«دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:⦗١٢٥⦘يَا أَيُّهَا النَّاسُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٠٩

الحديث رقم ٤٨٠٩ من كتاب «سورة ص» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله وما أنا من المتكلفين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٠٩ في صحيح البخاري

«دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

⦗١٢٥⦘

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الْجُوعِ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قَالَ: فَدَعَوْا، ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَكُشِفَ، ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾».

الزُّمَرُ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ … ﴿ذِي عِوَجٍ﴾ لَبْسٍ، ﴿وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ مَثَلٌ لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ، ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ بِالْأَوْثَانِ، خَوَّلْنَا أَعْطَيْنَا ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنُ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ، ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ الشَّكِسُ الْعَسِرُ، لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ، وَرَجُلًا سِلْمًا، وَيُقَالُ: سَالِمًا صَالِحًا، ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَتْ، ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ مِنَ الْفَوْزِ ﴿حَافِّينَ﴾ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافَيْهِ بِجَوَانِبِهِ، ﴿مُتَشَابِهًا﴾ لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ.

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨٠٩

٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨٠٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سُلَيْمَانَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَا أَسْلُبُهُ كَمَا سَلَبْتُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ سَبَبَ تَأْوِيلِ قَتَادَةَ هَذَا هَكَذَا طَعَنَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ عَلَى سُلَيْمَانَ وَنِسْبَتُهُ فِي هَذَا إِلَى الْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ بِنِعْمَةِ الدُّنْيَا وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِإِذْنٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُعْجِزَتُهُ كَمَا اخْتُصَّ كُلُّ نَبِيٍّ بِمُعْجِزَةٍ دُونَ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: رُوحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا) رُوحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَعَتْ فِي رِوَايَتِهِ دُونَ رِوَايَةِ رَفِيقِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَحْثِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَذَكَرْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الْجِنِّ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ

٣ - بَاب قَوْلُهُ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾

٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ الدُّخَانِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنْ الْجُوعِ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ فَدَعَوْا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الدُّخَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرُّومِ وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالِاسْتِسْقَاءِ فِي بَابِهِ

٣٩ - سُورَةُ الزُّمَرِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ذِي عِوَجٍ: لَبْسٍ. وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ: صَالِحًا، مَثَلٌ لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ. وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينِ مِنْ دُونِهِ: بِالْأَوْثَانِ. خَوَّلْنَا: أَعْطَيْنَا. وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ: الْقُرْآنِ. وَصَدَّقَ بِهِ: الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ. مُتَشَاكِسُونَ:

الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. وَرَجُلًا سَلَمًا وَيُقَالُ: سَالِمًا: صَالِحًا. اشْمَأَزَّتْ: نَفَرَتْ بِمَفَازَتِهِمْ: مِنَ الْفَوْزِ. حَافِّينَ: أَطَافُوا بِهِ، مُطِيفِينَ (بِحِفَافِيهِ) بِجَوَانِبِهِ. مُتَشَابِهًا: لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ. وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الزُّمَرِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ قَالَ: وَيَقُولُ هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى﴾ إِلَخْ وَمُرَادُهُ بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفًا، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ يُجَرُّ بِالْجِيمِ وَهُوَ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ وَحْدَهُ يَخِرُّ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ أَبُو جَهْلٍ ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عَمَّارٌ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى النَّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمَى بِهِ فِيهَا، فَأَوَّلُ مَا يَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ. وَذَكَرَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ: (أَفَمَنْ) مَوْصُولَةٌ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَهُوَ كَمَنْ أَمِنَ الْعَذَابَ.

قَوْلُهُ: ﴿ذِي عِوَجٍ﴾ لَبْسٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ. أَيْ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ لَبْسٌ يَسْتَلْزِمُ الْعِوَجَ فِي الْمَعْنَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.

قَوْلُهُ: (خَوَّلْنَا أَعْطَيْنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: وَإِذَا خَوَّلْنَاهُ قَالَ: أَعْطَيْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتَهُ فَقَدْ خَوَّلْتَهُ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ كُؤمُ الدرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخَوَّلِ وَقَالَ زُهَيْرٌ هُنَالِكَ إِنْ يَسْتَخْوِلُوا الْمَالَ يُخَوَّلُوا.

قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنِ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَادَ النَّسَفِيُّ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: يَا أَبَا الْحَجَّاجِ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْقُرْآنِ فَيَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدْ عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ. وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ قَدِ اتَّبَعُوهُ، أَوْ قَالَ: اتَّبَعُوا مَا فِيهِ. وَأَمَّا قَتَادَةُ فَقَالَ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ. وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أَيْ صَدَّقَ بِالرَّسُولِ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، وَالصِّدْقُ الْقُرْآنُ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٌ . وَمِنْ طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانٍ، عَنْ عَلِيٍّ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ، وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ صَالِحًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ خَالِصًا، وَسَقَطَتْ لِلنَّسَفِيِّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ. زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مَثَلًا لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ رَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ قَالَ: مَثَلُ آلِهَةِ الْبَاطِلِ وَمَثَلُ إِلَهِ الْحَقِّ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: بِالْأَوْثَانِ سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ،. وَقَالَ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: قَالَ لِي رَجُلٌ: قَالُوا لِلنَّبِيِّ : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَأْمُرَنَّهَا فَلَتُخْبِلَنَّكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ماردًا (مِنَ الجِنِّ) -بيانٌ له- (تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ) نصب على الظَّرفية، أي: تعرض لي فلتةً، أي: بغتةً سرعةً في أدنى ليلةٍ مضت (أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا) أي: نحو تفلَّت، كقوله في الرِّواية السابقة في أواخر «الصلاة»: «عَرضَ لي فشدَّ عليَّ» [خ¦١٢١٠] (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ) بالواو (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر الموحدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ) بالرفع توكيد للضَّمير المرفوع (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) : (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) لفظ التَّنزيل: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص: ٣٥] (قَالَ رَوْحٌ) المذكور: (فَرَدَّهُ) أي: ردَّ العفريتَ حال كونه (خَاسِئًا) مطرُودًا.

وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة»، في «باب الأسير والغريم يربط في المسجد» [خ¦٤٦١] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٤].

(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) فلا أزيدُ على ما أُمِرتُ به ولا أنقصُ منه.

٤٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ) سقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مقصور، مسلم بن صُبَيح (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) (قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ

شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾) أي: جعل على القرآنِ أو تبليغ الوحي (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) وكلُّ من قال شيئًا من تلقاءِ نفسه فقد تكلَّف (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ) المذكور في قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (إِنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلَامِ فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) المذكورة في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) قحطٌ (فَحَصَّتْ) بالحاء والصاد المهملتين، أذهبتْ وأفنتْ (كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا المَيْتَةَ وَالجُلُودَ) من شدَّة الجوعِ (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا) لضعفِ بصرهِ (مِنَ الجُوعِ. قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ﴾) يحيطُ بهم صفةً للدخانِ (﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]) في موضعِ نصبٍ بالقولٍ، أي: قائلين: هذا عذابٌ أليمٌ (قَالَ: فَدَعَوْا) أي: قريش: (﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) وعدٌ بالإيمانِ إن كشف العذابَ عنهم (﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾) أي: كيف يذكرونَ ويتَّعظونَ ويفونَ (١) بما وعدوهُ من الإيمانِ عند كشف العذابِ (﴿وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]) بيَّن لهم ما هو أعظمُ وأدخلُ في وجوب الادِّكار من الآياتِ والمعجزاتِ (﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾) يعلِّمه غلامٌ أعجميٌّ لبعض ثقيفٍ، وقال آخرون: إنَّه (﴿مَّجْنُونٌ. إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾) بدعاء النَّبيِّ كشفًا (﴿قَلِيلًا﴾) أو زمانًا قليلًا (﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٤ - ١٥]) إلى الكفرِ. قال -أي (٢) ابن مسعودٍ-: (أَفَيُكْشَفُ) بهمزة الاستفهام وضمِّ الياء، مبنيًّا للمفعول (٣) (العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) أي: ابن مسعودٍ (فَكُشِفَ) بضم الكاف، مبنيًّا للمفعول، أي: العذاب عنهم، ولأبي ذرٍّ: «فكشَفَ» بفتحها، والفاعل محذوفٌ، أي: فكشفَ الله عنهم (ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ) عقبَ الكشفِ (فَأَخَذَهُمُ اللهُ

يَوْمَ) وقعةِ (بَدْرٍ. قَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقالَ اللهُ» (تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ «﷿» (١) (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾) يوم بدرٍ، ظرف لفعل دلَّ عليه (﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]) لا لـ ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ فإنَّ إن تحجزه عنه، كذا قاله البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ، وقيل: بدل من ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ أو بإضمار اذكرْ.

وهذا الحديث سبق في «سورة الرُّوم» [خ¦٤٧٧٤].

(((٣٩))) (الزُّمَرِ) مكِّيَّة، إلَّا ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الاية [الزمر: ٥٣] وآيُها خمسٌ أو اثنتان وسبعون، ولأبي ذرٍّ: «سورة الزمر».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريقِ ابنِ أبي نجيحٍ عنه في قولهِ: (﴿يَتَّقِي﴾) ولغير أبي ذرٍّ: «﴿أَفَمَن يَتَّقِي﴾» (﴿بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤]) أي: (يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ) «يُجَرُّ» بالجيم المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «يخِر» بالخاء المعجمة المكسورة (وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]) وقال عطاء: يُرمَى به في النَّارِ منكُوسًا، فأوَّلُ شيءٍ يمسُّ النَّارَ منه وجههُ، وخبر ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ محذوفٌ تقديره: كمَن هو آمنٌ منه.

(﴿ذِي﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿غَيْرَ ذِي﴾» (﴿عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]) أي: (لَبْسٍ) بموحدة ساكنة (٢)، وقال

ابنُ عبَّاسٍ: غير مخلوقٍ. (﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ [الزمر: ٢٩]) بفتح اللام من غير ألفٍ، مصدر وصف به، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿سَلَمًا﴾» بكسرها مع الألف، وهي قراءة أبي (١) عَمرو وابنِ كثيرٍ، اسم فاعل من الثُّلاثي (٢) (﴿لِّرَجُلٍ﴾) أي: (صَالِحًا) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية الكُشمِيهنيِّ: «خَالصًا» بدل: «صَالِحًا»، ومراده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متنازعونَ كلٌّ يدَّعي أنَّه عبدهُ، فهم يتجاذبونهُ حوائجهم، وهو متحيِّرٌ في أمرهِ، كلَّما أرضى أحدهم غضبَ الباقون، وإذا احتاجَ إليهم ردَّه كلُّ واحدٍ إلى الآخرِ، فهو في عذابٍ دائمٍ، ورجلًا سالمًا لرجلٍ واحدٍ لا يملكه غيرهُ، فهو يخدمهُ على سبيل الإخلاصِ، وسيده يعينه على مهمَّاته هذا (مَثَلٌ لآلِهَتِهِمِ) بمدِّ الهمزة، الإله (البَاطِلِ وَالإِلَهِ الحَقِّ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ.

(﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾) يعني (٣): قُريشًا (﴿بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]) أي: (بِالأَوْثَانِ) وذلك أنَّهم قالوا له : لتكفنَّ عن شتمِ آلهتِنا أو لنأمرنَّها فلتخبلنَّك. فنزلت ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ رواه عبدُ الرَّزَّاق، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «مَثَلٌ … » إلى هنا (٤).

(خَوَّلْنَا) في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً﴾ [الزمر: ٤٩] أي: (أَعْطَيْنَا) قاله (٥) أبو عُبيدة.

(﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾) أي: (القُرْآنِ) وفي نسخة: «القرآنُ» بالرفع بتقدير: هو (﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يَقُولُ): ربِّ (هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي) يريد: القرآنَ (عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) رواه عبد الرَّزَّاق عن ابنِ عيينة، عن منصورٍ، وقيل: الَّذي جاء هو الرَّسول ، والمصدِّق أبو بكر. قاله أبو العالية. قال في «الأنوار»: وذلك يقتضِي إضمارَ الَّذي، وهو غير جائزٍ، وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ لفظه مفرد ومعناه جمع؛ لأنَّه أريدَ به الجنس، فيتناول الرُّسلَ والمؤمنين؛ لقوله (٦): ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] فجمع، أو ﴿الَّذِي﴾ صفة

لموصوفٍ محذوفٍ بمعنى الجمع، أي: والفريقُ (١) أو الفوجُ؛ ولذلك قال: ﴿أُوْلَئِكَ﴾.

(﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الرَّجُلُ الشَّكِسُ) بكسر الكاف هو (العَسِرُ) الَّذي (لَا يَرْضَى بِالإِنْصَافِ) قال الكِسائيُّ: يقال: شَكِسَ يشْكَسُ شُكُوسًا وشَكَسًا؛ إذا عسرَ، وهو رجلٌ شكِسٌ، أي: عسرٌ، وشاكسٌ؛ إذا تعاسرَ ((وَرَجُلًا سِلْمًا) وَيُقَالُ: ﴿سَلَمًا﴾ صَالِحًا) كذا أثبتَه هنا في الفرع كأصله (٢)، وقد سبق.

(﴿اشْمَأَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] قال (٣) مجاهدٌ فيما وصلهُ الطَّبريُّ (٤): أي: (نَفَرَتْ) وقال أبو زيد (٥): الاشمئزازُ الذُّعرُ، اشمأزَّ فلان: ذعرَ، ووزنُه افعلَلَّ كاقشعرَّ. قال الزَّمخشريُّ: ولقد تقابل (٦) الاستبشارُ والاشمئزازُ؛ إذ كلُّ واحد منهما غايةٌ في بابه (٧)؛ لأنَّ الاستبشارَ أن يمتلئ قلبهُ سرورًا حتَّى يظهرَ ذلك السُّرور في أسرَّةِ وجههِ ويتهلَّلَ، والاشمئزازُ أن يمتلئ غَيظًا وغمًّا حتَّى يظهرَ الانقباضُ في أديمِ وجههِ.

(﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١]) مفعلة (مِنَ الفَوْزِ) أي: يُنجيهِم بفوزِهم من النَّار بأعمالِهم الحسنةِ. وقرأ الأخوان وشعبة: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ بالجمع؛ لأنَّ النَّجاة أنواعٌ، والمصادرُ إذا اختلفَتْ أنواعُها جُمِعت.

(﴿حَافِّينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أي: (أَطَافُوا بِهِ) حال كونهم (مُطِيفِينَ) دائرين. (بِحِفَافَيْهِ) بكسر الحاء المهملة مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (٨)، وكذا قال (٩) العينيُّ -كـ «فتح الباري» والبرماويِّ والكِرمانيِّ-: بكسرها وفاءين

مفتوحتين مخفَّفتين بينهما ألف تثنيةٍ حفاف، وفي «النَّاصريَّة»: بفتح الحاء (١)، أي: (بِجَوَانِبِهِ) قال اللَّيث: حفَّ القومُ بسيِّدهم يحفُّونَ حفًّا إذا طافُوا به، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بجَانبيهِ» بدل: بحفافَيْهِ (٢)، وسقطَ «بجوانبهِ» لأبي ذرٍّ.

(﴿مُّتَشَابِهًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] (لَيْسَ مِنَ الاِشْتِبَاهِ، وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) والحُسْنِ ليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (٣) (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾) في المعاصِي (﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾) لا تَيْئَسُوا (﴿مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) الكبائر وغيرها الصَّادرة عن المؤمنين (﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾) لمن تاب (﴿الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]) بعد التَّوبةِ لمن أنابَ، لكن قال القاضي ناصرُ الدِّين (٤): تقييدُه بالتَّوبة خلاف الظَّاهر، وإضافة العباد تخصِّصه (٥) بالمؤمنينَ كما هو عرفُ القرآن، وفي الآية من أنواعِ المعاني والبيان: إقبالهُ عليهِم، ونداؤُهم، وإضافتهم إليه إضافةَ تشريفٍ، والالتفات من التَّكلُّم إلى الغيبةِ في قولهِ: ﴿مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ وإضافة الرَّحمة لأجلِّ أسمائهِ الحسنَى، وإعادة الظَّاهر بلفظه في قولهِ: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ وإبراز الجملة من (٦) قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ مؤكَّدَة بـ ﴿إِنَّ﴾ وإعادة الصِّفتين السَّابقتين و ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ عام في جميع المسرفين، و ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إ﴾ شاملٌ لكبائِرها وصغائِرها، فتغفرُ مع التوبةِ أو بدونها، خلافًا للمعتزلةِ حيث ذهبوا إلى أنَّه يعفو عن الصَّغائرِ قبل التَّوبة، وعن الكبائرِ بعدها، وجمهورُ أصحابنا: أنَّه يعفو عن بعضِ الكبائر مطلقًا ويعذِّب ببعضها، إلَّا أنَّه لا علمَ لنا الآن بشيءٍ من هذين البعضين بعينهِ. وقال كثيرٌ منهم: لا نقطعُ بعفوهِ عن الكبائر بلا توبةٍ بل

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سُلَيْمَانَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﴿لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَا أَسْلُبُهُ كَمَا سَلَبْتُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ سَبَبَ تَأْوِيلِ قَتَادَةَ هَذَا هَكَذَا طَعَنَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ عَلَى سُلَيْمَانَ وَنِسْبَتُهُ فِي هَذَا إِلَى الْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ بِنِعْمَةِ الدُّنْيَا وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِإِذْنٍ لَهُ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُعْجِزَتُهُ كَمَا اخْتُصَّ كُلُّ نَبِيٍّ بِمُعْجِزَةٍ دُونَ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: رُوحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا) رُوحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَعَتْ فِي رِوَايَتِهِ دُونَ رِوَايَةِ رَفِيقِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَحْثِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَذَكَرْتُ مَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الْجِنِّ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ

٣ - بَاب قَوْلُهُ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾

٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ الدُّخَانِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنْ الْجُوعِ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ فَدَعَوْا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الدُّخَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرُّومِ وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالِاسْتِسْقَاءِ فِي بَابِهِ

٣٩ - سُورَةُ الزُّمَرِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ذِي عِوَجٍ: لَبْسٍ. وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ: صَالِحًا، مَثَلٌ لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ. وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينِ مِنْ دُونِهِ: بِالْأَوْثَانِ. خَوَّلْنَا: أَعْطَيْنَا. وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ: الْقُرْآنِ. وَصَدَّقَ بِهِ: الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ. مُتَشَاكِسُونَ:

الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. وَرَجُلًا سَلَمًا وَيُقَالُ: سَالِمًا: صَالِحًا. اشْمَأَزَّتْ: نَفَرَتْ بِمَفَازَتِهِمْ: مِنَ الْفَوْزِ. حَافِّينَ: أَطَافُوا بِهِ، مُطِيفِينَ (بِحِفَافِيهِ) بِجَوَانِبِهِ. مُتَشَابِهًا: لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ. وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الزُّمَرِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ قَالَ: وَيَقُولُ هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى﴾ إِلَخْ وَمُرَادُهُ بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفًا، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ يُجَرُّ بِالْجِيمِ وَهُوَ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ وَحْدَهُ يَخِرُّ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ أَبُو جَهْلٍ ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عَمَّارٌ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ: يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى النَّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمَى بِهِ فِيهَا، فَأَوَّلُ مَا يَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ. وَذَكَرَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ: (أَفَمَنْ) مَوْصُولَةٌ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَهُوَ كَمَنْ أَمِنَ الْعَذَابَ.

قَوْلُهُ: ﴿ذِي عِوَجٍ﴾ لَبْسٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ. أَيْ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ لَبْسٌ يَسْتَلْزِمُ الْعِوَجَ فِي الْمَعْنَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.

قَوْلُهُ: (خَوَّلْنَا أَعْطَيْنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: وَإِذَا خَوَّلْنَاهُ قَالَ: أَعْطَيْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتَهُ فَقَدْ خَوَّلْتَهُ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ كُؤمُ الدرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخَوَّلِ وَقَالَ زُهَيْرٌ هُنَالِكَ إِنْ يَسْتَخْوِلُوا الْمَالَ يُخَوَّلُوا.

قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنِ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَادَ النَّسَفِيُّ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: يَا أَبَا الْحَجَّاجِ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْقُرْآنِ فَيَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدْ عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ. وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ قَدِ اتَّبَعُوهُ، أَوْ قَالَ: اتَّبَعُوا مَا فِيهِ. وَأَمَّا قَتَادَةُ فَقَالَ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ. وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أَيْ صَدَّقَ بِالرَّسُولِ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، وَالصِّدْقُ الْقُرْآنُ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٌ . وَمِنْ طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانٍ، عَنْ عَلِيٍّ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ، وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ صَالِحًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ خَالِصًا، وَسَقَطَتْ لِلنَّسَفِيِّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ. زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مَثَلًا لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ رَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ قَالَ: مَثَلُ آلِهَةِ الْبَاطِلِ وَمَثَلُ إِلَهِ الْحَقِّ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: بِالْأَوْثَانِ سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ،. وَقَالَ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: قَالَ لِي رَجُلٌ: قَالُوا لِلنَّبِيِّ : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَأْمُرَنَّهَا فَلَتُخْبِلَنَّكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ماردًا (مِنَ الجِنِّ) -بيانٌ له- (تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ) نصب على الظَّرفية، أي: تعرض لي فلتةً، أي: بغتةً سرعةً في أدنى ليلةٍ مضت (أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا) أي: نحو تفلَّت، كقوله في الرِّواية السابقة في أواخر «الصلاة»: «عَرضَ لي فشدَّ عليَّ» [خ¦١٢١٠] (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ) بالواو (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر الموحدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ) بالرفع توكيد للضَّمير المرفوع (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) : (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) لفظ التَّنزيل: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص: ٣٥] (قَالَ رَوْحٌ) المذكور: (فَرَدَّهُ) أي: ردَّ العفريتَ حال كونه (خَاسِئًا) مطرُودًا.

وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة»، في «باب الأسير والغريم يربط في المسجد» [خ¦٤٦١] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٤].

(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) فلا أزيدُ على ما أُمِرتُ به ولا أنقصُ منه.

٤٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ) سقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مقصور، مسلم بن صُبَيح (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) (قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ

شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾) أي: جعل على القرآنِ أو تبليغ الوحي (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) وكلُّ من قال شيئًا من تلقاءِ نفسه فقد تكلَّف (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ) المذكور في قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (إِنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلَامِ فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) المذكورة في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) قحطٌ (فَحَصَّتْ) بالحاء والصاد المهملتين، أذهبتْ وأفنتْ (كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا المَيْتَةَ وَالجُلُودَ) من شدَّة الجوعِ (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا) لضعفِ بصرهِ (مِنَ الجُوعِ. قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ﴾) يحيطُ بهم صفةً للدخانِ (﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]) في موضعِ نصبٍ بالقولٍ، أي: قائلين: هذا عذابٌ أليمٌ (قَالَ: فَدَعَوْا) أي: قريش: (﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) وعدٌ بالإيمانِ إن كشف العذابَ عنهم (﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾) أي: كيف يذكرونَ ويتَّعظونَ ويفونَ (١) بما وعدوهُ من الإيمانِ عند كشف العذابِ (﴿وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]) بيَّن لهم ما هو أعظمُ وأدخلُ في وجوب الادِّكار من الآياتِ والمعجزاتِ (﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾) يعلِّمه غلامٌ أعجميٌّ لبعض ثقيفٍ، وقال آخرون: إنَّه (﴿مَّجْنُونٌ. إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾) بدعاء النَّبيِّ كشفًا (﴿قَلِيلًا﴾) أو زمانًا قليلًا (﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٤ - ١٥]) إلى الكفرِ. قال -أي (٢) ابن مسعودٍ-: (أَفَيُكْشَفُ) بهمزة الاستفهام وضمِّ الياء، مبنيًّا للمفعول (٣) (العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) أي: ابن مسعودٍ (فَكُشِفَ) بضم الكاف، مبنيًّا للمفعول، أي: العذاب عنهم، ولأبي ذرٍّ: «فكشَفَ» بفتحها، والفاعل محذوفٌ، أي: فكشفَ الله عنهم (ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ) عقبَ الكشفِ (فَأَخَذَهُمُ اللهُ

يَوْمَ) وقعةِ (بَدْرٍ. قَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقالَ اللهُ» (تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ «﷿» (١) (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾) يوم بدرٍ، ظرف لفعل دلَّ عليه (﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]) لا لـ ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ فإنَّ إن تحجزه عنه، كذا قاله البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ، وقيل: بدل من ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ أو بإضمار اذكرْ.

وهذا الحديث سبق في «سورة الرُّوم» [خ¦٤٧٧٤].

(((٣٩))) (الزُّمَرِ) مكِّيَّة، إلَّا ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الاية [الزمر: ٥٣] وآيُها خمسٌ أو اثنتان وسبعون، ولأبي ذرٍّ: «سورة الزمر».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريقِ ابنِ أبي نجيحٍ عنه في قولهِ: (﴿يَتَّقِي﴾) ولغير أبي ذرٍّ: «﴿أَفَمَن يَتَّقِي﴾» (﴿بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤]) أي: (يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ) «يُجَرُّ» بالجيم المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «يخِر» بالخاء المعجمة المكسورة (وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]) وقال عطاء: يُرمَى به في النَّارِ منكُوسًا، فأوَّلُ شيءٍ يمسُّ النَّارَ منه وجههُ، وخبر ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ محذوفٌ تقديره: كمَن هو آمنٌ منه.

(﴿ذِي﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿غَيْرَ ذِي﴾» (﴿عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]) أي: (لَبْسٍ) بموحدة ساكنة (٢)، وقال

ابنُ عبَّاسٍ: غير مخلوقٍ. (﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ [الزمر: ٢٩]) بفتح اللام من غير ألفٍ، مصدر وصف به، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿سَلَمًا﴾» بكسرها مع الألف، وهي قراءة أبي (١) عَمرو وابنِ كثيرٍ، اسم فاعل من الثُّلاثي (٢) (﴿لِّرَجُلٍ﴾) أي: (صَالِحًا) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية الكُشمِيهنيِّ: «خَالصًا» بدل: «صَالِحًا»، ومراده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متنازعونَ كلٌّ يدَّعي أنَّه عبدهُ، فهم يتجاذبونهُ حوائجهم، وهو متحيِّرٌ في أمرهِ، كلَّما أرضى أحدهم غضبَ الباقون، وإذا احتاجَ إليهم ردَّه كلُّ واحدٍ إلى الآخرِ، فهو في عذابٍ دائمٍ، ورجلًا سالمًا لرجلٍ واحدٍ لا يملكه غيرهُ، فهو يخدمهُ على سبيل الإخلاصِ، وسيده يعينه على مهمَّاته هذا (مَثَلٌ لآلِهَتِهِمِ) بمدِّ الهمزة، الإله (البَاطِلِ وَالإِلَهِ الحَقِّ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ.

(﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾) يعني (٣): قُريشًا (﴿بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]) أي: (بِالأَوْثَانِ) وذلك أنَّهم قالوا له : لتكفنَّ عن شتمِ آلهتِنا أو لنأمرنَّها فلتخبلنَّك. فنزلت ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ رواه عبدُ الرَّزَّاق، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «مَثَلٌ … » إلى هنا (٤).

(خَوَّلْنَا) في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً﴾ [الزمر: ٤٩] أي: (أَعْطَيْنَا) قاله (٥) أبو عُبيدة.

(﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾) أي: (القُرْآنِ) وفي نسخة: «القرآنُ» بالرفع بتقدير: هو (﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يَقُولُ): ربِّ (هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي) يريد: القرآنَ (عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) رواه عبد الرَّزَّاق عن ابنِ عيينة، عن منصورٍ، وقيل: الَّذي جاء هو الرَّسول ، والمصدِّق أبو بكر. قاله أبو العالية. قال في «الأنوار»: وذلك يقتضِي إضمارَ الَّذي، وهو غير جائزٍ، وقوله: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ لفظه مفرد ومعناه جمع؛ لأنَّه أريدَ به الجنس، فيتناول الرُّسلَ والمؤمنين؛ لقوله (٦): ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] فجمع، أو ﴿الَّذِي﴾ صفة

لموصوفٍ محذوفٍ بمعنى الجمع، أي: والفريقُ (١) أو الفوجُ؛ ولذلك قال: ﴿أُوْلَئِكَ﴾.

(﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الرَّجُلُ الشَّكِسُ) بكسر الكاف هو (العَسِرُ) الَّذي (لَا يَرْضَى بِالإِنْصَافِ) قال الكِسائيُّ: يقال: شَكِسَ يشْكَسُ شُكُوسًا وشَكَسًا؛ إذا عسرَ، وهو رجلٌ شكِسٌ، أي: عسرٌ، وشاكسٌ؛ إذا تعاسرَ ((وَرَجُلًا سِلْمًا) وَيُقَالُ: ﴿سَلَمًا﴾ صَالِحًا) كذا أثبتَه هنا في الفرع كأصله (٢)، وقد سبق.

(﴿اشْمَأَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] قال (٣) مجاهدٌ فيما وصلهُ الطَّبريُّ (٤): أي: (نَفَرَتْ) وقال أبو زيد (٥): الاشمئزازُ الذُّعرُ، اشمأزَّ فلان: ذعرَ، ووزنُه افعلَلَّ كاقشعرَّ. قال الزَّمخشريُّ: ولقد تقابل (٦) الاستبشارُ والاشمئزازُ؛ إذ كلُّ واحد منهما غايةٌ في بابه (٧)؛ لأنَّ الاستبشارَ أن يمتلئ قلبهُ سرورًا حتَّى يظهرَ ذلك السُّرور في أسرَّةِ وجههِ ويتهلَّلَ، والاشمئزازُ أن يمتلئ غَيظًا وغمًّا حتَّى يظهرَ الانقباضُ في أديمِ وجههِ.

(﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١]) مفعلة (مِنَ الفَوْزِ) أي: يُنجيهِم بفوزِهم من النَّار بأعمالِهم الحسنةِ. وقرأ الأخوان وشعبة: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ بالجمع؛ لأنَّ النَّجاة أنواعٌ، والمصادرُ إذا اختلفَتْ أنواعُها جُمِعت.

(﴿حَافِّينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أي: (أَطَافُوا بِهِ) حال كونهم (مُطِيفِينَ) دائرين. (بِحِفَافَيْهِ) بكسر الحاء المهملة مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله (٨)، وكذا قال (٩) العينيُّ -كـ «فتح الباري» والبرماويِّ والكِرمانيِّ-: بكسرها وفاءين

مفتوحتين مخفَّفتين بينهما ألف تثنيةٍ حفاف، وفي «النَّاصريَّة»: بفتح الحاء (١)، أي: (بِجَوَانِبِهِ) قال اللَّيث: حفَّ القومُ بسيِّدهم يحفُّونَ حفًّا إذا طافُوا به، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بجَانبيهِ» بدل: بحفافَيْهِ (٢)، وسقطَ «بجوانبهِ» لأبي ذرٍّ.

(﴿مُّتَشَابِهًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] (لَيْسَ مِنَ الاِشْتِبَاهِ، وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) والحُسْنِ ليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (٣) (قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾) في المعاصِي (﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾) لا تَيْئَسُوا (﴿مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) الكبائر وغيرها الصَّادرة عن المؤمنين (﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾) لمن تاب (﴿الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]) بعد التَّوبةِ لمن أنابَ، لكن قال القاضي ناصرُ الدِّين (٤): تقييدُه بالتَّوبة خلاف الظَّاهر، وإضافة العباد تخصِّصه (٥) بالمؤمنينَ كما هو عرفُ القرآن، وفي الآية من أنواعِ المعاني والبيان: إقبالهُ عليهِم، ونداؤُهم، وإضافتهم إليه إضافةَ تشريفٍ، والالتفات من التَّكلُّم إلى الغيبةِ في قولهِ: ﴿مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ وإضافة الرَّحمة لأجلِّ أسمائهِ الحسنَى، وإعادة الظَّاهر بلفظه في قولهِ: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ وإبراز الجملة من (٦) قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ مؤكَّدَة بـ ﴿إِنَّ﴾ وإعادة الصِّفتين السَّابقتين و ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ عام في جميع المسرفين، و ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إ﴾ شاملٌ لكبائِرها وصغائِرها، فتغفرُ مع التوبةِ أو بدونها، خلافًا للمعتزلةِ حيث ذهبوا إلى أنَّه يعفو عن الصَّغائرِ قبل التَّوبة، وعن الكبائرِ بعدها، وجمهورُ أصحابنا: أنَّه يعفو عن بعضِ الكبائر مطلقًا ويعذِّب ببعضها، إلَّا أنَّه لا علمَ لنا الآن بشيءٍ من هذين البعضين بعينهِ. وقال كثيرٌ منهم: لا نقطعُ بعفوهِ عن الكبائر بلا توبةٍ بل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل