الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٠١
الحديث رقم ٤٨٠١ من كتاب «سورة سبإ» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
المَلَائِكَةُ
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ لِفَافَةُ النَّوَاةِ، ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿الْحَرُورُ﴾ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الْحَرُورُ﴾ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ ﴿وَغَرَابِيبُ﴾ أَشَدُّ سَوَادٍ، الْغِرْبِيبُ الشَّدِيدُ السَّوَادِ.
سُورَةُ يس
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ شَدَّدْنَا، ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ كَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ، ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾
⦗١٢٣⦘
لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ، ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ ﴿نَسْلَخُ﴾ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مِنَ الْأَنْعَامِ، ﴿فَكِهُونَ﴾ مُعْجَبُونَ، ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ الْمُوقَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ طَائِرُكُمْ﴾ مَصَائِبُكُمْ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ، ﴿مَرْقَدِنَا﴾ مَخْرَجِنَا ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ حَفِظْنَاهُ مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ.
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَدْرَكَ الشِّهَابُ إِلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) زَادَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا. الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فَيَقُولُ يَكُونُ الْعَامُ كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعُهُ الْجِنُّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَتُخْبِرُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ فَيَجِدُونَهُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ أَدْهَشَ الْفَزَعُ عَنْهُمْ، وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا حَلَّ فِيهَا فَقَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَةً؟ فَالْجَوَابُ لَعَلَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِدُونِ السَّمَاعِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا. قُلْتُ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ احْتِمَالٌ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى، وَذَلِكَ مَحْمَلُ قَوْلِ سُفْيَانَ: لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَةَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا، فَالظَّنُّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ بِالْأَخْذِ مِنَ الصُّحُفِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ. وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ.
٢ - بَاب ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِني؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ.
٣٥ - سُورَةُ الْمَلَائِكَةِ
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ. مُثْقَلَةٌ: مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ
غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ أَشَدُّ سَوَادًا الْغِرْبِيبُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمَلَائِكَةِ وَيَاسِينَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ (سُورَةُ) وَ (يَاسِينُ) وَ (الْبَسْمَلَةُ)، وَالْأَوْلَى سُقُوطُ لَفْظِ يس لِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: (الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَدْ وَصَفهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقِطْمِيرُ: الْقِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى النَّوَاةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقِطْمِيرُ: الْفُوفةُ الَّتِي فِيهَا النَّوَاةُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَنْتَ لَنْ تُغْنِيَ عَنِّي فُوفا
وقَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أَشَدُّ سَوَادًا الْغِرْبِيبُ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ. وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: قَالَ: الْغِرْبِيبُ الْأَسْوَدُ الشَّدِيدُ السَّوَادِ.
قَوْلُهُ: (مُثْقَلَةٌ مُثَقَّلَةٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ قَالَ: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أَيْ مُثَقَّلَةٌ بِذُنُوبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ رُؤْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
٣٦ - سُورَةُ يس
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ شَدَّدْنَا. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ وكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مِنْ الْأَنْعَامِ. فَكِهُونَ مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿الْمَشْحُونِ﴾ الْمُوقَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ. ﴿مَرْقَدِنَا﴾ مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ حَفِظْنَاهُ. مَكَانَتُكمْ وَمَكَانُكمْ وَاحِدٌ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ يس سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: فَعَزَّزْنَا فشَدَّدْنَا) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ، وَكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ بِالْإِضَافَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ سَابِقُ النَّهَارِ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ: نَسْلَخُ: نُخْرِجُ إِلَخْ) سَقَطَ كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الْأَنْعَامِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ هُنَا السُّفُنُ، وَرُجِّحَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ إِذِ الْغَرَقُ لَا يَكُونُ فِي الْأَنْعَامِ.
قَوْلُهُ: (فَكِهُونَ: مُعْجَبُونَ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَاكِهُونَ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْأُولَى رُوِيَتْ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: فَاكِهُونَ: مُعْجَبُونَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ قَرَأَهَا فَاكِهُونَ جَعَلَهُ كَثِيرَ الْفَاكِهَةِ، قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ … لَابِنٌ فِي الصَّيْفِ تَامِرْ
أَيْ عِنْدَكَ لَبَنٌ كَثِيرٌ وَتَمْرٌ كَثِيرٌ، وَأَمَّا فَكِهُونَ فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةَ وَهِيَ بِوَزْنِ فَرِحُونَ، وَمَعْنَاهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (١) قولهِ تعالى: ((٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) يوم القيامةِ.
٤٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) بالخاء والزاي المكسورة المعجمتين، أبو معاويةَ الضَّريرُ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ) بسكون الهاء في الفرع مصحَّحًا عليه، وفي غيره بضمها. قال أبو السَّعادات: هذه كلمةٌ يقولها المستغيثُ، وأصلها إذا صاحوا للغارةِ؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يغيرونَ عند الصَّباحِ، ويسمُّون يوم الغارةِ يوم الصَّباحِ، فكأنَّ القائل: يا صباحاهُ يقول: قد غشينَا العدوُّ، وقيل: إنَّ المتقاتلينَ كانوا إذا جاء اللَّيلُ يرجعون عن القتالِ، فإذا عاد النَّهارُ عاودوهُ، فكأنَّه يريدُ بقوله: يا صباحاه، قد جاءَ وقتُ الصَّباح فتأهَّبوا للقتالِ (فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ. قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (مَا لَكَ؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ»: (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبرونِي (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا) بالتَّخفيف (كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذرٍّ: «تُصدقونَني» بنونين (قَالُوا: بَلَى) نصدِّقكُ (قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قدامه (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿تَبَّتْ﴾) أي: خسرتْ أو هلكتْ (﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]).
وهذا الحديث سبق في «الشُّعراء» [خ¦٤٧٧٠].
(((٣٥))) (المَلَائِكَةُ) مكِّيَّة، وآيُها خمس وأربعون، ولأبي ذرٍّ: «سُورة الملائكة ويس».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (القِطْمِيرُ) هو (لِفَافَةُ النَّوَاةِ) وهو مثلٌ في القلَّةِ، كقوله:
وأَبُوكَ يَخصِفُ نَعْلَه مُتَورِّكًا … مَا يمْلِكُ المِسْكِينُ مِن قِطْمِيرِ
وقيل: هو القمعُ، وقيل: ما بينَ القمعِ والنَّواةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «قال مُجاهدٌ».
(﴿مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر: ١٨]) بالتَّخفيف، أي: (مُثَقَّلَةٌ) بالتَّشديد، أي: وإن تدع نفسٌ مثقَّلة بالذُّنوبِ نفسًا إلى حملِها، فحذف المفعول به للعلمِ به.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهد في قولهِ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ. وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] (﴿الْحَرُورُ﴾ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) عند شدَّةِ حرِّها. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير الحَرُور: (الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ) بفتح المهملة (بِالنَّهَارِ) ونقله ابنُ عطيَّة عن رؤبةَ، وقال: ليس بصحيحٍ، بل الصَّحيح ما قاله الفرَّاء، وذكره في «الكشاف»: ﴿الْحَرُورُ﴾ السَّموم، إلَّا أنَّ السَّمومَ بالنَّهار، والحرورَ فيه وفي اللَّيل. قال في «الدر»: وهذا عجيبٌ (١) منه، كيف يردُّ على أصحابِ اللِّسان بقول من يأخذُ عنهم؟!
وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿مُثْقَلَةٌ﴾ … » إلى آخر قولهِ: «والسَّمومُ بالنَّهار».
(﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أَشَدُّ سَوَادًا (٢) الغِرْبِيبُ) بكسر الغين المعجمة عطف على ﴿حُمْرٌ﴾
عطف ذي لون (١) على ذي لونٍ، أو عطف على ﴿بِيضٌ﴾ أو على ﴿جُدَدٌ﴾ ولم يقل بعد: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: مختلفٌ (٢) ألوانُها، كما قال ذلك بعد ﴿بِيضٌ﴾ و ﴿وَحُمْرٌ﴾ لأنَّ الغِرْبِيبَ البالِغُ (٣) في السَّوادِ، فصار لونًا واحدًا غير متفاوتٍ، بخلاف السَّابق، ولغير أبي ذرٍّ: «الشَّديدُ السَّوادِ» فـ ﴿وَغَرَابِيبُ﴾ جمع: غربيبٍ، وغربيب: هو الشَّديدُ السَّوادِ المتناهِي فيه، فهو تابعٌ للأسودِ، كَقَانٍ وناصعٍ ويَقَق، ومن ثمَّ قال بعضُهم: إنَّه على التَّقديم والتَّأخير. يقال: أسود غربيبٌ، والبصريُّون يخرجونَ هذا وأمثاله على أنَّ الثَّاني بدلٌ من الأول. قال الجوهريُّ: وتقول (٤): هذا أسود غربيبٌ (٥)، أي: شديدُ السَّوادِ، وإذا قلت: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ تجعلُ السُّودَ بدلًا من غرابيبَ؛ لأنَّ توكيدَ الألوانِ لا يتقدَّمُ، وما ذكره المؤلِّف من هذا التَّفسير أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ من طريق علي بنِ أبي طلحة، ولأبي ذرٍّ هنا: «وقال مجاهد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] وكان حسرةً عليهم استهزاؤهُم بالرُّسل. ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ [يس: ٤٢] من الأنعام. ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] معجبونُ. سورة يس. بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن عبَّاس: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ اللهِ﴾ [النمل: ٤٧] مصائِبُكُم ﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] يخرجُونَ. بابٌ بالتَّنوين ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤] فشدَّدنَا» كذا ثبتَ في الفرع كأصله (٦) هنا، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (٧).
(((٣٦))) (سورة يس) مكِّيَّة، وآيُها ثلاثٌ وثمانون.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤]) أي: (شَدَّدْنَا) بتشديد الدال الأولى وتسكين الثانية، والمفعول محذوفٌ، أي: فشددناهما بثالثٍ.
(﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] وكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ) أي: في الآخرةِ (اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) أي: في الدُّنيا، و «استهزاؤُهم» رفع اسم كان، و «حسرةً» خبرُها، وهذا أخرجه الفِريابيُّ عن مجاهد أيضًا، والمعنى: هم أحقَّاءُ بأن يتحسَّر عليهم المتحسِّرون أو (١) يتلهَّف عليهم المتلهِّفونَ، أو متحسَّر (٢) عليهم من جهةِ الملائكةِ والمؤمنين، وأن يكون من قول الله تعالى على سبيل الاستعارةِ تعظيمًا للأمرِ وتهويلًا له، فيكون كالواردِ في حقِّ الله تعالى من الضَّحكِ والسُّخريةِ، ونصبَ ﴿يَا حَسْرَةً﴾ على المصدرِ، والمنادى محذوفٌ، أي: يا هؤلاء تحسَّروا حسرةً.
(﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾) في قولهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] أي: (لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ) أي: أن يستر أحدهما الآخر؛ لأنَّ لكلٍّ منهما حدًّا لا يعدوهُ ولا يقصرُ دونهُ إلَّا عند قيام السَّاعةِ، وقال عبد الرَّزَّاق: أخبرنا معمرٌ عن الحسنِ في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال: ذلك ليلة الهلالِ.
(﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾) في قولهِ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أي: (يَتَطَالَبَانِ) حال كونهما (حَثِيثَيْنِ) فلا فترةَ بينهما بل كلٌّ منهما يعقبُ الآخرَ بلا مهلةٍ ولا تراخٍ؛ لأنَّهما (٣) مسخرانِ يتطالبانِ طلبًا (٤) حَثيثًا، فلا يجتمعان إلَّا في وقتِ قيام السَّاعةِ.
(﴿نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧]) أي: (نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ) قال في «اللباب»: ﴿نَسْلَخُ﴾ استعارة بديعة (١)، شبَّه انكشافَ ظلمةِ اللَّيلِ بكشطِ الجلدِ من الشَّاةِ (وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لمستقرٍّ إلى أبعدِ مغربهِ فلا يتجاوزهُ (٢) ثمَّ يرجع، أو المراد بالمستقرِّ: يوم القيامةِ، فالجريانُ (٣) في الدُّنيا غير منقطعٍ.
(﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] أي: (مِنَ الأَنْعَامِ) كالإبلِ فإنَّها سفائنُ البرِّ، وهذا قول مجاهدٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: السُّفن، وهو أشبه بقوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ [يس: ٤٣] لأنَّ الغرقَ في الماءِ.
(﴿فَاكِهُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] بغير ألف بعد الفاء، وبها قرأ أبو جعفر، أي: (مُعْجَبُونَ) بفتح الجيم، وفي رواية غير (٤) أبي ذرٍّ: «﴿فَاكِهُونَ﴾» بالألف، وهي قراءةُ الباقين، وبينهما فرقٌ بالمبالغةِ وعدمها.
(﴿جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥]) أي: (عِنْدَ الحِسَابِ) قال ابنُ كثيرٍ: يريد أن هذه الأصنامَ (٥) محشورةٌ مجموعةٌ يوم القيامةِ، محضرةٌ عند حسابِ عابديها؛ ليكون ذلك أبلغَ في خزيهِم وأدلَّ في إقامةِ الحجَّةِ عليهم (٦).
(وَيُذْكَرُ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ في قولهِ تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ (﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]) هو (المُوْقَرُ) بضم الميم وسكون الواو وبعد القاف المفتوحة راء.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ: (﴿طَائِرُكُمْ﴾ [يس: ١٩]) أي: (مَصَائِبُكُمْ) وعنه فيما وصلهُ الطَّبري: أعمالكُم، أي: حظَّكُم من الخيرِ والشَّرِّ.
(﴿نَسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]) أي: (يَخْرُجُونَ)، قاله ابنُ عبَّاسٍ فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
(﴿مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]) أي: (مَخْرَجِنَا) وقال ابنُ كثيرٍ: يعنونَ قبورهم الَّتي كانوا في الدُّنيا يعتقدون أنَّهم لا يبعثونَ منها، فلمَّا عاينوا ما كذبوهُ في محشرِهِم؛ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. انتهى. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة: إنَّما يقولون هذا لأنَّ الله يرفعُ عنهم العذابَ بين النَّفختين فيرقدونَ، فإذا بعثوا بعد النَّفخةِ الأخيرةِ وعاينُوا القيامة دعوا بالويلِ.
(﴿أحْصَيْنَاهُ﴾) في قولهِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أي: (حَفِظْنَاهُ) في اللَّوحِ المحفوظِ.
(﴿مَكَانَتِهِمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] والمعنى: لو نشاءُ جعلناهم قردةً وخنازيرَ في منازلهم، أو حجارةً وهم قعودٌ في منازلهِم لا أرواحَ لهم، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ … ﴾» إلى آخر قوله: «واحدٌ» (١).
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في (قوله) تعالى: (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾) الواو للعطف على ﴿اللَّيْلُ﴾ واللام في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ بمعنى: إلى، والمراد بالمستقر إمَّا الزَّمانيُّ؛ وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامةِ حين تُكَوَّرُ وينتهي هذا العالمُ إلى غايتهِ، وإمَّا المكانيُّ؛ وهو ما (٢) تحت العرشِ ممَّا يلي الأرضَ من ذلك الجانبِ، وهي أينمَا كانت فهي تحتَ العرشِ كجميع المخلوقاتِ؛ لأنَّه سقفُها، وليس بِكُرَةٍ كما يزعمهُ كثيرٌ من أهل الهيئةِ، بل هو قبَّةٌ ذات قوائم تحملهُ الملائكةُ، أو المراد: غايةُ ارتفاعها في كبدِ السَّماء، فإنَّ حركتها إذ ذاك يوجدُ فيها إبطاءٌ بحيث يظنُّ أنَّ لها هناك وقفةً، والثَّاني: أنسبُ بالحديث المسوق في الباب (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةً إلى جريِ الشَّمس على هذا التَّقديرِ أو إلى المستقرِّ (﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾) الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدورٍ (﴿الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]) المحيط علمهُ بكلِّ معلومٍ، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ، والآيةُ لأبي ذرٍّ ساقطة (٣).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَدْرَكَ الشِّهَابُ إِلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) زَادَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا. الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فَيَقُولُ يَكُونُ الْعَامُ كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعُهُ الْجِنُّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَتُخْبِرُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ فَيَجِدُونَهُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ أَدْهَشَ الْفَزَعُ عَنْهُمْ، وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا حَلَّ فِيهَا فَقَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَةً؟ فَالْجَوَابُ لَعَلَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِدُونِ السَّمَاعِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا. قُلْتُ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ احْتِمَالٌ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى، وَذَلِكَ مَحْمَلُ قَوْلِ سُفْيَانَ: لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَةَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا، فَالظَّنُّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ بِالْأَخْذِ مِنَ الصُّحُفِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ. وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ.
٢ - بَاب ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِني؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ.
٣٥ - سُورَةُ الْمَلَائِكَةِ
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ. مُثْقَلَةٌ: مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ
غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ أَشَدُّ سَوَادًا الْغِرْبِيبُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمَلَائِكَةِ وَيَاسِينَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ (سُورَةُ) وَ (يَاسِينُ) وَ (الْبَسْمَلَةُ)، وَالْأَوْلَى سُقُوطُ لَفْظِ يس لِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: (الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَدْ وَصَفهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقِطْمِيرُ: الْقِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى النَّوَاةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقِطْمِيرُ: الْفُوفةُ الَّتِي فِيهَا النَّوَاةُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَنْتَ لَنْ تُغْنِيَ عَنِّي فُوفا
وقَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أَشَدُّ سَوَادًا الْغِرْبِيبُ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ. وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: قَالَ: الْغِرْبِيبُ الْأَسْوَدُ الشَّدِيدُ السَّوَادِ.
قَوْلُهُ: (مُثْقَلَةٌ مُثَقَّلَةٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ قَالَ: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أَيْ مُثَقَّلَةٌ بِذُنُوبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ رُؤْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
٣٦ - سُورَةُ يس
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ شَدَّدْنَا. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ وكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مِنْ الْأَنْعَامِ. فَكِهُونَ مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿الْمَشْحُونِ﴾ الْمُوقَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ. ﴿مَرْقَدِنَا﴾ مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ حَفِظْنَاهُ. مَكَانَتُكمْ وَمَكَانُكمْ وَاحِدٌ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ يس سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: فَعَزَّزْنَا فشَدَّدْنَا) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ، وَكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ بِالْإِضَافَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ سَابِقُ النَّهَارِ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ: نَسْلَخُ: نُخْرِجُ إِلَخْ) سَقَطَ كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الْأَنْعَامِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ هُنَا السُّفُنُ، وَرُجِّحَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ إِذِ الْغَرَقُ لَا يَكُونُ فِي الْأَنْعَامِ.
قَوْلُهُ: (فَكِهُونَ: مُعْجَبُونَ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَاكِهُونَ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْأُولَى رُوِيَتْ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: فَاكِهُونَ: مُعْجَبُونَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ قَرَأَهَا فَاكِهُونَ جَعَلَهُ كَثِيرَ الْفَاكِهَةِ، قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ … لَابِنٌ فِي الصَّيْفِ تَامِرْ
أَيْ عِنْدَكَ لَبَنٌ كَثِيرٌ وَتَمْرٌ كَثِيرٌ، وَأَمَّا فَكِهُونَ فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةَ وَهِيَ بِوَزْنِ فَرِحُونَ، وَمَعْنَاهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (١) قولهِ تعالى: ((٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) يوم القيامةِ.
٤٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) بالخاء والزاي المكسورة المعجمتين، أبو معاويةَ الضَّريرُ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ) بسكون الهاء في الفرع مصحَّحًا عليه، وفي غيره بضمها. قال أبو السَّعادات: هذه كلمةٌ يقولها المستغيثُ، وأصلها إذا صاحوا للغارةِ؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يغيرونَ عند الصَّباحِ، ويسمُّون يوم الغارةِ يوم الصَّباحِ، فكأنَّ القائل: يا صباحاهُ يقول: قد غشينَا العدوُّ، وقيل: إنَّ المتقاتلينَ كانوا إذا جاء اللَّيلُ يرجعون عن القتالِ، فإذا عاد النَّهارُ عاودوهُ، فكأنَّه يريدُ بقوله: يا صباحاه، قد جاءَ وقتُ الصَّباح فتأهَّبوا للقتالِ (فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ. قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (مَا لَكَ؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ»: (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبرونِي (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا) بالتَّخفيف (كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذرٍّ: «تُصدقونَني» بنونين (قَالُوا: بَلَى) نصدِّقكُ (قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: قدامه (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿تَبَّتْ﴾) أي: خسرتْ أو هلكتْ (﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]).
وهذا الحديث سبق في «الشُّعراء» [خ¦٤٧٧٠].
(((٣٥))) (المَلَائِكَةُ) مكِّيَّة، وآيُها خمس وأربعون، ولأبي ذرٍّ: «سُورة الملائكة ويس».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (القِطْمِيرُ) هو (لِفَافَةُ النَّوَاةِ) وهو مثلٌ في القلَّةِ، كقوله:
وأَبُوكَ يَخصِفُ نَعْلَه مُتَورِّكًا … مَا يمْلِكُ المِسْكِينُ مِن قِطْمِيرِ
وقيل: هو القمعُ، وقيل: ما بينَ القمعِ والنَّواةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «قال مُجاهدٌ».
(﴿مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر: ١٨]) بالتَّخفيف، أي: (مُثَقَّلَةٌ) بالتَّشديد، أي: وإن تدع نفسٌ مثقَّلة بالذُّنوبِ نفسًا إلى حملِها، فحذف المفعول به للعلمِ به.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهد في قولهِ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ. وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] (﴿الْحَرُورُ﴾ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) عند شدَّةِ حرِّها. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير الحَرُور: (الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ) بفتح المهملة (بِالنَّهَارِ) ونقله ابنُ عطيَّة عن رؤبةَ، وقال: ليس بصحيحٍ، بل الصَّحيح ما قاله الفرَّاء، وذكره في «الكشاف»: ﴿الْحَرُورُ﴾ السَّموم، إلَّا أنَّ السَّمومَ بالنَّهار، والحرورَ فيه وفي اللَّيل. قال في «الدر»: وهذا عجيبٌ (١) منه، كيف يردُّ على أصحابِ اللِّسان بقول من يأخذُ عنهم؟!
وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿مُثْقَلَةٌ﴾ … » إلى آخر قولهِ: «والسَّمومُ بالنَّهار».
(﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أَشَدُّ سَوَادًا (٢) الغِرْبِيبُ) بكسر الغين المعجمة عطف على ﴿حُمْرٌ﴾
عطف ذي لون (١) على ذي لونٍ، أو عطف على ﴿بِيضٌ﴾ أو على ﴿جُدَدٌ﴾ ولم يقل بعد: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: مختلفٌ (٢) ألوانُها، كما قال ذلك بعد ﴿بِيضٌ﴾ و ﴿وَحُمْرٌ﴾ لأنَّ الغِرْبِيبَ البالِغُ (٣) في السَّوادِ، فصار لونًا واحدًا غير متفاوتٍ، بخلاف السَّابق، ولغير أبي ذرٍّ: «الشَّديدُ السَّوادِ» فـ ﴿وَغَرَابِيبُ﴾ جمع: غربيبٍ، وغربيب: هو الشَّديدُ السَّوادِ المتناهِي فيه، فهو تابعٌ للأسودِ، كَقَانٍ وناصعٍ ويَقَق، ومن ثمَّ قال بعضُهم: إنَّه على التَّقديم والتَّأخير. يقال: أسود غربيبٌ، والبصريُّون يخرجونَ هذا وأمثاله على أنَّ الثَّاني بدلٌ من الأول. قال الجوهريُّ: وتقول (٤): هذا أسود غربيبٌ (٥)، أي: شديدُ السَّوادِ، وإذا قلت: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ تجعلُ السُّودَ بدلًا من غرابيبَ؛ لأنَّ توكيدَ الألوانِ لا يتقدَّمُ، وما ذكره المؤلِّف من هذا التَّفسير أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ من طريق علي بنِ أبي طلحة، ولأبي ذرٍّ هنا: «وقال مجاهد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] وكان حسرةً عليهم استهزاؤهُم بالرُّسل. ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ [يس: ٤٢] من الأنعام. ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] معجبونُ. سورة يس. بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن عبَّاس: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ اللهِ﴾ [النمل: ٤٧] مصائِبُكُم ﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] يخرجُونَ. بابٌ بالتَّنوين ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤] فشدَّدنَا» كذا ثبتَ في الفرع كأصله (٦) هنا، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (٧).
(((٣٦))) (سورة يس) مكِّيَّة، وآيُها ثلاثٌ وثمانون.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤]) أي: (شَدَّدْنَا) بتشديد الدال الأولى وتسكين الثانية، والمفعول محذوفٌ، أي: فشددناهما بثالثٍ.
(﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] وكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ) أي: في الآخرةِ (اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) أي: في الدُّنيا، و «استهزاؤُهم» رفع اسم كان، و «حسرةً» خبرُها، وهذا أخرجه الفِريابيُّ عن مجاهد أيضًا، والمعنى: هم أحقَّاءُ بأن يتحسَّر عليهم المتحسِّرون أو (١) يتلهَّف عليهم المتلهِّفونَ، أو متحسَّر (٢) عليهم من جهةِ الملائكةِ والمؤمنين، وأن يكون من قول الله تعالى على سبيل الاستعارةِ تعظيمًا للأمرِ وتهويلًا له، فيكون كالواردِ في حقِّ الله تعالى من الضَّحكِ والسُّخريةِ، ونصبَ ﴿يَا حَسْرَةً﴾ على المصدرِ، والمنادى محذوفٌ، أي: يا هؤلاء تحسَّروا حسرةً.
(﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾) في قولهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] أي: (لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ) أي: أن يستر أحدهما الآخر؛ لأنَّ لكلٍّ منهما حدًّا لا يعدوهُ ولا يقصرُ دونهُ إلَّا عند قيام السَّاعةِ، وقال عبد الرَّزَّاق: أخبرنا معمرٌ عن الحسنِ في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال: ذلك ليلة الهلالِ.
(﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾) في قولهِ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أي: (يَتَطَالَبَانِ) حال كونهما (حَثِيثَيْنِ) فلا فترةَ بينهما بل كلٌّ منهما يعقبُ الآخرَ بلا مهلةٍ ولا تراخٍ؛ لأنَّهما (٣) مسخرانِ يتطالبانِ طلبًا (٤) حَثيثًا، فلا يجتمعان إلَّا في وقتِ قيام السَّاعةِ.
(﴿نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧]) أي: (نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ) قال في «اللباب»: ﴿نَسْلَخُ﴾ استعارة بديعة (١)، شبَّه انكشافَ ظلمةِ اللَّيلِ بكشطِ الجلدِ من الشَّاةِ (وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لمستقرٍّ إلى أبعدِ مغربهِ فلا يتجاوزهُ (٢) ثمَّ يرجع، أو المراد بالمستقرِّ: يوم القيامةِ، فالجريانُ (٣) في الدُّنيا غير منقطعٍ.
(﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] أي: (مِنَ الأَنْعَامِ) كالإبلِ فإنَّها سفائنُ البرِّ، وهذا قول مجاهدٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: السُّفن، وهو أشبه بقوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ [يس: ٤٣] لأنَّ الغرقَ في الماءِ.
(﴿فَاكِهُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] بغير ألف بعد الفاء، وبها قرأ أبو جعفر، أي: (مُعْجَبُونَ) بفتح الجيم، وفي رواية غير (٤) أبي ذرٍّ: «﴿فَاكِهُونَ﴾» بالألف، وهي قراءةُ الباقين، وبينهما فرقٌ بالمبالغةِ وعدمها.
(﴿جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥]) أي: (عِنْدَ الحِسَابِ) قال ابنُ كثيرٍ: يريد أن هذه الأصنامَ (٥) محشورةٌ مجموعةٌ يوم القيامةِ، محضرةٌ عند حسابِ عابديها؛ ليكون ذلك أبلغَ في خزيهِم وأدلَّ في إقامةِ الحجَّةِ عليهم (٦).
(وَيُذْكَرُ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاسٍ في قولهِ تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ (﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]) هو (المُوْقَرُ) بضم الميم وسكون الواو وبعد القاف المفتوحة راء.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ: (﴿طَائِرُكُمْ﴾ [يس: ١٩]) أي: (مَصَائِبُكُمْ) وعنه فيما وصلهُ الطَّبري: أعمالكُم، أي: حظَّكُم من الخيرِ والشَّرِّ.
(﴿نَسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]) أي: (يَخْرُجُونَ)، قاله ابنُ عبَّاسٍ فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
(﴿مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]) أي: (مَخْرَجِنَا) وقال ابنُ كثيرٍ: يعنونَ قبورهم الَّتي كانوا في الدُّنيا يعتقدون أنَّهم لا يبعثونَ منها، فلمَّا عاينوا ما كذبوهُ في محشرِهِم؛ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. انتهى. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة: إنَّما يقولون هذا لأنَّ الله يرفعُ عنهم العذابَ بين النَّفختين فيرقدونَ، فإذا بعثوا بعد النَّفخةِ الأخيرةِ وعاينُوا القيامة دعوا بالويلِ.
(﴿أحْصَيْنَاهُ﴾) في قولهِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أي: (حَفِظْنَاهُ) في اللَّوحِ المحفوظِ.
(﴿مَكَانَتِهِمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] والمعنى: لو نشاءُ جعلناهم قردةً وخنازيرَ في منازلهم، أو حجارةً وهم قعودٌ في منازلهِم لا أرواحَ لهم، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ … ﴾» إلى آخر قوله: «واحدٌ» (١).
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في (قوله) تعالى: (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾) الواو للعطف على ﴿اللَّيْلُ﴾ واللام في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ بمعنى: إلى، والمراد بالمستقر إمَّا الزَّمانيُّ؛ وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامةِ حين تُكَوَّرُ وينتهي هذا العالمُ إلى غايتهِ، وإمَّا المكانيُّ؛ وهو ما (٢) تحت العرشِ ممَّا يلي الأرضَ من ذلك الجانبِ، وهي أينمَا كانت فهي تحتَ العرشِ كجميع المخلوقاتِ؛ لأنَّه سقفُها، وليس بِكُرَةٍ كما يزعمهُ كثيرٌ من أهل الهيئةِ، بل هو قبَّةٌ ذات قوائم تحملهُ الملائكةُ، أو المراد: غايةُ ارتفاعها في كبدِ السَّماء، فإنَّ حركتها إذ ذاك يوجدُ فيها إبطاءٌ بحيث يظنُّ أنَّ لها هناك وقفةً، والثَّاني: أنسبُ بالحديث المسوق في الباب (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةً إلى جريِ الشَّمس على هذا التَّقديرِ أو إلى المستقرِّ (﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾) الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدورٍ (﴿الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]) المحيط علمهُ بكلِّ معلومٍ، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ، والآيةُ لأبي ذرٍّ ساقطة (٣).