الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨١٨
الحديث رقم ٤٨١٨ من كتاب «سورة حم عسق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله إلا المودة في القربى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
حم الزُّخْرُفُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾: عَلَى إِمَامٍ، ﴿وَقِيلَهُ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ ﴿أَيَحْسِبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: لَوْلَا أَنْ جَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ، وَهِيَ دَرَجٌ وَسُرُرَ فِضَّةٍ ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مُطِيقِينَ، ﴿آسَفُونَا﴾: أَسْخَطُونَا، ﴿يَعْشُ﴾: يَعْمَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ أَيْ: تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾: سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، ﴿مُقْرِنِينَ﴾: يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، ﴿يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: الْجَوَارِي، جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الْأَوْثَانُ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ﴿فِي عَقِبِهِ﴾: وَلَدِهِ، ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾: يَمْشُونَ مَعًا، ﴿سَلَفًا﴾: قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَمَثَلا﴾: عِبْرَةً، ﴿يَصِدُّونَ﴾: يَضِجُّونَ، ﴿مُبْرِمُونَ﴾: مُجْمِعُونَ، ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ، وَالْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ: بَرَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَلَوْ قَالَ: بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الاِثْنَيْنِ: بَرِيئَانِ، وَفِي الْجَمِيعِ: بَرِيئُونَ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ: (إِنَّنِي بَرِيءٌ) بِالْيَاءِ، وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ، ﴿مَلائِكَةً يَخْلُفُونَ﴾: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الْآيَةَ.
٤٨١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ: لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا رَوَاكِدَ بِسَوَاكِنَ، وَتَفْسِيرُ رَوَاكِدَ بِسَوَاكِنَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَكِنَّ السُّكُونَ وَالْحَرَكَةَ فِي هَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌّ
١ - باب: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾
٤٨١٨ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتُ أَيْ أَسْرَعْتُ فِي التَّفْسِيرِ. وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَدْ جَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَرَابَتُكَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ؟ الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ سَاقِطٌ لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ. وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي فَتَحْفَظُونِي، وَالْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَالْقُرْبَى قَرَابَةُ الْعُصُوبَةِ وَالرَّحِمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: احْفَظُونِي لِلْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ (١) وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَاسْتَنَدُوا إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ فِيهِ ضَعِيفٌ وَرَافِضِيٌّ. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنَا أَحَادِيثَ ظَاهِرٌ وَضْعُهَا، وَرَدَّهُ الزَّجَّاجُ بِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَبِمَا نَقَلَهُ الشَّعْبِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَجَزَمَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَتْ تَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَلَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ، فَجَمَعَ لَهُ الْأَنْصَارُ مَالًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ابْنُ أُخْتِنَا، وَقَدْ هَدَانَا اللَّهُ بِكَ، وَتَنُوبُكَ النَّوَائِبُ وَحُقُوقٌ وَلَيْسَ لَكَ سَعَةٌ، فَجَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنَا، فَنَزَلَتْ. وَهَذِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ: أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَقَالُوا أَنْفُسُنَا وَأَمْوَالُنَا لَكَ. فَنَزَلَتْ. وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَيُبْطِلُهُ أَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْأَقْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَعَلَّ مُحَمَّدًا يَطْلُبُ أَجْرًا عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ فَنَزَلَتْ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَرَدَّهُ الثَّعْلَبِيُّ بِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةً عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّوَدُّدِ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ أَوْ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ أَوْ صِلَةِ رَحِمِهِ بِتَرْكِ أَذِيَّتِهِ أَوْ صِلَةِ أَقَارِبِهِ مِنْ أَجْلِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَمِرُّ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَالسُّدِّيِّ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى أَمْرِ الْمُخَاطَبِينَ بِأَنْ يُوَادِدُوا أَقَارِبَ النَّبِيِّ ﷺ
وَابْنُ عَبَّاسٍ حَمَلَهَا عَلَى أَنْ يُوَادِدُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْخِطَابُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَعَلَى الثَّانِي الْخِطَابُ خَاصٌّ بِقُرَيْشٍ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَامًّا خُصَّ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْبَابِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصِلُ أَرْحَامَهَا، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قَطَعُوهُ فَقَالَ: صِلُونِي كَمَا تَصِلُونَ غَيْرِي مِنْ أَقَارِبِكُمْ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَكْثَرُوا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْهَا فَكَتَبَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَاسِطَ النَّسَبِ فِي قُرَيْشٍ، لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِلَّا وَلَدُهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ تَوَدُّونِي بِقَرَابَتِي مِنْكُمْ، وَتَحْفَظُونِي فِي ذَلِكَ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إِلَّا أَنْ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَثَبَتَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُهُ، وَالْأَجْرُ عَلَى هَذَا مَجَازٌ. وَقَوْلُهُ الْقُرْبَى هُوَ مَصْدَرٌ كَالزُّلْفَى وَالْبُشْرَى بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ، وَالْمُرَادُ فِي أَهْلِ الْقُرْبَى، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ فِي دُونَ اللَّامِ كَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ مَكَانًا لِلْمَوَدَّةِ وَمَقَرًّا لَهَا، كَمَا يُقَالُ: لِي فِي آلِ فُلَانٍ هَوًى، أَيْ هُمْ مَكَانُ هَوَايَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي سَبَبِيَّةٌ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ، فَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَالْمَعْنَى لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا قَطُّ، وَلَكِنْ أَسْأَلُكُمْ أَنْ تَوَدُّونِي بِسَبَبِ قَرَابَتِي فِيكُمْ.
٤٣ - سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى أُمَّةٍ: عَلَى إِمَامٍ. ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لَوْلَا أَنْ جُعِلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا، لَجُعِلَتْ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ. وَهِيَ دَرَجٌ. وَسُرُرٌ فِضَّةٌ. مُقْرِنِينَ: مُطِيقِينَ. آسَفُونَا: أَسْخَطُونَا. يَعِشُ: يَعْمَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ؟ وَمَضَى مِثْلُ الْأَوَّلِينَ: سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ. مُقْرِنِينَ: يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ. ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ. ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الْأَوْثَانُ، إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. فِي عَقِبِهِ: وَلَدَهُ. مُقْتَرِنِينَ: يَمْشُونَ مَعَا. سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَمَثَلًا: عِبْرَةً. يَصُدُّونَ: يَضِجُّونَ. مُبْرِمُونَ: مُجْمِعُونَ. أَوَّلُ الْعَابِدِينَ: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ، والْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ. وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. مَلَائِكَةً يَخْلُفُونَ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قَوْلُهُ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ عَلَى إِمَامٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي
ذَرٍّ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَذَكَرَهُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ قَالَ: عَلَى مِلَّةٍ: وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ أَيْ عَلَى دِينٍ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا التَّفْسِيرُ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ وَقِيلِهِمْ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقِيلَهُ مَنْصُوبٌ فِي قَوْلِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَلَى نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَقِيلِهِ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ فِي مَوْضِعِ الْفِعْلِ، أَيْ وَيَقُولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا التَّفْسِيرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: وَنَسْمَعُ قِيلَهُ، فَحُذِفَ الْعَامِلَ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ: وَقِيلَهُ فَنَصَبَ تَجُوزُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَنَسْمَعُ قِيلَهُمْ؛ وَقَدِ ارْتَضَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَالتَّقْدِيرُ وَنَسْمَعُ قِيلَهُ يَا رَبِّ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ ابْنُ التِّينِ وَإِلْزَامُهُ بَلْ يَصِحُّ وَالْقِرَاءَةُ وَقِيلَهُ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ ﴿وَقِيلِهِ﴾ بِالْجَرِّ عَلَى مَعْنَى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَعِلْمُ قِيلِهِ، قَالَ: وَهُمَا قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، وَسَيَأْتِي أَوَاخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ - فِي مَوْضِعِ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: الْمَعْنَى إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَقَالَ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ وَفِيهِ أَيْضًا الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ مُقَطَّعًا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ كُفَّارًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قَالَ: كُفَّارًا يَمِيلُونَ إِلَى الدُّنْيَا. قَالَ: وَقَدْ مَالَتِ الدُّنْيَا بِأَكْثَرِ أَهْلِهَا وَمَا فُعِلَ، فَكَيْفَ لَوْ فُعِلَ.
قَوْلُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مُطِيقِينَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قَالَ: مُطِيقِينَ. وَهُوَ بِالْقَافِ. وَمِنْ طَرِيقٍ لِلسُّدِّيِّ مِثْلُهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ لَا فِي الْأَيْدِي وَلَا فِي الْقُوَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿آسَفُونَا﴾ أَسْخَطُونَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قَالَ: أَسْخَطُونَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولُ: ﴿آسَفُونَا﴾ أَغْضَبُونَا. وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِثْلُهُ وَأَوْرَدَهُ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيِّ عَامِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَعْشُ﴾ يَعْمَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبٍ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ قَالَ: يَعْمَى. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أَيْ: يُعْرِضْ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَنْ فَسَّرَ يَعْشُ بِمَعْنَى يَعْمَى فَقِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ: وَمَنْ يَعْشُ بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: تُظْلَمُ عَيْنُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُعْرِضُ عَنْهُ، قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ يَعْشَ بِفَتْحِ الشِّينِ أَرَادَ تَعْمَى عَيْنُهُ، قَالَ: وَلَا أَرَى الْقَوْلَ إِلَّا قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُجِيزُ عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ أَعْرَضْتُ عَنْهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: تَعَاشَيْتُ عَنْ كَذَا تَغَافَلْتُ عَنْهُ وَمِثْلُهُ تَعَامَيْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَشِيَ إِذَا مَشَى بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ مِثْلُ عَرِجَ مَشَى مِشْيَةَ الْأَعْرَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ)؟ ! وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنْ نَصْفَحَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ قَالَ: سُنَّتُهُمْ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ: وَالْحَمِيرَ. وَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لَهُ، وَأَمَّا لَفْظُ مُقْرِنِينَ فَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الْجَوَارِي، يَقُولُ جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَى الْكَفَرَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ وَأَنْتُمْ تَمْقُتُونَ الْبَنَاتَ وَتَنْفِرُونَ مِنْهُنَّ حَتَّى بَالَغْتُمْ فِي ذَلِكَ فَوَأَدْتُمُوهُنَّ، فَكَيْفَ تُؤْثِرُونَ أَنْفُسَكُمْ بِأَعْلَى الْجُزْأَيْنِ وَتَدَّعُونَ لَهُ الْجُزْءَ الْأَدْنَى مَعَ أَنَّ صِفَةَ هَذَا الصِّنْفِ الَّذِي هُوَ الْبَنَاتُ أَنَّهَا تُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَالزِّينَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى نَقْصِ الْعَقْلِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْحُجَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قَالَ: الْبَنَاتُ ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ قَالَ: فَمَا تَكَلَّمَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَكَلَّمَ بِحُجَّةٍ لَهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْهَا. (تَنْبِيهٌ): قَرَأَ يَنْشَأُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا الْجُمْهُورُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُثَقَّلًا، وَالْجَحْدَرِيُّ مِثْلَهُ مُخَفَّفًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الْأَوْثَانُ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ، مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قَالَ: الْأَوْثَانُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ مَا تَعْلَمُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ لِلْكُفَّارِ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَشِيئَةِ وَلَا بُرْهَانَ مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا يَقُولُونَهُ ظَنًّا وَحُسْبَانًا، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْأَوْثَانِ وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ وَنَفَى عَنْهُمْ عِلْمَ مَا يَصْنَعُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ وَلَدِهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ الْجِنْسُ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي عَقِبِهِ لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ ﷿.
قَوْلُهُ: ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ يَمْشُونَ مَعًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَمْشُونَ مَعًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: يَعْنِي مُتَتَابِعِينَ.
قَوْلُهُ: (سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ. سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ كُفَّارُهُمْ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلا﴾ عِبْرَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ يَضِجُّونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَمَنْ ضَمَّهَا فَمَعْنَاهُ يَعْدِلُونَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قَالَ: يَضِجُّونَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ:، أَخْبَرَنِي زِرُّ هُوَ ابْنُ حُبَيْشٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا يَصِدُّونَ يَعْنِي بِكَسْرِ الصَّادِ يَقُولُ: يَضِجُّونَ. قَالَ عَاصِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقْرَؤُهَا بِضَمِّ الصَّادِ، فَبِالْكَسْرِ مَعْنَاهُ يَضِجُّ وَبِالضَّمِّ مَعْنَاهُ يُعْرِضُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ الضَّمِّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ كَذَاكَ لَكَانَتْ عَنْهُ لَا مِنْهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْهُ أَيْ مِنْ أَجْلِهِ فَيَصِحُّ الضَّمُّ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قِرَاءَتَهُ يَصُدُّونَ بِالضَّمِّ.
قَوْلُهُ: ﴿مُبْرِمُونَ﴾ مُجْمِعُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ إِنْ كَادُوا شَرًّا كِدْنَاهُمْ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ: بِاللَّهِ فَقُولُوا مَا شِئْتُمْ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ يَقُولُ: فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَكَفَرَ بِمَا تَقُولُونَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ قَالَ: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يعني: أنا لا أطلبُ منكم إلَّا هذا، وهذا في الحقيقةِ ليس أجرًا؛ لأنَّ حصول المودَّة بين المسلمين أمرٌ واجبٌ، وإذا كان كذلك فهو في حقِّ أشرفِ الخلقِ أولى، فقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ تقديره: والمودَّة في القربَى (١) ليست أجرًا، فرجعَ الحاصلُ إلى أنَّه لا أجر ألبتَّة.
٤٨١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ البصريُّ، أبو بكر بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهذليُّ البصريُّ المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضد الميمنة، الهلاليِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا) هو ابنُ كيسان اليمانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ) فحمل الآية على أمرِ المخاطبين بأن يوادُّوا (٢) أقاربه ﷺ، وهو عامٌّ لجميع المكلفين (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) لسعيد: (عَجِلْتَ) بفتح العين وكسر الجيم وسكون اللام، أي: أسرعْتَ في تفسيرها (إِنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا (٣) مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ) فَحَمَلَ الآية على أن توادُّوا النَّبيَّ ﷺ من أجل القرابةِ الَّتي بينه وبينكُم، فهو خاصٌّ بقريشٍ، ويؤيدُه أنَّ السُّورة مكِّيَّة، وأمَّا حديث ابن عبَّاس أيضًا عند ابنِ أبي حاتمٍ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسولَ الله، من هؤلاءِ الَّذين أمرَ الله بمودَّتهم؟ قال: «فَاطِمة وولدُها ﵈». فقال ابنُ كثيرٍ: إسنادهُ ضعيف، فيه متَّهمٌ لا يُعرف إلَّا عن شيخٍ شيعيٍّ محترقٍ (٤)، وهو حسين
الأشقرُ، ولا يقبل خبرُه في هذا المحلِّ، والآية مكِّيَّة، ولم يكن إذ ذاك لفاطمةَ أولادٌ بالكلِّيَّةِ، فإنَّها لم تتزوَّج بعليٍّ إلَّا بعد بدرٍ من السَّنة الثَّانيةِ من الهجرةِ، وتفسيرُ الآيةِ بما فسَّر به حبر الأمَّة وترجمانُ القرآنِ ابن عبَّاس أحقُّ وأولى، ولا تنكرُ الوَصَاةُ (١) بأهلِ البيتِ واحترامِهم وإكرامِهم؛ إذ هم من الذُّرِّيَّة الطَّاهرةِ الَّتي هي أشرفُ بيت وجدَ على الأرضِ فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيَّما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة (٢) الصَّحيحة كما كان عليه سلفهم، كالعبَّاس وبنيهِ وعليٍّ وآلِ بيتهِ وذرِّيتهِ (٣) ﵃ أجمعين ونفعنَا بمحبَّتِهم.
(((٤٣))) (حم الزُّخْرُفِ) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] وآيُها تسع وثمانون، ولأبي ذرٍّ:
«سورة حم الزُّخرف»، وله ولابنِ عساكرَ: «بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت (١) لغيرِهما.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾) من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: (عَلَى إِمَامٍ) كذا فسَّره أبو عُبيدة، وعند عبد بن حميدٍ، عن مجاهد: على ملَّةٍ، وعن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبريِّ: على دينٍ.
(﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] تَفْسِيرُهُ: أَيَحْسِبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ) وهذا يقتضي الفصلَ بين المعطوفِ والمعطوف (٢) عليه بجملٍ كثيرةٍ، قال الزَّركشيُّ: فينبغي حملُ كلامهِ على أنَّه أرادَ تفسيرَ المعنى، ويكون التَّقدير: ويعلم قيلهُ، وهذا يردُّه ما حكاه (٣) السَّفاقسيُّ من إنكارِ بعضهم لهذا، وقال: إنَّما يصحُّ ذلك أن لو كانت التِّلاوةُ: وقيلِهِم. انتهى. وقيل: عطفٌ على مفعول ﴿يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] المحذوف، أي: يكتبونَ ذلك ويكتبونَ قيلَه كذا، أو على مفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] المحذوف، أي: يعلمون ذلك ويعلمونَ قيلَه، أو أنَّه مصدرٌ، أي: قال قيله، أو بإضمارِ فعلٍ، أي: الله يَعْلَمُ قيلَ رسولِ الله (٤) ﷺ شَاكيًا إلى ربِّه: يا رب. وقرأ عاصمٌ وحمزة بخفض اللَّام وكسر الهاء وصلتها بياء، عطفًا على ﴿السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أي: عندهُ علمُ قيلِه، والقولُ والقالُ والقيل بمعنى واحدٍ، جاءت المصادرُ على هذه الأوزانِ.
(وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٥) وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ من طريق عليِّ ابنِ أبي طلحةَ عنه في قولهِ: (﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣]) أي: (لَوْلَا أَنْ جَعَلَ) بلفظ الماضي، وللأَصيليِّ: «أن يجعل» بصيغة المضارع بالياء التَّحتية، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أن أجعل» (النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا؛ لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي:
«بيوت الكفَّار» (﴿سُقُفًا﴾) بفتح السين وسكون القاف، على إرادة الجنسِ، وهي قراءة أبي عمرو وابنِ كثيرٍ، ولأبي ذرٍّ: «﴿سُقُفًا﴾» [الزخرف: ٣٣] بضمهما على الجمع، وهي قراءة الباقين (﴿مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾) جمع: معرجٍ (مِنْ فِضَّةٍ، وَهْيَ دَرَجٌ، وَسُرُرُ (١) فِضَّةٍ) جمع: سَرير، وهل قوله: ﴿مِّن فَضَّةٍ﴾ يشملُ المعارجَ والسُّرر؟ وعن الحسنِ فيما رواه (٢) الطَّبريُّ من طريق عوف عنه قال: كفَّارًا يميلونَ إلى الدُّنيا. قال (٣): وقد مالَتِ الدُّنيا بأكثر أهلها وما فُعِل، فكيف لو فُعِل؟! وقال في «الأنوار»: لولا أن يرغبُوا في الكفرِ إذا رأوا الكفَّارَ في سعةٍ، وتنعُّمهم لحبِّهم الدُّنيا فيجتمعُوا عليه؛ لجعلنا.
(﴿مُقْرِنِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أي: (مُطِيقِينَ) من أقرنَ الشَّيء إذا أطاقهُ (٤)، ومعنى الآية: ليس عندنا من القوَّة والطَّاقة أن نقرنَ هذه الدَّابة والفلكَ أو (٥) نضبطها، فسبحان من سخَّر لنا هذا بقدرتهِ وحكمتهِ!
(﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]) أي: (أَسْخَطُونَا) قاله (٦) ابنُ عبَّاسٍ، فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وقيل: أغضبونَا بالإفراطِ في العنادِ والعصيانِ، وهذا من المتشابهات، فيؤوَّل بإرادةِ العقاب.
(﴿يَعْشُ﴾ [الزخرف: ٣٦]) بضم الشين. قال ابنُ عبَّاسٍ -فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ عن عكرمةَ، عنه-: أي: (يَعْمَى) لكن قال أبو عُبيدة: من قرأ بضم الشين فمعناه: أنَّه تُظْلم عينُهُ، ومن فتحها فمعناهُ: تَعْمى عينُهُ. وقال في «الأنوار»: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦] يتعامَى ويعرضُ عنه بفرطِ اشتغالهِ بالمحسوساتِ، وانهماكهِ في الشَّهوات، وقرئ: (يَعْشَ) بالفتح، أي: يَعمى، يقال: عشيَ إذا كان في بصرهِ آفةٌ، وعشَى إذا تعشَّى بلا آفةٍ، كعَرَج وعَرُج. انتهى.
وقولُ ابن المُنيِّرِ في «الانتصاف»: وفي الآيةِ نكتَتان: إحداهما: أنَّ النكرة في سياقِ الشَّرط تعمُّ، وفي ذلك اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختارُ العمومَ، وبعضُهم حملَ كلامهُ على العمومِ البدليِّ لا الاستغراقيِّ، فإن كان مرادهُ عموم الشُّمول فالآيةُ حجَّة له من وجهين؛ لأنَّه نكَّرَ الشَّيطانَ ولم يرد إلَّا الكلَّ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ له شيطان، فكيف بالعاشِي عن ذكرِ الله؟! والثَّاني: أنَّه أعادَ الضَّمير مجموعًا في قولهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف: ٣٧] ولولا عموم الشُّمول لما جازَ عود الضَّمير على واحدٍ.
تعقَّبه العلَّامة البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: في كلٍّ من الوجهينِ اللَّذين أبداهُما نظرٌ، أمَّا الأوَّل: فلا نسلِّم أنَّه أرادَ كلَّ شيطانٍ، بل المقصودُ أنَّه قُيِّض لكلِّ فردٍ من العاشينَ عن ذكر الله شيطانٌ واحدٌ لا كل شيطانٍ، وذلك واضحٌ. وأمَّا الثَّاني: فعود ضمير الجماعةِ على شيءٍ ليس بينه وبين العمومِ الشُّمولي تلازمٌ بوجهٍ، وعود الضَّمير في الآية بصيغةِ ضميرِ الجماعةِ إنَّما كان باعتبار تعدُّد الشَّياطينِ المفهومة ممَّا تقدَّم؛ إذ معناه على ما قرَّرناهُ: أنَّ كلَّ عاشٍ له شيطان، فبهذا الاعتبارِ جاء التَّعدد، فعاد الضَّمير كما يعودُ على الجماعةِ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا (١) وصلهُ الفِريابيُّ في قولهِ: (﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ [الزخرف: ٥] أَيْ: تُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ؟) وقال الكلبيُّ: أفنتركُكم سدًى لا نأمركُم ولا ننهاكُم؟
(﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]) أي: (سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا.
(﴿مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]) وللأَصيليِّ: «﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾» (يَعْنِي: الإِبِلَ وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ) وهو تفسيرٌ للمراد بالضَّمير في ﴿لَهُ﴾.
(﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨]) أي: (الجَوَارِي) اللَّاتي (٢) يَنْشَأْنَ في الزِّينةِ، أي: البنات
(جَعَلْتُمُوهُنَّ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «يقول: جعلتموهنَّ» (لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ) بذلك ولا ترضونه لأنفسكم؟
(﴿لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: ٢٠] يَعْنُونَ الأَوْثَانَ) وقال قتادةُ: يعنُون الملائكةَ، والمعنى: وإنَّما لم يعجِّل عقوبتَنا على عبادتِنا إيَّاهم لرضاهُ منَّا بعبادتِها (يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى) وللأَصيليِّ (١): «بقولِ اللهِ تعالى» بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «لقولِ الله ﷿»: (﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠]) أي: (الأَوْثَانُ؛ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) نزَّلَ الأوثانَ منزلةَ من يعقلُ، ونفى عنهم علمَ ما يصنعُ المشركونَ من عبادَتهم، وقيل: الضَّميرُ للكفَّارِ، أي: ليس لهم علمُ ما ذكروه من قولهم: إنَّ الله رضيَ عنَّا لعبادتِنا، وسقطَ للأَصيليِّ «إنَّهم».
(﴿فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]) أي: (وَلَدِهِ) فيكونُ منهم أبدًا من يوحِّد الله، ويدعو إلى توحيدِهِ.
(﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]) أي: (يَمْشُونَ مَعًا) قاله مجاهدٌ أيضًا.
(﴿سَلَفًا﴾) في قولهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] هم (قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ (٢) أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَمَثَلًا﴾) أي: (عِبْرَةً) لهم.
(﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]) بكسر الصاد، أي: (يَضِجُّونَ) وقرأ نافع وابنُ عامرٍ والكِسائيُّ: بضم الصاد، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو الضَّجيج واللَّغطُ، وقيل: الضَّمُّ من الصُّدود، وهو الإعراضُ.
(﴿مُبْرِمُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] أي: (مُجْمِعُونَ)، وقيل: محكمونَ.
(﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]) أي: (أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ)، قاله (٣) مجاهدٌ أيضًا.
(﴿إِنَّنِي﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهدٍ: ﴿إِنَّنِي﴾ (﴿بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] العَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ البَرَاءُ) منك (٤) (وَالخَلَاءُ) منك (وَالوَاحِدُ وَالاِثْنَانِ
وَالجَمِيعُ مِنَ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ: بَرَاءٌ) بلفظ واحد (لأَنَّهُ مَصْدَرٌ) في الأصلِ، وقع موقعَ الصِّفةِ؛ وهي (١) بريءٌ (وَلَوْ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ولو قيل»: (بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الاِثْنَيْنِ: بَرِيئَانِ، وَفِي الجَمِيعِ: بَرِيئُونَ) وأهل نجدٍ يقولون: أنا بريءٌ، وهي بريئةٌ، ونحن براءٌ (وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ ((إِنَّنِي بَرِيءٌ) بِاليَاءِ) وصلهُ الفضلُ بنُ شاذانَ في «كتاب القراءة» عنه.
(وَالزُّخْرُفُ) في قولهِ: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ. وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٤ - ٣٥] هو (الذَّهَبُ) قاله قتادةَ، وفي قراءة عبد الله بن مسعودٍ: (أو يَكُون لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ).
(﴿مَّلَائِكَةً﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (﴿يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]) أي: (يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) قاله قتادة، فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق، وزاد في آخره: مكان ابن آدم، و «مِن» في قولهِ: ﴿مِنكُم﴾ بمعنى: بدل، أي: لجعلنا بدلكُم، أو تبعيضيَّة (٢)، أي: لولَّدْنا منكُم يا رجالُ ملائكةً في الأرضِ، يخلُفُونكُم كما تخلفُكُم أولادُكُم، كما وَلَّدْنا عيسى من أُنْثى دون ذكرٍ.
(١) (قَوْلُهُ (٣): ﴿وَنَادَوْا﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى (٤): ﴿وَنَادَوْا﴾ (﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾) لِيُمتنَا لنستريحَ (﴿قَالَ﴾) مالكٌ مجيبًا لهم بعد ألفِ سنةٍ، أو أربعين، أو مئة: (﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) مقيمونَ في العذابِ، لا خلاصَ لكم منه بموتٍ ولا بغيرهِ، وسقطَ قوله: «﴿قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾» لغير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ، وقال: «الآيةَ».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ: لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا رَوَاكِدَ بِسَوَاكِنَ، وَتَفْسِيرُ رَوَاكِدَ بِسَوَاكِنَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَكِنَّ السُّكُونَ وَالْحَرَكَةَ فِي هَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌّ
١ - باب: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾
٤٨١٨ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ ﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتُ أَيْ أَسْرَعْتُ فِي التَّفْسِيرِ. وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَدْ جَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَرَابَتُكَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ؟ الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ سَاقِطٌ لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ. وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي فَتَحْفَظُونِي، وَالْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَالْقُرْبَى قَرَابَةُ الْعُصُوبَةِ وَالرَّحِمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: احْفَظُونِي لِلْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ (١) وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَاسْتَنَدُوا إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ فِيهِ ضَعِيفٌ وَرَافِضِيٌّ. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنَا أَحَادِيثَ ظَاهِرٌ وَضْعُهَا، وَرَدَّهُ الزَّجَّاجُ بِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَبِمَا نَقَلَهُ الشَّعْبِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَجَزَمَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَتْ تَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَلَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ، فَجَمَعَ لَهُ الْأَنْصَارُ مَالًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ ابْنُ أُخْتِنَا، وَقَدْ هَدَانَا اللَّهُ بِكَ، وَتَنُوبُكَ النَّوَائِبُ وَحُقُوقٌ وَلَيْسَ لَكَ سَعَةٌ، فَجَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنَا، فَنَزَلَتْ. وَهَذِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ: أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَقَالُوا أَنْفُسُنَا وَأَمْوَالُنَا لَكَ. فَنَزَلَتْ. وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ وَيُبْطِلُهُ أَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْأَقْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَعَلَّ مُحَمَّدًا يَطْلُبُ أَجْرًا عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ فَنَزَلَتْ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَرَدَّهُ الثَّعْلَبِيُّ بِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةً عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّوَدُّدِ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ أَوْ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ أَوْ صِلَةِ رَحِمِهِ بِتَرْكِ أَذِيَّتِهِ أَوْ صِلَةِ أَقَارِبِهِ مِنْ أَجْلِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَمِرُّ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَالسُّدِّيِّ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى أَمْرِ الْمُخَاطَبِينَ بِأَنْ يُوَادِدُوا أَقَارِبَ النَّبِيِّ ﷺ
وَابْنُ عَبَّاسٍ حَمَلَهَا عَلَى أَنْ يُوَادِدُوا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْخِطَابُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَعَلَى الثَّانِي الْخِطَابُ خَاصٌّ بِقُرَيْشٍ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَامًّا خُصَّ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْبَابِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصِلُ أَرْحَامَهَا، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قَطَعُوهُ فَقَالَ: صِلُونِي كَمَا تَصِلُونَ غَيْرِي مِنْ أَقَارِبِكُمْ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَكْثَرُوا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْهَا فَكَتَبَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَاسِطَ النَّسَبِ فِي قُرَيْشٍ، لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِلَّا وَلَدُهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ تَوَدُّونِي بِقَرَابَتِي مِنْكُمْ، وَتَحْفَظُونِي فِي ذَلِكَ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إِلَّا أَنْ تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَثَبَتَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُهُ، وَالْأَجْرُ عَلَى هَذَا مَجَازٌ. وَقَوْلُهُ الْقُرْبَى هُوَ مَصْدَرٌ كَالزُّلْفَى وَالْبُشْرَى بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ، وَالْمُرَادُ فِي أَهْلِ الْقُرْبَى، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ فِي دُونَ اللَّامِ كَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ مَكَانًا لِلْمَوَدَّةِ وَمَقَرًّا لَهَا، كَمَا يُقَالُ: لِي فِي آلِ فُلَانٍ هَوًى، أَيْ هُمْ مَكَانُ هَوَايَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي سَبَبِيَّةٌ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ، فَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَالْمَعْنَى لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا قَطُّ، وَلَكِنْ أَسْأَلُكُمْ أَنْ تَوَدُّونِي بِسَبَبِ قَرَابَتِي فِيكُمْ.
٤٣ - سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى أُمَّةٍ: عَلَى إِمَامٍ. ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لَوْلَا أَنْ جُعِلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا، لَجُعِلَتْ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ. وَهِيَ دَرَجٌ. وَسُرُرٌ فِضَّةٌ. مُقْرِنِينَ: مُطِيقِينَ. آسَفُونَا: أَسْخَطُونَا. يَعِشُ: يَعْمَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ؟ وَمَضَى مِثْلُ الْأَوَّلِينَ: سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ. مُقْرِنِينَ: يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ. ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ. ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الْأَوْثَانُ، إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. فِي عَقِبِهِ: وَلَدَهُ. مُقْتَرِنِينَ: يَمْشُونَ مَعَا. سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَمَثَلًا: عِبْرَةً. يَصُدُّونَ: يَضِجُّونَ. مُبْرِمُونَ: مُجْمِعُونَ. أَوَّلُ الْعَابِدِينَ: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ، والْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ. وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. مَلَائِكَةً يَخْلُفُونَ: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم الزُّخْرُفِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قَوْلُهُ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ عَلَى إِمَامٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي
ذَرٍّ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَذَكَرَهُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ قَالَ: عَلَى مِلَّةٍ: وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ أَيْ عَلَى دِينٍ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا التَّفْسِيرُ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ وَقِيلِهِمْ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقِيلَهُ مَنْصُوبٌ فِي قَوْلِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَلَى نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَقِيلِهِ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ فِي مَوْضِعِ الْفِعْلِ، أَيْ وَيَقُولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا التَّفْسِيرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: وَنَسْمَعُ قِيلَهُ، فَحُذِفَ الْعَامِلَ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ: وَقِيلَهُ فَنَصَبَ تَجُوزُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَنَسْمَعُ قِيلَهُمْ؛ وَقَدِ ارْتَضَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وَالتَّقْدِيرُ وَنَسْمَعُ قِيلَهُ يَا رَبِّ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ ابْنُ التِّينِ وَإِلْزَامُهُ بَلْ يَصِحُّ وَالْقِرَاءَةُ وَقِيلَهُ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ ﴿وَقِيلِهِ﴾ بِالْجَرِّ عَلَى مَعْنَى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَعِلْمُ قِيلِهِ، قَالَ: وَهُمَا قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، وَسَيَأْتِي أَوَاخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ - فِي مَوْضِعِ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: الْمَعْنَى إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَقَالَ: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ وَفِيهِ أَيْضًا الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ مُقَطَّعًا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ كُفَّارًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قَالَ: كُفَّارًا يَمِيلُونَ إِلَى الدُّنْيَا. قَالَ: وَقَدْ مَالَتِ الدُّنْيَا بِأَكْثَرِ أَهْلِهَا وَمَا فُعِلَ، فَكَيْفَ لَوْ فُعِلَ.
قَوْلُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مُطِيقِينَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قَالَ: مُطِيقِينَ. وَهُوَ بِالْقَافِ. وَمِنْ طَرِيقٍ لِلسُّدِّيِّ مِثْلُهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ لَا فِي الْأَيْدِي وَلَا فِي الْقُوَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿آسَفُونَا﴾ أَسْخَطُونَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قَالَ: أَسْخَطُونَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولُ: ﴿آسَفُونَا﴾ أَغْضَبُونَا. وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِثْلُهُ وَأَوْرَدَهُ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيِّ عَامِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَعْشُ﴾ يَعْمَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبٍ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ قَالَ: يَعْمَى. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أَيْ: يُعْرِضْ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَنْ فَسَّرَ يَعْشُ بِمَعْنَى يَعْمَى فَقِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ: وَمَنْ يَعْشُ بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: تُظْلَمُ عَيْنُهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُعْرِضُ عَنْهُ، قَالَ: وَمَنْ قَرَأَ يَعْشَ بِفَتْحِ الشِّينِ أَرَادَ تَعْمَى عَيْنُهُ، قَالَ: وَلَا أَرَى الْقَوْلَ إِلَّا قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يُجِيزُ عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ أَعْرَضْتُ عَنْهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: تَعَاشَيْتُ عَنْ كَذَا تَغَافَلْتُ عَنْهُ وَمِثْلُهُ تَعَامَيْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَشِيَ إِذَا مَشَى بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ مِثْلُ عَرِجَ مَشَى مِشْيَةَ الْأَعْرَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ)؟ ! وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنْ نَصْفَحَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ قَالَ: سُنَّتُهُمْ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ: وَالْحَمِيرَ. وَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لَهُ، وَأَمَّا لَفْظُ مُقْرِنِينَ فَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الْجَوَارِي، يَقُولُ جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَى الْكَفَرَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ وَأَنْتُمْ تَمْقُتُونَ الْبَنَاتَ وَتَنْفِرُونَ مِنْهُنَّ حَتَّى بَالَغْتُمْ فِي ذَلِكَ فَوَأَدْتُمُوهُنَّ، فَكَيْفَ تُؤْثِرُونَ أَنْفُسَكُمْ بِأَعْلَى الْجُزْأَيْنِ وَتَدَّعُونَ لَهُ الْجُزْءَ الْأَدْنَى مَعَ أَنَّ صِفَةَ هَذَا الصِّنْفِ الَّذِي هُوَ الْبَنَاتُ أَنَّهَا تُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَالزِّينَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى نَقْصِ الْعَقْلِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْحُجَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قَالَ: الْبَنَاتُ ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ قَالَ: فَمَا تَكَلَّمَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَكَلَّمَ بِحُجَّةٍ لَهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْهَا. (تَنْبِيهٌ): قَرَأَ يَنْشَأُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا الْجُمْهُورُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُثَقَّلًا، وَالْجَحْدَرِيُّ مِثْلَهُ مُخَفَّفًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، يَعْنُونَ الْأَوْثَانَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الْأَوْثَانُ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ، مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قَالَ: الْأَوْثَانُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ مَا تَعْلَمُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ لِلْكُفَّارِ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَشِيئَةِ وَلَا بُرْهَانَ مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا يَقُولُونَهُ ظَنًّا وَحُسْبَانًا، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْأَوْثَانِ وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ وَنَفَى عَنْهُمْ عِلْمَ مَا يَصْنَعُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ وَلَدِهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ الْجِنْسُ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي عَقِبِهِ لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ ﷿.
قَوْلُهُ: ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ يَمْشُونَ مَعًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ يَمْشُونَ مَعًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: يَعْنِي مُتَتَابِعِينَ.
قَوْلُهُ: (سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ. سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ كُفَّارُهُمْ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلا﴾ عِبْرَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ يَضِجُّونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَمَنْ ضَمَّهَا فَمَعْنَاهُ يَعْدِلُونَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قَالَ: يَضِجُّونَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ:، أَخْبَرَنِي زِرُّ هُوَ ابْنُ حُبَيْشٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا يَصِدُّونَ يَعْنِي بِكَسْرِ الصَّادِ يَقُولُ: يَضِجُّونَ. قَالَ عَاصِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقْرَؤُهَا بِضَمِّ الصَّادِ، فَبِالْكَسْرِ مَعْنَاهُ يَضِجُّ وَبِالضَّمِّ مَعْنَاهُ يُعْرِضُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ الضَّمِّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ كَذَاكَ لَكَانَتْ عَنْهُ لَا مِنْهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْهُ أَيْ مِنْ أَجْلِهِ فَيَصِحُّ الضَّمُّ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قِرَاءَتَهُ يَصُدُّونَ بِالضَّمِّ.
قَوْلُهُ: ﴿مُبْرِمُونَ﴾ مُجْمِعُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ وَزَادَ إِنْ كَادُوا شَرًّا كِدْنَاهُمْ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ: بِاللَّهِ فَقُولُوا مَا شِئْتُمْ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ يَقُولُ: فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَكَفَرَ بِمَا تَقُولُونَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ قَالَ: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يعني: أنا لا أطلبُ منكم إلَّا هذا، وهذا في الحقيقةِ ليس أجرًا؛ لأنَّ حصول المودَّة بين المسلمين أمرٌ واجبٌ، وإذا كان كذلك فهو في حقِّ أشرفِ الخلقِ أولى، فقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ تقديره: والمودَّة في القربَى (١) ليست أجرًا، فرجعَ الحاصلُ إلى أنَّه لا أجر ألبتَّة.
٤٨١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ البصريُّ، أبو بكر بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهذليُّ البصريُّ المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضد الميمنة، الهلاليِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا) هو ابنُ كيسان اليمانيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ) فحمل الآية على أمرِ المخاطبين بأن يوادُّوا (٢) أقاربه ﷺ، وهو عامٌّ لجميع المكلفين (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) لسعيد: (عَجِلْتَ) بفتح العين وكسر الجيم وسكون اللام، أي: أسرعْتَ في تفسيرها (إِنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا (٣) مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ) فَحَمَلَ الآية على أن توادُّوا النَّبيَّ ﷺ من أجل القرابةِ الَّتي بينه وبينكُم، فهو خاصٌّ بقريشٍ، ويؤيدُه أنَّ السُّورة مكِّيَّة، وأمَّا حديث ابن عبَّاس أيضًا عند ابنِ أبي حاتمٍ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسولَ الله، من هؤلاءِ الَّذين أمرَ الله بمودَّتهم؟ قال: «فَاطِمة وولدُها ﵈». فقال ابنُ كثيرٍ: إسنادهُ ضعيف، فيه متَّهمٌ لا يُعرف إلَّا عن شيخٍ شيعيٍّ محترقٍ (٤)، وهو حسين
الأشقرُ، ولا يقبل خبرُه في هذا المحلِّ، والآية مكِّيَّة، ولم يكن إذ ذاك لفاطمةَ أولادٌ بالكلِّيَّةِ، فإنَّها لم تتزوَّج بعليٍّ إلَّا بعد بدرٍ من السَّنة الثَّانيةِ من الهجرةِ، وتفسيرُ الآيةِ بما فسَّر به حبر الأمَّة وترجمانُ القرآنِ ابن عبَّاس أحقُّ وأولى، ولا تنكرُ الوَصَاةُ (١) بأهلِ البيتِ واحترامِهم وإكرامِهم؛ إذ هم من الذُّرِّيَّة الطَّاهرةِ الَّتي هي أشرفُ بيت وجدَ على الأرضِ فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيَّما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة (٢) الصَّحيحة كما كان عليه سلفهم، كالعبَّاس وبنيهِ وعليٍّ وآلِ بيتهِ وذرِّيتهِ (٣) ﵃ أجمعين ونفعنَا بمحبَّتِهم.
(((٤٣))) (حم الزُّخْرُفِ) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] وآيُها تسع وثمانون، ولأبي ذرٍّ:
«سورة حم الزُّخرف»، وله ولابنِ عساكرَ: «بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت (١) لغيرِهما.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾) من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: (عَلَى إِمَامٍ) كذا فسَّره أبو عُبيدة، وعند عبد بن حميدٍ، عن مجاهد: على ملَّةٍ، وعن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبريِّ: على دينٍ.
(﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] تَفْسِيرُهُ: أَيَحْسِبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ) وهذا يقتضي الفصلَ بين المعطوفِ والمعطوف (٢) عليه بجملٍ كثيرةٍ، قال الزَّركشيُّ: فينبغي حملُ كلامهِ على أنَّه أرادَ تفسيرَ المعنى، ويكون التَّقدير: ويعلم قيلهُ، وهذا يردُّه ما حكاه (٣) السَّفاقسيُّ من إنكارِ بعضهم لهذا، وقال: إنَّما يصحُّ ذلك أن لو كانت التِّلاوةُ: وقيلِهِم. انتهى. وقيل: عطفٌ على مفعول ﴿يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] المحذوف، أي: يكتبونَ ذلك ويكتبونَ قيلَه كذا، أو على مفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] المحذوف، أي: يعلمون ذلك ويعلمونَ قيلَه، أو أنَّه مصدرٌ، أي: قال قيله، أو بإضمارِ فعلٍ، أي: الله يَعْلَمُ قيلَ رسولِ الله (٤) ﷺ شَاكيًا إلى ربِّه: يا رب. وقرأ عاصمٌ وحمزة بخفض اللَّام وكسر الهاء وصلتها بياء، عطفًا على ﴿السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أي: عندهُ علمُ قيلِه، والقولُ والقالُ والقيل بمعنى واحدٍ، جاءت المصادرُ على هذه الأوزانِ.
(وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٥) وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ من طريق عليِّ ابنِ أبي طلحةَ عنه في قولهِ: (﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣]) أي: (لَوْلَا أَنْ جَعَلَ) بلفظ الماضي، وللأَصيليِّ: «أن يجعل» بصيغة المضارع بالياء التَّحتية، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أن أجعل» (النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا؛ لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الكُفَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي:
«بيوت الكفَّار» (﴿سُقُفًا﴾) بفتح السين وسكون القاف، على إرادة الجنسِ، وهي قراءة أبي عمرو وابنِ كثيرٍ، ولأبي ذرٍّ: «﴿سُقُفًا﴾» [الزخرف: ٣٣] بضمهما على الجمع، وهي قراءة الباقين (﴿مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾) جمع: معرجٍ (مِنْ فِضَّةٍ، وَهْيَ دَرَجٌ، وَسُرُرُ (١) فِضَّةٍ) جمع: سَرير، وهل قوله: ﴿مِّن فَضَّةٍ﴾ يشملُ المعارجَ والسُّرر؟ وعن الحسنِ فيما رواه (٢) الطَّبريُّ من طريق عوف عنه قال: كفَّارًا يميلونَ إلى الدُّنيا. قال (٣): وقد مالَتِ الدُّنيا بأكثر أهلها وما فُعِل، فكيف لو فُعِل؟! وقال في «الأنوار»: لولا أن يرغبُوا في الكفرِ إذا رأوا الكفَّارَ في سعةٍ، وتنعُّمهم لحبِّهم الدُّنيا فيجتمعُوا عليه؛ لجعلنا.
(﴿مُقْرِنِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أي: (مُطِيقِينَ) من أقرنَ الشَّيء إذا أطاقهُ (٤)، ومعنى الآية: ليس عندنا من القوَّة والطَّاقة أن نقرنَ هذه الدَّابة والفلكَ أو (٥) نضبطها، فسبحان من سخَّر لنا هذا بقدرتهِ وحكمتهِ!
(﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]) أي: (أَسْخَطُونَا) قاله (٦) ابنُ عبَّاسٍ، فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وقيل: أغضبونَا بالإفراطِ في العنادِ والعصيانِ، وهذا من المتشابهات، فيؤوَّل بإرادةِ العقاب.
(﴿يَعْشُ﴾ [الزخرف: ٣٦]) بضم الشين. قال ابنُ عبَّاسٍ -فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ عن عكرمةَ، عنه-: أي: (يَعْمَى) لكن قال أبو عُبيدة: من قرأ بضم الشين فمعناه: أنَّه تُظْلم عينُهُ، ومن فتحها فمعناهُ: تَعْمى عينُهُ. وقال في «الأنوار»: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦] يتعامَى ويعرضُ عنه بفرطِ اشتغالهِ بالمحسوساتِ، وانهماكهِ في الشَّهوات، وقرئ: (يَعْشَ) بالفتح، أي: يَعمى، يقال: عشيَ إذا كان في بصرهِ آفةٌ، وعشَى إذا تعشَّى بلا آفةٍ، كعَرَج وعَرُج. انتهى.
وقولُ ابن المُنيِّرِ في «الانتصاف»: وفي الآيةِ نكتَتان: إحداهما: أنَّ النكرة في سياقِ الشَّرط تعمُّ، وفي ذلك اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختارُ العمومَ، وبعضُهم حملَ كلامهُ على العمومِ البدليِّ لا الاستغراقيِّ، فإن كان مرادهُ عموم الشُّمول فالآيةُ حجَّة له من وجهين؛ لأنَّه نكَّرَ الشَّيطانَ ولم يرد إلَّا الكلَّ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ له شيطان، فكيف بالعاشِي عن ذكرِ الله؟! والثَّاني: أنَّه أعادَ الضَّمير مجموعًا في قولهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف: ٣٧] ولولا عموم الشُّمول لما جازَ عود الضَّمير على واحدٍ.
تعقَّبه العلَّامة البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: في كلٍّ من الوجهينِ اللَّذين أبداهُما نظرٌ، أمَّا الأوَّل: فلا نسلِّم أنَّه أرادَ كلَّ شيطانٍ، بل المقصودُ أنَّه قُيِّض لكلِّ فردٍ من العاشينَ عن ذكر الله شيطانٌ واحدٌ لا كل شيطانٍ، وذلك واضحٌ. وأمَّا الثَّاني: فعود ضمير الجماعةِ على شيءٍ ليس بينه وبين العمومِ الشُّمولي تلازمٌ بوجهٍ، وعود الضَّمير في الآية بصيغةِ ضميرِ الجماعةِ إنَّما كان باعتبار تعدُّد الشَّياطينِ المفهومة ممَّا تقدَّم؛ إذ معناه على ما قرَّرناهُ: أنَّ كلَّ عاشٍ له شيطان، فبهذا الاعتبارِ جاء التَّعدد، فعاد الضَّمير كما يعودُ على الجماعةِ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا (١) وصلهُ الفِريابيُّ في قولهِ: (﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ [الزخرف: ٥] أَيْ: تُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ؟) وقال الكلبيُّ: أفنتركُكم سدًى لا نأمركُم ولا ننهاكُم؟
(﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]) أي: (سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا.
(﴿مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]) وللأَصيليِّ: «﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾» (يَعْنِي: الإِبِلَ وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ) وهو تفسيرٌ للمراد بالضَّمير في ﴿لَهُ﴾.
(﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨]) أي: (الجَوَارِي) اللَّاتي (٢) يَنْشَأْنَ في الزِّينةِ، أي: البنات
(جَعَلْتُمُوهُنَّ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «يقول: جعلتموهنَّ» (لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ) بذلك ولا ترضونه لأنفسكم؟
(﴿لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: ٢٠] يَعْنُونَ الأَوْثَانَ) وقال قتادةُ: يعنُون الملائكةَ، والمعنى: وإنَّما لم يعجِّل عقوبتَنا على عبادتِنا إيَّاهم لرضاهُ منَّا بعبادتِها (يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى) وللأَصيليِّ (١): «بقولِ اللهِ تعالى» بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «لقولِ الله ﷿»: (﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠]) أي: (الأَوْثَانُ؛ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) نزَّلَ الأوثانَ منزلةَ من يعقلُ، ونفى عنهم علمَ ما يصنعُ المشركونَ من عبادَتهم، وقيل: الضَّميرُ للكفَّارِ، أي: ليس لهم علمُ ما ذكروه من قولهم: إنَّ الله رضيَ عنَّا لعبادتِنا، وسقطَ للأَصيليِّ «إنَّهم».
(﴿فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]) أي: (وَلَدِهِ) فيكونُ منهم أبدًا من يوحِّد الله، ويدعو إلى توحيدِهِ.
(﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]) أي: (يَمْشُونَ مَعًا) قاله مجاهدٌ أيضًا.
(﴿سَلَفًا﴾) في قولهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] هم (قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ (٢) أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَمَثَلًا﴾) أي: (عِبْرَةً) لهم.
(﴿يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]) بكسر الصاد، أي: (يَضِجُّونَ) وقرأ نافع وابنُ عامرٍ والكِسائيُّ: بضم الصاد، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو الضَّجيج واللَّغطُ، وقيل: الضَّمُّ من الصُّدود، وهو الإعراضُ.
(﴿مُبْرِمُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] أي: (مُجْمِعُونَ)، وقيل: محكمونَ.
(﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]) أي: (أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ)، قاله (٣) مجاهدٌ أيضًا.
(﴿إِنَّنِي﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهدٍ: ﴿إِنَّنِي﴾ (﴿بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] العَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ البَرَاءُ) منك (٤) (وَالخَلَاءُ) منك (وَالوَاحِدُ وَالاِثْنَانِ
وَالجَمِيعُ مِنَ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ: بَرَاءٌ) بلفظ واحد (لأَنَّهُ مَصْدَرٌ) في الأصلِ، وقع موقعَ الصِّفةِ؛ وهي (١) بريءٌ (وَلَوْ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ولو قيل»: (بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الاِثْنَيْنِ: بَرِيئَانِ، وَفِي الجَمِيعِ: بَرِيئُونَ) وأهل نجدٍ يقولون: أنا بريءٌ، وهي بريئةٌ، ونحن براءٌ (وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ ((إِنَّنِي بَرِيءٌ) بِاليَاءِ) وصلهُ الفضلُ بنُ شاذانَ في «كتاب القراءة» عنه.
(وَالزُّخْرُفُ) في قولهِ: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ. وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٤ - ٣٥] هو (الذَّهَبُ) قاله قتادةَ، وفي قراءة عبد الله بن مسعودٍ: (أو يَكُون لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ).
(﴿مَّلَائِكَةً﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (﴿يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]) أي: (يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) قاله قتادة، فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق، وزاد في آخره: مكان ابن آدم، و «مِن» في قولهِ: ﴿مِنكُم﴾ بمعنى: بدل، أي: لجعلنا بدلكُم، أو تبعيضيَّة (٢)، أي: لولَّدْنا منكُم يا رجالُ ملائكةً في الأرضِ، يخلُفُونكُم كما تخلفُكُم أولادُكُم، كما وَلَّدْنا عيسى من أُنْثى دون ذكرٍ.
(١) (قَوْلُهُ (٣): ﴿وَنَادَوْا﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى (٤): ﴿وَنَادَوْا﴾ (﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾) لِيُمتنَا لنستريحَ (﴿قَالَ﴾) مالكٌ مجيبًا لهم بعد ألفِ سنةٍ، أو أربعين، أو مئة: (﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) مقيمونَ في العذابِ، لا خلاصَ لكم منه بموتٍ ولا بغيرهِ، وسقطَ قوله: «﴿قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾» لغير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ، وقال: «الآيةَ».