْقَوْم رجل) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذُو الْيَدَيْنِ) فِيهِ رِوَايَات: فَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فَقَامَ رجل طَوِيل الْيَدَيْنِ كَانَ رَسُول الله سَمَّاهُ ذَا الْيَدَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ رجل من بني سليم) ، وَفِي رِوَايَة: (رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق بن عَمْرو، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول) . وَفِي رِوَايَة: (وَكَانَ رجلا بسيط الْيَدَيْنِ) ، وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا؟ فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) .
وخرباق، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن عبد عَمْرو السّلمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : ذُو الْيَدَيْنِ، وَيُقَال لَهُ: ذُو الشمالين أَيْضا: ابْن عبد عَمْرو بن فضلَة الْخُزَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو عبد االعدني فِي (مُسْنده) : قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: ذُو الْيَدَيْنِ أحد أجدادنا، وَهُوَ ذُو الشمالين بن عَمْرو بن ثَوْر بن ملكان بن أفْضى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حدّثنا ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة قَالَ: (صلى النَّبِي بِالنَّاسِ ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف، فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم: حدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ وَمَا ذَلِك؟ قَالُوا: لم نصل إلَاّ ثَلَاث رَكْعَات. فَقَالَ: أكذاك يَا ذَا الْيَدَيْنِ؟ وَكَانَ يُسمى ذَا الشمالين، فَقَالَ: نعم. فصلى رَكْعَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ) وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (معرفَة الصَّحَابَة) : ذُو الْيَدَيْنِ اسْمه الْخِرْبَاق من بني سليم، كَانَ نزل بِذِي خشب من نَاحيَة الْمَدِينَة، وَلَيْسَ هُوَ ذَا الشمالين خزاعي حَلِيف لبني زهرَة، قتل يَوْم بدر، وَأَن قصَّة ذِي الشمالين كَانَت قبل بدر، ثمَّ أحكمت الْأُمُور بعد ذَلِك.
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (شرح مُسلم) : وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فقد ذكر مُسلم فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن اسْمه الْخِرْبَاق، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: بسيط الْيَدَيْنِ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: رجل من بني سليم وَوَقع للعذري: سلم وَهُوَ خطأ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر مُفَسرًا، فَقَالَ فِيهِ: ذُو الْيَدَيْنِ أَخُو بني سليم، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: ذُو الشمالين رجل من بني زهرَة، وبسبب هَذِه الْكَلِمَة ذهب الحنفيون إِلَى أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالُوا: لِأَن ذَا الشمالين قتل يَوْم بدر فِيمَا ذكره أهل السّير، وَهُوَ من بني سليم، فَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَهَذَا لَا يَصح لَهُم، وَإِن قتل ذُو الشمالين يَوْم بدر فَلَيْسَ هُوَ بالخرباق، وَهُوَ رجل آخر حَلِيف لبني زهرَة اسْمه: عُمَيْر بن عبد عَمْرو من خُزَاعَة، بِدَلِيل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ومشاهدته خَبره، وَلقَوْله: صلى بِنَا رَسُول ا، وَذكر الحَدِيث، وَإِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِخَير بعد يَوْم بدر بِسنتَيْنِ، فَهُوَ غير ذِي الشمالين المستشهد ببدر، وَقد عدوا قَول الزُّهْرِيّ فِيهِ هَذَا من وهمه، وَقد عدهما بَعضهم حديثين فِي نازلتين وَهُوَ الصَّحِيح لاخْتِلَاف صفتهما، لِأَن فِي حَدِيث الْخِرْبَاق ذَا الشمالين أَنه: سلم من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: من اثْنَتَيْنِ، وَفِي حَدِيث الْخِرْبَاق: إِنَّهَا الْعَصْر، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: الظّهْر لغير شكّ عِنْد نعضهم، وَقد ذكر مُسلم ذَلِك كُله. اناتهى. وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين الْمَقْتُول ببدر بِدَلِيل مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَنه ذُو الشمالين، فَلم يُتَابع عَلَيْهِ.
قلت: الْجَواب على ذَلِك كُله مَعَ تَحْرِير الْكَلَام فِي هَذَا الْموضع أَنه: وَقع فِي كتاب النَّسَائِيّ: ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، كِلَاهُمَا لقب على الْخِرْبَاق كَمَا ذكرنَا حَيْثُ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن رَافع حدّثنا عبد الرَّزَّاق حدّثنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشمالين ابْن عَمْرو: أنقضت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ النَّبِي: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق يَا رَسُول ا، فَأَتمَّ لَهُم الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نقصتا) ، وَهَذَا سَنَد صَحِيح مُتَّصِل صرح فِيهِ بِأَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: أَن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي حَدثنِي أَبُو ضَمرَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (نسي رَسُول الله فَسلم فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ ذُو الشمالين: اقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَسُول ا: أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم، فَقَامَ رَسُول الله فَأَتمَّ الصَّلَاة) ، وَهَذَا أَيْضا سَنَد صَحِيح صَرِيح فِيهِ أَيْضا أَن: ذَا الشمالين، وَهُوَ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَقد تَابع الزُّهْرِيّ على ذَلِك
عمرَان بن أبي أنس، قَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عِيسَى بن حَمَّاد أخبرنَا اللَّيْث عَن زيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن رَسُول ا، صلى يَوْمًا فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فأدركه ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُول اانقصت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ: لم تنقص الصَّلَاة وَلم أنس قَالَ: بلَى، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ قَالَ رَسُول ا، أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم فصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) : وَهَذَا يضاً سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرج نَحوه الطَّحَاوِيّ: عَن ربيع الْمُؤَذّن عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره نَحوه، فَثَبت أَن الزُّهْرِيّ لم ينْفَرد بذلك، وَأَن الْمُخَاطب للنَّبِي ذُو الشمالين، وَأَن من قَالَ ذَلِك لم يهم، وَلَا يلْزم من عدم تَخْرِيج ذَلِك فِي الصَّحِيح عدم صِحَّته، فَثَبت أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، وَهَذَا أولى من جعله رجلَيْنِ لِأَنَّهُ خلاف الأَصْل فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ حَدِيثا وَاسْتدلَّ بِهِ على بَقَاء ذِي الْيَدَيْنِ بعد النَّبِي، فَقَالَ: الَّذِي قتل ببدر هُوَ ذُو الشمالين بن عبد عَمْرو بن فضلَة، حَلِيف بني زهرَة من خُزَاعَة: وَأما ذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي أخبر النَّبِي، بسهوه فَإِنَّهُ بَقِي بعد النَّبِي. كَذَا ذكره شَيخنَا أَبُو عبد االحافظ، ثمَّ خرج عَنهُ بِسَنَدِهِ إِلَى معدي بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنِي شُعَيْب بن مطير عَن أَبِيه ومطير حَاضر فَصدقهُ، قَالَ شُعَيْب: يَا أبتاه أَخْبَرتنِي أَن ذَا الْيَدَيْنِ لقيك بِذِي خشب فأخبرك أَن رَسُول ا: الحَدِيث؛ ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ بعض الروَاة: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ ذُو الشمالين: يَا رَسُول اأقصرت الصَّلَاة؟ وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد ايقول: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، فَإِن ذَا الشمالين تقدم مَوته وَلم يعقب وَلَيْسَ لَهُ راو قلت: سَنَده ضَعِيف لِأَن فِيهِ معدي بن سُلَيْمَان، فَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يحدث عَن ابْن عجلَان مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الثِّقَات، والملزوقات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الإحتجاج بِهِ إِذا انْفَرد. وَفِي سَنَده أَيْضا شهيب لم يعرف حَاله وَولده مطير، قَالَ فِيهِ ابْن الْجَارُود: روى عَنهُ ابْنه شُعَيْب لم يكْتب حَدِيثه، وَفِي (الضُّعَفَاء) للذهبي: لم يَصح حَدِيثه، وَفِي (الكاشف) : مطير بن سليم عَن ذِي الزَّوَائِد وَعنهُ أَبنَاء شُعَيْب وسليم لم يَصح حَدِيثه.
ولضعف هَذَا السَّنَد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمعرفَة) : ذُو الْيَدَيْنِ بَقِي بعد النَّبِي فِيمَا يُقَال، وَلَقَد أنصف وَأحسن فِي هَذِه الْعبارَة، ثمَّ إِن قَول شَيْخه أبي عبد ا: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، غير صَحِيح، روى مَالك فِي (موطئِهِ) عَن ابْن شهَاب عَن ابْن أبي بكر بن سُلَيْمَان عَن أبي خثيمَةَ: (بَلغنِي أَن رَسُول الله ركعه رَكْعَتَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي النَّهَار، الظّهْر أَو الْعَصْر، فَسلم من اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين، رجل من بني زهرَة بن كلاب: أقصرت الصَّلَاة؟)
الحَدِيث، وَفِي آخِره: مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب، وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن مثل ذَلِك، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه ذُو الشمالين وَأَنه من بني زهرَة فَإِن قلت: هُوَ مُرْسل. قلت: ذكر أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : أَنه مُتَّصِل من وُجُوه صِحَاح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا ذكرنَا مِمَّا رَوَاهُ النَّسَائِيّ آنِفا، ثمَّ قَول الْحَاكِم عَن ذِي الشمالين: لم يعقب يفهم من ظَاهِرَة أَن ذَا الْيَدَيْنِ أعقب، وَلَا أصل لذَلِك فِيمَا قد علمناه، وَا تَعَالَى أعلم. فَإِن قلت: إِن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين إِذا كَانَا لقباً على شخص وَاحِد على مَا زعمتم فَحِينَئِذٍ يدل على أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يحضر تِلْكَ الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ ذُو الشمالين قتل ببدر، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر وَهُوَ مُتَأَخّر بِزَمَان كثير، وَمَعَ هَذَا فَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي، إِمَّا الظّهْر أَو الْعَصْر)
الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول ا)
أخرجه مُسلم وَغَيره. وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا رَسُول ا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ)
الحَدِيث قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن معناد: صلى بِالْمُسْلِمين، وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة، كَمَا رُوِيَ عَن النزل بن سُبْرَة قَالَ: (قَالَ لنا رَسُول ا: أَنا وَإِيَّاكُم كُنَّا ندعى بني عبد منَاف)
الحَدِيث والنزال لم ير رَسُول ا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك: قَالَ لقومنا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس، قَالَ: (قدم علينا معَاذ ابْن جبل فَلم يَأْخُذ من الخضراوات شَيْئا، وَإِنَّمَا أَرَادَ: قدم بلدنا، لِأَن معَاذًا قدم الْيمن فِي عهد رَسُول ا، قبل أَن يُولد طَاوس) ، وَمثله مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب: الْبَيَان أَن النَّهْي مَخْصُوص بِبَعْض الْأَمْكِنَة عَن مُجَاهِد، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ؟ إِلَى آخِره. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُجَاهِد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر. وَقَوله: (جَاءَنَا) ، أَي: بلدنا. فأفهم.
قَوْله: (لم أنس وَلم تقصر) ، أَي: الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كل ذَلِك لم يكن) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كل ذَلِك لم أفعل) ، قَالَ
النَّوَوِيّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لم يكن الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي وجود أَحدهمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّوَاب، مَعْنَاهُ: لم يكن لَا ذَلِك وَلَا ذَا فِي ظَنِّي، بل ظَنِّي أَنِّي أكملت الصَّلَاة أَرْبعا. وَيدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل، وَأَنه لَا يجوز غَيره، أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي قَالَ: (لم نقصر وَلم أنس يرجع إِلَى السَّلَام أَي: لم أنس فِيهِ إِنَّمَا سلمت قصدا، وَلم أنس فِي نفس السَّلَام، وَإِنَّمَا سَهَوْت عَن الْعدَد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا فَاسد، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون جَوَابا عَمَّا سُئِلَ عَنهُ. وَيُقَال: بَين النسْيَان والسهو فرق، فَقيل: كَانَ يسهو وَلَا ينسى، فَلذَلِك نفي عَن نَفسه النسْيَان، لِأَن فِيهِ غَفلَة، وَلم يغْفل. قَالَه القَاضِي. وَقَالَ الْقشيرِي: هَذَا افرق بَينهمَا فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة، وَكَأَنَّهُ يلوح من اللَّفْظ على أَن النسْيَان عدم الذّكر لأمر لَا يتَعَلَّق باصلاة، والسهو عدم الذّكر لأمر يتَعَلَّق بهَا، وَيكون النسْيَان الْإِعْرَاض عَن تفقد أمورها حَتَّى يحصل عدم الذّكر، والسهو عدم الذّكر لَا لأجل الْإِعْرَاض. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا نسلم الْفرق، وَلَئِن سلم فقد أضَاف النَّبِي النسْيَان إِلَى نَفسه فِي غير مَا مَوضِع، بقوله: (إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني) . وَقَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أنكر نسيت المضافة إِلَى نَفسه، وَهُوَ قد نهى عَن هَذَا بقوله: (بئْسَمَا لأحدكم أَن يَقُول: نسيت كَذَا، وَلكنه نسي) . وَقد قَالَ أَيْضا: لَا أنسى، وَقد شكّ بعض الروَاة فِي رِوَايَته، فَقَالَ: أنسى أَو أنسّى، وَأَن: أَو للشَّكّ أَو للتقسيم، وَأَن هَذَا يكون مِنْهُ مرّة من قبل شغله، وَمرَّة يغلب وَيجْبر عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِل بذلك أنكرهُ. وَقَالَ: (كل ذَلِك لم يكن) وَفِي الْأُخْرَى: (لم أنس وَلم تقصر) ، أما الْقصر فَبين، وَكَذَلِكَ: لم أنس، حَقِيقَة من قبل نَفسِي وَلَكِن اتعالى أنساني، وَيُمكن أَن يُجَاب عَمَّا قَالَه القَاضِي: أَن النَّهْي فِي الحَدِيث عَن إِضَافَة نسيت إِلَى الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ يقبح لِلْمُؤمنِ أَن يضيف إِلَى نَفسه نِسْيَان كَلَام اتعالى، وَلَا يلْزم من هَذَا النَّهْي الْخَاص النَّهْي عَن إِضَافَته إِلَى كل شَيْء. فَافْهَم. وَذكر بَعضهم أَن الْعِصْمَة ثَابِتَة فِي الْإِخْبَار عَن اتعالى، وَأما إخْبَاره عَن الْأُمُور الوجودية فَيجوز فِيهَا النسْيَان قلت: تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: لم ينس وَلم تقصر الصَّلَاة، مثل قَوْله: كل ذَلِك لم يكن، وَالْمعْنَى: كل من الْقصر وَالنِّسْيَان لم يكن، فَيكون فِي معنى: لَا شَيْء مِنْهُمَا بكائن، على شُمُول النَّفْي وعمومه لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن السُّؤَال عَن أحد الْأَمريْنِ: بِأم، وَيكون لطلب التَّعْيِين بعد ثُبُوت أَحدهمَا عِنْد الْمُتَكَلّم، لَا على التَّعْيِين، غير أَنه إِنَّمَا يكون بِالتَّعْيِينِ أَو بنفيهما جَمِيعًا تخطئه للمستفهم لَا بِنَفْي الْجمع بَينهمَا، حَتَّى يكون نفي الْعُمُوم لِأَنَّهُ عَارِف بِأَن الْكَائِن أَحدهمَا.
وَالثَّانِي: لما قَالَ: كل ذَلِك لم يكن، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: قد كَانَ بعض ذَلِك. وَمَعْلُوم أَن الثُّبُوت للْبَعْض إِنَّمَا يُنَافِي النَّفْي عَن كل فَرد لَا النَّفْي عَن الْمَجْمُوع. وَقَوله: قد كَانَ بعض ذَلِك، مُوجبَة جزئية ونقيضها السالبة الْكُلية، وَلَوْلَا أَن ذَا الْيَدَيْنِ فهم السَّلب الْكُلِّي لما ذكر فِي مُقَابلَته الْإِيجَاب الجزئي، وَهَهُنَا قَاعِدَة أُخْرَى وَهِي: أَن لَفْظَة: كل إِذا وَقعت فِي حيّز النفيي كَانَ النَّفْي مُوجبهَا خَاصَّة، وَأفَاد بمفهومه ثُبُوت الْفِعْل لبَعض الْأَفْرَاد، كَقَوْلِك: مَا جَاءَ كل الْقَوْم وَلم آخذ كل الدَّرَاهِم. وَقَوله.
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ)
وَإِن وَقع النَّفْي فِي حيزها اقْتضى السَّلب عَن كل فَرد. كَقَوْلِه: (كل ذَلِك لم يكن) .
قَوْله: (أكما يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟) أَي: الْأَمر كَمَا يَقُول. قَوْله: (فَقَالُوا: نعم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَقَالَ النَّاس: نعم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فأمأوا) أَي: نعم، وَفِي أَكثر الْأَحَادِيث قَالُوا: نعم، وَيُمكن أَن يجمع بَينهمَا بِأَن بعض أَوْمَأ، وَبَعْضهمْ يكلم. وَسَنذكر وَجه هَذَا عَن قريب. قَوْله: (فَرُبمَا سَأَلُوهُ) فَرُبمَا سَأَلُوا ابْن سِيرِين: هَل فِي الحَدِيث: ثمَّ سلم، يَعْنِي: سَأَلُوا ابْن سِيرِين أَن رَسُول الله بعد هَذَا السُّجُود سلم مرّة أُخْرَى، أَو اكْتفى بِالسَّلَامِ الأول؟ وَكلمَة: رب، أَصْلهَا للتقليل، وَكثر اسْتِعْمَالهَا فِي التكثير، وتلحقها كلمة: مَا، فَتدخل على الْجمل. قَوْله: (فَيَقُول: نبئت) ، بِضَم النُّون: أَي أخْبرت أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: ثمَّ سلم، وَهَذَا يدل على أَنه لم يسمع من عمرَان، وَقد بَين أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عَن ابْن سِيرِين الْوَاسِطَة بَينه وَبَين عمرَان، فَقَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس حدّثنا مُحَمَّد بن عبد ابْن الْمثنى قَالَ حَدثنِي أَشْعَث عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول ا، صلى بهم وسها، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تشهد ثمَّ سلم) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ والترمزي وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شُعْبَة عَن خَالِد الْحذاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا قلَابَة يحدث عَن عَمه أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا قَالَ: فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأَبُو قلَابَة اسْمه: عبد ابْن زيد الحرمي، وَعَمه أَبُو الْمُهلب اسْمه: عَمْرو بن مُعَاوِيَة، قَالَه النَّسَائِيّ. وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، وَقيل: مُعَاوِيَة بن عَمْرو، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن
عَمْرو، وَقيل: النَّضر بن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ.
الثَّانِي: فِيهِ حجَّة لِأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي أَنَّهَا قبل السَّلَام.
الثَّالِث: أَن الَّذِي عَلَيْهِ السَّهْو إِذا ذهب من مقَامه ثمَّ عَاد وَقضى مَا عَلَيْهِ هَل يَصح؟ فَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَصح، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن: (فجَاء فصلى رَكْعَة) ، وَفِي رِوَايَة غَيره من الْجَمَاعَة: (فَتقدم وَصلى) ، وَهُوَ رِوَايَة اليخاري هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة: (فَرجع رَسُول الله إِلَى مقَامه) ، وَلَكِن اخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِيهَا وَجْهَان: أصَحهمَا: أَنه يَصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي صَحِيح مُسلم: (أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، مَشى إِلَى الْجذع وَخرج السرعان) . وَفِي رِوَايَة: (دخل منزله) . وَفِي رِوَايَة: (دخل الْحُجْرَة ثمَّ خرج وَرجع النَّاس وَبنى على صلَاته) . وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم: أَن الصَّلَاة تبطل، بذلك قَالَ النَّوَوِيّ، وَهَذَا مُشكل، وَتَأْويل الحَدِيث صَعب على من أبطلها، وَنقل عَن مَالك أَنه مَا لم ينْتَقض وضوؤه يجوز لَهُ ذَلِك وَإِن طَال الزَّمَان، وَكَذَا رُوِيَ عَن ربيعَة، مستدلين بِحَدِيث عمرَان. وَمذهب أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: إِذا سلم سَاهِيا على الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي مَكَانَهُ لم يصرف وَجهه عَن الْقبْلَة وَلم يتَكَلَّم عَاد إِلَى الْقَضَاء لما عَلَيْهِ، وَلَو اقْتدى بِهِ رجل يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، أما إِذا صرف وَجهه عَن الْقبْلَة فَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يتَكَلَّم فَكَذَلِك، لِأَن الْمَسْجِد كُله فِي حكم مَكَان وَاحِد، لِأَنَّهُ مَكَان الصَّلَاة، وَإِن كَانَ خرج فِي الْمَسْجِد ثمَّ تذكر لَا يعود، وتفسد صلَاته. وَأما إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء فَإِن تذكر قبل أَن يُجَاوز الصُّفُوف من خَلفه أَو من قبل الْيَمين أَو الْيَسَار عَاد إِلَى قَضَاء مَا عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا، وَإِن مَشى أَمَامه لم يذكرهُ فِي الْكتاب.
وَقيل: إِن مَشى قدر الصُّفُوف الَّتِي خَلفه تفْسد وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف اعْتِبَارا لأحد الْجَانِبَيْنِ. وَقيل: إِذا جَاوز مَوضِع سُجُوده لَا يعود، وَهُوَ الْأَصَح، وَهَذَا إِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ ستْرَة، فَإِن كَانَ يعود مَا لم يجاوزها، لِأَن دَاخل الستْرَة فِي حكم الْمَسْجِد. وَا اعْلَم.
وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث: إِنَّه مَنْسُوخ، وَذَلِكَ أَن عمر بن الْخطاب عمل بعد رَسُول الله بِخِلَاف مَا كَانَ عمله يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، وَالْحَال أَنه كَانَ فِيمَن حضر يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، فلولا ثَبت عِنْده انتساخ ذَلِك لما عمل بِخِلَاف مَا عمل بِهِ النَّبِي، وَأَيْضًا فَإِن عمر فعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد، فَصَارَ ذَلِك مِنْهُم إِجْمَاعًا. وروى الطَّحَاوِيّ ذَلِك عَن ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حدّثنا أَبُو عَاصِم عَن عُثْمَان بن الْأسود. قَالَ: (سَمِعت عَطاء يَقُول: صلى عمر بن الْخطاب بِأَصْحَابِهِ فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي جهزت عيرًا من الْعرَاق بأحمالها وأقتابها حَتَّى وَردت الْمَدِينَة، قَالَ: فصلى بهم أَربع رَكْعَات) .
الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ قوم على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة من الْمَأْمُومين لإمامهم إِذا كَانَ على وَجه إصْلَاح الصَّلَاة لَا يقطع الصَّلَاة، وَأَن الْكَلَام من الإِمَام والمأمومين فِيهَا على السَّهْو لَا يقطع الصَّلَاة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا، كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم أَن مَالِكًا يَقُول: لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ فِي شَأْنهَا وإصلاحها، وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل ذكره الْأَثْرَم عَنهُ أَنه قَالَ: مَا تكلم بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته لإصلاحها لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته، فَإِن تكلم لغير ذَلِك فَسدتْ عَلَيْهِ، وَذكر الْخرقِيّ عَنهُ أَن مذْهبه فِيمَن تكلم عَامِدًا أَو سَاهِيا بطلت صلَاته إلَاّ الإِمَام خَاصَّة، فَإِنَّهُ إِذا تكلم لمصْلحَة صلَاته لم تبطل صلَاته. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمن تَابعهمْ من أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم: إِن من تعمد الْكَلَام وَهُوَ يعلم أَنه لم يتم الصَّلَاة، وَأَنه فِيهَا أفسد صلَاته، فَإِن تكلم نَاسِيا أَو تكلم وَهُوَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، لَا يُبْطِلهَا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَعبد ابْن الزبير وأخيه عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجَمِيع الْمُحدثين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري، وَفِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: تبطل صلَاته بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا، انْتهى. وَأجْمع الْمُسلمُونَ طرّاً أَن الْكَلَام عَامِدًا فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يعلم أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يكن ذَلِك لإِصْلَاح صلَاته أَنه يفْسد الصَّلَاة، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه: من تكلم لإحياء نفس أَو مثل ذَلِك من الْأُمُور الجسام لم تفْسد بذلك صلَاته، وَهُوَ قَول ضَعِيف فِي النّظر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الْمَشْهُور عَن مَالك وَأَصْحَابه الْأَخْذ بِحَدِيث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
[الحديث ٤٧٦ - أطرافه في: ٦٠٧٩، ٥٨٥٧، ٤٠٩٣، ٣٩٠٥، ٢٢٩٧، ٢٢٦٤، ٢٢٦٣، ٢١٣٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي مِلْكِ الْمَرْءِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَفِي غَيْرِ مِلْكِهِ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْمُبَاحَاتِ حَيْثُ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ جَائِزٌ أَيْضًا، لَكِنْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَهُ؛ لِأَنَّ مُبَاحَاتِ الطُّرُقِ مَوْضُوعَةٌ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ، فَإِذَا بُنِيَ بِهَا مَسْجِدٌ مَنَعَ انْتِفَاعَ بَعْضِهِمْ، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ.
قُلْتُ: وَالْمَنْعُ الْمَذْكُورُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَبِيعَةَ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَذْكُورِينَ وَرَدَ التَّصْرِيحُ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِلَّا فَالْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، وَالْمُرَادُ بِأَبَوَيْ عَائِشَةَ أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أُمِّ رُومَانَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ) اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْمَتْنَ هُنَا، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ مُطَوَّلًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَعَشِيَّةً وَقَبْلَ قَوْلِهِ: ثُمَّ بَدَا قِصَّةً طَوِيلَةً فِي خُرُوجِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَكَّةَ، وَرُجُوعِهِ فِي جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ، وَاشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْتَعْلِنَ بِعِبَادَتِهِ، فَعِنْدَ فَرَاغِ الْقِصَّةِ قَالَ: ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، أَيْ: ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فَبَنَى مَسْجِدًا، فَذَكَرَ بَاقِيَ الْقِصَّةِ مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - حَيْثُ شَرَحَ جَمِيعَ الْحَدِيثِ هُنَا - مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هُنَا سِوَى قَدْرٍ يَسِيرٍ، وَقَدِ اشْتَمَلَ مِنْ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨٧ - بَاب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمْ الْبَابُ
٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يؤذ يُحْدِثْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مَسَاجِدِ. مَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّ الْأَسْوَاقَ شَرُّ الْبِقَاعِ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ خَيْرُ الْبِقَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَمْنَعْ وَضْعَ الْمَسْجِدِ فِي السُّوقِ؛ لِأَنَّ بُقْعَةَ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُقْعَةَ خَيْرٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَسَاجِدِ فِي التَّرْجَمَةِ مَوَاضِعُ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ لَا الْأَبْنِيَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى ابْنُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ (١) الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ) بياءٍ بعد الميم المكسورة، وفي روايةٍ: «صلاة الجماعة» (تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ) أي: الشَّخص المنفرد (فِي بَيْتِهِ، وَ) على (صَلَاتِهِ) بانفراده (فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) نُصِب على التَّمييز، و «خمسًا»: مفعول «تزيد» نحو قولك: زدت عليه خمسًا، وسرُّ الأعداد لا يُوقَف عليه إِلَّا بنور النُّبوَّة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- وجه المُناسَبة في التَّخصيص بعدد الخمس والعشرين في «باب فضل الجماعة» [خ¦٦٤٧] مع مباحث أخرى (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ) الوضوء بإسباغه ورعاية سُننه وآدابه، وأسقط المفعول لدلالة السِّياق عليه. نعم ألحق في الفرع لا في أصله: «وضوءه» بعد «فأحسن»، ويشبه أن يكون بغير خطِّ كاتب الأصل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في (٢) غير «اليونينيَّة»: «بأنَّ أحدكم» بالمُوحَّدة بدل «الفاء» للسَّببيَّة أو للمُصاحَبة، أي: تزيد (٣) بخمسٍ وعشرين درجةً، مع فضائلَ أخرى هي رفع الدَّرجات، وصلاة الملائكة ونحوهما (وَأَتَى المَسْجِدَ) حال كونه (لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ) أو ما في معناها كالاعتكافِ ونحوه، واقتصر على الصَّلاة للأغلبيَّة (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً)
بفتح الخاء (إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً) سقط لفظ الجلالة (١) للأَصيليِّ (وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً) نُصِبَ فيهما على التَّمييز، وللأَصيليِّ: «وحطّ عنه بها» وله وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو حطَّ» والواو أشمل (حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ) فالمشيُ إلى الجماعة يستلزم احتساب الأجْر بالخطوات، والتَّنصُّل عن الخطيئات، ومن توقَّى (٢) عن دركات الهلكات (٣) فقد ترقَّى إلى منجاة (٤) الدَّرجات (وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا كَانَتْ) بتاء التَّأنيث، ولأبي ذَرٍّ: «ما كان» (تَحْبِسُهُ) الصَّلاة، أي: مدَّة دوام ذلك، وحُذِف الفاعل للعلم به (وَتُصَلِّي -يَعْنِي: عَلَيْهِ- المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) أي: تستغفر وتطلب له الرَّحمة قائلين: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وسقط عند أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر لفظ «يعني»، ولفظ (٥): «عليه» عند ابن عساكر في نسخةٍ، وثبت عنه في أخرى «مَا لَمْ يؤذِ» المصلِّي الملائكة (مالم يُحْدِثْ) من الإحداث بكسر الهمزة، و (٦) بضمِّ أوَّل المضارعين مجزومين، واللَّاحق بدلٌ من سابقه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ وأبي الوقت: «يحدثُ» بالرَّفع على الاستئناف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما لم يؤذِ بحدثٍ فيه» بلفظ الجارِّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «يؤذ»، وفي نسخةٍ: «ما لم يحدث فيه» بإسقاط «يؤذِ» أي: ما لم يأتِ بناقضٍ للوضوء.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «باب الجماعة» [خ¦٦٤٧]، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فَضَائِل أُخْرَى لأبي بكر وَهِي قدم إِسْلَامه وَإِسْلَام أَبَوَيْهِ وَتردد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِ طرفِي النَّهَار وَكَثْرَة بكائه ورقة قلبه
٧٨ - (بابُ الصلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق، ويروى فِي مَسَاجِد السُّوق، بِلَفْظ الْجمع، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَفظ الْإِفْرَاد رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالمساجد مَوَاضِع إِيقَاع الصَّلَاة لَا الْأَبْنِيَة الْمَوْضُوعَة للصَّلَاة من الْمَسَاجِد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْأَسْوَاق. وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ أَن الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، فخشي البُخَارِيّ أَن يُوهم من رأى ذَلِك الحَدِيث أَنه لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْأَسْوَاق اسْتِدْلَالا بِهِ، فجَاء بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، إِذْ فِيهِ إجَازَة الصَّلَاة فِي السُّوق وَإِذا جَازَت الصَّلَاة فِي السُّوق فُرَادَى فَكَانَ أولى أَن يتَّخذ فِيهِ مَسْجِد للْجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: موقع التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، وَأَن الْمَسَاجِد خير الْبِقَاع، كَمَا أخرجه الْبَزَّار وَغَيره لَا يَصح إِسْنَاده، وَلَو صَحَّ لم يمْنَع وضع الْمَسْجِد فِي السُّوق لِأَن بقْعَة الْمَسْجِد حِينَئِذٍ تكون بقْعَة خير.
قلت: كل مِنْهُم قد تكلّف، أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ ارْتكب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَأما ابْن بطال فَإِنَّهُ من أَيْن تحقق خشيَة البُخَارِيّ مِمَّا ذكره حَتَّى وضع هَذَا الْبَاب؟ وَأما الْقَائِل الثَّالِث فَإِنَّهُ أبعد جدا، لِأَنَّهُ من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره؟ وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن البُخَارِيّ لما أَرَادَ أَن يُورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَن صَلَاة الْمُصَلِّي لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي الْمَسْجِد الَّذِي بني لَهَا، أَو فِي بَيته الَّذِي هُوَ منزله، أَو السُّوق، وضع بَابا فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي السُّوق، وَإِنَّمَا خص هَذَا بِالذكر من بَين الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ لما كَانَ مَوضِع اللَّغط واشتغال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْإِيمَان الْكَثِيرَة فِيهِ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَرُبمَا كَانَ يتَوَهَّم عدم جَوَاز الصَّلَاة فِيهِ من هَذِه الْجِهَات خصّه بِالذكر.
وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ.
لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة مَا يُطَابق هَذَا الْأَثر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ مِنْهُ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ قَالُوا بامتناع اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الدَّار المحجوبة عَن النَّاس، وَنَقله بَعضهم فِي شَرحه معجباً بِهِ، قلت: جازف الْكرْمَانِي فِي هَذَا لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا هَكَذَا، بل الْمَذْهَب فِيهِ أَن من اتخذ مَسْجِدا فِي دَاره وأفرز طَرِيقه يجوز ذَلِك، وَيصير مَسْجِدا، فَإِذا أغلق بَابه وَصلى فِيهِ يجوز مَعَ الْكَرَاهَة، وَكَذَا الحكم فِي سَائِر الْمَسَاجِد.
وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: هُوَ عبد ابْن عون، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: رب مبلغ ... . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، يَعْنِي أَنه ابْن عون، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ابْن عمر، قلت: قَالُوا إِنَّه تَصْحِيف، وَالصَّحِيح إِنَّه ابْن عون، وَكَذَا وَقع فِي الْأُصُول.
٧٧٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمشِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَة عنِ النبيِّ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْساً وعِشْرِينَ دَرَجَةً فإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ وَأتى المسْجِدَ لَا يُريدُ إلَاّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَاّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أوَ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ وإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ فِي صَلَاةٍ مَا كانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصلَّى يَعْني عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُوءْذِ يُحْدِثْ فِيهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَصلَاته فِي سوقه) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب فضل الْجَمَاعَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكرمعناه) قَوْله: (صَلَاة الْجَمِيع) أَي: صَلَاة الْجَمَاعَة، والجميع فِي اللُّغَة ضد المتفرق والجيش أَيْضا والحي الْمُجْتَمع، ويؤكد بِهِ، يُقَال: جاؤوا جَمِيعًا، أَي: كلهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَلَاة الْجَمِيع، أَي: صَلَاة فِي الْجَمِيع، يَعْنِي صَلَاة الْجَمَاعَة، قلت: هَذَا تصرف غير مرضِي. قَوْله: (على صلَاته فِي بَيته) أَي: على صَلَاة الْمُنْفَرد، وَقَوله: (فِي بَيته) قرينَة على هَذَا إِذْ الْغَالِب أَن الرجل يُصَلِّي فِي بَيته مُنْفَردا. قَوْله: (خمْسا) نصب على أَنه مفعول لقَوْله: تزيد، نَحْو قَوْلك: زِدْت عَلَيْهِ عشرَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَإِن أحدكُم) ، بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الكشميني: (بِأَن أحدكُم) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، ووجهها أَن تكون الْبَاء للمصاحبة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تزيد على صلَاته بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة مَعَ فَضَائِل أخر، وَهُوَ رفع الدَّرَجَات وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَنَحْوهَا، وَيجوز أَن تكون للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (فَأحْسن) كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير فَأحْسن الْوضُوء، وَالْإِحْسَان فِي الْوضُوء إسباغه برعاية السّنَن والآداب. قَوْله: (لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة) ، جملَة حَالية، والمضارع الْمَنْفِيّ إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه. قَوْله: (خطْوَة) قَالَ السفاقسي: روينَاهُ بِفَتْح الْخَاء، وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة بِضَم الْخَاء، وَهِي وَاحِدَة الخطى، وَهِي مَا بَين الْقَدَمَيْنِ، وَالَّتِي بِالْفَتْح مصدر. قَوْله: (أَو حط) ، ويروي: (وَحط) بِالْوَاو، وَهَذَا أشمل. قَوْله: (مَا كَانَ يحْبسهُ) ، أَي: مَا كَانَ الْمَسْجِد يحْبسهُ، وَكلمَة: مَا، للمدة أَي: مُدَّة دوَام حبس الْمَسْجِد إِيَّاه. قَوْله: (وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ) ، أَي تَدْعُو لَهُ بقَوْلهمْ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه. وَقَوله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) ، تَقْدِيره: وَتَدْعُو الْمَلَائِكَة قائلين: اللَّهُمَّ، إِذْ لَا يَصح الْمَعْنى إلَاّ بِهِ. وَقيل: إِنَّه بَيَان للصَّلَاة، كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير: فَأحْسن الْوضُوء. قَوْله: (مَا لم يؤذ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالذال الْمُعْجَمَة: من الْإِيذَاء، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا لم يؤذ الْمَلَائِكَة، وايذاؤه إيَّاهُم بِالْحَدَثِ فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ معنى قَوْله: يحدث، بِضَم الْيَاء من الإحداث بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ مجزوم وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على أَنه بدل من: يؤذ، وَيجوز رَفعه على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف. وَفِي رِوَايَة الشكميني: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، بِلَفْظ الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلقا: بيؤذ قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: (مَا لم يحدث) ، بطرح لفظ يؤذ، أَي: مَا لم ينْقض الْوضُوء، وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء الْحَدث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَعم من ذَلِك قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، وَلَفظه: (مَا لم يؤذ فِيهِ أَو يحدث فِيهِ) . والأعمية الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِل لَا تمشي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ على مَا يخفى، وتمشي فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لِأَنَّهُ عطف: أَو يحدث، على قَوْله: (لم يؤذ فِيهِ) ، وَالْمعْنَى: مَا لم يؤذ فِي مَجْلِسه الَّذِي صلى فِيهِ أحدا بقوله أَو فعله، أَو: يحدث، بِالْجَزْمِ من الإحداث بِمَعْنى الْحَدث لَا من التحديث، فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع تَأمل.
ذكر تعدد الرِّوَايَات فِي قَوْله: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تزيد على صلَاته فِي بَيته خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) . وَعند أبي ماجة: (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (فضل الصَّلَاة على صَلَاة أحدكُم وَحده خمْسا وَعشْرين جُزْءا) . وَعند السراج: (تعدل خَمْسَة وَعشْرين صَلَاة من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي لفظ: (سَبْعَة وَعشْرين جُزْءا) ، وَفِي لفظ: خير من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (صَلَاة مَعَ الإِمَام أفضل من خمس وَعشْرين يُصليهَا وَحده) . وَفِي كتاب ابْن حزم: صَلَاة الْجَمَاعَة تزيد على صَلَاة الْمُنْفَرد سبعا وَعشْرين دَرَجَة، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الْفَذ، وَعند ابْن حبَان: (فَإِن صلاهَا بِأَرْض فَيْء فَأَتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة) ، وَعند أبي دَاوُد: (بلغت خمسين صَلَاة) . وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد فِي هَذَا الحَدِيث: صَلَاة الرجل فِي الفلاة، تضَاعف على صلَاته فِي الْجَمَاعَة، موعند البُخَارِيّ، من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تفضل على صَلَاة الرجل وَحده بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَذَا رَوَاهُ نَافِع، وَعَامة من روى عَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ،
وَعند ابْن حبَان من حَدِيث أبي بن كَعْب: (أَرْبَعَة وَعشْرين أَو خَمْسَة وَعشْرين دَرَجَة، وَصَلَاة الرجل أذكى من صلَاته وَحده، وَصلَاته مَعَ الرجلَيْن أذكى من صلَاته مَعَ الرجل، وَصلَاته مَعَ الثَّلَاثَة أذكى من صلَاته مَعَ الرجلَيْن، وَمَا أَكثر فَهُوَ أحب إِلَى اعز وَجل) ، وَعند أبي نعيم: عَن الْعمريّ عَن نَافِع بِلَفْظ: (سَبْعَة أَو خَمْسَة وَعشْرين) ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي اتعالى عَنهُ: (صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الرجل وَحده خَمْسَة وَعشْرين ضعفا، كلهَا مثل صلَاته) ، وَفِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) : (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) .
وَعند السراج: (بِخمْس وَعشْرين صَلَاة) ، وَفِي لفظ: (تزيد خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي (تَارِيخ البُخَارِيّ) : من حَدِيث الإفْرِيقِي عَن قباث بن أَشْيَم: (صَلَاة رجلَيْنِ، يؤم أَحدهمَا صَاحبه، أذكى عِنْد امن أَرْبَعَة تترى، وَصَلَاة أَرْبَعَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة ثَمَانِيَة تترى، وَصَلَاة ثَمَانِيَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة مائَة تترى) ، وَعند السراج، من حَدِيث أنس مَوْقُوفا بِسَنَد صَحِيح: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بضعاً وَعشْرين صَلَاة) . وَعند الْكَجِّي، من حَدِيث أبان مَرْفُوعا: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بِأَرْبَع وَعشْرين صَلَاة) ، وَعند السراج بِسَنَد صَحِيح، وَعَن عَائِشَة: (تفضل على صلَاته وَحده خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ معَاذ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (فضل صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْوَاحِد خمس وَعِشْرُونَ دَرَجَة قَالَ، فَإِن كَانُوا أَكثر فعلى عدد من فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ رجل: وَإِن كَانُوا عشرَة آلَاف؟ قَالَ: نعم) . وَعند ابْن زنجوية، من حَدِيث ابْن الْخطاب الدِّمَشْقِي: عَن زُرَيْق بن عبد االأنصاري: (صَلَاة الرجل فِي بَيته، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة) . وَفِي فَضَائِل الْقُدس لأبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ، من حَدِيث أبي الْخطاب: (وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة) . وَمن حَدِيث عمار بن الْحسن: حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هدبة عَن أنس مَرْفُوعا مثله: وَصلَاته على السَّاحِل بألفي ألف صَلَاة، وَصلَاته بسواك بِأَرْبَع مائَة ألف صَلَاة.
ذكر وَجه هَذِه الرِّوَايَات اخْتلفُوا فِي وَجه الْجمع بَين سبع وَعشْرين دَرَجَة وَبَين خمس وَعشْرين. فَقيل: السَّبع مُتَأَخِّرَة عَن الْخمس فَكَأَن اأخبره بِخمْس ثمَّ زَاده، ورد هَذَا بتعذر التَّارِيخ، ورد هَذَا الرَّد بِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ، فَتعين أَنه مُتَأَخّر. وَقيل: إِن صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد أفضل من صَلَاة الْفَذ فِي الْمَسْجِد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة، ورد هَذَا بقوله: (وَصَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه بِخمْس وَعشْرين ضعفا) . وَقيل: إِن الصَّلَاة الَّتِي لم تكن فِيهَا فَضِيلَة الخطى إِلَى الصَّلَاة، وَلَا فَضِيلَة انتظارها تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِسبع. وَقيل: إِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْمُصَلِّين وَالصَّلَاة، فَمن أكملها وحافظ عَلَيْهَا فَوق من أخل بِشَيْء من ذَلِك، وَقيل: إِن الزِّيَادَة لصلاتي الْعشَاء وَالصُّبْح لِاجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فيهمَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (تفضل صَلَاة أحدكُم وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا، وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . فَذكر اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة بواو فاصلة، واستأنف الْكَلَام وقطعه من الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة، وَقيل: لَا مُنَافَاة بَين الحدثين لِأَن ذكر الْقَلِيل لَا يُنَافِي الْكثير، وَمَفْهُوم الْعدَد بَاطِل عِنْد جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا قَالَ: دَرَجَة، وَلم يقل: جُزْءا وَلَا نَصِيبا وَلَا حَافِظًا وَلَا شَيْئا من أَمْثَال ذَلِك، لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَاب من جِهَة الْعُلُوّ والارتفاع، وَأَن تِلْكَ فَوق هَذِه بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَة، لِأَن الدَّرَجَات إِلَى جِهَة فَوق قلت: قد جَاءَ فِيهِ لفظ: الْجُزْء والضعف، وَقد تقدما عَن قريب، فَكَأَنَّهُ لم يطلع عَلَيْهِمَا. وَقيل: إِن الدرجَة أَصْغَر من الْجُزْء، فَكَأَن الْخَمْسَة وَالْعِشْرين إِذا جزئت دَرَجَات كَانَت سبعا وَعشْرين دَرَجَة قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: سبعا وَعشْرين دَرَجَة وخمساً وَعشْرين دَرَجَة فَاخْتلف الْقدر مَعَ اتِّحَاد لفظ الدرجَة. وَقد قيل: يحْتَمل أَن تكون الدرجَة فِي الْآخِرَة والجزء فِي الدُّنْيَا فَإِن قلت: قد علم وَجه الْجمع بَين هذَيْن العددين، وَلَكِن مَا الْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَيْهِمَا؟ قلت: نقل الطَّيِّبِيّ عَن التوربشتي: وَأما وَجه قصر أَبْوَاب الْفَضِيلَة على خمس وَعشْرين تَارَة، وعَلى سبع وَعشْرين أُخْرَى فَإِن الْمرجع فِي حَقِيقَة ذَلِك إِلَى عُلُوم النُّبُوَّة الَّتِي قصرت عقل الألباء عَن إِدْرَاك جملها وتفاصيلها، وَلَعَلَّ الْفَائِدَة فِيمَا كشف بِهِ حَضْرَة النُّبُوَّة وَهِي اجْتِمَاع الْمُسلمين مصطفين كَصُفُوف الْمَلَائِكَة والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وَغَيرهَا انْتهى قلت: هَذَا لَا يشفي الغليل وَلَا يجدي العليل، وَالَّذِي ظهر لي فِي هَذَا
الْمقَام من الْأَنْوَار الإلهية والأسرار الربانية والعنايات المحمدية أَن كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا بِالنَّصِّ، وَأَنه لَو صلى فِي بَيته كَانَ يحصل لَهُ ثَوَاب عشر صلوَات، وَكَذَا لَو صلىَّ فِي سوقه كَانَ لكل صَلَاة عشر، ثمَّ أَنه إِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُضَاعف لَهُ مثله فَيصير ثَوَاب عشْرين صَلَاة، أَو زِيَادَة الْخمس فَلِأَنَّهُ أدّى فرضا من الْفُرُوض الْخَمْسَة، فأنعم اعليه ثَوَاب خمس صلوَات أُخْرَى نَظِير عدد الْفُرُوض الْخَمْسَة زِيَادَة عشْرين إنعاماً وفضلاً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَتَصِير الْجُمْلَة خَمْسَة وَعشْرين. وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: إِن مَرَاتِب الْأَعْدَاد آحَاد وعشرات ومآت وألوف، والمآت من الأوساط، وَخير الْأُمُور أوسطها، والخمسة وَالْعشْرُونَ ربع الْمِائَة، وللربع حكم الْكل. وَأما زِيَادَة السَّبع، فَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمناسبة أعداد رَكْعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِذْ الْفَرَائِض سَبْعَة عشر والرواتب الْمُؤَكّدَة عشرَة. انْتهى. قلت: الرَّوَاتِب الْمَذْكُورَة اثْنَي عشر، لحَدِيث المثابرة فَتَصِير: تِسْعَة وَعشْرين، فَلَا يُطَابق الْوَاقِع، فَنَقُول: يُمكن أَن يُقَال: إِن أَيَّام الْعُمر سَبْعَة، فَإِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُزَاد لَهُ على الْعشْرين ثَوَاب سبع صلوَات، كل صَلَاة من صلوَات كل يَوْم وَلَيْلَة من الْأَيَّام السَّبْعَة. وَأما الْوتر فَلَعَلَّهُ شرع بعد ذَلِك، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا: هَل هَذَا الْفضل لأجل الْجَمَاعَة فَقَط حَيْثُ كَانَت؟ أَو أَن ذَلِك إِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الَّتِي تكون فِي الْمَسْجِد لما يلْزم ذَلِك من أَفعَال تخْتَص بالمساجد؟ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالظَّاهِر الأول، لِأَن الْجَمَاعَة هُوَ الْوَصْف الَّذِي علق عَلَيْهِ الحكم. وَا أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن الصَّلَاة فِيهِ للمنفرد دَرَجَة من خمس وَعشْرين دَرَجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يقل يُسَاوِي صلَاته مُنْفَردا خمْسا وَعشْرين حَتَّى يكون لَهُ دَرَجَة مِنْهَا، بل قَالَ: تزيد، فَلَيْسَ للمنفرد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين شَيْء قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب، فَلَو كَانَ وقف على الرِّوَايَات الَّتِي ذَكرنَاهَا لما قَالَ ذَلِك كَذَلِك. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت والأسواق. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن صَلَاة الْجَمَاعَة لَا يفضل بَعْضهَا على بعض بِكَثْرَة الْجَمَاعَة، ورد هَذَا بِمَا ذكرنَا عَن ابْن حبَان، وَمَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى اتعالى، وَإِلَى مطلوبية الْكَثْرَة ذهب الشَّافِعِي وَابْن حبيب الْمَالِكِي.
٨٨ - (بَاب تَشْبِيكِ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع، سَوَاء كَانَ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره، وَالْمَوْجُود فِي غَالب النّسخ فِي هَذَا الْبَاب حديثان: أَحدهمَا: حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَالْآخر: حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَفِي بعض النّسخ حَدِيث آخر عَن ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، وجد ذَلِك بِخَط البرزالي وَلم يَسْتَخْرِجهُ الحافظان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم، وَلَا ذكره ابْن بطال أَيْضا، وَإِنَّمَا حكى أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي (كتاب الْأَطْرَاف) أَنه رَآهُ فِي كتاب أبي رُمَيْح عَن الْفربرِي وَحَمَّاد بن شَاكر عَن البُخَارِيّ، وَهُوَ هَذَا.
٨٧٤٧٣١ - ح دّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ عنْ بَشْرٍ قَالَ حدّثنا عاصِمٌ قَالَ حدّثنا واقِدٌ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أوِ ابنِ عَمْروٍ قَالَ شَبَّكَ النبيُّ أصَابِعَهُ. وَقَالَ عاصِمُ بنُ عَلِيٍ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الحدِيثَ منْ أبي فَلَمْ أحْفَظْهُ فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ ااِ قَالَ رسولُ اللَّهِ يَا عَبْدَ ابنَ عَمْروٍ كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناسِ بِهَذَا وَلَفْظُهُ فِي جَمْعِ الحُمَيْدِيّ فِي مْسْنَدِ ابنِ عُمَرَ شَبَّك النَّبِي أصَابِعَهُ وَقَالَ كَيْفَ أنْتَ يَا عَبْدَ ااِ إذَا بَقِيْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأمانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَاروا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ قَالَ فَكَيْفَ أفْعَلُ يَا رَسولَ ااِ قَالَ تأخذُ مَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنكِرُ وتُقْبِلُ على خاصِتَّكَ وتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ. (انظرالحديث ٩٧٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد جزئيها، وَاكْتفى البُخَارِيّ بدلالته على بعض التَّرْجَمَة حَيْثُ دلّ أبي هُرَيْرَة على تَمامهَا.
ذكر رِجَاله فِيهِ تِسْعَة أنفس: الأول: حَامِد بن عمر البكراوي من ذُرِّيَّة أبي بكر الثَّقَفِيّ نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، مَاتَ بنيسابور أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل الرقاشِي الْحجَّة، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيُصلي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد ابْن عمر بن الْخطاب الْعمريّ الْمدنِي، وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره. الرَّابِع: أَخُو عَاصِم، وَهُوَ: وَاقد، بِالْقَافِ: ابْن مُحَمَّد بن زيد الْمَذْكُور، ثقه أَبُو زرْعَة وَغَيره. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن عبد ا، وَثَّقَهُ غير وَاحِد. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: عبد ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ. الثَّامِن: أَبُو عبد اوهو البُخَارِيّ نَفسه. التَّاسِع: عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب الوَاسِطِيّ شيخ البُخَارِيّ والدارمي، وَفِي (تَهْذِيب التَّهْذِيب) : كَانَ من ثِقَات الشُّيُوخ وأعيانهم. وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِثِقَة، وَفِي رِوَايَة: كَذَّاب، مَاتَ فِي نصف رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع. وَفِيه: الشَّك بَين عبد ابْن عمر بن الْخطاب وَبَين عبد ابْن عمر بن الْعَاصِ، وَالظَّاهِر أَن الشَّك من وَاقد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن عَليّ) تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَوَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، قَالَ: حدّثنا عَاصِم بن عَليّ حدّثنا عَاصِم بن مُحَمَّد عَن وَاقد سَمِعت أبي يَقُول: قَالَ عبد ا، قَالَ: رَسُول ا، فَذكره. قَوْله: (فِي حثالة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مَا يخرج من الطَّعَام من زوان وَنَحْوه مِمَّا لَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللحياني: هُوَ أجل من التُّرَاب والدقاق قَلِيلا، وَخَصه بِالْحِنْطَةِ، والحثالة والحثل: الرَّدِيء من كل شَيْء، وَقيل: هُوَ القشارة من التَّمْر وَالشعِير وَمَا أشبههما، وحثالة القرط نقايته. قَوْله: (مرجت عهودهم) ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) : مرجت عهودهم: إِذا لم تثبت، وَأمر حجوها: إِذا لم يوفوا بهَا وخلطوها، ومرجت أمانتهم فَسدتْ، ومرج الدّين اخْتَلَط واضطرب. وَفِي (الْمُحكم) : مرج الْأَمر مرجاً فَهُوَ مارج ومريج: الْتبس وَاخْتَلَطَ، ومرج أمره يمرجه: ضيَّعه، وَرجل ممارج يمرج أُمُوره وَلَا يحكمها ومرج الْعَهْد وَالدّين وَالْأَمَانَة: فسد، وأمرج عَهده: لم يَفِ بِهِ، قَوْله: (وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، أَي: شَبكَ النَّبِي بَين أَصَابِعه ليمثل لَهُم اختلاطهم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ: جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع سَوَاء فِي الْمَسْجِد أَو غَيره لإِطْلَاق الحَدِيث، وَلَكِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَفِي الصَّلَاة، وَكره إِبْرَاهِيم ذَلِك فِي الصَّلَاة، وَهُوَ قَول مَالك، وَرخّص فِي ذَلِك ابْن عمر وَابْنه سَالم، فَكَانَ يشبكان بَين أصابعهما فِي الصَّلَاة، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يشبك بَين أَصَابِعه فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: إِنَّهُم لينكرون تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَمَا بِهِ بَأْس.
وَإِنَّمَا يكره فِي الصَّلَاة، وقدروه النَّهْي عَن ذَلِك فِي أَحَادِيث. مِنْهَا: مَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، فَقَالَ: حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا مُحَمَّد بن سَعْدَان حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن عبد اعن عبيد ابْن عمر عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: يَا كَعْب، إِذا تَوَضَّأت فأحسنت الْوضُوء، ثمَّ خرجت إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تشبك بَين أصابعك فَإنَّك فِي صَلَاة) . وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يفعل هَكَذَا، وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن موهب عَن عَمه عَن مولى لأبي سعيد، وَهُوَ مَعَ رَسُول ا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد فَرَأى رجلا جَالِسا وسط النَّاس وَقد شَبكَ بَين أَصَابِعه يحدث نَفسه، فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله فَلم يفْطن لَهُ، فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان) . فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لأحاديث الْبَاب قلت: غير مقاومة لَهَا فِي الصِّحَّة، وَلَا مُسَاوِيَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه مُعَارضَة بِمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن
التشبيك فِي الْمَسْجِد، وَقد وَردت فِيهِ مَرَاسِيل، ومسند من طرق غير ثَابِتَة قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالمسند حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث كَعْب هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قلت: فِي اسناده اخْتِلَاف، فضعفه بَعضهم بِسَبَبِهِ، وَقيل: لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن فعل ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو فِي الْمُضِيّ إِلَى الصَّلَاة وَفعله لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الْمُضِيّ إِلَيْهَا مُعَارضَة إِذا، وَبَقِي كل حَدِيث على حياله فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب وَقع تشبيكه وَهُوَ فِي الصَّلَاة قلت: إِنَّمَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة فِي ظَنّه فَهُوَ فِي حكم المنصرف عَن الصَّلَاة، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن ذَلِك مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد ضعيفه، لِأَن فِيهَا ضَعِيفا ومجهولاً، وَقد رَوَاهَا ابْن أبي شيبَة، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان، وَإِن أحدكُم لَا يزَال فِي صَلَاة مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: التَّحْقِيق أَنه لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث تعَارض، إِذا الْمنْهِي عَنهُ فعله على وَجه الْعَبَث وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ الْمَقْصُود التَّمْثِيل وتصوير الْمَعْنى فِي اللَّفْظ فَإِن قلت: مَا حكمه النَّهْي عَن التشبيك؟ قلت: أُجِيب بأجوبة. الأول: لكَونه من الشَّيْطَان، كَمَا مر الْآن. الثَّانِي: لِأَنَّهُ يجلب النّوم، وَهُوَ من مظان الْحَدث. الثَّالِث: أَن صُورَة التشبيك تشبه صُورَة الِاخْتِلَاف، كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث ابْن عمر، فكره ذَلِك لمن هُوَ فِي حكم الصَّلَاة حَتَّى لَا يَقع فِي الْمنْهِي عَنهُ. قَوْله: للمصلين: (وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبهم) ، وَا تَعَالَى أعلم.
٢٨٤ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدّثنا ابنُ شمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قلَ صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ إحْدَى صَلَاتِي العَشِيَّ قالَ سِيرِينَ قَد سَمَّاهَا أبُو هُرَيْرةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنا قالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتْينِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فَي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّهُ غَضْبَانُ ووضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ووضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كفَّهِ اليُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ فقالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وفِي
القَوْمِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَهَابَاهُ أنْ يُكَلِّمَاهُ وفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ يَا رسولَ اللَّهِ أنَسيتَ أمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ قالَ لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فقالَ أكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ فقالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سلَّمَ ثُم كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سْجُودِهِ أوْ أطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وكبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أوْ أَطْولَ ثُمَّ رَفَعَ رأْسَهُ وكَبَّرَ فَرُبَّما سألُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ. (الحَدِيث ٢٨٤ أَطْرَافه فِي: ٤١٧، ٥١٧، ٧٢٢١، ٨٢٢١، ٩٢٢١، ١٥٠٦، ٠٥٢٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يدل على تَمامهَا، لِأَن التشبيك إِذا جَازَ فِي الْمَسْجِد فَفِي غَيره أولى بِالْجَوَازِ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام، تقدم فِي بَاب فضل من علم. الثَّانِي: النَّضر بن شُمَيْل، بِضَم الْمُعْجَمَة، تقدم فِي بَاب العنزة. الثَّالِث: عبد ابْن عون، تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن إِسْحَاق بن مَنْصُور هُوَ المجزوم بِهِ عِنْد أبي نعيم. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد ابْن مسلمة عَن مَالك وَعَن حَفْص بن عَمْرو عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَليّ ابْن نصر بن عَليّ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد وَعَن معَاذ عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي أُسَامَة. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَلَاثَة عشر طَرِيقا.
ذكر مَعْنَاهُ) . قَوْله: (إِحْدَى صَلَاتي الْعشي) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (الْعشَاء) ، بِالْمدِّ، وَالظَّاهِر أَنه وهم لِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (صلى بِنَا النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (صلى بِنَا النَّبِي الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي أُخْرَى لَهُ. (صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر، وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) . قَوْله: (وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) هُوَ قَول ابْن سِيرِين أَي: أكبر ظَنِّي أَن أَبَا هُرَيْرَة ذكر صَلَاة الظّهْر، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَأطلق على الظّهْر وَالْعصر صَلَاتي العشى، لِأَن العشى يُطلق على مَا بعد الزَّوَال إِلَى الْمغرب فَإِن قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشي والعشية من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة؟ قلت: الَّذِي ذكره هُوَ أصل الْوَضع، وَفِي الإستعمال يُطلق على مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْعشي، بِفَتْح الْعين وَكسر الشين وَتَشْديد الْيَاء: مَا بَين زَوَال الشَّمْس وغروبها.
قَوْله: (معروضة) أَي: مَوْضُوعَة بِالْعرضِ أَو مطروحة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. قَوْله: (وضع يَده الْيُمْنَى) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَضع حَال التشبيك وَأَن يكون بعد زَوَاله، وَعند الْكشميهني: (وضع خَدّه الْأَيْمن) بدل: يَده الْيُمْنَى) . قَوْله: (السرعان) قَالَ الْجَوْهَرِي: سرعَان النَّاس، بِالتَّحْرِيكِ: أوائلهم، وَيُقَال: أخفاؤهم والمستعجلون مِنْهُم، وَيلْزم الْإِعْرَاب نونه فِي كل وَجه، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث واللغة، وَكَذَا ضَبطه المتقنون. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السرعان، بِفَتْح السِّين وَالرَّاء: أَوَائِل النَّاس الَّذين يتسارعون إِلَى الشَّيْء ويقبلون عَلَيْهِ بِسُرْعَة، وَيجوز تسكين الرَّاء قلت: وَكَذَا نقل القَاضِي عَن بَعضهم، قَالَ: وَضَبطه الْأصيلِيّ فِي البُخَارِيّ، بِضَم السِّين وَإِسْكَان الرَّاء، وَوَجهه أَنه جمع سريع كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، وَمن قَالَ: سرعَان، بِكَسْر السِّين فَهُوَ خطأ. وَقيل: يُقَال أَيْضا: سرعَان بِكَسْر السِّين وَالرَّاء وَهُوَ جمع: سريع، كرعيل ورعلان. وَأما أَقْوَالهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: الضَّم وَالْكَسْر وَالْفَتْح مَعَ إسكان الرَّاء وَالنُّون مَفْتُوحَة أبدا. قَوْله:، " قصرت الصَّلَاة " بِضَم الْقَاف وَكسر الصَّاد ويروى بِفَتْح الْقَاف وَضم الصَّاد قَوْله " فهاباه " أَي هاب أَبُو بكر وَعمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ويروى: (فَهَابَا) ، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَهُوَ من الهيبة، وَهُوَ: الْخَوْف والاجلال، وَقد هابه يهابه، وَالْأَمر مِنْهُ: هَب، بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (أَن يُكَلِّمَاهُ) كلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: من التكليم. قَوْله: (وَفِي الْقَوْم رجل) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذُو الْيَدَيْنِ) فِيهِ رِوَايَات: فَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فَقَامَ رجل طَوِيل الْيَدَيْنِ كَانَ رَسُول الله سَمَّاهُ ذَا الْيَدَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ رجل من بني سليم) ، وَفِي رِوَايَة: (رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق بن عَمْرو، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول) . وَفِي رِوَايَة: (وَكَانَ رجلا بسيط الْيَدَيْنِ) ، وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا؟ فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) .
وخرباق، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن عبد عَمْرو السّلمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : ذُو الْيَدَيْنِ، وَيُقَال لَهُ: ذُو الشمالين أَيْضا: ابْن عبد عَمْرو بن فضلَة الْخُزَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو عبد االعدني فِي (مُسْنده) : قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: ذُو الْيَدَيْنِ أحد أجدادنا، وَهُوَ ذُو الشمالين بن عَمْرو بن ثَوْر بن ملكان بن أفْضى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حدّثنا ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة قَالَ: (صلى النَّبِي بِالنَّاسِ ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف، فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم: حدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ وَمَا ذَلِك؟ قَالُوا: لم نصل إلَاّ ثَلَاث رَكْعَات. فَقَالَ: أكذاك يَا ذَا الْيَدَيْنِ؟ وَكَانَ يُسمى ذَا الشمالين، فَقَالَ: نعم. فصلى رَكْعَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ) وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (معرفَة الصَّحَابَة) : ذُو الْيَدَيْنِ اسْمه الْخِرْبَاق من بني سليم، كَانَ نزل بِذِي خشب من نَاحيَة الْمَدِينَة، وَلَيْسَ هُوَ ذَا الشمالين خزاعي حَلِيف لبني زهرَة، قتل يَوْم بدر، وَأَن قصَّة ذِي الشمالين كَانَت قبل بدر، ثمَّ أحكمت الْأُمُور بعد ذَلِك.
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (شرح مُسلم) : وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فقد ذكر مُسلم فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن اسْمه الْخِرْبَاق، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: بسيط الْيَدَيْنِ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: رجل من بني سليم وَوَقع للعذري: سلم وَهُوَ خطأ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر مُفَسرًا، فَقَالَ فِيهِ: ذُو الْيَدَيْنِ أَخُو بني سليم، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: ذُو الشمالين رجل من بني زهرَة، وبسبب هَذِه الْكَلِمَة ذهب الحنفيون إِلَى أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالُوا: لِأَن ذَا الشمالين قتل يَوْم بدر فِيمَا ذكره أهل السّير، وَهُوَ من بني سليم، فَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَهَذَا لَا يَصح لَهُم، وَإِن قتل ذُو الشمالين يَوْم بدر فَلَيْسَ هُوَ بالخرباق، وَهُوَ رجل آخر حَلِيف لبني زهرَة اسْمه: عُمَيْر بن عبد عَمْرو من خُزَاعَة، بِدَلِيل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ومشاهدته خَبره، وَلقَوْله: صلى بِنَا رَسُول ا، وَذكر الحَدِيث، وَإِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِخَير بعد يَوْم بدر بِسنتَيْنِ، فَهُوَ غير ذِي الشمالين المستشهد ببدر، وَقد عدوا قَول الزُّهْرِيّ فِيهِ هَذَا من وهمه، وَقد عدهما بَعضهم حديثين فِي نازلتين وَهُوَ الصَّحِيح لاخْتِلَاف صفتهما، لِأَن فِي حَدِيث الْخِرْبَاق ذَا الشمالين أَنه: سلم من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: من اثْنَتَيْنِ، وَفِي حَدِيث الْخِرْبَاق: إِنَّهَا الْعَصْر، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: الظّهْر لغير شكّ عِنْد نعضهم، وَقد ذكر مُسلم ذَلِك كُله. اناتهى. وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين الْمَقْتُول ببدر بِدَلِيل مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَنه ذُو الشمالين، فَلم يُتَابع عَلَيْهِ.
قلت: الْجَواب على ذَلِك كُله مَعَ تَحْرِير الْكَلَام فِي هَذَا الْموضع أَنه: وَقع فِي كتاب النَّسَائِيّ: ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، كِلَاهُمَا لقب على الْخِرْبَاق كَمَا ذكرنَا حَيْثُ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن رَافع حدّثنا عبد الرَّزَّاق حدّثنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشمالين ابْن عَمْرو: أنقضت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ النَّبِي: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق يَا رَسُول ا، فَأَتمَّ لَهُم الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نقصتا) ، وَهَذَا سَنَد صَحِيح مُتَّصِل صرح فِيهِ بِأَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: أَن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي حَدثنِي أَبُو ضَمرَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (نسي رَسُول الله فَسلم فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ ذُو الشمالين: اقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَسُول ا: أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم، فَقَامَ رَسُول الله فَأَتمَّ الصَّلَاة) ، وَهَذَا أَيْضا سَنَد صَحِيح صَرِيح فِيهِ أَيْضا أَن: ذَا الشمالين، وَهُوَ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَقد تَابع الزُّهْرِيّ على ذَلِك
عمرَان بن أبي أنس، قَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عِيسَى بن حَمَّاد أخبرنَا اللَّيْث عَن زيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن رَسُول ا، صلى يَوْمًا فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فأدركه ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُول اانقصت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ: لم تنقص الصَّلَاة وَلم أنس قَالَ: بلَى، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ قَالَ رَسُول ا، أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم فصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) : وَهَذَا يضاً سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرج نَحوه الطَّحَاوِيّ: عَن ربيع الْمُؤَذّن عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره نَحوه، فَثَبت أَن الزُّهْرِيّ لم ينْفَرد بذلك، وَأَن الْمُخَاطب للنَّبِي ذُو الشمالين، وَأَن من قَالَ ذَلِك لم يهم، وَلَا يلْزم من عدم تَخْرِيج ذَلِك فِي الصَّحِيح عدم صِحَّته، فَثَبت أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، وَهَذَا أولى من جعله رجلَيْنِ لِأَنَّهُ خلاف الأَصْل فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ حَدِيثا وَاسْتدلَّ بِهِ على بَقَاء ذِي الْيَدَيْنِ بعد النَّبِي، فَقَالَ: الَّذِي قتل ببدر هُوَ ذُو الشمالين بن عبد عَمْرو بن فضلَة، حَلِيف بني زهرَة من خُزَاعَة: وَأما ذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي أخبر النَّبِي، بسهوه فَإِنَّهُ بَقِي بعد النَّبِي. كَذَا ذكره شَيخنَا أَبُو عبد االحافظ، ثمَّ خرج عَنهُ بِسَنَدِهِ إِلَى معدي بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنِي شُعَيْب بن مطير عَن أَبِيه ومطير حَاضر فَصدقهُ، قَالَ شُعَيْب: يَا أبتاه أَخْبَرتنِي أَن ذَا الْيَدَيْنِ لقيك بِذِي خشب فأخبرك أَن رَسُول ا: الحَدِيث؛ ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ بعض الروَاة: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ ذُو الشمالين: يَا رَسُول اأقصرت الصَّلَاة؟ وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد ايقول: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، فَإِن ذَا الشمالين تقدم مَوته وَلم يعقب وَلَيْسَ لَهُ راو قلت: سَنَده ضَعِيف لِأَن فِيهِ معدي بن سُلَيْمَان، فَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يحدث عَن ابْن عجلَان مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الثِّقَات، والملزوقات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الإحتجاج بِهِ إِذا انْفَرد. وَفِي سَنَده أَيْضا شهيب لم يعرف حَاله وَولده مطير، قَالَ فِيهِ ابْن الْجَارُود: روى عَنهُ ابْنه شُعَيْب لم يكْتب حَدِيثه، وَفِي (الضُّعَفَاء) للذهبي: لم يَصح حَدِيثه، وَفِي (الكاشف) : مطير بن سليم عَن ذِي الزَّوَائِد وَعنهُ أَبنَاء شُعَيْب وسليم لم يَصح حَدِيثه.
ولضعف هَذَا السَّنَد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمعرفَة) : ذُو الْيَدَيْنِ بَقِي بعد النَّبِي فِيمَا يُقَال، وَلَقَد أنصف وَأحسن فِي هَذِه الْعبارَة، ثمَّ إِن قَول شَيْخه أبي عبد ا: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، غير صَحِيح، روى مَالك فِي (موطئِهِ) عَن ابْن شهَاب عَن ابْن أبي بكر بن سُلَيْمَان عَن أبي خثيمَةَ: (بَلغنِي أَن رَسُول الله ركعه رَكْعَتَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي النَّهَار، الظّهْر أَو الْعَصْر، فَسلم من اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين، رجل من بني زهرَة بن كلاب: أقصرت الصَّلَاة؟)
الحَدِيث، وَفِي آخِره: مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب، وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن مثل ذَلِك، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه ذُو الشمالين وَأَنه من بني زهرَة فَإِن قلت: هُوَ مُرْسل. قلت: ذكر أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : أَنه مُتَّصِل من وُجُوه صِحَاح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا ذكرنَا مِمَّا رَوَاهُ النَّسَائِيّ آنِفا، ثمَّ قَول الْحَاكِم عَن ذِي الشمالين: لم يعقب يفهم من ظَاهِرَة أَن ذَا الْيَدَيْنِ أعقب، وَلَا أصل لذَلِك فِيمَا قد علمناه، وَا تَعَالَى أعلم. فَإِن قلت: إِن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين إِذا كَانَا لقباً على شخص وَاحِد على مَا زعمتم فَحِينَئِذٍ يدل على أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يحضر تِلْكَ الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ ذُو الشمالين قتل ببدر، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر وَهُوَ مُتَأَخّر بِزَمَان كثير، وَمَعَ هَذَا فَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي، إِمَّا الظّهْر أَو الْعَصْر)
الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول ا)
أخرجه مُسلم وَغَيره. وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا رَسُول ا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ)
الحَدِيث قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن معناد: صلى بِالْمُسْلِمين، وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة، كَمَا رُوِيَ عَن النزل بن سُبْرَة قَالَ: (قَالَ لنا رَسُول ا: أَنا وَإِيَّاكُم كُنَّا ندعى بني عبد منَاف)
الحَدِيث والنزال لم ير رَسُول ا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك: قَالَ لقومنا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس، قَالَ: (قدم علينا معَاذ ابْن جبل فَلم يَأْخُذ من الخضراوات شَيْئا، وَإِنَّمَا أَرَادَ: قدم بلدنا، لِأَن معَاذًا قدم الْيمن فِي عهد رَسُول ا، قبل أَن يُولد طَاوس) ، وَمثله مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب: الْبَيَان أَن النَّهْي مَخْصُوص بِبَعْض الْأَمْكِنَة عَن مُجَاهِد، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ؟ إِلَى آخِره. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُجَاهِد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر. وَقَوله: (جَاءَنَا) ، أَي: بلدنا. فأفهم.
قَوْله: (لم أنس وَلم تقصر) ، أَي: الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كل ذَلِك لم يكن) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كل ذَلِك لم أفعل) ، قَالَ
النَّوَوِيّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لم يكن الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي وجود أَحدهمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّوَاب، مَعْنَاهُ: لم يكن لَا ذَلِك وَلَا ذَا فِي ظَنِّي، بل ظَنِّي أَنِّي أكملت الصَّلَاة أَرْبعا. وَيدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل، وَأَنه لَا يجوز غَيره، أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي قَالَ: (لم نقصر وَلم أنس يرجع إِلَى السَّلَام أَي: لم أنس فِيهِ إِنَّمَا سلمت قصدا، وَلم أنس فِي نفس السَّلَام، وَإِنَّمَا سَهَوْت عَن الْعدَد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا فَاسد، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون جَوَابا عَمَّا سُئِلَ عَنهُ. وَيُقَال: بَين النسْيَان والسهو فرق، فَقيل: كَانَ يسهو وَلَا ينسى، فَلذَلِك نفي عَن نَفسه النسْيَان، لِأَن فِيهِ غَفلَة، وَلم يغْفل. قَالَه القَاضِي. وَقَالَ الْقشيرِي: هَذَا افرق بَينهمَا فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة، وَكَأَنَّهُ يلوح من اللَّفْظ على أَن النسْيَان عدم الذّكر لأمر لَا يتَعَلَّق باصلاة، والسهو عدم الذّكر لأمر يتَعَلَّق بهَا، وَيكون النسْيَان الْإِعْرَاض عَن تفقد أمورها حَتَّى يحصل عدم الذّكر، والسهو عدم الذّكر لَا لأجل الْإِعْرَاض. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا نسلم الْفرق، وَلَئِن سلم فقد أضَاف النَّبِي النسْيَان إِلَى نَفسه فِي غير مَا مَوضِع، بقوله: (إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني) . وَقَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أنكر نسيت المضافة إِلَى نَفسه، وَهُوَ قد نهى عَن هَذَا بقوله: (بئْسَمَا لأحدكم أَن يَقُول: نسيت كَذَا، وَلكنه نسي) . وَقد قَالَ أَيْضا: لَا أنسى، وَقد شكّ بعض الروَاة فِي رِوَايَته، فَقَالَ: أنسى أَو أنسّى، وَأَن: أَو للشَّكّ أَو للتقسيم، وَأَن هَذَا يكون مِنْهُ مرّة من قبل شغله، وَمرَّة يغلب وَيجْبر عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِل بذلك أنكرهُ. وَقَالَ: (كل ذَلِك لم يكن) وَفِي الْأُخْرَى: (لم أنس وَلم تقصر) ، أما الْقصر فَبين، وَكَذَلِكَ: لم أنس، حَقِيقَة من قبل نَفسِي وَلَكِن اتعالى أنساني، وَيُمكن أَن يُجَاب عَمَّا قَالَه القَاضِي: أَن النَّهْي فِي الحَدِيث عَن إِضَافَة نسيت إِلَى الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ يقبح لِلْمُؤمنِ أَن يضيف إِلَى نَفسه نِسْيَان كَلَام اتعالى، وَلَا يلْزم من هَذَا النَّهْي الْخَاص النَّهْي عَن إِضَافَته إِلَى كل شَيْء. فَافْهَم. وَذكر بَعضهم أَن الْعِصْمَة ثَابِتَة فِي الْإِخْبَار عَن اتعالى، وَأما إخْبَاره عَن الْأُمُور الوجودية فَيجوز فِيهَا النسْيَان قلت: تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: لم ينس وَلم تقصر الصَّلَاة، مثل قَوْله: كل ذَلِك لم يكن، وَالْمعْنَى: كل من الْقصر وَالنِّسْيَان لم يكن، فَيكون فِي معنى: لَا شَيْء مِنْهُمَا بكائن، على شُمُول النَّفْي وعمومه لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن السُّؤَال عَن أحد الْأَمريْنِ: بِأم، وَيكون لطلب التَّعْيِين بعد ثُبُوت أَحدهمَا عِنْد الْمُتَكَلّم، لَا على التَّعْيِين، غير أَنه إِنَّمَا يكون بِالتَّعْيِينِ أَو بنفيهما جَمِيعًا تخطئه للمستفهم لَا بِنَفْي الْجمع بَينهمَا، حَتَّى يكون نفي الْعُمُوم لِأَنَّهُ عَارِف بِأَن الْكَائِن أَحدهمَا.
وَالثَّانِي: لما قَالَ: كل ذَلِك لم يكن، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: قد كَانَ بعض ذَلِك. وَمَعْلُوم أَن الثُّبُوت للْبَعْض إِنَّمَا يُنَافِي النَّفْي عَن كل فَرد لَا النَّفْي عَن الْمَجْمُوع. وَقَوله: قد كَانَ بعض ذَلِك، مُوجبَة جزئية ونقيضها السالبة الْكُلية، وَلَوْلَا أَن ذَا الْيَدَيْنِ فهم السَّلب الْكُلِّي لما ذكر فِي مُقَابلَته الْإِيجَاب الجزئي، وَهَهُنَا قَاعِدَة أُخْرَى وَهِي: أَن لَفْظَة: كل إِذا وَقعت فِي حيّز النفيي كَانَ النَّفْي مُوجبهَا خَاصَّة، وَأفَاد بمفهومه ثُبُوت الْفِعْل لبَعض الْأَفْرَاد، كَقَوْلِك: مَا جَاءَ كل الْقَوْم وَلم آخذ كل الدَّرَاهِم. وَقَوله.
(مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ)
وَإِن وَقع النَّفْي فِي حيزها اقْتضى السَّلب عَن كل فَرد. كَقَوْلِه: (كل ذَلِك لم يكن) .
قَوْله: (أكما يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟) أَي: الْأَمر كَمَا يَقُول. قَوْله: (فَقَالُوا: نعم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَقَالَ النَّاس: نعم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فأمأوا) أَي: نعم، وَفِي أَكثر الْأَحَادِيث قَالُوا: نعم، وَيُمكن أَن يجمع بَينهمَا بِأَن بعض أَوْمَأ، وَبَعْضهمْ يكلم. وَسَنذكر وَجه هَذَا عَن قريب. قَوْله: (فَرُبمَا سَأَلُوهُ) فَرُبمَا سَأَلُوا ابْن سِيرِين: هَل فِي الحَدِيث: ثمَّ سلم، يَعْنِي: سَأَلُوا ابْن سِيرِين أَن رَسُول الله بعد هَذَا السُّجُود سلم مرّة أُخْرَى، أَو اكْتفى بِالسَّلَامِ الأول؟ وَكلمَة: رب، أَصْلهَا للتقليل، وَكثر اسْتِعْمَالهَا فِي التكثير، وتلحقها كلمة: مَا، فَتدخل على الْجمل. قَوْله: (فَيَقُول: نبئت) ، بِضَم النُّون: أَي أخْبرت أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: ثمَّ سلم، وَهَذَا يدل على أَنه لم يسمع من عمرَان، وَقد بَين أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عَن ابْن سِيرِين الْوَاسِطَة بَينه وَبَين عمرَان، فَقَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس حدّثنا مُحَمَّد بن عبد ابْن الْمثنى قَالَ حَدثنِي أَشْعَث عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول ا، صلى بهم وسها، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تشهد ثمَّ سلم) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ والترمزي وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شُعْبَة عَن خَالِد الْحذاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا قلَابَة يحدث عَن عَمه أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا قَالَ: فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأَبُو قلَابَة اسْمه: عبد ابْن زيد الحرمي، وَعَمه أَبُو الْمُهلب اسْمه: عَمْرو بن مُعَاوِيَة، قَالَه النَّسَائِيّ. وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، وَقيل: مُعَاوِيَة بن عَمْرو، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن
عَمْرو، وَقيل: النَّضر بن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ.
الثَّانِي: فِيهِ حجَّة لِأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي أَنَّهَا قبل السَّلَام.
الثَّالِث: أَن الَّذِي عَلَيْهِ السَّهْو إِذا ذهب من مقَامه ثمَّ عَاد وَقضى مَا عَلَيْهِ هَل يَصح؟ فَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَصح، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن: (فجَاء فصلى رَكْعَة) ، وَفِي رِوَايَة غَيره من الْجَمَاعَة: (فَتقدم وَصلى) ، وَهُوَ رِوَايَة اليخاري هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة: (فَرجع رَسُول الله إِلَى مقَامه) ، وَلَكِن اخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِيهَا وَجْهَان: أصَحهمَا: أَنه يَصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي صَحِيح مُسلم: (أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، مَشى إِلَى الْجذع وَخرج السرعان) . وَفِي رِوَايَة: (دخل منزله) . وَفِي رِوَايَة: (دخل الْحُجْرَة ثمَّ خرج وَرجع النَّاس وَبنى على صلَاته) . وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم: أَن الصَّلَاة تبطل، بذلك قَالَ النَّوَوِيّ، وَهَذَا مُشكل، وَتَأْويل الحَدِيث صَعب على من أبطلها، وَنقل عَن مَالك أَنه مَا لم ينْتَقض وضوؤه يجوز لَهُ ذَلِك وَإِن طَال الزَّمَان، وَكَذَا رُوِيَ عَن ربيعَة، مستدلين بِحَدِيث عمرَان. وَمذهب أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: إِذا سلم سَاهِيا على الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي مَكَانَهُ لم يصرف وَجهه عَن الْقبْلَة وَلم يتَكَلَّم عَاد إِلَى الْقَضَاء لما عَلَيْهِ، وَلَو اقْتدى بِهِ رجل يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، أما إِذا صرف وَجهه عَن الْقبْلَة فَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يتَكَلَّم فَكَذَلِك، لِأَن الْمَسْجِد كُله فِي حكم مَكَان وَاحِد، لِأَنَّهُ مَكَان الصَّلَاة، وَإِن كَانَ خرج فِي الْمَسْجِد ثمَّ تذكر لَا يعود، وتفسد صلَاته. وَأما إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء فَإِن تذكر قبل أَن يُجَاوز الصُّفُوف من خَلفه أَو من قبل الْيَمين أَو الْيَسَار عَاد إِلَى قَضَاء مَا عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا، وَإِن مَشى أَمَامه لم يذكرهُ فِي الْكتاب.
وَقيل: إِن مَشى قدر الصُّفُوف الَّتِي خَلفه تفْسد وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف اعْتِبَارا لأحد الْجَانِبَيْنِ. وَقيل: إِذا جَاوز مَوضِع سُجُوده لَا يعود، وَهُوَ الْأَصَح، وَهَذَا إِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ ستْرَة، فَإِن كَانَ يعود مَا لم يجاوزها، لِأَن دَاخل الستْرَة فِي حكم الْمَسْجِد. وَا اعْلَم.
وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث: إِنَّه مَنْسُوخ، وَذَلِكَ أَن عمر بن الْخطاب عمل بعد رَسُول الله بِخِلَاف مَا كَانَ عمله يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، وَالْحَال أَنه كَانَ فِيمَن حضر يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، فلولا ثَبت عِنْده انتساخ ذَلِك لما عمل بِخِلَاف مَا عمل بِهِ النَّبِي، وَأَيْضًا فَإِن عمر فعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد، فَصَارَ ذَلِك مِنْهُم إِجْمَاعًا. وروى الطَّحَاوِيّ ذَلِك عَن ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حدّثنا أَبُو عَاصِم عَن عُثْمَان بن الْأسود. قَالَ: (سَمِعت عَطاء يَقُول: صلى عمر بن الْخطاب بِأَصْحَابِهِ فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي جهزت عيرًا من الْعرَاق بأحمالها وأقتابها حَتَّى وَردت الْمَدِينَة، قَالَ: فصلى بهم أَربع رَكْعَات) .
الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ قوم على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة من الْمَأْمُومين لإمامهم إِذا كَانَ على وَجه إصْلَاح الصَّلَاة لَا يقطع الصَّلَاة، وَأَن الْكَلَام من الإِمَام والمأمومين فِيهَا على السَّهْو لَا يقطع الصَّلَاة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا، كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم أَن مَالِكًا يَقُول: لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ فِي شَأْنهَا وإصلاحها، وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل ذكره الْأَثْرَم عَنهُ أَنه قَالَ: مَا تكلم بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته لإصلاحها لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته، فَإِن تكلم لغير ذَلِك فَسدتْ عَلَيْهِ، وَذكر الْخرقِيّ عَنهُ أَن مذْهبه فِيمَن تكلم عَامِدًا أَو سَاهِيا بطلت صلَاته إلَاّ الإِمَام خَاصَّة، فَإِنَّهُ إِذا تكلم لمصْلحَة صلَاته لم تبطل صلَاته. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمن تَابعهمْ من أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم: إِن من تعمد الْكَلَام وَهُوَ يعلم أَنه لم يتم الصَّلَاة، وَأَنه فِيهَا أفسد صلَاته، فَإِن تكلم نَاسِيا أَو تكلم وَهُوَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، لَا يُبْطِلهَا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَعبد ابْن الزبير وأخيه عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجَمِيع الْمُحدثين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري، وَفِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: تبطل صلَاته بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا، انْتهى. وَأجْمع الْمُسلمُونَ طرّاً أَن الْكَلَام عَامِدًا فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يعلم أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يكن ذَلِك لإِصْلَاح صلَاته أَنه يفْسد الصَّلَاة، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه: من تكلم لإحياء نفس أَو مثل ذَلِك من الْأُمُور الجسام لم تفْسد بذلك صلَاته، وَهُوَ قَول ضَعِيف فِي النّظر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الْمَشْهُور عَن مَالك وَأَصْحَابه الْأَخْذ بِحَدِيث