«جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨١١

الحديث رقم ٤٨١١ من كتاب «سورة الزمر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله وما قدروا الله حق قدره.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨١١ في صحيح البخاري

«جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾».

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨١١

٤٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨١١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا.

قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ يَعْلَى) أَيْ: قَالَ: قَالَ يَعْلَى - وَقَالَ: تَسْقُطُ خَطًا وَتَثْبُتُ لَفْظًا، وَيَعْلَى هَذَا هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَعْلَى وَأَخْرَجَهُ (١) أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ هَذَا لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُمَا عَنْ يَعْلَى غَيْرُ مَنْسُوبٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٌ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِهِ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ بَصْرِيُّ الْأَصْلِ سَكَنَ مَكَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَبِرِوَايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ وَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ الْآيَةَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّتِهِمْ وَرُجُوعِ رَفِيقِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ: فَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَنَزَلَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصَبْنَا مَا أَصَابَ وَحْشِيٌّ، فَقَالَ: هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَذِهِ الْآيَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ أَشْرَكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَمْ لَا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَنَّهَا تُغْفَرُ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ، لَكِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إِذَا تَابَ صَاحِبُهَا مِنَ الْعَوْدِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ مِنَ الْعَوْدِ، وَأَمَّا خُصُوصُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّهِ لِصَاحِبِهِ أَوْ مُحَالَلَتِهِ مِنْهُ. نَعَمْ فِي سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرِضَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِ وَلَا يُعَذَّبَ الْعَاصِي بِذَلِكَ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

٢ - بَاب ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

٤٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرَّحمن (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ () أنَّه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) بفتح الحاء المهملة (مِنَ الأَحْبَارِ) عالمٌ من علماءِ اليهودِ. قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمهِ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ) أي: في التَّوراةِ (أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي رواية مسدَّد عن يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٤]: «إنَّ الله يمسكُ» بدل: يجعل (١) (وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ (٢) والثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي بعض النُّسخ: «والماء على إصبع، والثَّرى على إِصبع» وسقطَ في بعضها: «والماء على إصبع» (فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ) المتفرِّدُ (٣) بالملكِ (فَضَحِكَ النَّبيُّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، أي: أنيابهُ وهي الضَّواحكُ الَّتي تبدو عند الضِّحكِ حال كونه (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) وقراءته هذه الآية تدلُّ على صحَّة قول الحبرِ كضحكهِ (٤). قاله النَّوويُّ، وفي «التَّوحيد»: قال يحيى بنُ سعيد، وزاد فيه: فضيل بنُ عياض، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبيدةَ، عن عبد الله: فضحكَ رسول الله تعجُّبًا (٥) وتصديقًا له. [خ¦٧٤١٤] ورواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وعند مسلم: تعجُّبًا مما قاله الحبرُ وتصديقًا له. وعند ابنِ خزيمة من رواية إسرائيلَ، عن منصورٍ: حتى بدتْ نواجذهُ تصديقًا له. وعند التِّرمذيِّ من حديث ابنِ عبَّاس قال: مرَّ يهوديٌّ بالنَّبيِّ فقال: كيف تقول -يا أبا القاسمِ- إذا وضعَ الله السَّموات

على ذه (١)، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبالَ على ذه؛ وسائرُ الخلقِ على ذه. وأشار محمد بن الصَّلت أبو جعفر لخنصرهِ أولًا ثمَّ تابعَ حتَّى بلغ الإبهام، وهذا من شديدِ الاشتباه، وقد حملَه بعضهم على أنَّ اليهودَ مشَبِّهة، ويزعمونَ فيما أنزل إليهم ألفاظًا تدخلُ في التَّشبيهِ ليس القولُ بها (٢) من مذهب (٣) المسلمين، وبهذا قال الخطابيُّ، وقال: إنَّه روى هذا الحديث غير واحدٍ عن عبد الله من طريق عبيدةَ، فلم يذكروا قوله: تصديقًا لقول الحبرِ. ولعلَّه من الرَّاوي ظنٌّ وحسبانٌ، وضحكهُ تعجُّبًا من كذبِ اليهوديِّ، فظنَّ الرَّاوي أنَّ ذلك التعجُّبَ تصديقٌ، وليس كذلك.

وقال أبو العبَّاس القُرطبيُّ في «المفهم»: هذه الزِّيادة من قول الرَّاوي باطلة؛ لأنَّ النَّبيَّ لا يصدِّقُ بالمحالِ؛ لأنَّ نسبةَ الأصابعِ إلى الله تعالى محالٌ، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما عرفوهُ حقَّ معرفتهِ، ولا ريبَ أنَّ الصَّحابةَ كانوا أعلمَ بما رووه، وقد قالوا: إنَّه ضحكَ تصديقًا، وقد ثبتَ في الحديث الصَّحيح: «ما مِن قَلبٍ إلَّا وهو بينَ إِصبعَين من أصابِعِ الرَّحمنِ» رواه مسلم. وفي حديث ابن عبَّاسٍ قال رسولُ الله : «أَتَانِي اللَّيلةَ ربِّي في أحسنِ صورةٍ … » الحديث. وفيه: «فوضَعَ يدهَ بين كتفيَّ»، وفي رواية معاذ: «فرأيتُهُ وضعَ كفَّهُ بين كتفيَّ، فوجدتُ بردَ أَنامِلِهِ بين ثديَيَّ»، فهذه رواياتٌ متظافرةٌ على صحَّةِ ذكر الأصابعِ، وكيف يطعنُ في حديثٍ أجمعَ على إخراجه الشَّيخان وغيرهما من أئمَّةِ النَّقدِ (٤) والإتقانِ؟! لا سيما وقد قال ابنُ الصَّلاح: ما اتَّفق عليه الشَّيخان هو بمنزلةِ المتواترِ (٥)، وكيف يسمعُ وصف ربِّه تعالى بما لا يرضاهُ فيضحَكُ ولم ينكرهُ أشدَّ الإنكارِ؟ حاشاهُ الله من ذلك، وإذا تقرَّر صحَّة ذلك فهو من المتشابهِ كغيره، كالوجهِ واليدينِ والقدمِ والرِّجلِ والجنبِ في قولهِ تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. واختلفَ

أئمَّتُنا في ذلك؛ هل نؤولُ المشكل أم نفوِّض معناه المراد إليه (١) تعالى عن ظاهره مع اتِّفاقهم على أنَّ جَهلنا بتفصيلهِ لا يقدحُ في اعتقادنا المراد منه، والتَّفويض مذهب السَّلف وهو أسلمُ، والتَّأويل مذهبُ الخلفِ وهو أعلم، أي: أحوجُ إلى مزيدِ علمٍ، فنؤوِّلُ الأصبعَ هنا بالقدرةِ؛ إذ إرادةُ الجارحةِ مستحيلة، وقد قال الزَّمخشريُّ في «كشافه» بعد ذكر نحو حديث الباب: إنَّما ضحكَ أفصحُ العربِ وتعجَّب لأنَّه لم يفهَم منه إلَّا ما يفهمه علماءُ البيان من غير تصوُّر إمساكٍ، ولا إصبعٍ، ولا هزٍّ، ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوَّل شيءٍ وآخره على الزُّبدةِ والخلاصة الَّتي هي الدَّلالةُ (٢) على القدرةِ الباهرةِ، وأنَّ الأفعالَ العظامَ الَّتي تتحيَّر فيها الأذهانُ ولا تكتنفها (٣) الأوهام هيِّنة عليه هوانًا لا يوصلُ السَّامع إلى الوقوفِ عليه إلَّا إجراءَ العبارةِ، في مثل هذه الطَّريقةِ من التَّخييلِ، ولا ترى بابًا في علمِ البيان أدقَّ ولا ألطفَ من هذا الباب، ولا أنفعَ (٤) وأعونَ على تعاطِي تأويلِ المشتبهاتِ من كلامِ الله تعالى في القرآنِ وسائر الكتب السماويَّةِ وكلام الأنبياءِ، فإنَّ أكثرهُ وعِلْيَتَه تخييلاتٌ قد زلَّت فيها الأقدامُ، وما أُتِيَ الزَّالُّون إلَّا من قلَّةِ عنايتِهم بالبحثِ والتَّنقيرِ حتَّى يعلمُوا أنَّ في عدادِ العلوم الدَّقيقةِ علمًا لو قدَّروهُ حقَّ قدرهِ لما خفيَ عليهم أنَّ العلوم كلَّها مفتقرةٌ إليه وعيالٌ عليهِ؛ إذ لا يحلُّ عُقَدها المورَبَة (٥) ولا يفكُّ قيودها المكرَبة إلَّا هو، وكم آيةٍ من آياتِ التَّنزيل وحديثٍ من أحاديثِ الرَّسول قد ضيْمِ وسيمَ الخسف بالتَّأويلاتِ الغثَّةِ والوجوه الرثَّة؛ لأنَّ من تأوَّل

ليس (١) من هذا العلم في عيرٍ ولا نفيرٍ، ولا يعرفُ قبيلًا من دَبير، وقال ابنُ فَوْرَك: يحتملُ أن يكونَ المراد إصبع بعض مخلوقاته، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمامِ بشيءٍ من مبحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه (٢).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٤]، ومسلم في «التَّوبة» (٣)، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) القَبضَةُ: بفتح القاف، المرَّة من القبضِ، أطلقتْ بمعنى القُبضة بالضَّم؛ وهي المقدارُ المقبوضُ بالكفِّ، تسميةً بالمصدرِ، أو بتقدير: ذات قبضة (٤) (﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾) قال ابنُ عطيَّة: اليمينُ هنا والقبضةُ عبارة عن القدرةِ، وما اختلجَ في الصُّدورِ من غير ذلك باطلٌ، وما ذهبَ إليه القاضِي -يعني: أبا الطَّيب- من أنَّها صفاتٌ زائدةٌ على صفاتِ الذَّاتِ قولٌ ضعيفٌ، وبحسب ما يختلج في النُّفوس، قال ﷿: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: هو منزَّهٌ عن جميعِ ما وصفَ (٥) به المجسِّمون (٦) المشبِّهون، وتأكيد الأرض بالجميع؛ لأنَّ المرادَ بها الأرضون السَّبع، أو جميعُ أبعَاضِها الباديةِ والغائرةِ، وخصَّ ذلك بيوم القيامةِ؛ ليدلَّ على أنَّه كما ظهرَ كمال قدرتهِ في الإيجادِ عند عمارةِ الدُّنيا؛ يظهر كمال قدرتهِ في الإعدامِ عند

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا.

قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ يَعْلَى) أَيْ: قَالَ: قَالَ يَعْلَى - وَقَالَ: تَسْقُطُ خَطًا وَتَثْبُتُ لَفْظًا، وَيَعْلَى هَذَا هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَعْلَى وَأَخْرَجَهُ (١) أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ هَذَا لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُمَا عَنْ يَعْلَى غَيْرُ مَنْسُوبٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٌ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِهِ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ بَصْرِيُّ الْأَصْلِ سَكَنَ مَكَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَبِرِوَايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ وَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ الْآيَةَ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّتِهِمْ وَرُجُوعِ رَفِيقِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ: فَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَنَزَلَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصَبْنَا مَا أَصَابَ وَحْشِيٌّ، فَقَالَ: هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَذِهِ الْآيَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ أَشْرَكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَمْ لَا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَنَّهَا تُغْفَرُ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ، لَكِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إِذَا تَابَ صَاحِبُهَا مِنَ الْعَوْدِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ مِنَ الْعَوْدِ، وَأَمَّا خُصُوصُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّهِ لِصَاحِبِهِ أَوْ مُحَالَلَتِهِ مِنْهُ. نَعَمْ فِي سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرِضَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِ وَلَا يُعَذَّبَ الْعَاصِي بِذَلِكَ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

٢ - بَاب ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

٤٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبد الرَّحمن (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ () أنَّه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) بفتح الحاء المهملة (مِنَ الأَحْبَارِ) عالمٌ من علماءِ اليهودِ. قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمهِ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ) أي: في التَّوراةِ (أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي رواية مسدَّد عن يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٤]: «إنَّ الله يمسكُ» بدل: يجعل (١) (وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ (٢) والثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي بعض النُّسخ: «والماء على إصبع، والثَّرى على إِصبع» وسقطَ في بعضها: «والماء على إصبع» (فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ) المتفرِّدُ (٣) بالملكِ (فَضَحِكَ النَّبيُّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، أي: أنيابهُ وهي الضَّواحكُ الَّتي تبدو عند الضِّحكِ حال كونه (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) وقراءته هذه الآية تدلُّ على صحَّة قول الحبرِ كضحكهِ (٤). قاله النَّوويُّ، وفي «التَّوحيد»: قال يحيى بنُ سعيد، وزاد فيه: فضيل بنُ عياض، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبيدةَ، عن عبد الله: فضحكَ رسول الله تعجُّبًا (٥) وتصديقًا له. [خ¦٧٤١٤] ورواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وعند مسلم: تعجُّبًا مما قاله الحبرُ وتصديقًا له. وعند ابنِ خزيمة من رواية إسرائيلَ، عن منصورٍ: حتى بدتْ نواجذهُ تصديقًا له. وعند التِّرمذيِّ من حديث ابنِ عبَّاس قال: مرَّ يهوديٌّ بالنَّبيِّ فقال: كيف تقول -يا أبا القاسمِ- إذا وضعَ الله السَّموات

على ذه (١)، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبالَ على ذه؛ وسائرُ الخلقِ على ذه. وأشار محمد بن الصَّلت أبو جعفر لخنصرهِ أولًا ثمَّ تابعَ حتَّى بلغ الإبهام، وهذا من شديدِ الاشتباه، وقد حملَه بعضهم على أنَّ اليهودَ مشَبِّهة، ويزعمونَ فيما أنزل إليهم ألفاظًا تدخلُ في التَّشبيهِ ليس القولُ بها (٢) من مذهب (٣) المسلمين، وبهذا قال الخطابيُّ، وقال: إنَّه روى هذا الحديث غير واحدٍ عن عبد الله من طريق عبيدةَ، فلم يذكروا قوله: تصديقًا لقول الحبرِ. ولعلَّه من الرَّاوي ظنٌّ وحسبانٌ، وضحكهُ تعجُّبًا من كذبِ اليهوديِّ، فظنَّ الرَّاوي أنَّ ذلك التعجُّبَ تصديقٌ، وليس كذلك.

وقال أبو العبَّاس القُرطبيُّ في «المفهم»: هذه الزِّيادة من قول الرَّاوي باطلة؛ لأنَّ النَّبيَّ لا يصدِّقُ بالمحالِ؛ لأنَّ نسبةَ الأصابعِ إلى الله تعالى محالٌ، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما عرفوهُ حقَّ معرفتهِ، ولا ريبَ أنَّ الصَّحابةَ كانوا أعلمَ بما رووه، وقد قالوا: إنَّه ضحكَ تصديقًا، وقد ثبتَ في الحديث الصَّحيح: «ما مِن قَلبٍ إلَّا وهو بينَ إِصبعَين من أصابِعِ الرَّحمنِ» رواه مسلم. وفي حديث ابن عبَّاسٍ قال رسولُ الله : «أَتَانِي اللَّيلةَ ربِّي في أحسنِ صورةٍ … » الحديث. وفيه: «فوضَعَ يدهَ بين كتفيَّ»، وفي رواية معاذ: «فرأيتُهُ وضعَ كفَّهُ بين كتفيَّ، فوجدتُ بردَ أَنامِلِهِ بين ثديَيَّ»، فهذه رواياتٌ متظافرةٌ على صحَّةِ ذكر الأصابعِ، وكيف يطعنُ في حديثٍ أجمعَ على إخراجه الشَّيخان وغيرهما من أئمَّةِ النَّقدِ (٤) والإتقانِ؟! لا سيما وقد قال ابنُ الصَّلاح: ما اتَّفق عليه الشَّيخان هو بمنزلةِ المتواترِ (٥)، وكيف يسمعُ وصف ربِّه تعالى بما لا يرضاهُ فيضحَكُ ولم ينكرهُ أشدَّ الإنكارِ؟ حاشاهُ الله من ذلك، وإذا تقرَّر صحَّة ذلك فهو من المتشابهِ كغيره، كالوجهِ واليدينِ والقدمِ والرِّجلِ والجنبِ في قولهِ تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. واختلفَ

أئمَّتُنا في ذلك؛ هل نؤولُ المشكل أم نفوِّض معناه المراد إليه (١) تعالى عن ظاهره مع اتِّفاقهم على أنَّ جَهلنا بتفصيلهِ لا يقدحُ في اعتقادنا المراد منه، والتَّفويض مذهب السَّلف وهو أسلمُ، والتَّأويل مذهبُ الخلفِ وهو أعلم، أي: أحوجُ إلى مزيدِ علمٍ، فنؤوِّلُ الأصبعَ هنا بالقدرةِ؛ إذ إرادةُ الجارحةِ مستحيلة، وقد قال الزَّمخشريُّ في «كشافه» بعد ذكر نحو حديث الباب: إنَّما ضحكَ أفصحُ العربِ وتعجَّب لأنَّه لم يفهَم منه إلَّا ما يفهمه علماءُ البيان من غير تصوُّر إمساكٍ، ولا إصبعٍ، ولا هزٍّ، ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوَّل شيءٍ وآخره على الزُّبدةِ والخلاصة الَّتي هي الدَّلالةُ (٢) على القدرةِ الباهرةِ، وأنَّ الأفعالَ العظامَ الَّتي تتحيَّر فيها الأذهانُ ولا تكتنفها (٣) الأوهام هيِّنة عليه هوانًا لا يوصلُ السَّامع إلى الوقوفِ عليه إلَّا إجراءَ العبارةِ، في مثل هذه الطَّريقةِ من التَّخييلِ، ولا ترى بابًا في علمِ البيان أدقَّ ولا ألطفَ من هذا الباب، ولا أنفعَ (٤) وأعونَ على تعاطِي تأويلِ المشتبهاتِ من كلامِ الله تعالى في القرآنِ وسائر الكتب السماويَّةِ وكلام الأنبياءِ، فإنَّ أكثرهُ وعِلْيَتَه تخييلاتٌ قد زلَّت فيها الأقدامُ، وما أُتِيَ الزَّالُّون إلَّا من قلَّةِ عنايتِهم بالبحثِ والتَّنقيرِ حتَّى يعلمُوا أنَّ في عدادِ العلوم الدَّقيقةِ علمًا لو قدَّروهُ حقَّ قدرهِ لما خفيَ عليهم أنَّ العلوم كلَّها مفتقرةٌ إليه وعيالٌ عليهِ؛ إذ لا يحلُّ عُقَدها المورَبَة (٥) ولا يفكُّ قيودها المكرَبة إلَّا هو، وكم آيةٍ من آياتِ التَّنزيل وحديثٍ من أحاديثِ الرَّسول قد ضيْمِ وسيمَ الخسف بالتَّأويلاتِ الغثَّةِ والوجوه الرثَّة؛ لأنَّ من تأوَّل

ليس (١) من هذا العلم في عيرٍ ولا نفيرٍ، ولا يعرفُ قبيلًا من دَبير، وقال ابنُ فَوْرَك: يحتملُ أن يكونَ المراد إصبع بعض مخلوقاته، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمامِ بشيءٍ من مبحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه (٢).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٤]، ومسلم في «التَّوبة» (٣)، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) القَبضَةُ: بفتح القاف، المرَّة من القبضِ، أطلقتْ بمعنى القُبضة بالضَّم؛ وهي المقدارُ المقبوضُ بالكفِّ، تسميةً بالمصدرِ، أو بتقدير: ذات قبضة (٤) (﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾) قال ابنُ عطيَّة: اليمينُ هنا والقبضةُ عبارة عن القدرةِ، وما اختلجَ في الصُّدورِ من غير ذلك باطلٌ، وما ذهبَ إليه القاضِي -يعني: أبا الطَّيب- من أنَّها صفاتٌ زائدةٌ على صفاتِ الذَّاتِ قولٌ ضعيفٌ، وبحسب ما يختلج في النُّفوس، قال ﷿: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: هو منزَّهٌ عن جميعِ ما وصفَ (٥) به المجسِّمون (٦) المشبِّهون، وتأكيد الأرض بالجميع؛ لأنَّ المرادَ بها الأرضون السَّبع، أو جميعُ أبعَاضِها الباديةِ والغائرةِ، وخصَّ ذلك بيوم القيامةِ؛ ليدلَّ على أنَّه كما ظهرَ كمال قدرتهِ في الإيجادِ عند عمارةِ الدُّنيا؛ يظهر كمال قدرتهِ في الإعدامِ عند

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله