«مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧

الحديث رقم ٤٧ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اتباع الجنائز من الإيمان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧ في صحيح البخاري

«مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ؛ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ.»

تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ.

بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.

وَيُذْكَرُ

⦗١٩⦘

عَنِ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٧ من صحيح البخاري

٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا كَانَ وَاللَّهِ، فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ. وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا وَقَالَ: إِنَّهُ يَجْزِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ: وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ، وهو صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ قَوْلُهُ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمَنْهِيَّاتِ؟ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ، وهو عَجِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ، وَأَقْدَمَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَاقِعًا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ؟ أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُفْلِحًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَفَلَاحُهُ بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَقَرَّهُ عَلَى حَلِفِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّكِيرُ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ، فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ فَلَاحًا مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ، أَيْ: قَبِلْتُ كَلَامَكَ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ، وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ تَتَعَلَّقُ بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَانِ مَرْدُودَانِ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، فَإِنَّ نَصَّهَا: لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا:. وَقِيل: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ أَيْ: لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يَنْقُصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ، قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَفْظُ التَّطَوُّعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٥ - بَاب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الْإِيمَانِ

٤٧ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قال: حدثنا رَوْحٌ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ نَحْوَهُ

[الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٥، ١٣٢٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ) خَتَمَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ التَّرَاجِمِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ آخِرُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا أَخَّرَ تَرْجَمَةَ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ لِمَعْنًى سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَائِرِهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (الْمَنْجُوفِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ فَاءٌ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ جَدِّهِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيِّ، وهو بَصْرِيٌّ، وَكَذَا بَاقِي رِجَالِ الْإِسْنَادِ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ. وَرَوْحٌ بِفَتْحِ

الرَّاءِ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، وَعَوْفٌ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، الْأَعْرَابِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِفَصَاحَتِهِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ بَنْدَوَيْهِ - بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ - بِوَزْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وهو مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَنِ، فَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ، فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَسَمَاعُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَمُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوْهِيمِ مَنْ أَثْبَتَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ فَلَا تُحْمَلُ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَمِعَ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي قِصَّةِ مُوسَى، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِيهَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا آخَرَ، وَاعْتِمَادُهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَنِ اتَّبَعَ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ تَبِعَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: تَبِعَهُ إِذَا مَشَى خَلْفَهُ أَوْ إِذَا مَرَّ بِهِ فَمَشَى مَعَهُ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وهو افْتَعَلَ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ ابْنِ حِبَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا، وَأَمَّا أَتْبَعَهُ بِالْإِسْكَانِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَحِقَهُ إِذَا كَانَ سَبَقَهُ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْمُسْلِمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعَهَا أَيْ: مَعَ الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْصُلُ الْمَوْعُودُ بِهِ إِلَّا لِمَنْ تُوجَدُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يُقَالُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَحَالَ دُونِهُ مَانِعٌ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَيُفْرَغُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ، وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ دُونَ الدَّفْنِ يَحْصُلُ بِهَا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْمَجْمُوعِ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَبَاحِثِهِ وَفَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ) أَيْ: رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ الْهَيْثَمِ، وهو مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ أَعْلَى بِدَرَجَةٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْصُولَ عَنْ رَوْحٍ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ إِتْقَانًا مِنْهُ، وَنَبَّهَ بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنَ، فَكَأَنَّ عَوْفًا كَانَ رُبَّمَا ذَكَرَهُ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْمَنْجُوفِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمُتَابَعَةُ عُثْمَانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ أَبِي عَوَانَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَفْظُهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ رَوْحٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: وَكَانَ مَعَهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا فَلَزِمَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: وَيُفْرَغُ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا وَتُدْفَنُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَهُ قِيرَاطٌ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَهُ، وهو بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ.

٣٦ - بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، وهو لَا يَشْعُرُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبتَ له الفلاحَ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.

وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه (١) عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٨٩١] وفي «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، و «اتِّباع» بتشديد التَّاء المكسورة، و «الجَنائز» جمع جَِنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها: المَيت، أو بالفتح: للميت، وبالكسر: للنَّعش، أو عكسه، أو بالكسر: النَّعش وعليه الميت.

٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ) نسبةً إلى جدِّ أبيه مَنْجُوفٍ؛ بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ الجيم وفي آخره فاءٌ؛ ومعناه: الموسع، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وبالحاء المُهمَلَتين، ابن عبادة بن العلاء البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء؛ ابن أبي جميلةَ

بَنْدُوْيه؛ بفتح المُوحَّدة وبالنُّون السَّاكنة والدَّال المُهمَلة المضمومة والواو السَّاكنة والمُثنَّاة التَّحتيِّة، العبديُّ الهجريُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومئةٍ، ونُسِبَ إلى التَّشيُّع (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (وَمُحَمَّدٍ) بالجرِّ عطفًا على «الحسن»، وللأَصيِليِّ: «ومحمَّدٌ» بالرَّفع؛ هو ابن سيرين، أبو بكرٍ الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة عشرٍ ومئةٍ بعد الحسن بمئةٍ وعشرين يومًا، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) والجمهور على أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة (١) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «تبِع» بغير ألفٍ وكسر المُوحَّدة (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) حال كون ذلك (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: مؤمنا محتسبًا، لا مكافأةً ومخافةً (وَكَانَ مَعَهُ) أي: مع المسلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «معها» أي: الجنازة (حَتَّى يُصَلَّى) بفتح اللَّام في «اليونينيَّة» فقط، وفي «هامشها» (٢) بكسرها (عَلَيْهَا وَيَُفْرَُغَ مِنْ دَفْنِهَا) بالبناء للفاعل في الفعلين، أو بالبناء للمفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النَّائب عن الفاعل، وللأَصيليِّ: «يصلِّ» بحذف الياء وكسر اللَّام (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) مُثنَّى قيراطٍ؛ وهو اسمٌ لمقدارٍ من الثَّواب يقع على القليل والكثير، بيَّنه بقوله: (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ) جبل (أُحُدٍ) بضمَّتين بالمدينة، سُمِّي به لتوحُّده وانقطاعه عن جبالٍ أخرى هناك، فحصول القيراطين مُقيَّدٌ بالصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق مع الدَّفن؛ وهو: تسوية القبر بالتَّمام، أو نصب اللَّبِنِ عليه، والأوَّل أصحُّ عندنا، ويحتمل حصول القيراط بكلٍّ منهما، لكن بتفاوت (٣) القيراط، ولا يُقَال: يحصل القيراطان بالدَّفن من غير صلاةٍ؛ عملًا بظاهر رواية فتح لام «يُصلَّى (٤)» لأنَّ المُرَاد فِعلُهما معًا؛ جمعًا بين الرِّوايتين

وحملًا للمُطلَق على المُقيَّد (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) بنصب «قبلَ» على الظَّرفيَّة، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: قبل الدَّفن (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) من الأجر، فلو صلَّى وذهب إلى القبر وحده ثمَّ حضر الدَّفن لم يحصل له القيراط الثَّاني، كذا قاله النَّوويُّ، وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود الدَّفن وحده كان مُقدَّمًا، ويُجمَع حينئذٍ بتفاوت القيراط، ولو صلَّى ولم يُشيِّع رجع بالقيراط؛ لأنَّ كلَّ ما قبل الصَّلاة وسيلةٌ إليها، لكن يكون قِيراطُ مَنْ صلَّى دونَ قِيراطِ مَنْ شيَّع مثلًا وصلَّى، وفي «مسلمٍ»: «أصغرهما (١) مثل أُحُدٍ»، وهو يدلُّ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي رواية مسلمٍ أيضًا: «من صلَّى على جنازةٍ ولم يتَّبعها فله قيراطٌ»، لكن يحتمل أن يكون المُرَاد بـ «الاتِّباع» هنا ما بعد الصَّلاة، ولو تبعها ولم يصلِّ ولم يحضر الدَّفن فلا شيءَ له، بل حُكِيَ عن أَشْهَبَ كراهتُه، وسيأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٢٣] بحول الله وقوَّته.

وفي الحديث: الحثُّ على صلاة الجنازة واتِّباعها، وحضور الدَّفن، والاجتماع لها، ورجاله كلُّهم بصريُّون غير أبي هريرة، واشتمل على التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الجنائز».

(تَابَعَهُ) أي: تابع روحًا في الرِّواية عن عوفٍ (عُثْمَانُ) بن الهيثم بن جَهْمٍ البصريُّ (المُؤَذِّنُ) بجامعها، المُتوفَّى لإحدى عَشْرَةَ ليلةً خلت من رجب سنة عشرين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: تابعه عثمان المؤذِّن» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، ولم يروه عن الحسن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ) بالنَّصب، أي: بمعنى ما سبق لا بلفظه، وهذه المُتابَعة وصلها أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه».

(٣٦) هذا (بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ) على صيغة المعلوم من «باب عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ) أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر. انتهى. ولفظة: «مِنْ» ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) بفتح المُعجَمة، أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: «مكذِّبًا» بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال البيضاويُّ في آية ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]: إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه

وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شَكِيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ غيره (١)، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. انتهى.

وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد» عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، عَبد الله -بفتح العين- ابن عُبيد الله -بضمِّها- القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» () أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة (كُلُّهُمْ يَخَافُ) أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ) لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ:

إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصلاة والسلام، أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في «كتاب صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ) أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: «عن الحسن أنَّه قال: ما خافه» وفي روايةٍ: «وما خافه» (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ) جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» و «أمنه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويَّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مُؤمن قطُّ ولا (١) بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يُعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.

ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يُحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ) وفي رواية أبوي ذر والوقت: «على النِّفاق» بدل «التَّقاتل»، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-: «وقتاله كفرٌ» [خ¦٤٨]

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا كَانَ وَاللَّهِ، فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ. وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا وَقَالَ: إِنَّهُ يَجْزِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ: وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ، وهو صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ قَوْلُهُ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمَنْهِيَّاتِ؟ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ، وهو عَجِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ، وَأَقْدَمَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَاقِعًا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ؟ أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُفْلِحًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَفَلَاحُهُ بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَقَرَّهُ عَلَى حَلِفِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّكِيرُ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ، فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ فَلَاحًا مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ، أَيْ: قَبِلْتُ كَلَامَكَ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ، وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ تَتَعَلَّقُ بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَانِ مَرْدُودَانِ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، فَإِنَّ نَصَّهَا: لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا:. وَقِيل: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ أَيْ: لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يَنْقُصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ، قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَفْظُ التَّطَوُّعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٥ - بَاب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الْإِيمَانِ

٤٧ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قال: حدثنا رَوْحٌ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ نَحْوَهُ

[الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٥، ١٣٢٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ) خَتَمَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ التَّرَاجِمِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ آخِرُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا أَخَّرَ تَرْجَمَةَ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ لِمَعْنًى سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَائِرِهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (الْمَنْجُوفِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ فَاءٌ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ جَدِّهِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيِّ، وهو بَصْرِيٌّ، وَكَذَا بَاقِي رِجَالِ الْإِسْنَادِ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ. وَرَوْحٌ بِفَتْحِ

الرَّاءِ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، وَعَوْفٌ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، الْأَعْرَابِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِفَصَاحَتِهِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ بَنْدَوَيْهِ - بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ - بِوَزْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وهو مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَنِ، فَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ، فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَسَمَاعُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَمُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوْهِيمِ مَنْ أَثْبَتَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ فَلَا تُحْمَلُ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَمِعَ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي قِصَّةِ مُوسَى، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِيهَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا آخَرَ، وَاعْتِمَادُهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَنِ اتَّبَعَ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ تَبِعَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: تَبِعَهُ إِذَا مَشَى خَلْفَهُ أَوْ إِذَا مَرَّ بِهِ فَمَشَى مَعَهُ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وهو افْتَعَلَ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ ابْنِ حِبَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا، وَأَمَّا أَتْبَعَهُ بِالْإِسْكَانِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَحِقَهُ إِذَا كَانَ سَبَقَهُ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْمُسْلِمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعَهَا أَيْ: مَعَ الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْصُلُ الْمَوْعُودُ بِهِ إِلَّا لِمَنْ تُوجَدُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يُقَالُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَحَالَ دُونِهُ مَانِعٌ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَيُفْرَغُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ، وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ دُونَ الدَّفْنِ يَحْصُلُ بِهَا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْمَجْمُوعِ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَبَاحِثِهِ وَفَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ) أَيْ: رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ الْهَيْثَمِ، وهو مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ أَعْلَى بِدَرَجَةٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْصُولَ عَنْ رَوْحٍ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ إِتْقَانًا مِنْهُ، وَنَبَّهَ بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنَ، فَكَأَنَّ عَوْفًا كَانَ رُبَّمَا ذَكَرَهُ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْمَنْجُوفِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمُتَابَعَةُ عُثْمَانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ أَبِي عَوَانَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَفْظُهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ رَوْحٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: وَكَانَ مَعَهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا فَلَزِمَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: وَيُفْرَغُ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا وَتُدْفَنُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَهُ قِيرَاطٌ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَهُ، وهو بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ.

٣٦ - بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، وهو لَا يَشْعُرُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبتَ له الفلاحَ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.

وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه (١) عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٨٩١] وفي «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، و «اتِّباع» بتشديد التَّاء المكسورة، و «الجَنائز» جمع جَِنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها: المَيت، أو بالفتح: للميت، وبالكسر: للنَّعش، أو عكسه، أو بالكسر: النَّعش وعليه الميت.

٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ) نسبةً إلى جدِّ أبيه مَنْجُوفٍ؛ بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ الجيم وفي آخره فاءٌ؛ ومعناه: الموسع، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وبالحاء المُهمَلَتين، ابن عبادة بن العلاء البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء؛ ابن أبي جميلةَ

بَنْدُوْيه؛ بفتح المُوحَّدة وبالنُّون السَّاكنة والدَّال المُهمَلة المضمومة والواو السَّاكنة والمُثنَّاة التَّحتيِّة، العبديُّ الهجريُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومئةٍ، ونُسِبَ إلى التَّشيُّع (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (وَمُحَمَّدٍ) بالجرِّ عطفًا على «الحسن»، وللأَصيِليِّ: «ومحمَّدٌ» بالرَّفع؛ هو ابن سيرين، أبو بكرٍ الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة عشرٍ ومئةٍ بعد الحسن بمئةٍ وعشرين يومًا، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) والجمهور على أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة (١) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «تبِع» بغير ألفٍ وكسر المُوحَّدة (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) حال كون ذلك (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: مؤمنا محتسبًا، لا مكافأةً ومخافةً (وَكَانَ مَعَهُ) أي: مع المسلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «معها» أي: الجنازة (حَتَّى يُصَلَّى) بفتح اللَّام في «اليونينيَّة» فقط، وفي «هامشها» (٢) بكسرها (عَلَيْهَا وَيَُفْرَُغَ مِنْ دَفْنِهَا) بالبناء للفاعل في الفعلين، أو بالبناء للمفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النَّائب عن الفاعل، وللأَصيليِّ: «يصلِّ» بحذف الياء وكسر اللَّام (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) مُثنَّى قيراطٍ؛ وهو اسمٌ لمقدارٍ من الثَّواب يقع على القليل والكثير، بيَّنه بقوله: (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ) جبل (أُحُدٍ) بضمَّتين بالمدينة، سُمِّي به لتوحُّده وانقطاعه عن جبالٍ أخرى هناك، فحصول القيراطين مُقيَّدٌ بالصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق مع الدَّفن؛ وهو: تسوية القبر بالتَّمام، أو نصب اللَّبِنِ عليه، والأوَّل أصحُّ عندنا، ويحتمل حصول القيراط بكلٍّ منهما، لكن بتفاوت (٣) القيراط، ولا يُقَال: يحصل القيراطان بالدَّفن من غير صلاةٍ؛ عملًا بظاهر رواية فتح لام «يُصلَّى (٤)» لأنَّ المُرَاد فِعلُهما معًا؛ جمعًا بين الرِّوايتين

وحملًا للمُطلَق على المُقيَّد (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) بنصب «قبلَ» على الظَّرفيَّة، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: قبل الدَّفن (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) من الأجر، فلو صلَّى وذهب إلى القبر وحده ثمَّ حضر الدَّفن لم يحصل له القيراط الثَّاني، كذا قاله النَّوويُّ، وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود الدَّفن وحده كان مُقدَّمًا، ويُجمَع حينئذٍ بتفاوت القيراط، ولو صلَّى ولم يُشيِّع رجع بالقيراط؛ لأنَّ كلَّ ما قبل الصَّلاة وسيلةٌ إليها، لكن يكون قِيراطُ مَنْ صلَّى دونَ قِيراطِ مَنْ شيَّع مثلًا وصلَّى، وفي «مسلمٍ»: «أصغرهما (١) مثل أُحُدٍ»، وهو يدلُّ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي رواية مسلمٍ أيضًا: «من صلَّى على جنازةٍ ولم يتَّبعها فله قيراطٌ»، لكن يحتمل أن يكون المُرَاد بـ «الاتِّباع» هنا ما بعد الصَّلاة، ولو تبعها ولم يصلِّ ولم يحضر الدَّفن فلا شيءَ له، بل حُكِيَ عن أَشْهَبَ كراهتُه، وسيأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٢٣] بحول الله وقوَّته.

وفي الحديث: الحثُّ على صلاة الجنازة واتِّباعها، وحضور الدَّفن، والاجتماع لها، ورجاله كلُّهم بصريُّون غير أبي هريرة، واشتمل على التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الجنائز».

(تَابَعَهُ) أي: تابع روحًا في الرِّواية عن عوفٍ (عُثْمَانُ) بن الهيثم بن جَهْمٍ البصريُّ (المُؤَذِّنُ) بجامعها، المُتوفَّى لإحدى عَشْرَةَ ليلةً خلت من رجب سنة عشرين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: تابعه عثمان المؤذِّن» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، ولم يروه عن الحسن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ) بالنَّصب، أي: بمعنى ما سبق لا بلفظه، وهذه المُتابَعة وصلها أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه».

(٣٦) هذا (بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ) على صيغة المعلوم من «باب عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ) أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر. انتهى. ولفظة: «مِنْ» ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) بفتح المُعجَمة، أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: «مكذِّبًا» بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال البيضاويُّ في آية ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]: إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه

وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شَكِيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ غيره (١)، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. انتهى.

وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد» عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، عَبد الله -بفتح العين- ابن عُبيد الله -بضمِّها- القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» () أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة (كُلُّهُمْ يَخَافُ) أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ) لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ:

إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصلاة والسلام، أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في «كتاب صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ) أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: «عن الحسن أنَّه قال: ما خافه» وفي روايةٍ: «وما خافه» (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ) جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» و «أمنه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويَّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مُؤمن قطُّ ولا (١) بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يُعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.

ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يُحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ) وفي رواية أبوي ذر والوقت: «على النِّفاق» بدل «التَّقاتل»، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-: «وقتاله كفرٌ» [خ¦٤٨]

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله