«إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٩٩

الحديث رقم ٤٧٩٩ من كتاب «سورة الأحزاب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله لا تكونوا كالذين آذوا موسى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٩٩ في صحيح البخاري

«إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾».

سَبَأ

يُقَالُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ، ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ، ﴿سَبَقُوا﴾ فَاتُوا ﴿لا يُعْجِزُونَ﴾ لَا يَفُوتُونَ، ﴿يَسْبِقُونَا﴾ يُعْجِزُونَا، قَوْلُهُ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ، يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ، ﴿مِعْشَارٌ﴾ عُشْرٌ، الْأُكُلُ الثَّمَرُ، ﴿بَاعِدْ﴾ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ ﴿العَرِمُ﴾ السُّدُّ، مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ اللهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَيْنِ، وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: ﴿العَرِمُ﴾ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿العَرِمُ﴾ الْوَادِي، السَّابِغَاتُ الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُجَازَى﴾ يُعَاقَبُ، ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ بِطَاعَةِ اللهِ، ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ، ﴿التَّنَاوُشُ﴾ الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا، ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَالْجَوَابِ﴾ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ، الْخَمْطُ الْأَرَاكُ، وَالْأَثْلُ الطَّرْفَاءُ، ﴿العَرِمُ﴾ الشَّدِيدُ.

﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا

⦗١٢٢⦘

مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

إسناد حديث رقم ٤٧٩٩ من صحيح البخاري

٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٩٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ لَمْ يَذْكُرْ آلَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ اللَّيْثِ وَذَكَرَهَا أَبُو صَالِحٍ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِيهِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، فَذَكَرَ آلَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ فِيهِ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ تَبَعًا، وَالْمَنْعُ إِذَا وَقَعَ مُسْتَقِلًّا، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلنَّبِيِّ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، فَلَا يُقَالُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، وَيُقَالُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى صِدِّيقِهِ أَوْ خَلِيفَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷿ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، لِأَنَّ هَذَا الثَّنَاءَ صَارَ شِعَارا للَّهِ سُبْحَانَهُ فلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ. وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فِيمَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وَلَا فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى وَلَا فِي قَوْلِ امْرَأَةِ جَابِرٍ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ . وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَتَفَضَّلَ مِنْ حَقِّهِ بِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ إِذْنٌ فِي ذَلِكَ. وَيُقَوِّي الْمَنْعَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَارَ شِعَارًا لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ يُصَلُّونَ عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ.

وَهَلِ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى؟ حَكَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَصَحَّحَ الثَّانِي. وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ نَاسًا مِنَ النَّاسِ الْتَمَسُوا عَمَلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ نَاسًا مِنَ الْقُصَّاصِ أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى خُلَفَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ عَدْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَمُرْهُمْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَدُعَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ وَلَكِنْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الِاسْتِغْفَارُ وَذَكَرَ أَبُو ذَرٍّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ مِنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ.

١١ - بَاب ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾

٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾: ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ مُطَوَّلًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجَبَلَ، فَمَاتَ هَارُونُ، فَقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، كَانَ أَلْيَنَ لَنَا مِنْكَ وَأَشَدَّ حُبًّا فَآذَوْهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلَتْهُ فَمَرَّتْ بِهِ عَلَى مَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا

مُوسَى﴾. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

٣٤ - سُورَةُ سَبَأٍ

يُقَالُ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ. بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ. مُعَاجِزِي: مُسَابِقِي. ﴿سَبَقُوا﴾ فَاتُوا. ﴿لا يُعْجِزُونَ﴾ لَا يُفَوِّتُونَ. ﴿يَسْبِقُونَا﴾ يُعْجِزُونَا. قَوْلُهُ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ. وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ. يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. ﴿مِعْشَارَ﴾ عُشْرَ. يُقَالُ: الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ. بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ. سَيْلَ الْعَرِمِ: السَّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِي فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَتيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السَّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ عمرو بْنُ شُرَحْبِيلَ: ﴿الْعَرِمِ﴾ الْمُسْنَاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَرِمُ: الْوَادِي. السَّابِغَاتُ: الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُجَازَى: يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ بِطَاعَةِ اللَّهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾ الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَالْجَوَابِ﴾ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ. الْخَمْطُ: الْأَرَاكُ. وَالْأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ. ﴿الْعَرِمِ﴾ الشَّدِيدِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ سَبَأٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَ لَفْظُ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَهَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ بِقَوْلِهِ فِيهَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: هُوَ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ: أُنْزِلَ فِي سَبَأٍ مَا أُنْزِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سَبَأٌ، أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الْعَرَبِ، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَرْوَةَ صَحَّحَهُمَا الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ فَرْوَةَ زِيَادَةً أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَبَأَ قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِزٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَرْتَدُّوا فَأُقَاتِلَهُمْ، قَالَ: مَا أُمِرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الْآيَاتِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا سَبَأٌ؟ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْأَنْسَابِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ. وَأَصْلُهُ قِصَّةُ سَبَأٍ. وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلَةً فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ، بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ، مُعَاجِزِي مُسَابِقِي، سَبَقُوا فَاتُوا، لَا يَعْجِزُونَ لَا يَفُوتُونَ، يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا.

قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) أَمَّا قَوْلُهُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أَيْ مُسَابِقِينَ، يُقَالُ: مَا أَنْتَ بِمُعْجِزِي أَيْ: سَابِقِي. وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْ مُعَاجِزِينَ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى لِابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو مُعْجِزِينَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَقِيلَ: مَعْنَى مُعَاجِزِينَ: مُعَانِدِينَ

وَمُغَالِبِينَ، وَمَعْنَى مُعْجِزِينَ: نَاسِبِينَ غَيْرَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُعَاجِزِي: مُسَابِقِي فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَثَبَتَ عِنْدَهُمَا مُعَاجِزِينَ: مُغَالِبِينَ وَتَكَرَّرَ لَهُمَا بَعْدُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ بَقِيَّةُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا قَدَّمْتُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: سَبَقُوا إِلَخْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مَجَازُهُ فَاتُوا ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ أَيْ: لَا يَفُوتُونَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَسْبِقُونَا فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أَيْ يُعْجِزُونَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ فَكَذَا وَقَعَ مُكَرَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُعَاجِزِينَ: مُغَالِبِينَ إِلَخْ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ: مُعَانِدِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُعَاجِزِينَ قَالَ: مُرَاغِمِينَ. وَكُلُّهَا بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ: (مِعْشَارَ: عُشْرَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أَيْ عُشْرَ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى وَمَا بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ مِعْشَارَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْجِسْمِ وَالْوَلَدِ وَالْعَدَدِ، وَالْمِعْشَارُ: الْعُشْرُ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ قَالَ: الْخَمْطُ: هُوَ كُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ، وَالْأُكُلُ: الْجَنَى أَيْ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الثَّمَرَةِ.

قَوْلُهُ: (بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الدُّعَاءِ، وَقَرَأَهُ قَوْمٌ بَعِّدْ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ. قُلْتُ: قِرَاءَةُ بَاعِدْ لِلْجُمْهُورِ، وَقَرَأَهُ بَعِّدْ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَهِشَامٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: (سَيْلَ الْعَرِمِ السُّدِّ) كَذَا لِلْأَك ثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ الشَّدِيدُ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ.

قَوْلُهُ: (فَشَقَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الثَّقِيلَةِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَبَثَقَهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ: وَهُوَ الْوَجْهُ، تَقُولُ: بَثَقْتَ النَّهْرَ إِذَا كَسَرْتَهُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ مَجْرَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنَبَتَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ. وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الْجَنَّتَيْنِ، وَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنِ الْمَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الزَّوَالُ أَيِ: ارْتَفَعَ اسْمُ الْجَنَّةِ مِنْهُمَا، فَالتَّقْدِيرُ: فَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنْ كَوْنِهِمَا جَنَّتَيْنِ. وَتَسْمِيَةُ مَا بُدِّلُوا بِهِ جَنَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ مِنَ السَّيْلِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ السُّيُولِ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا وَقَالَ: السُّدُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقَالَ: فَشَقَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الثَّقِيلَةِ، وَقَالَ: عَلَى الْجَنَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ كَمَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ؛ الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ. الْعَرِمُ الْوَادِي) أَمَّا قَوْلُ عَمْرٍو فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً، وَاللَّحْنُ: اللُّغَةُ، وَالْمُسَنَّاةُ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَضُبِطَ فِي أَصْلِ الْأَصِيلِيِّ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ بِهَا مَا يُبْنَى فِي عُرْضِ الْوَادِي لِيَرْتَفِعَ السَّيْلُ وَيَفِيضَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ عَرَامَةِ الْمَاءِ وَهُوَ ذَهَابُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ وَهِيَ مُسَنَّاةٌ كَانَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْهَا، فَيُسَيِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الْآخَرِ، وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ السَّنَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

كله، ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض (١) مَنِ اقتصر على «آل إبراهيم» بدون ذكر «إبراهيم» رواه بالمعنى، بناءً على دخول إبراهيم في قوله: «آل إبراهيم» كما تقدَّم، ووقع في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٧٠] من «البخاريِّ» في ترجمة إبراهيم ، من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢): «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد»، وكذا في قوله: «كما باركت»، وغفل عنه ابن القيم، فزعم أنَّ أكثر (٣) الأحاديث بل كلها مصرِّحةٌ بذكر «محمَّد وآل محمَّد»، وبذكر «آل إبراهيم» فقط، أو بذكر «إبراهيم» فقط، قال: ولم يجئ في حديثٍ صحيحٍ بلفظ: «إبراهيم وآل إبراهيم» معًا، وإنَّما أخرجه البيهقيُّ من طريق يحيى بن السَّبَّاق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهولٌ، وشيخُه مبهمٌ، فهو سندٌ ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويٍّ، لكنَّه موقوفٌ على ابن مسعود، قاله في «الفتح».

ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدعاء» مزيد لذلك بعون الله وقوته.

(١١) (قوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾) ولأبي ذرِّ: «بابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٤): في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا﴾ (﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]) أي: لا تؤذوا رسولَ الله كما آذى بنو إسرائيل موسى.

٤٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة، و «عُبادةُ» بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هو ابن أبي جميلة، عُرِفَ بالأعرابيِّ (عَنِ الحَسَنِ) هو البصريُّ

(وَمُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (وَخِلَاسٍ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مهملة، ابن عمرٍو الهجريِّ البصريِّ، الثلاثةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ مُوسَى) (كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التَّحتيَّة الأولى وتشديد الثانية، أي: كثيرَ الحياء، زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤] «ستِّيرًا، لا يُرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستُّر (١) إلَّا بعيب في (٢) جلده (٣)؛ إمَّا برص وإمَّا أُدْرَة (٤) وإمَّا آفة، وإنَّ الله تعالى أراد أن يبرئَه ممَّا قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر (٥)، ثم اغتسل، فلمَّا فرغ؛ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه (٦) ممَّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله؛ إنَّ بالحجر (٧) لندبًا من أثر ضَرْبه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا» (وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى) محذرًا أهل المدينة أن يؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل موسى : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ﴾) فأظهر الله براءَتَه (﴿مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]) أي: كريمًا ذا جاهٍ، و «ما»: مصدريَّة، أو بمعنى: الذي.

وسبق في «أحاديث الأنبياء»: أنَّ خِلاسًا والحسنَ لم يسمعا من أبي هريرة.

وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا، وذكره تامًّا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤].

(((٣٤))) (سَبَأ): مكِّيَّة، وقيل: إلَّا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الاية [القصص: ٨٠] (١)، وآيُها خمسٌ وخمسون، ولأبي ذرٍّ: «سورةُ سبَأ».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ كلفظ: «سورة». (يُقَالُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بألف بعد العين، وهي قراءةُ غير ابن كثيرٍ وأبي عَمرو، أي: (مُسابقِينَ) كي يفُوتوننا (٢)، قاله أبو عُبيدة (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾) في قولهِ -في العنكبوتِ-: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أي: (بِفَائِتِينَ) أخرج ابنُ أبي حاتم بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بنِ الزُّبيرِ نحوه (﴿مُعَاجِزِينَ﴾) بالألف، أي: (مُغَالِبِينَ) كذا وقع لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره (٣) (مُعَاجِزِيَّ) بالألف وسقوط النون مشدَّدة التَّحتيَّة، أي: (مُسَابِقِيَّ) كذا لأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرَ، وسقط لكريمةَ والأَصيليِّ (﴿سَبَقُواْ﴾) أي:

في قولهِ -في الأنفال-: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: (فَاتُوا) ﴿إِنَّهُمْ﴾ (﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾) أي: (لَا يَفُوتُونَ) قاله أبو عُبيدة في «المجاز».

(﴿يَسْبِقُونَا﴾) في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] أي: (يُعْجِزُونَا) بسكون العين (قَوْلُهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقولُه»: (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بالقصر، وهي قراءةُ أبي عَمرو وابنِ كثيرٍ، أي: (بِفَائِتِينَ، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بالألف (مُغَالِبِينَ) كذا وقع مكرَّرًا، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ (يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) يريد أنَّه من باب المفاعلةِ بين اثنين.

(﴿مِعْشَارَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] معناه (عُشْر) بنى (١) مِفعال من لفظ العشرِ؛ كالمِرباعِ، ولا ثالثَ لهما من ألفاظِ العددِ، فلا يقال: مِسداسٌ ولا مِخماسٌ.

(الأُكُلُ) بضم الكاف في قولهِ تعالى: ﴿ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] هو (الثَّمَرُ) ولأبي ذرٍّ: «يقالُ: الأكلُ الثَّمرةُ» قال أبو عُبيدة: الأكلُ: الجَنى -بفتح الجيم مقصورًا- وهو بمعنى الثَّمرةِ.

(﴿بَاعِدْ﴾) بالألف وكسر العين (٢)، في قولهِ تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] (وَ ﴿بَاعِدْ﴾) بدون ألف وتشديد العين، وهذه قراءةُ أبي عَمرو وابنِ كثيرٍ وهشام (وَاحِدٌ) في المعنى؛ إذ كلٌّ منهما فعلُ طلبٍ، ومعنى الآية: أنَّهم لما بطرُوا نعمةَ ربِّهم، وسألوا انتقالَها، جازاهُم جزاء من كفرَ نعمهُ إلى أن صاروا مثلًا، فقيل: تفرَّقوا أيادِي سبأَ، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: ١٩].

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿لَا يَعْزُبُ﴾) أي: (لَا يَغِيبُ) ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣].

(﴿الْعَرِمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] هو (السَُّدُّ) بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين، الَّذي يحبسُ الماءَ، بنتهُ بلقيسُ، وذلك أنَّهم كانوا

يقتتلون على ماءِ وادِيهم، فأَمرت به فسدَّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ (١): «﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ السُّدُّ» وله (٢) عن (٣) الحَمُّويي (٤): «الشَّديدُ» -بشين معجمة- بوزن عظيم، والسَّيلُ: (مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ) ولأبي ذرٍّ: «أرسلهُ اللهُ في السَّدِّ» بفتح سين «السَّدِّ» فيهما في «اليونينية» (٥) (فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا عَنِ الجَنْبَيْن) بفتح الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «الجَنَبَتَيْنِ» بفتح الجيم والنون والموحدة والفوقية وسكون التحتية، وفي نسخة -نسبها في «الفتح» للأكثر-: «الجَنَّتين» بتشديد النون بغير موحدةٍ، تثنيةُ جنَّة.

قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: القياسُ أن يقال: ارتفَعت الجنَّتانِ عن الماءِ. وأجاب: بأن المرادَ من الارتفاعِ الانتفاءُ والزَّوالُ؛ يعني: ارتفع اسم الجنَّةِ عنهما، فتقديرهُ: ارتفعَتِ الجنَّتان عن كونِهما جنَّة.

قال في «الكشاف» -وتبعه في «الأنوار» -: وتسميةُ البدلِ جنَّتينِ على سبيلِ المشاكلَةِ.

(وَغَابَ عَنْهُمَا) عن الجنَّتينِ (المَاءُ فَيَبِسَتَا) لطُغيانِهم وكفرهِم وإعراضهِم عن الشُّكرِ (وَلَمْ يَكُنِ المَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السَُّدِّ) وللمُستملي: «من السَّيلِ» (وَلَكِنْ) ولأبي ذرٍّ: «ولكنَّهُ» (كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ) قالهُ مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ.

(وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ) بفتح العين وسكون الميم، و «شُرَحْبِيْل»: بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فلام، الهمدانيُّ الكوفيُّ، فيما وصلهُ سعيد بنُ منصورٍ (﴿الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] المُسَنَّاةُ) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد النون، وضبطهُ في «اليونينية»: بضم الميم والهاء من غير ضبط على السين، ولا نقط على الهاء، وفي «آلِ ملك» (٦): «المُسْناة» بضم الميم وسكون السين ونقط الهاء (٧)،

وضبط في أصل الأَصيليِّ -كما قال في «الفتح» -: المَسْناة: بفتح الميم وسكون المهملة (بِلَحْنِ أَهْلِ اليَمَنِ) بسكون الحاء في الفرع، وقال في «المصابيح»: بفتحها. أي: بلغتِهم، وكانت هذه المسنَّاةُ تحبسُ على ثلاثةِ أبوابٍ بعضها فوقَ بعضٍ، ومن دونها بركةٌ ضخمةٌ فيها اثنا عشر مخرَجًا على عدَّةِ أنهارِهِم (١)، يفتحونَها إذا احتاجُوا إلى الماءَ، وإذا استغنوا؛ سدُّوها، فإذا جاءَ المطرُ؛ اجتمعَ إليه ماءُ أودية اليمنِ، فاحتبسَ السَّيلُ من وراءِ السدِّ، فتأمرُ بلقيس بالبابِ الأعلى فيفتحُ فيجري ماؤهُ في البركةِ، فكانُوا يستقونَ من الأوَّل ثمَّ من الثَّاني ثمَّ من الثَّالث الأسفل، فلا ينفد الماء حتى يثوبَ الماءُ من السَّنة المقبلةِ، فكانت تقسمهُ بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدَّة، فلما طَغَوا وكفرُوا سلَّطَ الله عليهم جُرَذًا يسمَّى الخُلْد فثقبَ السَّدَّ من أسفله، فغرَّق الماءُ جنانهم وخرَّبَ أرضَهم.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن شرحبيلَ: (﴿الْعَرِمِ﴾) هو (الوَادِي) الَّذي فيه الماء، وهذا أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق عثمان بنِ عطاءٍ، عن أبيه.

(السَّابِغَاتُ) في قولهِ تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] هي: (الدُّرُوعُ) الكواملُ، واسعاتٌ طولًا (٢) تسحبُ (٣) في الأرضِ. ذكر الصَّفة ويعلم منها الموصوفُ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَهَلْ﴾ (﴿نُجَازِي﴾ [سبأ: ١٧]) أي: (يُعَاقَبُ) يقال في العقوبة: يُجازَى، وفي (٤) المثوبةِ: يُجزى. قال الفرَّاء: المؤمنُ يُجزى ولا يُجازَى، أي: يجزَى الثَّواب بعملهِ ولا يكافأُ بسيئاتهِ، كذا نُقل.

(﴿أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) أي (بِطَاعَةِ اللهِ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ ((١) ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾) أي: (وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ) فإنَّ الازدحامَ يشوِّشُ الخاطرَ، والمعروفُ في تفسير مثله التَّكريرُ، أي: واحدٌ واحدٌ، واثنين اثنين.

(﴿التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢]) هو (الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا) قال:

تَمَنَّى أَنْ تَؤوبَ إِلَيَّ ميٌّ (٢) … وَلَيْسَ إِلَى تَنَاوُشِهَا سَبِيلُ

(﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]) أي: (مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ) في الدُّنيا، أو إيمان، أو نجاة به، ﴿كَمَا فُعِلَ﴾ (﴿بِأَشْيَاعِهِم﴾) أي (بِأَمْثَالِهِمْ) من كفرةِ الأممِ الدَّارجةِ، فلم يُقبَل منهم الإيمانُ حين اليأس.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا تقدَّم في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٤٠ - ٥٢٥٣] (﴿كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]) بغير تحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «﴿كَالْجَوَابِي﴾» بإثباتِها، أي: (كَالجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: الموضعُ المطمئنُّ منها، وهذا لا يستقيمُ؛ لأنَّ الجوابي جمعُ: جابيةٍ، كضاربةٍ وضوارب، فعينه موحدة، فهو مخالفٌ للجوبة من حيثُ إنَّ عينه واو، فلم يرد أن اشتقاقَهُما واحدٌ، والجابيةُ: الحوضُ العظيمُ، سمِّيت بذلك لأنَّه يجبَى إليها الماء، أي: يجتمعُ. قيل: كان يقعدُ على الجفنةِ الواحدةِ ألف رجلٍ يأكلونَ منها.

(الخَمْطُ) هو: (الأَرَاكُ) أي: الشَّجرُ (٣) الَّذي يستاكُ بقضبانهِ (وَالأَثَلُ): هو (الطَّرْفَاءُ) قاله ابنُ عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ (﴿الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]) أي: (الشَّدِيدُ) من العرامةِ، وهي الشَّراسةُ والصُّعوبةُ، وقد مرَّ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾) قال في «الأنوار»: هذا غايةٌ لمفهوم الكلام من أنَّ ثمَّ توقُّفًا و (٤) انتظارًا للإذنِ، أي: يتربَّصونُ فزعينَ حتَّى إذا كشفَ الفزعُ عن قلوبِ الشَّافعين والمشفوع لهم بالإذنِ، وقيل: الضَّميرُ للملائكةِ، وقد تقدَّم ذكرهُم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ لَمْ يَذْكُرْ آلَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ اللَّيْثِ وَذَكَرَهَا أَبُو صَالِحٍ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِيهِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، فَذَكَرَ آلَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ فِيهِ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ تَبَعًا، وَالْمَنْعُ إِذَا وَقَعَ مُسْتَقِلًّا، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلنَّبِيِّ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، فَلَا يُقَالُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، وَيُقَالُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى صِدِّيقِهِ أَوْ خَلِيفَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷿ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، لِأَنَّ هَذَا الثَّنَاءَ صَارَ شِعَارا للَّهِ سُبْحَانَهُ فلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ. وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فِيمَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وَلَا فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى وَلَا فِي قَوْلِ امْرَأَةِ جَابِرٍ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ . وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَتَفَضَّلَ مِنْ حَقِّهِ بِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ إِذْنٌ فِي ذَلِكَ. وَيُقَوِّي الْمَنْعَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَارَ شِعَارًا لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ يُصَلُّونَ عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ.

وَهَلِ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى؟ حَكَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَصَحَّحَ الثَّانِي. وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ نَاسًا مِنَ النَّاسِ الْتَمَسُوا عَمَلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ نَاسًا مِنَ الْقُصَّاصِ أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى خُلَفَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ عَدْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَمُرْهُمْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَدُعَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ وَلَكِنْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الِاسْتِغْفَارُ وَذَكَرَ أَبُو ذَرٍّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ مِنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ.

١١ - بَاب ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾

٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾: ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ مُطَوَّلًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجَبَلَ، فَمَاتَ هَارُونُ، فَقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، كَانَ أَلْيَنَ لَنَا مِنْكَ وَأَشَدَّ حُبًّا فَآذَوْهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلَتْهُ فَمَرَّتْ بِهِ عَلَى مَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا

مُوسَى﴾. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

٣٤ - سُورَةُ سَبَأٍ

يُقَالُ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ. بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ. مُعَاجِزِي: مُسَابِقِي. ﴿سَبَقُوا﴾ فَاتُوا. ﴿لا يُعْجِزُونَ﴾ لَا يُفَوِّتُونَ. ﴿يَسْبِقُونَا﴾ يُعْجِزُونَا. قَوْلُهُ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ. وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ. يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. ﴿مِعْشَارَ﴾ عُشْرَ. يُقَالُ: الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ. بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ. سَيْلَ الْعَرِمِ: السَّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِي فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَتيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السَّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ عمرو بْنُ شُرَحْبِيلَ: ﴿الْعَرِمِ﴾ الْمُسْنَاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَرِمُ: الْوَادِي. السَّابِغَاتُ: الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُجَازَى: يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ بِطَاعَةِ اللَّهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾ الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَالْجَوَابِ﴾ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ. الْخَمْطُ: الْأَرَاكُ. وَالْأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ. ﴿الْعَرِمِ﴾ الشَّدِيدِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ سَبَأٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَ لَفْظُ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَهَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ بِقَوْلِهِ فِيهَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: هُوَ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ: أُنْزِلَ فِي سَبَأٍ مَا أُنْزِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سَبَأٌ، أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الْعَرَبِ، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَرْوَةَ صَحَّحَهُمَا الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ فَرْوَةَ زِيَادَةً أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَبَأَ قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِزٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَرْتَدُّوا فَأُقَاتِلَهُمْ، قَالَ: مَا أُمِرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الْآيَاتِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا سَبَأٌ؟ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْأَنْسَابِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ. وَأَصْلُهُ قِصَّةُ سَبَأٍ. وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلَةً فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ، بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ، مُعَاجِزِي مُسَابِقِي، سَبَقُوا فَاتُوا، لَا يَعْجِزُونَ لَا يَفُوتُونَ، يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا.

قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) أَمَّا قَوْلُهُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أَيْ مُسَابِقِينَ، يُقَالُ: مَا أَنْتَ بِمُعْجِزِي أَيْ: سَابِقِي. وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْ مُعَاجِزِينَ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى لِابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو مُعْجِزِينَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَقِيلَ: مَعْنَى مُعَاجِزِينَ: مُعَانِدِينَ

وَمُغَالِبِينَ، وَمَعْنَى مُعْجِزِينَ: نَاسِبِينَ غَيْرَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُعَاجِزِي: مُسَابِقِي فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَثَبَتَ عِنْدَهُمَا مُعَاجِزِينَ: مُغَالِبِينَ وَتَكَرَّرَ لَهُمَا بَعْدُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ بَقِيَّةُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا قَدَّمْتُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: سَبَقُوا إِلَخْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مَجَازُهُ فَاتُوا ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ أَيْ: لَا يَفُوتُونَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَسْبِقُونَا فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أَيْ يُعْجِزُونَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ فَكَذَا وَقَعَ مُكَرَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُعَاجِزِينَ: مُغَالِبِينَ إِلَخْ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ: مُعَانِدِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُعَاجِزِينَ قَالَ: مُرَاغِمِينَ. وَكُلُّهَا بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ: (مِعْشَارَ: عُشْرَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أَيْ عُشْرَ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى وَمَا بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ مِعْشَارَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْجِسْمِ وَالْوَلَدِ وَالْعَدَدِ، وَالْمِعْشَارُ: الْعُشْرُ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ قَالَ: الْخَمْطُ: هُوَ كُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ، وَالْأُكُلُ: الْجَنَى أَيْ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الثَّمَرَةِ.

قَوْلُهُ: (بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الدُّعَاءِ، وَقَرَأَهُ قَوْمٌ بَعِّدْ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ. قُلْتُ: قِرَاءَةُ بَاعِدْ لِلْجُمْهُورِ، وَقَرَأَهُ بَعِّدْ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَهِشَامٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: (سَيْلَ الْعَرِمِ السُّدِّ) كَذَا لِلْأَك ثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ الشَّدِيدُ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ.

قَوْلُهُ: (فَشَقَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الثَّقِيلَةِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَبَثَقَهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ: وَهُوَ الْوَجْهُ، تَقُولُ: بَثَقْتَ النَّهْرَ إِذَا كَسَرْتَهُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ مَجْرَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنَبَتَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ. وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الْجَنَّتَيْنِ، وَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنِ الْمَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الزَّوَالُ أَيِ: ارْتَفَعَ اسْمُ الْجَنَّةِ مِنْهُمَا، فَالتَّقْدِيرُ: فَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنْ كَوْنِهِمَا جَنَّتَيْنِ. وَتَسْمِيَةُ مَا بُدِّلُوا بِهِ جَنَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ مِنَ السَّيْلِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ السُّيُولِ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا وَقَالَ: السُّدُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقَالَ: فَشَقَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الثَّقِيلَةِ، وَقَالَ: عَلَى الْجَنَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ كَمَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ؛ الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ. الْعَرِمُ الْوَادِي) أَمَّا قَوْلُ عَمْرٍو فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً، وَاللَّحْنُ: اللُّغَةُ، وَالْمُسَنَّاةُ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَضُبِطَ فِي أَصْلِ الْأَصِيلِيِّ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ بِهَا مَا يُبْنَى فِي عُرْضِ الْوَادِي لِيَرْتَفِعَ السَّيْلُ وَيَفِيضَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ عَرَامَةِ الْمَاءِ وَهُوَ ذَهَابُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ وَهِيَ مُسَنَّاةٌ كَانَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْهَا، فَيُسَيِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الْآخَرِ، وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ السَّنَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

كله، ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض (١) مَنِ اقتصر على «آل إبراهيم» بدون ذكر «إبراهيم» رواه بالمعنى، بناءً على دخول إبراهيم في قوله: «آل إبراهيم» كما تقدَّم، ووقع في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٧٠] من «البخاريِّ» في ترجمة إبراهيم ، من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢): «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد»، وكذا في قوله: «كما باركت»، وغفل عنه ابن القيم، فزعم أنَّ أكثر (٣) الأحاديث بل كلها مصرِّحةٌ بذكر «محمَّد وآل محمَّد»، وبذكر «آل إبراهيم» فقط، أو بذكر «إبراهيم» فقط، قال: ولم يجئ في حديثٍ صحيحٍ بلفظ: «إبراهيم وآل إبراهيم» معًا، وإنَّما أخرجه البيهقيُّ من طريق يحيى بن السَّبَّاق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهولٌ، وشيخُه مبهمٌ، فهو سندٌ ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويٍّ، لكنَّه موقوفٌ على ابن مسعود، قاله في «الفتح».

ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدعاء» مزيد لذلك بعون الله وقوته.

(١١) (قوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾) ولأبي ذرِّ: «بابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٤): في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا﴾ (﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]) أي: لا تؤذوا رسولَ الله كما آذى بنو إسرائيل موسى.

٤٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة، و «عُبادةُ» بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هو ابن أبي جميلة، عُرِفَ بالأعرابيِّ (عَنِ الحَسَنِ) هو البصريُّ

(وَمُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (وَخِلَاسٍ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مهملة، ابن عمرٍو الهجريِّ البصريِّ، الثلاثةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ مُوسَى) (كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التَّحتيَّة الأولى وتشديد الثانية، أي: كثيرَ الحياء، زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤] «ستِّيرًا، لا يُرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستُّر (١) إلَّا بعيب في (٢) جلده (٣)؛ إمَّا برص وإمَّا أُدْرَة (٤) وإمَّا آفة، وإنَّ الله تعالى أراد أن يبرئَه ممَّا قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر (٥)، ثم اغتسل، فلمَّا فرغ؛ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه (٦) ممَّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله؛ إنَّ بالحجر (٧) لندبًا من أثر ضَرْبه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا» (وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى) محذرًا أهل المدينة أن يؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل موسى : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ﴾) فأظهر الله براءَتَه (﴿مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]) أي: كريمًا ذا جاهٍ، و «ما»: مصدريَّة، أو بمعنى: الذي.

وسبق في «أحاديث الأنبياء»: أنَّ خِلاسًا والحسنَ لم يسمعا من أبي هريرة.

وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا، وذكره تامًّا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٤].

(((٣٤))) (سَبَأ): مكِّيَّة، وقيل: إلَّا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الاية [القصص: ٨٠] (١)، وآيُها خمسٌ وخمسون، ولأبي ذرٍّ: «سورةُ سبَأ».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ كلفظ: «سورة». (يُقَالُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بألف بعد العين، وهي قراءةُ غير ابن كثيرٍ وأبي عَمرو، أي: (مُسابقِينَ) كي يفُوتوننا (٢)، قاله أبو عُبيدة (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾) في قولهِ -في العنكبوتِ-: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٢] أي: (بِفَائِتِينَ) أخرج ابنُ أبي حاتم بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بنِ الزُّبيرِ نحوه (﴿مُعَاجِزِينَ﴾) بالألف، أي: (مُغَالِبِينَ) كذا وقع لأبي ذرٍّ، وسقطَ لغيره (٣) (مُعَاجِزِيَّ) بالألف وسقوط النون مشدَّدة التَّحتيَّة، أي: (مُسَابِقِيَّ) كذا لأبوي ذرٍّ والوقتِ وابنِ عساكرَ، وسقط لكريمةَ والأَصيليِّ (﴿سَبَقُواْ﴾) أي:

في قولهِ -في الأنفال-: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: (فَاتُوا) ﴿إِنَّهُمْ﴾ (﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾) أي: (لَا يَفُوتُونَ) قاله أبو عُبيدة في «المجاز».

(﴿يَسْبِقُونَا﴾) في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤] أي: (يُعْجِزُونَا) بسكون العين (قَوْلُهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقولُه»: (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بالقصر، وهي قراءةُ أبي عَمرو وابنِ كثيرٍ، أي: (بِفَائِتِينَ، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: ٥]) بالألف (مُغَالِبِينَ) كذا وقع مكرَّرًا، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ (يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) يريد أنَّه من باب المفاعلةِ بين اثنين.

(﴿مِعْشَارَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] معناه (عُشْر) بنى (١) مِفعال من لفظ العشرِ؛ كالمِرباعِ، ولا ثالثَ لهما من ألفاظِ العددِ، فلا يقال: مِسداسٌ ولا مِخماسٌ.

(الأُكُلُ) بضم الكاف في قولهِ تعالى: ﴿ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] هو (الثَّمَرُ) ولأبي ذرٍّ: «يقالُ: الأكلُ الثَّمرةُ» قال أبو عُبيدة: الأكلُ: الجَنى -بفتح الجيم مقصورًا- وهو بمعنى الثَّمرةِ.

(﴿بَاعِدْ﴾) بالألف وكسر العين (٢)، في قولهِ تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] (وَ ﴿بَاعِدْ﴾) بدون ألف وتشديد العين، وهذه قراءةُ أبي عَمرو وابنِ كثيرٍ وهشام (وَاحِدٌ) في المعنى؛ إذ كلٌّ منهما فعلُ طلبٍ، ومعنى الآية: أنَّهم لما بطرُوا نعمةَ ربِّهم، وسألوا انتقالَها، جازاهُم جزاء من كفرَ نعمهُ إلى أن صاروا مثلًا، فقيل: تفرَّقوا أيادِي سبأَ، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: ١٩].

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿لَا يَعْزُبُ﴾) أي: (لَا يَغِيبُ) ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣].

(﴿الْعَرِمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] هو (السَُّدُّ) بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين، الَّذي يحبسُ الماءَ، بنتهُ بلقيسُ، وذلك أنَّهم كانوا

يقتتلون على ماءِ وادِيهم، فأَمرت به فسدَّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ (١): «﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ السُّدُّ» وله (٢) عن (٣) الحَمُّويي (٤): «الشَّديدُ» -بشين معجمة- بوزن عظيم، والسَّيلُ: (مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ) ولأبي ذرٍّ: «أرسلهُ اللهُ في السَّدِّ» بفتح سين «السَّدِّ» فيهما في «اليونينية» (٥) (فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا عَنِ الجَنْبَيْن) بفتح الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «الجَنَبَتَيْنِ» بفتح الجيم والنون والموحدة والفوقية وسكون التحتية، وفي نسخة -نسبها في «الفتح» للأكثر-: «الجَنَّتين» بتشديد النون بغير موحدةٍ، تثنيةُ جنَّة.

قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: القياسُ أن يقال: ارتفَعت الجنَّتانِ عن الماءِ. وأجاب: بأن المرادَ من الارتفاعِ الانتفاءُ والزَّوالُ؛ يعني: ارتفع اسم الجنَّةِ عنهما، فتقديرهُ: ارتفعَتِ الجنَّتان عن كونِهما جنَّة.

قال في «الكشاف» -وتبعه في «الأنوار» -: وتسميةُ البدلِ جنَّتينِ على سبيلِ المشاكلَةِ.

(وَغَابَ عَنْهُمَا) عن الجنَّتينِ (المَاءُ فَيَبِسَتَا) لطُغيانِهم وكفرهِم وإعراضهِم عن الشُّكرِ (وَلَمْ يَكُنِ المَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السَُّدِّ) وللمُستملي: «من السَّيلِ» (وَلَكِنْ) ولأبي ذرٍّ: «ولكنَّهُ» (كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ) قالهُ مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ.

(وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ) بفتح العين وسكون الميم، و «شُرَحْبِيْل»: بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فلام، الهمدانيُّ الكوفيُّ، فيما وصلهُ سعيد بنُ منصورٍ (﴿الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] المُسَنَّاةُ) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد النون، وضبطهُ في «اليونينية»: بضم الميم والهاء من غير ضبط على السين، ولا نقط على الهاء، وفي «آلِ ملك» (٦): «المُسْناة» بضم الميم وسكون السين ونقط الهاء (٧)،

وضبط في أصل الأَصيليِّ -كما قال في «الفتح» -: المَسْناة: بفتح الميم وسكون المهملة (بِلَحْنِ أَهْلِ اليَمَنِ) بسكون الحاء في الفرع، وقال في «المصابيح»: بفتحها. أي: بلغتِهم، وكانت هذه المسنَّاةُ تحبسُ على ثلاثةِ أبوابٍ بعضها فوقَ بعضٍ، ومن دونها بركةٌ ضخمةٌ فيها اثنا عشر مخرَجًا على عدَّةِ أنهارِهِم (١)، يفتحونَها إذا احتاجُوا إلى الماءَ، وإذا استغنوا؛ سدُّوها، فإذا جاءَ المطرُ؛ اجتمعَ إليه ماءُ أودية اليمنِ، فاحتبسَ السَّيلُ من وراءِ السدِّ، فتأمرُ بلقيس بالبابِ الأعلى فيفتحُ فيجري ماؤهُ في البركةِ، فكانُوا يستقونَ من الأوَّل ثمَّ من الثَّاني ثمَّ من الثَّالث الأسفل، فلا ينفد الماء حتى يثوبَ الماءُ من السَّنة المقبلةِ، فكانت تقسمهُ بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدَّة، فلما طَغَوا وكفرُوا سلَّطَ الله عليهم جُرَذًا يسمَّى الخُلْد فثقبَ السَّدَّ من أسفله، فغرَّق الماءُ جنانهم وخرَّبَ أرضَهم.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن شرحبيلَ: (﴿الْعَرِمِ﴾) هو (الوَادِي) الَّذي فيه الماء، وهذا أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق عثمان بنِ عطاءٍ، عن أبيه.

(السَّابِغَاتُ) في قولهِ تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] هي: (الدُّرُوعُ) الكواملُ، واسعاتٌ طولًا (٢) تسحبُ (٣) في الأرضِ. ذكر الصَّفة ويعلم منها الموصوفُ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَهَلْ﴾ (﴿نُجَازِي﴾ [سبأ: ١٧]) أي: (يُعَاقَبُ) يقال في العقوبة: يُجازَى، وفي (٤) المثوبةِ: يُجزى. قال الفرَّاء: المؤمنُ يُجزى ولا يُجازَى، أي: يجزَى الثَّواب بعملهِ ولا يكافأُ بسيئاتهِ، كذا نُقل.

(﴿أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) أي (بِطَاعَةِ اللهِ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ ((١) ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾) أي: (وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ) فإنَّ الازدحامَ يشوِّشُ الخاطرَ، والمعروفُ في تفسير مثله التَّكريرُ، أي: واحدٌ واحدٌ، واثنين اثنين.

(﴿التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢]) هو (الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا) قال:

تَمَنَّى أَنْ تَؤوبَ إِلَيَّ ميٌّ (٢) … وَلَيْسَ إِلَى تَنَاوُشِهَا سَبِيلُ

(﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]) أي: (مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ) في الدُّنيا، أو إيمان، أو نجاة به، ﴿كَمَا فُعِلَ﴾ (﴿بِأَشْيَاعِهِم﴾) أي (بِأَمْثَالِهِمْ) من كفرةِ الأممِ الدَّارجةِ، فلم يُقبَل منهم الإيمانُ حين اليأس.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا تقدَّم في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٠/ ٤٠ - ٥٢٥٣] (﴿كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]) بغير تحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «﴿كَالْجَوَابِي﴾» بإثباتِها، أي: (كَالجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: الموضعُ المطمئنُّ منها، وهذا لا يستقيمُ؛ لأنَّ الجوابي جمعُ: جابيةٍ، كضاربةٍ وضوارب، فعينه موحدة، فهو مخالفٌ للجوبة من حيثُ إنَّ عينه واو، فلم يرد أن اشتقاقَهُما واحدٌ، والجابيةُ: الحوضُ العظيمُ، سمِّيت بذلك لأنَّه يجبَى إليها الماء، أي: يجتمعُ. قيل: كان يقعدُ على الجفنةِ الواحدةِ ألف رجلٍ يأكلونَ منها.

(الخَمْطُ) هو: (الأَرَاكُ) أي: الشَّجرُ (٣) الَّذي يستاكُ بقضبانهِ (وَالأَثَلُ): هو (الطَّرْفَاءُ) قاله ابنُ عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ (﴿الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]) أي: (الشَّدِيدُ) من العرامةِ، وهي الشَّراسةُ والصُّعوبةُ، وقد مرَّ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾) قال في «الأنوار»: هذا غايةٌ لمفهوم الكلام من أنَّ ثمَّ توقُّفًا و (٤) انتظارًا للإذنِ، أي: يتربَّصونُ فزعينَ حتَّى إذا كشفَ الفزعُ عن قلوبِ الشَّافعين والمشفوع لهم بالإذنِ، وقيل: الضَّميرُ للملائكةِ، وقد تقدَّم ذكرهُم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد